الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت﴾ الآية. أي؛ اذكر حين، واللام في «لإبراهيم» ثلاثة أوجه: أحدها: أنها للعلة، ويكون مفعول «بَوَّأْنا» محذوفاً، أي: بوأنا الناس لأجل إبراهيم مكان البيت، و «بَوَّأَ» جاء متعدياً صريحاً قال تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ} [يونس: 93] ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ [العنكبوت: 58] ، وقال الشاعر: 3758 - كَمْ صَاحِبٍ لِي صَالِحٍ ... بَوَّأْتُه بِيَدَيَّ لَحْدا والثاني: أنها مزيدة في المفعول به، وهو ضعيف لما تقرر أنها لا تزاد إلا بعد تقدم معمول أو كان العامل فرعاً. الثالث: أن تكون معدية للفعل على أنه مضمن معنى فعل يتعدى بها، أي؛ هيأنا له مكان البيت، كقولك: هيأت له بيتاً، فتكون اللام معدية قال معناه أبو البقاء. وقال الزمخشري: واذكر حين جعلنا لإبراهيم مكان البيت مباءة ففسر المعنى بأنه ضمن «بَوأْنا» معنى (جعلنا) ، ولا يريد تفسير الإعراب. وفي «مكان البيت» وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به. والثاني: قال أبو البقاء: أن يكون ظرفاً. وهو ممتنع من حيث إنه ظرف مختص فحقه أن يتعدى إليه ب (في) . فصل روي أن الكعبة الكريمة بنيت خمس مرات: أحدها: بناء الملائكة قبل آدم، وكانت من ياقوتة حمراء، ثم رفعت إلى السماء أيام الطوفان. والثانية: بناء إبراهيم - عليه السلام -. والثالثة: بناء قريش في الجاهلية، وقد حضر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هذا البناء. والرابعة: بناء ابن الزبير. والخامسة: بناء الحجاج وهو البناء الموجود اليوم. «وروى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال:» المسجد الحرام» . قال: ثم قلت: أي؟ قال: «المسجد الأقصى» . قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» والمسجد الأقصى أسسه يعقوب - عليه السلام - وروى عبد الله بن عمرو بن العاص قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «بعثَ اللَّهُ جبريلَ عليه السلام إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا ليَ بيتاً، فخطّ لهما جبريل فجعل آدمُ يحفر وحواء تنقل حتى أجابه الماء نودي من تحته: حسبك يا آدم. فلما بنياه أوحى الله تعالى إليه أن يطوف به، وقيل له أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه» روي عن عليّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم - عليه السلام - أن ابنِ لي بيتاً في الأرض، فضاق به زرعاً، فأرسل الله السكينة وهي ريح خجوج لها رأس، فاتبع أحدهما صاحبه حتى انتهت، ثم تطوقت في موضع البيت تطوُّق الحية، فبنى إبراهيم حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغني حجراً، فالتمس حجراً حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال لأبيه: من أين لك هذا؟ قال: جاء به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل من السماء فأتمه، قال: فمرّ عليه الدهر فانهدم، فبنته العمالقة، ثم انهدم فبنته جرهم، ثم انهدم فبنته قريش ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يومئذ رجل شاب فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، فكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أول من خرج، فقضى بينهم أن يجعلوه في مربط ثم ترفعه جميع القبائل كلهم، فرفعوه، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فوضعه، وكانوا يدعونه الأمين. قال موسى بن عقبة: كان بناء الكعبة قبل المبعث بخمس عشرة سنة. قال ابن إسحاق: كانت الكعبة على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثماني عشرة ذراعاً، وكانت تكسى القباطي ثم كسيت البرود، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف. وأما المسجد الحرام فأول من أخر بنيان البيوت من حول الكعبة عمر بن الخطاب اشتراها من أهلها وهدمها، فلما كان عثمان اشترى دوراً وزادها فيه، فلما وُلّي ابن الزبير أحكم بنيانه وأكثر أبوابه وحسن جدرانه، ولم يوسعه شيئاً آخر، فلما استوى الأمر إلى عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع جدرانه وأمر بالكعبة فكسيت الديباج، وتولى ذلك بأمره الحجاج. وروي أن الله تعالى لما أمر إبراهيم - عليه السلام - ببناء البيت لم يدر أين يبني فبعث الله تعالى ريحاً خجوجاً فكشفت ما حول البيت عن الأساس. وقال الكلبي: بعث الله سحابة بقدر البيت، فقامت بحيال البيت فيها رأس يتكلم وله لسان وعينان يا إبراهيم ابن على قدري وحيالي، فبنى عليه. قوله: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ﴾ في «أَنْ» هذه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها هي المفسرة. قال الزمخشري بعد أن ذكر هذا الوجه: فإن قلت: كيف يكون النهي عن الشرك، والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئِة. قلت: كانت التبوئة مقصودة من أجل العبادة، وكأنه قيل تعبدنا إبراهيم قلنا لا تشرك. يعني الزمخشري أن «أن» المفسرة لابد أن يتقدمها ما هو بمعنى القول لا حروفه ولم يتقدم إلا لتبوئة وليست بمعنى القول فضمنها معنى القول، ولا يريد بقوله: قلنا: لا تشرك. تفسير الإعراب بل تفسير المعنى، لأن المفسرة لا تفسر القول الصريح. الثاني: أنها المخففة من الثقيلة. قاله ابن عطية. وفيه نظر من حيث إن (أن) المخففة لا بد أن يتقدمها فعل تحقيق أو ترجيح كحالها إذا كانت مشددة. الثالث: أنها المصدرية التي تنصب المضارع، وهي توصل بالماضي والمضارع والأمر، والنهي كالأمر، وعلى هذا ف «أن» مجرورة بلام العلة مقدرة أي: بوأناه لئلا تشرك، وكان من حق اللفظ على هذا الوجه أن يكون «أن لا يشرك» بياء الغيبة، وقد قرئ بذلك، قاله أبو البقاء: وقوى ذلك قراءة من قرأة بالياء. يعني من تحت. ووجه قراءة العامة على هذا التخريج أن يكون من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. الرابع: أنها الناصبة ومجرورة بلام أيضاً، إلا أن اللام متعلقة بمحذوف، أي: فعلنا ذلك لئلا تشرك، فجعل النهي صلة لها، وقَوَّى ذلك قراءة الياء قاله أبو البقاء. والأصل عدم التقدير مع عدم الاحتياج إليه. وقرأ عكرمة وأبو نهيك ﴿أن لا يشرك﴾ بالياء. قال أبو حيان: على معنى أن يقول معنى القول الذي قيل له. وقال أبو حاتم: ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة بمعنى: لئلا يُشْرِكَ. قال شهاب الدين: كأنه لم يظهر له صلة (أَنْ) المصدرية بجملة النهي؛ فجعل (لاَ) نافية، وسلّط (أَنْ) على المضارع بعدها حتى صار علة للفعل قبله، وهذا غير لازم لما تقدم من وضوح المعنى مع جعلها ناهية. فصل وههنا سؤالات: الأول: إذا قلنا: أنّ (أَنْ) هي المفسرة: فكيف يكون النهي عن الشرك والأمر بتطهير البيت تفسيراً للتبوئة؟ والجواب: أنه سبحانه لما قال: جعلنا البيت مرجعاً لإبراهيم، فكأنه قيل: ما معنى كون البيت مرجعاً له، فأجيب عنه بأن معناه أن يكون بقلبه موحداً لرب البيت عن الشريك والنظير مشتغلاً بتنظيف البيت عن الأوثان والأصنام. السؤال الثاني: أن إبراهيم - عليه السلام - لما لم يشرك بالله فيكف قيل: ﴿لاَّ تُشْرِكْ بِي﴾ ؟ والجواب: المعنى: لا تجعل في العبادة لي شريكاً، ولا تشرك بي غرضاً آخر في بناء البيت. السؤال الثالث: أنَّ البيت ما كان معموراً قبل ذلك فكيف قال: «وَطَهِّرْ بَيتِي» . والجواب: لعل ذلك المكان كان صحراء فكانوا يرمون إليها الأقذار، فأمر إبراهيم ببناء ذلك البيت في ذلك المكان وتطهيره عن الأقذار، أو كانت معمورة وكانوا وضعوا فيها أصناماً، فأمره الله تعالى بتخريب ذلك البناء ووضع بناء جديد، فذلك هو التطهير عن الأوثان، أو يكون المراد أنك بعد أن تبنيه فطهره عما لا ينبغي من الشرك. وقوله: «لِلطَّائِفينَ» قال ابن عباس: للطائفين بالبيت من غير أهل مكة «والقائمين» أي: المقيمين فيها، «والرُّكَّع السُّجُود» أي: المصلين من الكل، وقيل: القائمون هم المصلون. قوله: ﴿وَأَذِّن فِي الناس بالحج﴾ . قرأ العامة بتشديد الذال بمعنى (ناد) . وقرأ الحسن وابن محيصن «آذن» بالمد والتخفيف بمعنى أعلم. ويبعده قوله: «فِي النّاس» إذ كان ينبغي أن يتعدى بنفسه. ونقل أبو الفتح عنهما أنهما قرءا بالقصر وتخفيف الذال، وخرجها أبو الفتح وصاحب اللوامح على أنها عطف على «بَوَّأْنَا» أي: واذكر إذ بوأنا وإذ أُذن في الناس، وهي تخريج وضاح. وزاد صاحب اللوامح فقال: فيصير في الكلام تقديم وتأخير ويصير «يأتوك» جزماً على جواب الأمر في «وَطهِّر» . وابن محصين «وآذن» بالمد: وتصحف هذا على ابن جنيّ فإنه حكى عنهما «وأَذِنَ» على أنه فعل ماض وأعرب على ذلك بأن جعله عطفاً على «بَوَّأْنَا» . قال شهاب الدين: ولم يتصحف عليه بل حكى هذه القراءة أبو الفضل الرازي في اللوامح له عنهما، وذكرها أيضاً ابن خالويه، ولكنه لم يطلع عليها، فنسب من اطّلع عليها للتصحيف، ولو تأنّى أصاب أو كاد. وقرأ ابن ابي إسحاق «بالحجِّ» بكسر الحاء حيث وقع كما تقدم. فصل قال أكثر المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال الله له: ﴿أذن في الناس بالحج﴾ ، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: عليك الأذان وعليَّ البلاغ فصعد إبراهيم الصفا، وفي رواية أبا قبيس، وفي رواية على المقام. فارتفع المقام حتى صار كأطول الجبال فأدخل أصبعيه في أذنيه، وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً وقال: يا أيها الناس ألا إن ربكم قد بنى بيتاً، وقد كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من يحج من أصلاب الآباء وأرحام الأمّهات لبيك اللهم لبيك. قال ابن عباس: فأول من أجابه أهلُ اليَمَن فهم أكثر الناس حجاً. وقال مجاهد: من أجاب مرّة حجّ مرّة ومن أجاب مرتين أو أكثر فيحج مرتين أو أكثر بذلك المقدار. قال ابن عباس: لما أمر الله إبراهيم بالأذان تواضعت له الجبال وخفضت وارتفعت له القرى. وقال الحسن وأكثر المعتزلة: إنّ المأمور بالأذان هو محمد - عليه السلام - واحتجوا بأن ما جاء في القرآن وأمكن حَمْله على أن محمداً هو المخاطب فهو أولى وقد بينا أن قوله: «وَإِذْ بَوَّأنَا» ، أي: واذكر يا محمد إذ بوأنا، فهو في حكم المذكور، فلما قال: «وَأَذِّنْ» فإليه يرجع الخطاب. قال الجبائي: أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن يفعل ذلك في حجة الوداع. قالوا: إنه ابتداء فرض الحج من الله تعالى للرسول، وفي قوله: «يَأْتُوكَ» دلالة على أن المراد أن يحج فيقتدى به. وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إِنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُم الحجَّ فحُجُّوا» . قوله: «رِجَالاً» نصب على الحال، وهو جمع راجل نحو: صاحب وصِحَاب، وتاجر وتجار، وقائم وقيام. وقرأ عكرمة والحسن وأبو مجلز «رُجَّالاً» بضم الراء وتشديد الجيم. وروي عنهم تخفيفها، وافقهم ابن أبي إسحاق على التخفيف، وجعفر بن محمد ومجاهد على التشديد، ورويت عن ابن عباس أيضاً. فالمخفف اسم جمع كظؤار، والمشدد جمع تكسير كصائم وصوام. وروي عن عكرمة أيضاً «رُجَالَى» كنُعَامى بألف التأنيث. وكذلك عن ابن عباس وعطاء إلا أنهما شددا الجيم. قوله: ﴿وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ نسق على «رجالاً» ، فيكون حالاً أي: مشاة وركباناً. والضمور: الهزال، ضَمَر يضْمُر ضُمُوراً، والمعنى أن الناقة صارت ضامرة لطول سفرها. قوله: «يأتين» . النون ضمير «كُلِّ ضَامِر» حملاً على المعنى، إذ المعنى: على ضوامر، ف «يَأْتِينَ» صفة ل «ضامر» ، وأتى بضمير الجمع حَملاً على المعنى، أي جماعة الإبل، وقد تقدم في أول الكتاب أن «كل إذا أضيفت إلى نكرة لم يراع معناها إلا في قليل، كقوله: 3759 - جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةٍ ... فَتَرَكْتُ كُلَّ حَديقَة كَالدِّرْهَمِ وهذه الآية ترده، فإن» كلّ «فيها مضافة لنكرة وقد روعي معناها، وكان بعضهم أجاب عن بيت زهير بأنه إنما جاز ذلك؛ لأنه في جملتين، قيل