الباحث القرآني

وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن الضمير الأول في «أنه» يعود على «كُلَّ شَيْطَانٍ» وفي «فأنه» يعود على «من» الذي هو المتولى. فصل قيل: معنى «كُتِبَ عَلَيْه» مثل، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه لظهور ذلك في حاله. وقيل: كتب عليه في أم الكتاب. واعلم أن هذا الكلام يحتمل أن يكون راجعاً إلى «مَنْ يُجَادِلُ» ، وأن يرجع إلى الشياطين. فإن رجع إلى «مَنْ يُجَادِلُ» فإنه يرجع إلى لفظه الذي هو موحد فكأنه قال: كتب: من يتبع الشيطان أضله عن الجنة وهداه إلى النار، وذلك زجر منه، فكأنه قال: كتب على من هذا حاله أن يصير أهلاً لهذا الوعد. وإن رجع إلى الشيطان كان المعنى ويتبع كل شيطان مريد قد كتب عليه أنه من يتولاه فهو ضال. وعلى هذا الوجه أيضاً يكون زجراً عن اتباعه. قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث﴾ الآية. لما حكى عنهم الجدال بغير علم في إثبات الحشر والنشر، وذمَّهم عليه، ألزمهم الحجة، وأورد الدلالة على صحة ذلك من وجهين: أحدهما: الاستدلال بخلقة الحيوان أولاً، ثم بخلقة النبات ثانياً، وهذا موافق لما أجمله في قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] . فكأنه تعالى قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: 51] أي شك من البعث ففكروا في خلقتكم الأولى لتعلموا أن القادر على خلقكم أولاً قادر على خلقكم ثانياً. قوله: «مِنَ البَعْثِ» . يجوز أن يتعلق ب «رَيْبٍ» ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل «ريب» . وقرأ الحسن «البَعَثِ» بفتح العين، وهي لغة كالطَّرَدِ والحَلَبِ في الطَّرْد والحَلْب بالسكون. قال أبو حيان: والكوفيون إسكان العين عندهم تخفيف فيما وسطه حرف حلق كالنَّهْر والنَّهَر، والشَّعْر والشَّعَر، والبصريون لا يقيمونه، وما ورد من ذلك هو عندهم مما جاء فيه لغتان. وهذا يوهم ظاهره أن الأصل: البعث - بالفتح - وإنما خفف، وليس الأمر كذلك وإنما محل النزاع إذا سمع الحلقي مفتوح العين هل يجوز تسكينه أم لا؟ لا أنه كلما جاء ساكن العين من ألحقها يدعي أن أصلها بالفتح كما هو ظاهر عبارته. قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ أي: خلقنا أصلكم وهو آدم من تراب نظيره قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] وقوله: «مِنْهَا خَلَقْنَاكُم» . ويحتمل أن خلقة الإنسان من المني ودم الطمث وهما إنما يتولدان من الأغذية، والأغذية إما حيوان أو نبات وغذاء الحيوان ينتهي إلى النبات قطعاً للتسلسل والنبات إنما يتولد من الأرض والماء فصحّ قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ . فصل قال النووي في التهذيب: التراب معروف؛ والمشهور الصحيح الذي قاله الفراء والمحققون أنه جنس لا يثنى ولا يجمع. ونقل أبو عمر الزاهد في شرح الفصيح عن المبرد أنه قال: هو جمع واحدته ترابة، والنسبة إلى التراب ترابي. وذكر النحاس في كتابه صناعة الكتاب: في التراب خمس عشرة لغة فقال يقال: تراب وتَوْرب على وزن جعفر، وتَوْرَاب، وتَيْرب - بفتح أولهما - والإِثلب والأَثلَب الأول بكسر الهمزة واللام، والثاني بفتحهما، والثاء مثلثة فيهما ومنه قولهم: بفيه الأثلب، وهو الكَثْكَث - بفتح الكافين وبالثاء المثلثة المكررة، والكثكث - بكسر الكافين - والدِّقعِم - بكسر الدال والعين - والدَّقعاء بفتح الدال والمد، والرَّغام - بفتح الراء والغين المعجمة - ومنه: أرغم الله أنفه، أي: ألصقه بالرغام وهو البرا مقصور مفتوح الباء الموحدة كالعصا، والكِلْخِم بكسر الكاف والخاء المعجمة وإسكان اللام بينهما، والكِلْخ بكسر الكاف واللام وإسكان الميم بينهما والخاء أيضاً معجمة، والعِثْير بكسر العين المهملة وإسكان الثاء المثلثة وبعدها مثناة من تحت مفتوحة. قوله: ﴿ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ والنطفة اسم للماء القليل، أي ماء كان، وهو هنا