الباحث القرآني

مكية وهي مائة وثمان عشرة آية، وألف مائتان وأربعون كلمة، وعدد حروفها أربعة آلاف وثمانمائة وحرفان. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ الآيات العشر، روى ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يقول: «كان إذا نزل على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الوحي يسمع عند وجهه كَدَوِيّ النحل فَمَكَثْنَا ساعة، وفي رواية: فنزل عليه يوماً فمكثنا ساعة، فَاسْتَقْبَلَ القبلة فرفع يديه، وقال:» اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تَنْقِصْنَا، وأكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وآثِرْنَا وَلاَ تُؤْثِرْ عَلَيْنَا وَارْضَ عَنَّا» ثم قال: «لَقَدْ أُنْزِلَ علينا عشر آيات مَنْ أَقَامَهُنَّ دخل الجنة» ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون﴾ عشر آيات» ورواه الإمام أحمد، وعلي بن المديني، وجماعة عن عبد الرزاق وقالوا: «وَأعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا وارْضَ عَنَّا» . قوله: «قَدْ» هنا للتوقع، قال الزمخشري: «قد» نقيضة «لَمَّا» قد تثبت المتوقع ولما تنفيه، ولا شك أنّ المؤمنين كانوا متوقعين لهذه البشارة، وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه. وقال البغوي: قد حرف تأكيد. وقال المحققون: قد يقرب الماضي من الحال يدل على أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال. وهو أبلغ من تجريد ذلك الفعل. والعامة على «أَفْلَحَ» مفتوح الهمزة والحاء فعلاً ماضياً مبنياً للفاعل، وورش على قاعدته من نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها وحذفها. وعن حمزة في الوقف خلاف، فروي عنه كورش وكالجماعة. وقال أبو البقاء: من أَلْقَى حركة الهمزة على الدال وحذفها فعلّته أنَّ الهمزة بعد حذف حركتها صُيِّرت ألفاً، ثم حذفت لسكونها (وسكون الدال قبلها في الأصل ولا يُعْتَدُّ بحركة الدال لأنها عارضة. وفي كلامه نظر من وجهين: أحدهما: أنَّ اللغة الفصيحة في النقل حذف الهمزة من الأصل فيقولون: المَرَة والكَمَة في المَرْأة والكَمْأَة، واللغة الضعيفة فيه إبقاؤها وتدبيرها بحركة ما قبلها، فيقولون: المَرَاة والكَمَاة بمدة بدل الهمزة ك (رَاس وفَاس) فيمن خففها، فقوله: صُيّرت ألفاً. ارتكاب لأضعف اللغتين. الثاني: أنه وإن سُلم أنها صُيّرت ألفاً فلا نُسلّم أنَّ حذفها) لسكونها وسكون الدال في الأصل بعد حذفها لساكن محقق في اللفظ، وهو الفاء من «أَفْلَحَ» ، ومتى وجد سبب ظاهر أُحيل الحكم عليه دون السبب المقدر. وقرأ طلحة بن مُصرّف وعمرو بن عبيد «أُفلح» مبنياً للمفعول، أي: دخلوا في الفلاح فيحتمل أن يكون من أَفْلَح متعدياً، يقال: أفلحه، أي: أصاره إلى الفلاح، فيكون «أَفْلَحَ» مستعملاً لازماً ومتعدياً. وقرأ طلحة أيضاً: «أَفْلَحُ» بفتح الهمزة واللام وضم الحاء، وتخريجها على أنّ الأصل أفلحوا المؤمنون، بإلحاق علامة جمع قبل الفاعل كلغة: أكلوني البراغيثُ، فيجيء فيها ما تقدم في قوله: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: 3] . قال عيسى: سمعتُ طلحة يقرؤها فقلتُ له: أتلحن؟ قال: نعم كما لحن أصحابي، يعني أني اتّبعتهم فيما قَرَأْتُ به، فإن لَحِنُوا على سبيل فَرْض المحالِ، فأنا لاَحِنٌ تبعاً لهم. وهذا يدل على شدة اعتناء القدماء بالنقل وضبطه خلافاً لمن يُغلّط الرواة. وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة. قال شهاب الدين: ولا أدري كيف يُردُّونها مع ثبوت مثلها في القرآن بإجماع، وهما الآيتان المتقدمتان. وقال الزمخشري: وعنه أي: عن طلحة - «أَفْلَحُ» بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: 3780 - فَلَوْ أَنَّ الأَطِّبَّا كَانُ حَوْلِي ... وفيه نظر من حيث إن الواو لا تثبت في مثل هذا درجاً، لئلا يلتقي ساكنان فالحذف هنا لا بدّ منه، فكيف يقول اجتزأ بها عنها. وأما تنظيره بالبيت فليس بمطابق، لأنّ حذفها من الآية ضروري ومن البيت ضرورة، وهذه الواو لا يظهر لفظها في الدرج بل يظهر في الوقف وفي الخط. وقد اختلف النقلة لقراءة طلحة هل يثبت للواو صورة؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي اللوامح: وحذفت الواو بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: 24] . قال شهاب الدين: ومثله « سَندْعُ الزَّبَانِيَةَ» «لَصَالُ الجَحِيم» . قال المفسرون: والفلاح: النجاة والبقاء. قال ابن عباس: قد سعد المصدقون بالتوحيد وبقوا في الجنة. وتقدم الكلام في الإيمان في البقرة. قوله: ﴿الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الجار متعلق بما بعده، وقُدّم للاهتمام به، وحسنه كون متعلقه فاصلة، وكذا فيما بعده من أخواته، وأضيف الصلاة إليهم، لأنهم هم المنتفعون بها، والمُصلى له غَنِيٌّ عنها، فلذلك أضيفت إليهم دونه. فصل اختلفوا في الخشوع فمنهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات ومنهم من جمع بين الأمرين، وهو الأولى. قال ابن عباس: مخبتون أذلاء. وقال الحسن وقتادة: خائفون. وقال مقاتل: متواضعون. وقال مجاهد: هو غض البصر وخفض الصوت، والخشوع قريب من الخضوع إلا أنّ الخضوع في البدن، والخشوع في القلب والبصر والصوت قال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن﴾ [طه: 108] . وعن عليّ: هو أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وقال سعيد بن جبير: هو أن لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره. وقال عطاء: هو أن تعبث بشيء من جسدك، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أبصر رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال: «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه» وقال ابن الخطيب: وهو عندنا واجب، ويدل عليه أمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24] . والتدبير لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وقوله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القرآن تَرْتِيلاً﴾ [المزمل: 4] أي: قفوا على عجائبه ومعانيه. وثانيها: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصلاة لذكريا﴾ [طه: 14] وظاهر الأمر للوجوب، والغفلة تضاد الذكر، فمن غفل في جميع صلاته كيف يكون مقيماً للصلاة لذكره. وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَكُنْ مِّنَ الغافلين﴾ [الأعراف: 205] وظاهره للتحريم، وقوله: ﴿حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43] تعليل لنهي السكران، وهو مطرد في الغافل المستغرق في الدنيا. ورابعها: قوله - عليه الصلاة - «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً» وصلاة الغافل لا تمنع من الفحشاء، قال عليه السلام: «كم من قائم حظّه من قيامه التعب والنصب» وما أراد به ألا الغافل، وقال أيضاً: «ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل» ، وقالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ من صلاة العبد» وعن أبي ذر عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «لا يزال الله - عزَّ وجلَّ - مُقْبِلاً على العبد ما كان في صلاته ما لم يلتفت فإذا التفت أعرض عنه» وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأنّ اشتراط الخضوع والخشوع خلاف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه. وأُجيب بأن هذا الإجماع ممنوع، لأن المتكلمين اتفقوا على أنه لا بُدّ من الخضوع والخشوع، واحتجوا بأن السجود لله تعالى طاعة، وللصنم كفر، وكل واحد منهما يماثل الآخر في ذاته ولوازمه، فلا بُدّ من أمر لأجله يصير السجود في إحدى الصورتين طاعة، وفي الأخرى معصية، قالوا: وما ذاك إلا القصد والإرادة، والمراد من القصد: إيقاع تلك الأفعال لداعية الامتثال، وهذه الداعية لا يمكن حصولها إلا عند الحضور. قوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: عن الشرك. وقال الحسن: عن المعاصي. وقال الزجاج: كل باطل، ولهو وما لا يجمل من القول والفعل. وقيل: هو معارضة الكفار بالشتم والسب، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾ [الفرقان: 72] أي: إذا سمعوا الكلام القبيح أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. واعلم أن اللغو قد يكون كفراً كقوله تعالى: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: 26] ، وقد يكون كذباً لقوله تعالى: ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ [الغاشية: 11] ، وقوله: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ [الواقعة: 25] . ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه بوصفهم بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. قوله: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ اللام في قوله: «لِلزَّكَاةِ» مزيدة في المفعول لتقدمه على عامله، ولكونه فرعاً. والزكاة في الأصل مصدر، ويطلق على القدر المُخْرَج من الأعيان، وقال الزمخشري: اسم مشترك بين عين ومعنًى، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب، والمعنى فعل المزكي، وهو الذي أراده الله فجعل المزكين فاعلين له، ولا يسوغ فيه غيره، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عنه بالفعل، ويقال لمحدثه فاعل، تقول للضارب: فاعل الضرب، وللقاتل: فاعل القتل، وللمزكي: فاعل التزكية، وعلى هذا الكلام كله، والتحقيق في هذا أنك تقول في جميع الحوادث: (من فعل هذا) فيقال لك: فاعله الله أو بعض الخلق، ولم يمتنع الزكاة الدالة على العين أن يتعلق بها (فاعلون) لخروجها من صحة أن يتناولها الفاعل، ولكن لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وقد أنشدوا لأمية بن أبي الصلت: 3781 - المطعمُون الطَّعام في السنة ال ... أَزْمة والفاعلون للزكوات ويجوز أن يراد بالزكاة العين، ويقدر مضاف محذوف، وهو الأداء، وحمل البيت على هذا أصح، لأنها فيه مجموعة. قال شهاب الدين: إنما أحوج أبا القاسم إلى هذا أن بعضهم زعم أنه يتعين أنْ يكون الزكاة هنا المصدر؛ لأنه لو أراد العين لقال: مؤدون ولم يقل: فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنع ذلك لعدم صحة تناول فاعلون لها بل لأنّ الخلق ليسوا بفاعليها، وإنما جعل الزكوات في بيت أمية أعياناً لجمعها، لأنّ المصدر لا يجمع، وناقشه أبو حيان وقال: يجوز أن يكون مصدراً وإنما جمع لاختلاف أنواعه. وقال أبو مسلم: إنّ فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي، كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى﴾ [الأعلى: 14] ، وقوله: ﴿فَلاَ تزكوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم: 32] ومن جملتهم ما يخرج من حق المال، وإنما سمي بذلك؛ لأنها تطهر من الذنوب، لقوله تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] . وقال الأكثرون: المراد بها هنا: الحق الواجب في الأموال خاصة؛ لأنّ هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى. فإنْ قيل: إن الله تعالى لم يفصل بين الصلاة والزكاة فَلِمَ فصل هنا بينهما بقوله: ﴿والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ﴾ ؟ فالجواب: لأنّ ترك اللغو من متمات الصلاة. قوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ الفرج اسم يجمع سوأة الرجل والمرأة، وحفظ الفرج التعفف عن الحرام. قوله: ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنه متعلق ب «حَافِظُونَ» على التضمين معنى ممسكين أو قاصرين وكلاهما يتعدى بعلى قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: 37] . الثاني: أنّ «عَلَى» بمعنى «مِنْ» أي: إلا من أزواجهم كما جاءت «مِنْ» بمعنى « عَلَى» في قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم﴾ [الأنبياء: 77] وإليه ذهب الفراء. الثالث: أنْ يكون في موضع نصب على الحال، قال الزمخشري: إلاَّ وَالِينَ على أزواجهم أو قوّامين عليهنّ من قولك: كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان، ونظيره: كان زياد على البصرة أي: والياً عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمّ سميت المرأة فراشاً. الرابع: أنْ يتعلق بمحذوف يدل عليه «غَيْرُ مَلُومِينَ» قال الزمخشري: كأنه قيل: يلامون إلا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه. قال