له: فهذه الآية جملة واحدة، لأن» يأتين «صفة ل» ضَامِر «. وجوَّز أبو حيان أن يكون الضمير يشمل» رجالاً «و» كل ضامر» قال: على معنى الجماعات والرفاق. قال شهاب الدين: فعلى هذا يجوز أن يقال عنده: الرجال يأتين، ولا ينفعه كونه اجتمع مع الرجال هنا «كل ضامر» ، فيقال جاز ذلك لما اجتمع معه ما يجوز فيه ذلك إذ يلزم منه تغليب غير العاقل على العاقل وهو ممنوع. وقال البغوي: وإنما جمع» يَأْتِين «لمكان» كُلّ «وأراد النوق. وقرأ ابن مسعود والضحاك وابن أبي عبلة» يَأْتون «تغليباً للعقلاء الذكور. وعلى هذا فيحتمل أن يكون قوله: ﴿على كل ضامر﴾ حالاً أيضاً، ويكون» يأتون «مستأنفاً متعلق به من كل فج أي يأتونك رجالاً وركباناً ثم قال: ﴿يأتون من كل فج﴾ وأن يتعلق بقوله» يأتون «أي يأتون على كل ضامر من كل فجّ، و» يأتون «مستأنف أيضاً، فلا يجوز أن يكون صفة ل» رجالاً «ول» ضامر «لاختلاف الموصوف في الإعراب؛ لأن أحدهما منصوب والآخر مجرور، ولو قلت: رأيت زيداً ومررت بعمرو العاقلين. على النعت لم يجز بل على القطع. وقد جوَّز ذلك الزمخشري فقال: وقرئ» يَأْتُون «صفة للرجال والركبان وهو مردود بما ذكرنا. والفج: الطريق بين الجبلين، ثم يستعمل في سائر الطرق اتساعاً. والعميق: البعيد سفلاً، يقال: بئر عميقة معيقة، فيجوز أن يكون مقلوباً إلا أنه أقل من الأول، قال: 3760 - إِذَا الخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَةٍ ... يَمُدُّ بِهَا فِي السَّيْرِ أَشْعَثُ شَاحِبُ وقرأ ابن مسعود:» مَعِيقٌ» ويقال: عمق وعمق بكسر العين وضمها عمقاً بفتح الفاء قال الليث: عميق (ومعيق، والعميق في الطريق أكثر. وقال الفراء: عميق لغة الحجاز) ومعيق لغة تميم وأعمقت البئر وأمعقتها وعَمُقَت ومَعُقَت عماقة ومعاقة وإعماقاً وإمعاقاً قال رؤبة: 3761 - وَقَاتِمِ الأَعْمَاقِ خَاوِي المُخْتَرقْ ... الأعماق هنا بفتح الهمزة جمع عُمْق وعلى هذا فلا قلب في معيق، لأنها لغة مستقلة، وهو ظاهر قول الليث أيضاً، ويؤيده قراءة ابن مسعود بتقديم الميم، ويقال: غميق بالغين المعجمة أيضاً. فصل بدأ الله بذكر المشاة تشريفاً لهم، وروى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟ قال: الحسنة بمائة ألف حسنة» . وإنما قال تعالى: «يَأْتُوكَ رِجَالاً» ؛ لأنه هو المنادي فمن أتى مكة حاجّاً فكأنه أتى إبراهيم - عليه السلام -، لأنه يجيب نداءه. قوله: «لِيَشْهَدُوا» يجوز في هذه اللام وجهان: أحدهما: أن تتعلق ب «أَذِّنْ» ، أي: أذن ليشهدوا. والثاني: أنها متعلقة ب «يَأْتُوكَ» . وهو الأظهر. قال الزمخشري: ونكر «مَنَافِعَ» لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات. قل سعيد بن المسيب ومحمد بن علي الباقر: المنافع: هي العفو والمغفرة وقال سعيد بن جبير: التجارة، وهي رواية ابن زيد. وعن ابن عباس قال: الأسواق. وقال مجاهد: التجارة وما يرضى الله به من أمر الدنيا والآخرة. ﴿وَيَذْكُرُواْ اسم الله في أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾ قال الأكثرون: هي عشر ذي الحجة قيل لها «مَعْلُومَات» للحرص على علمها بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها. والمعدودات: أيام التشريق. وروي عن علي: أنها يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وهو اختيار الزجاج. لأن الذكر على «بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ» يدل على التسمية على نحرها. والنحر للهدايا إنما يكون في هذه الأيام. وروى عطاء عن ابن عباس: أنها يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وقيل: عبر عن الذبح والنحر بذكر اسم الله؛ لأن المسلمين لا ينفكون عن ذكر اسم الله إذا نحروا. ثم قال: ﴿على مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ الأنعام﴾ يعني الهدايا والضحايا تكون من النعم، وهي الإبل والبقرة والغنم. قال الزمخشري: البهيمة المبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم. قوله: «فَكُلُوا مِنْهَا» . قيل: هذا أمر وجوب، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئاً تَرَفُّقاً على الفقراء. وقيل: هذا أمر إباحة. واتفق العلماء على أن الهدي إذا كان تطوعاً كان للمُهْدِي أن يأكل منه، وكذلك أضحية التطوع؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أمر أن يؤخذ من كل جزور بضعه، فطبخت، وأكل لحمها، وحسي من مرقها، وكان هذا تطوعاً. واختلفوا في الهدي الواجب في النذور والكفارات والجبرانات للنقصان مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة ودم التقليم والحلق، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد. فقال الشافعي وأحمد: لا يأكل منه. وقال ابن عمر: لا يأكل من جزاء الصيد والنذور، ويأكل مما سواهما. وقال مالك: يأكل من هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه إلا من فدية الأذى وجزاء الصيد والمنذور. وعند أصحاب الرأي: يأكل من دم التمتع والقران ولا يأكل من واجب سواهما. قوله: ﴿وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير﴾ . يعني الزمن الفقير الذي لا شيء له. قال ابن عباس: البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه، والفقير الذي لا يكون كذلك فتكون ثيابه نقية ووجهه وجه غني. والبؤس شدة الفقر. قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ . العامة على كسر اللام، وهي لام الأمر. وقرأ نافع والكوفيون والبزي بسكونها، إجراء للمنفصل مجرى المتصل نحو كتف، وهو نظير تسكين هاء (هو) بعد (ثُمَّ) في قراءة الكسائي وقالون حيث أجريت (ثُمَّ) مجرى الواو والفاء والتَّفَث: قيل أصله من التف. وهو وسخ الأظفار قلبت الفاء ثاء كمعثور في معفور. وقيل: هو الوسخ والقذر يقال: ما تفثك. وحكى قطرب: تفث الرجل، أي: كثر وسخه في سفره. قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التّفَث إلا من التفسير. وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها. وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ﴾ ، فقال: ما أفسر القرآن، ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك، أي: أوسخك وما أدرنك. ثم قال القفال: وهذا أولى من قول الزجاج لأن القول قول المثبت لا قول النافي. والمراد بالتفث هنا: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار والشعث والحاج أشعث أغبر، والمراد قص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة. والمراد بالقضاء إزالة ذلك، والمراد به الخروج من الإحرام بالحلق وقص الشارب والتنظيف ولبس الثياب. وقال ابن عمر وابن عباس: قضاء التفث مناسك الحج كلها. وقال مجاهد: هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار. وقيل: التفث هنا رمي الجمار. وقيل: معنى «لِيَقْضُوا تَفَثَهُم» ليصنعوا ما يصنعه المحرم من إزالة شعر وشعث ونحوهما عند حله، وفي ضمن هذا قضاء جميع المناسك إذ لا يفعل هذا إلا بعد فعل المناسك كلها. قوله: «وَليُوفُوا» . قرأ أبو بكر «وَليُوفُّوا» بالتشديد، والباقون بالتخفيف. وتقدّم في البقرة أن فيه ثلاث لغات وَفّى، وَوفَى، وأَوْفَى. وقرأ ابن ذكوان: «ولِيوفوا» بكسر اللام، والباقون بسكونها. وهذا الخلاف جار في قوله «وَلِيَطَّوَّفُوا» . والمراد بالوفاء ما أوجبه بالنذر، وقيل: ما أوجبه الدخول في الحج من المناسك. قال مجاهد: أراد نذر الحج والهدي، وما ينذره الإنسان من شيء يكون في الحج. وقيل: المراد الوفاء بالنذر مطلقاً وقوله: «وَلِيَطَّوَّفُوا» المراد الطواف الواجب، وهو طواف الإفاضة يوم النحر بعد الرمي والحلق وسمي البيت العتيق قال الحسن: القديم لأنه أول بيت وضع للناس. وقال ابن عباس وابن الزبير: لأنه أُعْتِقَ من الجبابرة، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله، ولما قصده أبرهة فُعِل به ما فعل. فإن قيل: قد تسلَّط الحجاج عليه؟
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.