الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ يعني القرآن ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ وهذا مثل يُضرب لمن يتباعد عن الحق كل التباعد فهو قوله: ﴿فَكُنتُمْ على أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ أي: ترجعون قهقرى وتتأخرون عن الإيمان، وينفرون عن تلك الآيات، وعن من يتلوها كما يذهب الناكص على عقبيه بالرجوع إلى ورائه. قوله: «عَلَى أَعْقَابِكُمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَنْكِصُونَ» كقولك نكص على عقبيه. والثاني: أنه متعلق بمحذوف، لأنه حال من فاعل (تنْكِصُونَ) قاله أبو البقاء وقرأ أمير المؤمنين «تَنْكُصُونَ» بضم العين، وهي لغة. قوله: «مُسْتَكْبِرِينَ» حال من فاعل «تَنْكِصُونَ» ، و «بِهِ» فيه قولان: أحدهما: أنه متعلق ب «مُسْتَكْبِرِينَ» . والثاني: أنه متعلق ب «سَامِراً» . وعلى الأوَّل فالضمير للقرآن، لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت باللّيل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن، وتسميته سحراً وشعراً. أو للبيت شرّفه الله - تعالى - كانوا يقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، كانوا يفتخرون به، لأنهم ولاته، والقائمون به. قاله ابن عباس ومجاهد. وقيل الضمير في «بِهِ» للرسول - عليه السلام -. أو للنكوص المدلول عليه ب «تَنْكِصُونَ» كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] . والباء في هذا كله للسببية، لأنهم استكبروا بسبب القرآن لما تلي عليهم وبسبب البيت لأنهم كانوا يقولون نحن ولاته، وبالرسول لأنهم كانوا يقولون هو منا دون غيرنا وبالنكوص لأنه سبب الاستكبار. وقيل: ضُمّن الاستكبار معنى التكذيب فلذلك عدي بالباء، وهذا يتأتى على أن يكون الضمير للقرآن وللرسول. وأمّا على الثاني وهو تعلقه ب «سَامِراً» فيجوز أن يكون الضمير عائداً على ما عاد عليه فيما تقدّم إلا النكوص، لأنهم كانوا يسمرون بالقرآن وبالرسول يجعلونهما حديثاً لهم يخوضون في ذلك كما يسمر بالأحاديث وكانوا يسمرون في البيت فالباء ظرفية على هذا و «سَامِراً» نصب على الحال إمّا من فاعل «تَنْكِصُونَ» وإمّا من الضمير في (مُسْتَكْبِرِينَ) . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وأبو حيوة ويروى عن أبي عمرو: «سُمّراً» كذلك إلا أنه بزيادة ألف بين الميم والراء، وكِلاَهُمَا جمع لِسَامِر، وهما جمعان مقيسان لفاعل الصفة نحو ضُرَّب وضُرَّاب في ضَارِب، والأفصح الإفراد، لأنه يقع على ما فوق الواحد بلفظ الإفراد يقال: قَوْمٌ سَامِر ونظيره: «نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً» . والسامِر مأخوذ من السَّمر، وهو سَهَر الليل أو مأخوذ من السَّمَر: وهو ما يقع على الشجر من ضوء القمر، فيجلسون إليه يتحدثون مستأنسين به قال: 3804 - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلَى الصَّفَا ... أَنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكةَ سَامِرُ وقال الراغب: السَّامِر: الليل المظلم يقال: وَلاَ آتِيكَ ما سَمَرَ ابْنَا سَمِيرٍ يعنون الليل والنهار. وقال الراغب: ويقال: سَامِرٌ، وسُمَّارٌ، وسَمَرَةٌ، وسَامِرُونَ. وسَمَرْتُ الشيءَ، وإبل مُسْمَرَةٌ، أي: مُهْمَلَةٌ، والسَّامِريُ: منسوب إلى رجل انتهى. والسُّمْرَةُ أحج الألوان، والسَّمْرَاء يكنى بها عن الحِنْطَة. قوله: «تَهْجُرُونَ» قرأ العامة بفتح التاء وضم الجيم، وهي تحتمل وجهين: أحدهما: أنها من الهَجْر بسكون الجيم، وهو القطع والصدّ. أي تهجرون آيات الله ورسوله، وتزهدون فيهما فلا تصلونهما. والثاني: أنها من الهَجَر - بفتحها - وهو الهذيان، يقال: هَجَر المريض هَجَراً أي: هذى فلا مفعول له. ونافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أَهْجَر إهْجاراً، أي: أفحش في منطقه قال ابن عباس: يعني كانوا يسبون النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأصحابه وقرأ زيد بن علي، وابن محيصن، وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هَجّر بالتشديد، وهو محتمل لأن يكون تضعيفاً للهَجَر أو للهَجْر (أو للهُجْر) وقرأ ابن أبي عاصم كالعامة إلا أنه بالياء من تحت، وهو التفات. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ أي: يتدبروا القول، يعني ما جاءهم من القول وهو القرآن من حيث إنه كان مبايناً لكلام العرب في الفصاحة، ومبرأ من التناقض مع طوله، فيعرفوا ما فيه من الدلالات على صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، ومعرفة الصانع، والوحدانية، فيتركوا الباطل، ويرجعوا إلى الحق ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ الأولين﴾ واعلم أنّ إقدامهم على كفرهم وجهلهم لا بُدّ وأن يكون لأحد أمور أربعة: الأول: أن لا يتأملوا دليل ثبوته، وهو المراد من قوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول﴾ وهو القرآن يعني: أنه كان معروفاً لهم. والثاني: أن يعتقدوا أن مجيء الرسول على خلاف العادة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ جَآءَهُمْ مَّا لَمْ يَأْتِ آبَآءَهُمُ﴾ وذلك أنهم عرفوا بالتواتر مجيء الرسول إلى الأمم السالفة، وكانت الأمم بين مُصدّقٍ ناجٍ وبين مكذّبٍ هالك، أفَمَا دعاهم ذلك إلى تصديق الرسل. وقال بعضهم: «أَمْ» هاهنا بمعنى «بَلْ» والمعنى بل جاءهم ما لم يأت آباءهم. والثالث: أن لا يكونوا عالمين بديانته، وحسن خصاله قبله ادعائه النبوة، وهو المراد من قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ والمعنى: أنهم كانوا يعرفونه قبل أن يدعي الرسالة، وكونه في نهاية الأمانة والصدق وغاية الفرار عن الكذب والأخلاق الذميمة، وكانوا يسمونه الأمين، فكيف كذبوه بعد أن اتفقتْ كلمتهم على تسميته بالأمين. والرابع: أن يعتقدوا فيه الجنون، فيقولوا إنّما حمله على ادعاء الرسالة جنونه، وهو المراد بقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ . وهذا أيضاً ظاهر الفساد، لأنّهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، فالمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتى به من الدلائل القاطعة، والشرائع الكاملة. وفي كونهم سمّوه بذلك وجهان: أحدهما: أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له، وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم، فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني: أنهم قالوا ذلك إيهاماً لعوامهم لئلاّ ينقادوا له، فذكروا ذلك استحقاراً له. ثم إنه - تعالى - بعد أن عدّ هذه الوجوه، ونبّه على فسادها قال: ﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق﴾ أي: بالصدق والقول الذي لا يخفى صحته على عاقل ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لأنهم تمسكوا بالتقليد، وعلموا أنّهم لو أقرُّوا بمحمدٍ لزالت رياستهم ومناصبهم، فلذلك كرهوه. فإن قيل قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ يدلُّ على أنّ أقلّهم لا يكرهون الحق. فالجواب: أنه كان منهم من ترك الإيمان أنفَةً من توبيخ قومه، وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق. قوله: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ﴾ الجمهور على كسر الواو لالتقاء الساكنين وابن وثّاب بضمها تشبيهاً بواو الضمير كما كُسرتْ واو الضمير تشبيهاً بها. فصل قال ابن جريج ومقاتل والسّدّيّ وجماعة: الحق هو الله. أي: لو اتبع الله مرادهم فيما يفعل وقيل: لو اتبع مرادهم، فيسمّي لنفسه شريكاً وولداً كما يقولون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض﴾ . وقال الفراء والزجاج: المراد بالحق: القرآن. أي: نزل القرآن بما يحبون من جعل الشريك والولد على ما يعتقدون ﴿لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ﴾ وهو كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] . قوله: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ العامة على إسناد الفعل إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه، والمراد أتتهم رسلنا. وقرأ أبو عمرو في رواية «آتَيْنَاهُمْ» بالمد أي أعطيناهم، فيحتمل أن يكون المفعول الثاني غير مذكور، ويحتمل أن يكون «بِذِكْرِهِمْ» والباء مزيدة فيه وابن أبي إسحاق وعيسى بن عمر وأبو عمرو أيضاً «أَتَيْتهمْ» بتاء المتكلم وحده. وأبو البرهثم وأبو حيوة والجحدري وأبو رجاء «أَتَيْتَهُمْ» بتاء الخطاب، وهو الرسول - عليه السلام -. وعيسى: «بِذِكْرَاهُم» بألف التأنيث. وقتادة «نُذَكِّرهُمْ» بنون المتكلم المعظم نفسه مكان باء الجر مضارع (ذَكَّر) المشدد، ويكون (نُذكرُهُمْ) جملة حالية. وتقدم الكلام في «خَرْجاً» و «خَرَاجاً» في: الكهف. فصل قال ابن عباس: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما فيه فخرهم وشرفهم. يعني: القرآن، فهو كقوله: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] أي: شرفكم، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] أي: شرف لك ولقومك ﴿فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ﴾ شرفهم «معرِضون» . وقيل: الذكر هو الوعظ والتذكير التحذير. «أَمْ تَسْأَلُهُمْ» على ما جئتم به «خَرْجاً» أجراً وجعلاً ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي ما يعطيك الله من رزقه وثوابه خير ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ وتقدم الكلام على نظيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.