ماء الفحل، وجمعها نطاف، فكأنه سبحانه يقول: أنا الذي قلبت ذاك التراب اليابس ماء لطيفاً مع أنه لا مناسبة بينهما. والمراد من الخلق من النطفة الذرية. قوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ والعلقة قطعة الدم الجامدة، وجمعها عَلَق ولا شك أن بين الماء وبين الدم الجامد مباينة شديدة. وعن بعضهم وقد سئل عن أصعب الأشياء فقال: وقع الزلق على العلق، أي: على دم القتلى في المعركة. قوله: ﴿ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ﴾ المُضْغَة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ نحو الغُرْفَة، والأكْلَة بمعنى المغروفة والمأكولة. قوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ العامة على الجر في «مُخَلَّقةٍ» وفي «غَيْر» على النعت. وقرأ ابن أبي عبلة بنصبهما على الحال من النكرة، وهو قليل جداً، وإن كان سيبويه قاسه. والمُخَلَّقَة: الملساء التي لا عيب فيها من قولهم: صخرة خلقاء، أي: ملساء وخَلَّقْتُ السواك: سوَّيْتُه ومَلَّسْتُه. وقيل: التضعيف في «مُخَلَّقَةَ» دلالة على تكثير الخلق؛ لأن الإنسان ذو أعضاء متباينة وخلق متفاوتة. قاله الشعبي وقتادة وأبو العالية وقال ابن عباس وقتادة: «مُخَلَّقة» تامة الخلق، و «غير مخلقة» أي ناقصة الخلق. وأبو مجاهد: مصورة وغير مصورة، وهو السقط. وقيل: المُخَلَّقَة من تمت فيه أحوال الخلق، وغير المخلقة من لم يتم فيه أحوال الخلق قاله قتادة والضحاك. وقيل: المُخَلَّقة الولد الذي تأتي به المرأة لوقته، وغير المخلقة السقط. وروى علقمة عن ابن مسعود قال: «إن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، وقال: أي رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال: غير مخلقة قذفها في الرحم دماً ولم يكن نسمة، وإن قال: مخلقة، قال الملك: أي رب أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد، ما الأجل ما العمل ما الرزق وبأي أرض تموت؟ فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها كل ذلك، فيذهب فيجدها في أم الكتاب فينسخها فلا يزال معه حتى يأتي على آخر صفته» . قوله: «لِنُبَيِّنَ لَكُم» أي: لنبين لكم كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريف أطوار خلقكم لتسدلّوا بقدرته في ابتداء الخلق على قدرته على الإعادة وقيل: لنبين لكم أن تغيير الصفة والخلقة هو اختيار من الفاعل المختار، ولولاه لما صار بعضه مخلقاً وبعضه غير مخلق وقيل: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون وما تحتاجون إليه في العبادة. قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ﴾ على رفع «وَنُقِرُّ» ، لأنه مستأنف، وليس علة لما قبله فينصب نسقاً على ما تقدم. وقرأ يعقوب، وعاصم في رواية بنصبه. قال أبو البقاء: على أن يكون معطوفاً في اللفظ والمعنى مختلف، لأن اللام في «لِنُبَيِّنَ» للتعليل واللام المقدرة مع «نُقِرُّ» للصيرورة. وفيه نظر، لأن قوله: معطوفاً في اللفظ. يدفعه قوله: واللام المقدرة. فإن تقدير اللام يقتضي النصب بإضمار (إن) بعدها لا بالعطف على ما قبله. وعن عاصم أيضاً: «ثُمَّ نُخْرِجَكُمْ» بنصب الجيم. وقرأ ابن أبي عبلة «لِيُبَيِّن» و «يُقِرُّ» بالياء من تحت فيهما، والفاعل هو الله تعالى كما في قراءة النون. وقرأ يعقوب في رواية «ونَقُرُّ» بفتح النون وضم القاف ورفع الراء من قرَّ الماء يقرُّه أي: صبَّه. وقرأ أبو زيد النحوي «ويَقر» بفتح الياء من تحت وكسر القاف ونصب الراء أي: ويقر الله وهو من قَرَّ الماء إذا صبه. وفي الكامل لابن جبارة «لنبين، ونقر، ثم نخرجكم» بالنصب فيهن يعني بالنون في الجميع، المفضل بالياء فيهما مع النصب أبو حاتم، وبالياء والرفع عن عمر بن شبة. انتهى. وقال الزمخشري: والقراءة بالرفع إخبار بأنه تعالى: يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره. ثم قال: والقراءة بالنصب تعليل معطوف على تعليل ومعناه: جعلناكم