الباحث القرآني

قوله: «والَّذِينَ هَاجَرُوا» مبتدأ، وقوله: «لَيَرْزُقَنَّهُم» جواب قسم مقدر، والجملة القسمية وجوابها خبر قوله: «والَّذِينَ هَاجَرُوا» . وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبراً للمبتدأ. ومن يمنع يضمر قولاً هو الخبر يحكي به هذه الجملة القسمية. وهو قول مرجوح. قوله: «رِزْقاً» يجوز أن تكون مفعولاً ثانياً على أنه من باب الرعي والذبح أي: مرزوقاً حسناً. وأن يكون مصدراً مؤكداً. وقوله: «ثُمَّ قُتِلُوا» وقوله: «مُدْخَلاً» تقدم الخلاف في القراءة بهما في آل عمران وفي النساء. فصل لما ذكر أن المُلْكَ له يوم القيامة، وأنه يَحكم بينهم، ويُدخل المؤمنين الجنات أتبعه بذكر الوعد الكريم للمهاجرين، وأفردهم بالذكر تفخيماً لشأنهم فقال: «وَالَّذِينَ هَاجَرُوا» فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله، وطلب رضاه ﴿ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ﴾ وهم كذلك قال مجاهد: نزلت في طوائف خرجوا من مكة إلى المدينة للهجرة فتبعهم المشركون فقاتلوهم وظاهر الآية العموم. ثم قال: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً﴾ والرزق الحسن هو الذي لا ينقطع أبداً وهو نعيم الجنة. وقال الأصم: إنه العلم والفهم لقول شعيب - عليه السلام - ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ [هود: 88] . (وقال الكلبي: «رِزْقاً حَسَناً» ) أي حلالاً وهو الغنيمة. وهذان الوجهان ضعيفان لأنه تعالى جعله جزاء على هجرتهم في سبيل الله بعد القتل والموت، وبعدهما لا يكون إلا نعيم الآخرة. ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ معلوم بأن كل الرزق من عنده. فقيل: إن التفاوت إنما كان بسبب أنه تعالى مختص بأن يرزق بما لا يقدر عليه غيره. وقيل: المراد أنه الأصل في الرزق، وغيره إنما يرزق بما تقدم من الرزق من جهة الله. وقيل: إن غيره ينقل من يده إلى يد غيره لا أنه يفعل نفس الرزق. وقيل: إن غيره إذا رزق فإنما يرزق لانتفاعه به، إما لأجل خروجه عن الواجب أو لأجل أن يستحق به حمداً أو ثناء، أو لأجل الرقّة الجنسية، أما الحق سبحانه فإن كماله صفة ذاتية له فلا يستفيد من شيء كمالاً زائداً، فالرزق الصادر منه لمحض الإحسان. وقيل: إن غيره إنما يرزق إذا حصل في قلبه إرادة ذلك الفعل، وتلك الإرادة من الله، فالرازق في الحقيقة هو الله. فصل قالت المعتزلة: الآية تدل على أمور ثلاثة: الأول: أن غير الله قادر. الثاني: أن غير الله يصح أن يرزق ويملك، ولولا كونه قادراً فاعلاً لما صح ذلك. الثالث: أن الرزق لا يكون إلا حلالاً، لأن قوله: «خَيْرُ الرَّازِقِيْن» يدل على كونهم ممدوحين. والجواب: لا نزاع في كون العبد قادراً، فإن القدرة مع الداعي مؤثرة في الفعل بمعنى الاستلزام. والثالث بحث لفظي تقدم الكلام فيه. فصل دل قوله: ﴿ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ﴾ على أن حال المقتول في الجهاد والميت على فراشه سواء، لأنه تعالى جمع بينهما في الوعد، ويؤيده ما روى أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «المَقْتُولُ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ والمُتَوَفَّى فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ قَتْلٍ هُمَا فِي الأَجْرِ شَريكَان» ولفظ الشركة مشعر بالتسوية وإلا فلا يبقى لتخصيصها بالذكر فائدة. قوله: «لَيُدْخِلَنَّهُمْ» هذه الجملة يجوز أن تكون بدلاً من «لَيَرْزُقَنَّهُم» وأن تكون مستأنفة. وقوله: «مُدْخَلاً يَرْضَوْنَه» قال ابن عباس: إنما قال: «يَرْضَوْنَه» لأنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ف «يَرْضَوْنَ» وقوله: ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] وقوله: ﴿ارجعي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28] ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72] . ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ عليم بما يستحقونه فيفعله بهم ويزيدهم، أو عليم بما يرضونه فيعطيهم ذلك في الجنة، وأما الحليم فلا يعجل بالعقوبة على من يقدم على المعصية، بل يمهل لتقع منه التوبة فيستحق الجنة. قوله تعالى: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ﴾ «ذَلِكَ» خبر مبتدأ مضمر أي: الأمر ذلك وما بعده مستأنف. والباء في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ للسببية في الموضعين قاله أبو البقاء والذي يظهر أن الأولى يشبه أن تكون للآلة. «وَمَنْ عَاقَبَ» مبتدأ خبره «لَيَنْصُرَنَّه اللَّهُ» . فصل المعنى: الأمر ذلك الذي قصصناه عليك ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي قاتل من كان يقاتله، ثم كان المقاتل مبغياً عليه بأن اضطر إلى الهجرة ومفارقة الوطن وابتُدِئ بالقتال. قال مقاتل: نزلت في قوم من قريش أتوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، وكره المسلمون قتالهم، وسألوهم أن يكفوا عن القتال من أجل الشهر الحرام، فأبوا وقاتلوهم فذلك بغيهم عليهم، وثبت المسلمون لهم فنُصِروا، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام. فأنزل الله هذه الآية، وعفا عنهم وغفر لهم. والعقاب الأول بمعنى الجزاء، وأطلق اسم العقوبة على الأول للتعلق الذي بينه وبين الثاني كقوله تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] ﴿يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] . وهذه النُّصْرة تقوي تأويل من تأول الآية على مجاهدة الكفار لا على القصاص لأن ظاهر النص لا يليق إلا بذلك. وقال الضحاك: هذه الآية في القصاص والجراحات لأنها مدنية. قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه: من حَرَّق حَرَّقْنَاه، ومن غَرَّق غَرَّقْنَاه لهذا الآية، فإن الله تعالى جوَّز للمظلوم أن يعاقب بمثل ما عوقب به ووعده النصر. وقال أبو حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى: بل يقتل بالسيف. فإن قيل: كيف تعلق الآية بما قبلها؟ فالجواب: كأنه تعالى قال: مع إكرامي لهم في الآخرة بهذا الوعد لا أدع نصرتهم في الدنيا على من بغى عليهم. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي إن الله ندب المعاقبين إلى العفو عن الجاني بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [الشورى: 40] ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: 237] {وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور} [الشورى: 43] فلما لم يأت بهذا المندوب فهو نوع إساءة فكأنه تعالى قال: إني عفوت عن هذه الإساءة وغفرتها. وقيل: إنه تعالى وإن ضمن له النصر على الباغي لكنه عرض مع ذلك بما هو أولى وهو العفو والمغفرة، فلوَّح بذكر هاتين الصفتين. وفيه وجه آخر وهو أنه تعالى دل بذكر العفو والمغفرة على أنه قادر على العقوبة لأنه لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده. قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار﴾ وفيه وجهان: الأول: أي: ذلك النصر بسبب أنه قادر، ومن قدرته كونه خالقاً لليل والنهار ومتصرفاً فيهما، فوجب أن يكون قادراً عالماً بما يجري فيهما، وإذا كان كذلك كان قادراً على النصر. الثاني: المراد أنه مع ذلك النصر ينعم في الدنيا بما يفعله من تعاقب الليل والنهار وولوج أحدهما في الآخر. ومعنى إيلاج أحدهما في الآخر أنه يحصل ظلمة هذا في ضياء ذلك بغيبوبة الشمس وضياء ذلك في ظلمة هذا بطلوعها كما يضيء البيت بالسراج ويظلم بفقده. وقيل هو أن يزيد في أحدهما ما ينقص من الآخر من الساعات. و «ذَلَكَ» مبتدأ و «بأَنَّ اللَّهَ» خبره، ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي: أنه كما يقدر على ما لا يقدر عليه غيره، فكذلك يدرك المسموع والمبصر، ولا يجوز المنع عليه، وذلك كالتحذير من الإقدام على ما لا يجوز في المسموع والمبصر. قوله: ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾ الآية. قرأ العامة «وأن ما» عطفاً على الأول. والحسن بكسرها استئنافاً. وقوله: «هُوَ الحَقّ» يجوز أن يكون فصلاً ومبتدأ. وجوَّز أبو البقاء أن يكون توكيداً. وهو غلط لأن المضمر لا يؤكد المظهر، ولكان صيغة النصب أولى به من الرفع فيقال: إياه، لأن المتبوع منصوب. وقرأ الأخوان وحفص وأبو عمرو هنا وفي لقمان «يَدْعُونَ» بالياء من تحت. والباقون بالتاء من فوق، والفعل مبني للفاعل وقرأ مجاهد واليماني بالياء من تحت مبنياً للمفعول. والواو التي هي ضمير تعود على معنى «ما» والمراد بها الأصنام أو الشياطين، ومعنى الآية: أن ذلك الوصف الذي تقدم من القدرة على هذه الأمور لأجل أن الله هو الحق، أي: هو الموجود الواجب لذاته الذي يمتنع عليه التغيير والزوال وأن ما يفعل من عبادته هو الحق وما يفعل من عبادة غيره فهو الباطل كقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدنيا وَلاَ فِي الآخرة﴾ [غافر: 43] . ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير﴾ العلي القاهر المقتدر نبه بذلك على أنه القادر على الضر والنفع دون سائر من يعبد مرغباً بذلك في عبادته زاجراً عن عبادة غيره، وأما الكبير فهو العظيم في قدرته وسلطانه، وذلك يفيد كمال القدرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.