الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ الآية لما دل على قدرته بما تقدم أتبعه بأنواع أُخَر من الدلائل على قدرته ونعمته فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ﴾ وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن المراد الرؤية الحقيقية، لأن الماء النازل من السماء يرى بالعين، واخضرار النبات على الأرض مرئي، فحمل الكلام على حقيقته أولى. والثاني: المراد ألم تخبر على سبيل الاستفهام. الثالث: المراد ألم تعلم. قال ابن الخطيب: والأول ضعيف، لأن الماء وإن كان مرئياً إلا أن كون الله منزلاً له من السماء غير مرئي، وإذا ثبت هذا وجب حمله على العلم، لأن المقصود من تلك الرؤية هو العلم، لأن الرؤية إذا لم يقترن بها العلم كانت كأنها لم تحصل. قوله: «فتصبح» فيه قولان: أحدهما: أنه مضارع لفظاً ماض معنى تقديره: فأصبحت، قاله أبو البقاء، ثم قال بعد أن عطفه على «أَنْزَل» : فلا موضع له إذاً. وهو كلام ضعيف، لأن عطفه على «أنزل» يقتضي أن يكون له محل من الإعراب وهو الرفع خبراً ل «أن» . لكنه لا يجوز لعدم الربط. الثاني: أنه على بابه، ورفعه على الاستئناف. قال أبو البقاء: فهي، أي: القصة، و «تُصْبِح» الخبر. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ، بل هذه جملة فعلية مستأنفة لا سيما وقَدَّر المبتدأ ضمير القصة ثم حذفه، وهو لا يجوز، لأنه لا يؤتى بضمير القصة إلا للتأكيد والتعظيم والحذف ينافيه. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: فأصبحت، ولم صرف إلى لفظ المضارع. قلت: لنكتة فيه، وهي إفادة بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان كما تقول: أنعَمَ عليَّ فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكراً له، ولو قلت: فَرِحْتُ وغَدَوْتُ لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جواباً بالاستفهام. قلت: لو نصب لأعطى عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر. إن نصبته فأنت ناف لشكره شاك تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله. وقال ابن عطية: قوله: «فَتُصْبِِحُ» بمنزلة قوله: فتضحى أو تصير، عبارة عن استعجالها أثر نزول الماء واستمرارها كذلك عادة، ووقع قوله: «فتُصْبحُ» من حيث الآية خبر، والفاء عاطفة وليست بجواب، لأن كونها جواباً لقوله: «أَلَمْ تَر» فاسد المعنى. قال أبو حيان: ولم يبين هو ولا الزمخشري قبله كيف يكون النصب نافياً للاخضرار، ولا كون المعنى فاسداً. قال سيبويه: وسألته - يعني الخليل - عن ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾ فقال: هذا واجب وتنبيه، كأنك قلت: أتسمع أنزل الله من السماء ماء فكان كذا وكذا. قال ابن خروف: وقوله: هذا واجب. وقوله: فكان كذا. يريد أنهما ماضيان وفسر الكلام ب «أتسمع» . (ليريك أنه لا يتصل بالاستفهام) لضعف حكم الاستفهام فيه. وقال بعض شراح الكتاب: «فتُصْبِحُ» لا يمكن نصبه، لأن الكلام واجب، ألا ترى أن المعنى أن الله أنزل فالأرض هذه حالها. وقال الفراء: «ألَمْ تَر» خبر، كما تقول في الكلام: اعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا. ويقول: إنما امتنع النصب جواباً للاستفهام هنا، لأن النفي إذا دخل عليه الاستفهام، وإن كان يقتضي تقريراً في بعض الكلام، هو معامل معاملة النفي المحض في الجواب، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: 172] وكذلك الجواب بالفاء إذا أجبت النفي كان على معنيين في كل منهما ينتفي الجواب. فإذا قلت: ما تأتينا فتحدثنا. بالنصب، فالمعنى ما تأتينا محدثاً، وإنما تأتينا ولا تُحَدَِّث، ويجوز أن يكون المعنى أنك لا تأتي فكيف تحدث، فالحديث منتف في الحالتين، والتقرير بأداة الاستفهام كالنفي المحض في الجواب يثبت ما دخلته الهمزة وينفي الجواب، فيلزم من هذا التقدير إثبات الرؤية وانتفاء الاخضرار، وهو خلاف المقصود. وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد منه مع الاستفهام السابق شرط وجزاء كقوله: 3775 - أَلَمْ تَسْأَلْ فَتُخْبِركَ الرُّسُومُ ... يتقدر: إن تسأل تخبرك الرسوم، وهنا لا يتقدر: إن تر إنزال المطر تصبح الأرض مخضرة، لأن اخضرارِها ليس مترتباً على علمك أو رؤيتك إنما هو مترتب على الإنزال. وإنما عبر بالمضارع، لأن فيه تصوير الهيئة التي الأرض عليها والحالة التي لابست الأرض، والماضي يفيد انقطاع الشيء، وهذا كقول جحدر بن معاوية يصف حاله مع أسد نازله في قصة جرت له مع الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي أبيات فمنها: 3776 - يَسْمُو بِنَاظِرَتَيْنِ تَحْسَبُ فِيْهمَا ... لَما أَجَالَهُمَا شُعَاعَ سِرَاجِ لَما نَزَلْتَ بِحصْنٍ أَزْبَرَ مِهْصَرٍ ... لِلْقِرْنِ أَرْوَاح العِدَا مَحَّاجِ فَأَكِرُّ أَحْمِلُ وَهو يُقْعِي باسْتِه ... فَإِذَا يَعُوْدُ فَرَاجِعٌ أَدْرَاجِ وَعَلِمْتُ أَنِّي إِنْ أَبَيْتُ نِزَالَهُ ... أَنِّيْ مِنَ الحَجَّاجِ لَسْتُ بَنَاجِ فقوله: فأَكِرُّ تصوير للحالة التي لابسها. قال شهاب الدين: أما قوله: وأيضاً فإن جواب الاستفهام ينعقد مع الاستفهام. إلى قوله: إنما هو مترتب على الإنزال. منتزع من كلام أبي البقاء. قال أبو البقاء: إنما رفع الفعل هنا وإن كان قبله استفهام لأمرين: أحدهما: أنه استفهام بمعنى الخبر، أي قدر رأيت فلا يكون له جواب. والثاني: أن ما بعد الفاء ينصب إذا كان المستفهم عنه سبباً له، ورؤيته لإنزال الماء لا يوجب اخضرار الأرض، وإنما يجب على الماء. وأما قوله: وإنما عبر بالمضارع. فهو معنى كلام الزمخشري بعينه، وإنما غير عبارته وأوسعها. وقوله: «فَتُصْبح» استدل به بعضهم على أن الفاء لا تقتضي التعقيب، قال: لأن اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة. وأجيب عن ذلك بما نقله عكرمة من أن أرض مكة وتهامة على ما ذكروا أنها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، فالفاء على بابها. قال ابن عطية: شاهدت هذا في السوس الأقصى نزل المطر ليلاً بعد قحط فأصبحت تلك الأرض الرملة التي نسفتها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف. وقيل: تراها كل شيء بحسبه، وقيل: ثم جُمَلٌ محذوفة قبل الفاء تقديره: فتهتز وتربو وتنبت، بيّن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ﴾ [الحج: 5] وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام كقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق أَفْتِنَا﴾ [يوسف: 45 - 46] إلى آخر القصة. و «تُصْبِحُ» يجوز أن تكون الناقصة وأن تكون التامة «مُخَضَرَّة» حال قاله أبو البقاء. وفيه بعد عن المعنى إذ يصير التقدير فتدخل الأرض في وقت الصباح على هذه الحال. ويجوز فيها أيضاً أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بهذا الزمن الخاص، وإنما خص هذا الوقت لأن الخضرة والبساتين أبهج ما ترى فيه ويجوز أن تكون بمعنى تصير. وقرأ العامة «مُخضَرَّة» بضم الميم وتشديد الراء اسم فاعل من اخْضَرَّت فهي مُخْضَرَّة، والأصل مُخْضَررَة بكسر الراء الأولى فأدغمت في مثلها. وقرأ بعضهم «مَخْضَرَة» بفتح الميم وتخفيف الراء بزنة مَبْقَلة ومَسْبعة. والمعنى: ذات خضروات وذات سِبَاع وذات بَقْل. ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ أي: أنه رحيم بعباده ولرحمته فعل ذلك حتى عظم انتفاعهم به، لأن الأرض إذا أصبحت مخضرة، والسماء إذا أمطرت كان ذلك سبباً لعيش الحيوان أجمع. ومعنى «خَبِير» أي؛ عالم بمقادير مصالحهم فيفعل على قدر ذلك من غير زيادة ولا نقصان. وقال ابن عباس: «لطيفٌ» بأرزاق عباده «خبير» بما في قلوبهم من القنوط. وقال الكلبي: «لطيف» في أفعاله «خبير» بأعمال خلقه. وقال مقاتل: «لطيف» باستخراج النبت «خبير» بكيفية خلقه. ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ عبيداً وملكاً، وهو غني عن كل شيء لأنه كامل لذاته، ولكنه لما خلق الحيوان فلا بد في الحكمة من مطر ونبات فخلق هذه الأشياء رحمة للحيوانات وإنعاماً عليهم لا لحاجة به إلى ذلك، وإذا كان كذلك كان إنعامه خالياً عن غرض عائد إليه، فكان مستحقاً للحمد، فكأنه قال: إنه لكونه غنياً لم يفعل ما فعله إلا للإحسان، ومن كان كذلك كان مستحقاً للحمد فوجب أن يكون حميداً، فلهذا قال: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني الحميد﴾ . قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض﴾ أي ذلل لكم ما فيها فلا أصلب من الحجر، ولا أشد من الحديد، ولا أكثر هيبة من النار، وقد سخرها لكم، وسخر الحيوانات أيضاً حتى ينتفع بها للأكل والركوب والحمل. قوله: «والفُلْكَ» العامة على نصب «الفُلْكَ» وفيه وجهان: أحدهما: أنها عطف على ﴿مَّا فِي الأرض﴾ أي سخر لكم ما في الأرض وسخر لكم الفلك، وأفردها بالذكر وإن اندرجت بطريق العموم تحت «ما» في قوله ﴿مَّا فِي الأرض﴾ لظهور الامتنان بها، ولعجيب تسخيرها دون سائر المسخرات، و «تَجْرِي» على هذا حال. والثاني: أنها عطف على الجلالة، وتقديره: أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْر، ف «تجري» خبر على هذا. وضم لام «الفُلْك» هنا الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءة ابن مقسم، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع «والفُلْك» على الابتداء، و «تَجْرِي» بعده الخبر. ويجوز أن يكون ارتفاعه عطفاً على محل اسم «إن» عند من يجيز ذلك نحو إن زيداً وعمرو قائمان، وعلى هذا ف «تجري» حال أيضاً والباء في «بأمره» للسببية. فصل وكيفية تسخيره الفلك هو من حيث سخر الماء والرياحُ تجريها، فلولا صفتها على ما هما عليه لما جرت بل كانت تغوص أو تقف فنبه تعالى على نعمته بذلك، وبأن خلق ما تُعْمَل منه السفن، وبأن بين كيف تعمل، وقال: «بأَمْرِه» لما كان تعالى هو المجري لها بالرياح نسب ذلك إلى أمره توسعاً، لأن ذلك يفيد (تعظيمه بأكثر مما يفيد) لو أضافه إلى فعله على عادة الملوك في مثل هذه اللفظة. قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السمآء أَن تَقَعَ﴾ (في «أَنْ تَقَعَ» ) ثلاثة أوجه: أحدها: أنها في محل نصب أو جر لأنها على حذف حرف الجر تقديره من أن تقع. الثاني: أنها في محل نصب فقط لأنها بدل من «السماء» بدل اشتمال أي ويمسك وقوعها بمنعه. الثالث: أنها في محل نصب على المفعول من أجله، فالبصريون يقدرون كراهة أن تقع، والكوفيون لئلا تقع. قوله: «إِلاَّ بإِذْنِه» في هذا الجار وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَقَع» أي: إلا بإذنه فتقع. والثاني: أنه متعلق ب «يمسك» . قال ابن عطية: ويحتمل أن يعود قوله: «إلا بإذنه» على الإمساك، لأن الكلام يقتضي بغير عمد ونحوه، كأنه أراد إلا بإذنه فيه نمسكها. قال أبو حيان: ولو كان على ما قال لكان التركيب بإذنه دون أداة الاستثناء ويكون التقدير: ويمسك السماء بإذنه. قال شهاب الدين: فهذا الاستثناء مفرغ، ولا يقع في موجب، لكنه لما كان الكلام قبله في قوة النفي ساغ ذلك إذ التقدير: لا يتركها تقع إلا بإذنه، والذي يظهر أن هذه الباء حالية، أي: إلا ملتبسة بأمره. ثم قال: ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي أن المنعم بهذه النعم الجامعة لمنافع الدنيا والدين قد بلغ الغاية في الإحسان والإنعام، فهو إذاً رؤوف رحيم قوله: ﴿وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ﴾ أنشأكم ولم تكونوا شيئاً «ثُمَّ يُميتُكُمْ» عند انقضاء آجالكم «ثُمَّ يُحْييْكُمْ» يوم القيامة للثواب والعقاب ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ﴾ لنعم الله عزَّ وجلَّ، وهذا كما يعدد المرء نعمه على ولده ثم يقول: إن الولد لكفور لنعم الوالد زجراً له عن الكفران، وبعثاً له على الشكر، فلذلك أورد تعالى ذلك في الكفار، فبين أنهم دفعوا هذه النعم وكفروا بها وجهلوا خالقها مع وضوح أمرها ونظيره قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشكور﴾ [سبأ: 13] . قال ابن عباس: الإنسان هنا هو الكافر، وقال في رواية: هو الأسود بن عبد الأسد وأبو جهل والعاص وأبي بن خلف. والأولى أنه في كل المنكرين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.