مدرجين هذا التدريج لغرضين: أحدهما: أن نبين قدرتنا. والثاني: أن نقر في الأرحام من نقر حتى يولدوا وينشئوا ويبغلوا حد التكليف فأكلفهم، ويعضد هذه القراءة قوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ . قال شهاب الدين: تسميته مثل هذه الأفعال المسندة إلى الله تعالى غرضاً لا يجوز. وقرأ ابن وثاب «نِشَاء» بكسر النون وهو كسر حرف المضارعة كما تقدم في قوله: «نسْتَعِينُ» . والمراد بالأجل المسمى يعني نقر في الأرحام ما نشاء فلا نمحه ولا نسقطه إلى أجل مسمى وهو حد الولادة، وهو آخر ستة أشهر أو تسعة أشهر أو أربع سنين كما شاء وقدر تام الخلق والمدة. قوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ أي: تخرجون من بطون أمهاتكم، «طِفْلاً» حال من مفعول «نُخْرِجُكُم» ، وإنما وحِّدَ، لأنه في الأصل مصدر كالرضا والعدل، فيلزم الإفراد والتذكير، قاله المبرد، وإما لأنه مراد به الجنس، ولأنه العرب تذكر الجمع باسم الواحد قال تعالى: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4] وإما لأن المعنى نخرج كل واحد منكم، نحو: القوم يشبعهم رغيف، أي: كل واحد منهم. وقد يطابق به ما يراد به فيقال: طفلان وأطفال، وفي الحديث: «سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ المُشْرِكِينَ» . والطفل يطلق على الولد من حين الانفصال إلى البلوغ. وأما الطفل - بالفتح - فهو الناعم، والمرأة طفلة، قال: 3746 - وَلَقَدْ لَهَوْتُ بِطَفْلَةٍ ميَّالةٍ ... بَلْهَاءَ تُطْلِعُنِي عَلَى أَسْرَارِهَا وقال: 3747 - أَحْبَبْتُ فِي الطَّفْلَةِ القُبَلاَ ... لاَ كَثِيراً يُشْبِه الحولا أما الطَّفَل: بفتح الفاء والطاء - فوقت (ما بعد العصر، من قولهم: طفلت الشمس: إذا مالت للغروب، وأطفلت المرأة أي صارت ذات طفل) . قوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ الأَشُدُّ: كمال القوة والعقل، وهو من ألفاظ الجموع التي لا واحد لها، فبنيت لذلك على لفظ الجمع، والمعنى: أنه سهل في تربيتكم وأغذيتكم أموراً كثيراً إلى بلوغ أشدكم، فنبه بذلك على الأحوال التي بين خروج الطفل من بطن أمه وبين بلوغ الأشد، لأن بين الحالتين وسائط. قوله: ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى﴾ العامة على ضم الياء من «يُتَوَفَّى» وقرأت فرقة «يَتَوفَّى» بفتح الياء، وفيه تخريجان: أحدهما: أن الفاعل ضمير الباري تعالى، أي: يتوفاه الله تعالى. كذا قدره الزمخشري. الثاني: أن الفاعل ضمير «من» أي: يتوفى أجله وهذه القراءة كالتي في البقرة ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ [البقرة: 234] أي: مدتهم. ومعنى الآية: ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى﴾ على قوته وكماله، ﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ وهو الهرم والخوف فيصير كما كان في أوان الطفولية ضعيف البنية سخيف العقل قليل الفهم. وروي عن أبي عمرو ونافع أنهما قرآ «العُمْر» بسكون الميم وهو تخفيف قياسي نحو عُنْق في عُنُق. قوله: «لِكَيْلاَ يَعْلَم» هذا الجار يتعلق ب «يرد» وتقدم نظيره في النحل والمعنى يبلغ من السن ما يغير عقله فلا يعقل شيئاً. فإن قيل: إنه يعلم بعض الأشياء كالطفل فالجواب: المراد أنه يزول عقله فيصير كأنه لا يعلم شيئاً. لأن مثل ذلك قد يذكر في النفي مبالغة. ومن الناس من قال هذه الحال لا تحصل للمؤمنين لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ [التين: 5 - 6] وهو ضعيف، لأن معنى قوله «ثُمَّ رَدَدْنَاهُ» دلالة على الذم، فالمراد ما يجري مجرى العقوبة، ولذلك قال ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6] وهذا تمامِ الاستدلال بخلقة الحيوان. وأما الاستدلال بخلقة النبات فهو قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾ فنصب «هَامِدَةً» على الحال، لأن الرؤية بصرية. والهمود: الخشوع والسكون، وهمدت الأرض: يبست ودرست، وهمد