شهاب الدين: وإنما لم يجعله متعلقاً ب «مَلُومِينَ» لوجهين: أحدهما: أن ما بعد «إِنَّ» لا يعمل فيما قبلها. الثاني: أن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف. الخامس: أن يجعل صلة لحافظين، قال الزمخشري: من قولك: احفظ عليّ عنان فرسي، على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم: نشدتك بالله إلا فعلت معنى: ما طلبت منك إلا فعلك يعني أنّ صورته إثبات ومعناه نفي. قال أبو حيان بعدما ذكر ذلك عن الزمخشري: وهذه وجوه متكلفة ظاهر فيها العجمة. قال شهاب الدين: وأي عجمةٍ في ذلك على أنّ الشيخ جعلها متعلقة ب «حَافِظُونَ» على ما ذكره من التضمين، وهذا لا يصح له إلا بأن يرتكب وجهاً منها وهو التأويل بالنفي كنشدتك الله، لأنه استثناء مفرغ ولا يكون إلا بعد نفي أو ما في معناه. السادس: قال أبو البقاء: في موضع نصب ب «حَافِظُونَ» على المعنى؛ لأنّ المعنى صانوها عن كل فرج إلا عن فروج أزواجهم. قال شهاب الدين: وفيه سببان: أحدهما تضمين «حَافِظُونَ» معنى صانوا، وتضمين «على» معنى «عَنْ» . قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ﴾ «مَا» بمعنى: اللاتي، و «مَا» في محل الخفض يعني: أو على ما ملكت أيمانهم. وفي وقوعها على العقلاء وجهان: أحدهما: أنها واقعة على الأنواع كقوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ﴾ [النساء: 3] أي: أنواع. والثاني: قال الزمخشري: أريد من جنس العقلاء ما يجري مجرى غير العقلاء وهم الإناث. قال أبو حيان: وقوله: وهم. ليس بجيد، لأنّ لفظ هُمْ مختص بالذكور فكان ينبغي أن يقول: «وَهُوَ» على لفظ «مَا» أو «هُنَّ» على معنى (ما) . وأجيب بأن الضمير عائد على العقلاء فقوله: «وَهُمْ» أي: العقلاء الإناث. وقال ابن الخطيب هلا قيل: مَنْ ملكت؟ فالجواب: لأنه اجتمع في السُّرِّيَّةِ وصفان: أحدهما: الأنوثة وهي مظنة نقصان العقل. والآخر: كونها بحيث تباع وتشترى كسائر السلع. فلهذين الوصفين فيها جعلت كأنها ليست من العقلاء. فصل هذه الآية في الرجال خاصة لأن المرأة لا يجوز لها أن تستمتع بفرج مملوكها. فإن قيل: أليست الزوجة والمملوكة لا تحل له الاستمتاع بها في أحوال كحال الحيض، وحال العدة، والصيام، والإحرام، وفي الأمة حال تزويجها من الغير وحال عدتها، وكذا الغلام داخل في ظاهر قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنّ مذهب أبي حنيفة أنّ الاستثناء من النفي لا يكون إثباتاً، لقوله عليه السلام: «لا صلاة إلا بطهور، ولا نِكَاحَ إِلاَّ بِوَليّ» فإن ذلك لا يقتضي حصول الصلاة بمجرد حصول الطهور، وحصول النكاح بمجرد حصول الولي. وفائدة الاستثناء صرف الحكم لا صرف المحكوم به فقوله: ﴿والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ﴾ معناه أنه يجب حفظ الفرج عن الكل إلا في هاتين الصورتين فإني ما ذكرت حكمهما لا بالنفي ولا بالإثبات. الثاني: (أَنَّا إنْ) سلمنا أنّ الاستثناء من النفي إثبات فغايته أنه عام دخله التخصيص بالدليل فيبقى حجة فيما عداه. وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يعني: يحفظ فرجه إلا من امرأته وأمته فإنه لا يلام على ذلك إذا كان على وجه أذن الشرع فيه دون الإتيان في غير المأتى، وفي حال الحيض والنفاس فإنه محظور ويلام على فعله. قوله: ﴿فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك﴾ أي: التمس وطلب سوى الأزواج والمملوكات ﴿فأولئك هُمُ العادون﴾ الظالمون المتجاوزون من الحلال إلى الحرام، وفيه دليل أنَّ الاستمناء باليد حرام قال ابن جريج: سألت عطاء عنه فقال: مكروه، سمعت أنّ قوماً يحشرون وأيديهم حُبالى فأظن أنهم هؤلاء. وعن سعيد بن جبير قال: عَذَّب الله أمة كانوا يعبثون بمذاكيرهم. قوله: ﴿والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ﴾ قرأ ابن كثير هنا وفي سأل «لأَمَانَتِهِم» بالتوحيد، والباقون بالجمع. وهما في المعنى واحد إذ المراد العموم والجمع أوفق. والأمانة في الأصل مصدر، ويطلق على الشيء المؤتمن عليه لقوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] . «وتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ» ، وإنما يُؤدَّى ويُخان الأعيان لا المعاني، كذا قال الزمخشري. أما ما ذكره من الآيتين فمسلم، وأما هذه الآية فيحتمل المصدر ويحتمل العين، والعهد ما عقده على نفسه فيما يقربه إلى الله، ويقع أيضاً على ما أمر الله به كقوله: ﴿الذين قالوا إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ [آل عمران: 183] ، والعقود التي عاقدوا الناس عليها يقومون بالوفاء بها. فالأمانات تكون بين الله وبين العبد كالصلاة، والصيام، والعبادات الواجبة وتكون بين العبيد كالودائع والبضائع، فعلى العبد الوفاء بجميعها. وقوله: «رَاعُونَ» الراعي القائم على الشيء يحفظه ويصلحه كراعي الغنم، ومنه يقال: مَنْ راعي هذا الشيء؟ أي متوليه. وقوله: ﴿والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ قرأ الأخوان «عَلَى صَلاَتِهِمْ» بالتوحيد، والباقون «صَلَوَاتِهِمْ» بالجمع، وليس في المعارج خلاف. والإفراد والجمع كما تقدم في «أَمَانَتِهم) و (أَمَانَاتِهِمْ) . قال الزمخشري: فإنْ قُلْتَ: كيف كرر ذكر الصلاة أولاً وآخراً؟ قلت: هما ذكران مختلفان وليس بتكرير، وصفوا أولاً بالخشوع في صلاتهم، وآخراً بالمحافظة عليها. ثم قال: وأيضاً فقد وحدت أولاً ليفاد الخشوع في جنس الصلاة، أي صلاة كانت، وجمعت آخراً لتفاد المحافظة على أعدادها وهي الصلوات الخمس والوتر والسنن الراتبة، وهذا إنما يتجه في قراءة غير الأخوين وأما الأخوان فإنهما أفردا أولاً وآخراً على أنَّ الزمخشري قد حكى الخلاف في جمع الصلاة الثانية وإفرادها بالنسبة إلى القراءة. وقيل: كرر ذكر الصلاة ليبين أنّ المحافظة عليها واجبة كما أن الخشوع فيها واجب. ثم قال: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾» أُولَئِكَ» أي: أهل هذه الصفة «هُمُ الوارِثُونَ» فإن قيل: كيف سمى ما يجدونه من الثواب والجنة بالميراث؟ مع أنه سبحانه حكم بأنَّ الجنة حقهم في قوله: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾ [التوبة: 111] . فالجواب من وجوه: الأول: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «ما منكم من أحد إلاَّ وله منزلان منزل في الجنّة ومنزلٌ في النار، فإنْ مات ودخل النار وَرِثَ أهلُ الجنة مَنْزله» ، وذلك قوله: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ . وأيضاً: فقد قال الفقهاء إنه لا فرق بين ما ملكه الميت وبين ما يقدر فيه الملك في أنه يورث عنه، كذلك قالوا في الدية التي إنما تجب بالقتل إنها تورث مع أنه مالكها على التحقيق وهذا يؤيد ما ذكر فإن قيل: إنه تعالى وصف كل الذي يستحقونه إرثاً، وعلى ما قلتم فإنه يدخل في الإرث ما كان يستحقه غيرهم لو أطاع. فالجواب: لا يمتنع أنه تعالى جعل ما هو (منزلة) لهذا المؤمن بعينه منزلة لذلك الكافر لو أطاع لأنه عند ذلك كان يزيد في المنازل فإذا أمن هذا عدل بذلك إليه. الثاني: أنَّ انتقال الجنة إليهم من دون محاسبة ومعرفة بمقاديره يشبه انتقال المال إلى الوارث. الثالث: أنَّ الجنة كانت مسكن أبينا آدم - عليه السلام - فإذا انتقلت إلى أولاده كان ذلك شبيهاً بالميراث. فإن قيل: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى ما تمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؟ فالجواب: أنَّ قوله: ﴿لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ يأتي على جميع الواجبات من الأفعال والتروك كما تقدم والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها. واعلم أنَّ قوله: «هُمُ الوَارِثُونَ» يفيد الحصر لكنه يجب ترك العمل به، لأنه ثبت أنَّ الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] ، وتقدم الكلام في الفردوس في سورة الكهف. قوله: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون مستأنفة، وأن تكون حالاً مقدرة إما من الفاعل ب «يَرِثُونَ» وإما من مفعوله إذ فيها ذكر كل منهما ومعنى الكلام لا يموتون ولا يخرجون، وقد جاء في الحديث: «أن الله خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.