الثوب: بلي، قال الأعشى: 3748 - فَالَتْ قُتَيْلَة مَا لجِسْمِكَ شَاحِباً ... وَأَرَى ثِيَابَكَ بَاليَاتٍ هُمَّدَا والاهتزاز التحرك، وتجوز به هنا عن إنبات الأرض نباتها بالماء. والجمهور على «رَبَتْ» أي: زادت من ربا يربو. وقرأ أبو جعفر وعبد الله بن جعفر وأبو عمرو في رواية «وربأت» بالهمز أي ارتفعت. يقال: ربأ بنفسه عن كذا، أي: ارتفع عنه، ومنه الربيئة، وهو من يطلع على موضع عال لينظر للقوم ما يأتيهم، وهو عين القوم، ويقال له: ربيء أيضاً قال الشاعر: 3749 - بَعَثْنَا رَبيْئاً قَبْلَ ذَلِكَ مُخْملا ... كَذِئْبِ الغَضَا يَمْشِي الضّراءَ وَيَتَّقِي قوله: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ . فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة للمفعول المحذوف، تقديره: وأنبتت ألواناً أو أزواجاً من كل زوج. والثاني: أن (من) زائدة، أي أنبتت كل زوج، وهذا ماش عند الكوفيين والأخفش والبهيج: الحسن الذي يسر ناظره، وقد بَهُج بالضم بهاجة وبَهْجَةً أي حسن وأبهجني كذا أي: سرني بحسنه. فصل المعنى: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾ يابسة لا نبات فيها، ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء﴾ المطر «اهْتَزَّت» تحركت بالنبات، والاهتزاز الحركة على سرور، ورَبَتْ أي: ارتفعت وزادت، وذلك أن الأرض ترتفع وتنتفخ، فذلك تحركها. وقيل: فيه تقديم وتأخير معناه: ربت واهتزت. قال المبرد: أراد اهتزت وربا نباتها فحذف المضاف. والاهتزاز في النبات أظهر يقال: اهتز النبات، أي: طال، وإنما أنث لذكر الأرض. ﴿وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ وهذا مجاز لأن الأرض لا تنبت وإنما المنبت هو الله تعالى، لكنه يضاف إليها توسعاً. ومعنى من كل نوع من أنواع النبات والبهجة: حسن الشيء ونضارته، ثم إنه تعالى لما قرر هذين الدليلين رتب عليهما ما هو المطلوب وذلك قوله تعالى ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾ الآية. «ذلك» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مبتدأ والخبر الجار بعده، والمشار إليه ما تقدم من خلق بني آدم وتطويرهم، والتقدير: ذلك الذي ذكرنا من خلق بني آدم وتطويرهم حاصل بأن الله هو الحق وأنه إلى آخره. الثاني: أن «ذلك» خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك. الثالث: أن «ذلك» منصوب بفعل مقدر، أي: فعلنا ذلك بسبب أن الله تعالى هو الحق فالباء على الأول مرفوعة المحل، وعلى الثاني والثالث منصوبة. قوله: ﴿وأن الساعة آتية﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على المجرور بالباء، أي: ذلك بأن الساعة. والثاني: أنه ليس معطوفاً عليه، ولا داخلاً في حيز السببية، وإنما هو خبر والمبتدأ محذوف لفهم المعنى، والتقدير: والأمر أن الساعة آتية و ﴿لاَّ رَيْبَ فِيهَا﴾ يحتمل أن تكون هذه الجملة خبراً ثانياً، وأن تكون حالاً. فصل المعنى: ذلك لتعلموا أن الله هو الحق، والحق هو الموجود الثابت فكأنه تعالى بَيَّن أن هذه الوجوه المتنافية وتواردها على الأجسام يدل على وجود الصانع. ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِي الموتى﴾ وهذا تنبيه على أنه لما لم يستبعد من الإله إيجاد هذه الأشياء، فكيف يستبعد منه إعادة الأموات. ﴿وَأَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: وأن الذي يصح منه إيجاد هذه الأشياء لا بد وأن يجب اتصافه بهذه القدرة لذاته، ومن كان كذلك كان قادراً على الإعادة. ﴿وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور﴾ والمعنى: أنه تعالى لما أقام الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه سبحانه قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادراً على الإعادة وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه، فلا بد من القطع بوقوعه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.