الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿الله نُورُ السماوات والأرض﴾ الآية. هذه جملة من مبتدأ وخبر، إما على حذف مضاف، أي: ذو نور السموات والمراد بالنور: عَدْلُهُ، ويؤيد هذا قوله: «مَثَلُ نُورِهِ» وأضاف النور لهذين الظرفين إما دلالة على سَعَةِ إِشْرَاقِهِ، وَفشُوّ إضاءته حتى تضيء له السمواتُ والأرضُ، وإمَّا لإرادة أهل السموات والأرض، وأنهم يَسْتَضِيئُونَ به. ويجوز أن يُبَالَغَ في العبادة على سبيل المدح كقولهم: فلان شَمْسُ البلادِ وقمرُها قال النابغة: 3831 - فإِنَّك شَمْسٌسٌ والمُلُوكُ كَوَاكِبٌ ... إذَا ظَهَرتْ لم يَبْدُ مِنْهُنَّ كَوْكَبُ وقال (آخر) : 3832 - قَمَرُ القَبَائِلِ خَالِدُ بن يزيد ... ويجوز أن يكون المصدر واقعاً اسم الفاعل، أي: مُنَوِّرُ السَّمواتِ. ويؤيد هذا الوجهَ قراءة أمير المؤمنين وزيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: «نَوَّر» فعلاً ماضياً، وفاعله ضمير الباري تعالى، «السموات» مفعوله، وكَسْرُهُ نَصْبٌ، و «الأَرْضُ» بالنصب نَسَقٌ عليه. وفَسَّرَهُ الحسنُ فقال: «اللَّهُ مُنوِّرُ السَّمواتِ» . فصل قال ابن عباس: هادي أهل السموات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون. وقال الضحاك: منوِّر السموات والأرض، يقال: نوّر الله السماء بالملائكة ونوّر الأرض بالأنبياء. وقال مجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض. وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية: مزَيّن السموات والأرض، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. وقيل: بالنبات والأشجار. وقيل: معناه: الأنوار كلها منه، كما يقال: فلان رحمة، أي: منه الرحمة. وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح، كقول القائل: 3833 - إذا سارَ عبدُ اللَّهِ من مَرْوَ لَيْلَةً ... فقد سارَ منها نورُها وجمالُها قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ مبتدأ وخبر، وهذه الجملة إيضاحٌ وتفسيرٌ لِمَا قبلها، فلا محلَّ لها، وثمَّ مُضَاف محذوف، أي: كَمَثَلِ مِشْكَاةٍ. قال الزمخشري: أي: صفةُ نُورِهِ العجيبةُ الشأنِ في الإضاءة «كَمِشْكَاةٍ» أي: كصفة (مشكاة) . واختلفوا في الضمير في «نُورِهِ» : فقيل: هو الله تعالى، أي: مثل نور الله - عزَّ وجلَّ - في قلب المؤمن، وهو النور الذي يهتدى به، كما قال: ﴿فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22] . وكان ابن مسعود يقرأ «مَثَلُ نُورِهِ فِي قَلْبِ المُؤْمِن» وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: «مثل نوره الذي أعطى المؤمن» وعلى هذا المراد بالنور: الإيمان، والآيات البيّنات. وقيل: يعود على المؤمنين أو المؤمن، أو من آمن به، أي مثل نور قلب المؤمن. وكان أبيّ يقرأ بهذه الألفاظ كلها، وأعاد الضمير على ما قرأ به. والمراد بالنور: الإيمان والقرآن لقوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15] يعني: القرآن. وقال سعيد بن جبير والضحاك: الضمير يعود على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولم يتقدم لهذه الأشياء ذِكْر. وأما عوده على المؤمنين في قراءة أبيّ، ففيه إشكال من حيث الإفراد. قال مكّيٌّ: يُوقَف على الأرض في هذه الأقوال الثلاثة. وقيل: أراد ب «النور» الطاعة، سمى طاعة الله نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلاً. فصل واختلفوا في هذا التشبيه: (هل هو) تشبيه مركب، أي: أنه قصد تشبيه جملة بجملة من غير نظر إلى مقابلة جزء بجزء، بل قصد تشبيه هُدَاهُ وإتْقَانهُ صُنْعَتَهُ في كل مخلوق على الجملة بهذه الجملة من النور الذي يتخذونه، وهو أبلغ صفات النور عندكم أو تشبيه غير مركب، أي: قصد مقابلة جزء بجزء. ويترتب الكلام فيه بحسب الأقوال في الضمير في «نورِهِ» . و «المِشْكَاةُ» : الكُوَّةُ غير النَّافِذة. وهل هي عربية أم حبشيّة مُعَرَّبَةٌ؟ خلاف. قال مجاهد: «هي القنديل» . وقيل: هي الحديدةُ أو الرَّصاصةُ التي يُوضع فيها الذُّبالُ، وهو الفتيل، ويكون في جوف الزجاجة. وقيل: هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح. وقيل: ما يعلق منه القنديل من الحديدة. وأمال «المِشْكَاة» الدُّوري عن الكسائي لِتقدُّم الكسر وإن وُجِدَ فاصل ورُسِمَتْ بالواو ك «الزكوة» و «الصلواة» . والمصباح: السِّراج الضَّخم، وأصله من الضوء ومنه الصبح. والزّجاجة: واحدة الزّجاج، وهو جوهَر معروف، وفيه ثلاث لغات: فالضم: لغة الحجاز، وبها قرأ العامة. والكسر والفتح: لغة قيس. وبالفتح قرأ ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد. وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في رواية عنه، وأبو رجاء. وكذلك الخلاف في قوله: «الزُّجَاجَةُ» . والجملة من قوله: «فِيهَا مِصْبَاح» صفة ل «مشكاة» ، ويجوز أن يكون الجار وحده هو الوصف، و «مِصْبَاح» مرتفع به فاعلاً. قوله: «دُرِّي» . قرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال، وياء بعدها همزة. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياء بعدها همزة. والباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز. وهذه الثلاثة في السبع. وقرأ زيد بن عليّ والضحاك وقتادة بفتح الدال وتشديد الياء. وقرأ الزهري بكسرها وتشديد الياء. وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وقتادة أيضاً «دَرِّيءٌ» فتح الدال وياء بعدها همزة فأما الأولى فقراءة واضحة، لأنه بِنَاءً كثيرٌ، يوجد في الأسماء نحو: «سِكِّين» وفي الصفات نحو «سِكِّير» . وأما القراءة الثانية فهي من «الدرء» بمعنى: الدفع، أي: يدفع بعضها بعضاً، أو يدفع ضوؤها خفاءها. قيل: ولم يوجد شيء وزنه «فُعِّيل» إلا «مُرِّيقاً» للعُصْفر، و «سُرِّيّة» على قولنا: إنها من السّرور، وأنه أبدل من إحدى المُضَعَّفَات ياء، وأُدْغِمت فيها ياء «فُعِّيل» ، و «مُرِّيخاً» للذي في داخل القرن اليابس، ويقال بكسر الميم أيضاً، و «عُلِّية» و «دُرِّيءٌ» في هذه القراءة، و «دُرِّيَّة» أيضاً في قولٍ، وقال بعضهم: وزن «دريء» في هذه القراءة «فُعُّول» كسُبُّوح قُدُّوس فاستثقل توالي الضم فنُقِل إلى الكسر، وهذا منقول أيضاً في «سُرِّيّة» و «دُرِّيّة» . وأما القراءة الثالثة فتحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أصلها الهمز كقراءة حمزة إلا أنه أُبدل من الهمز ياءً، وأُدغِم، فيتحد معنى القراءتين. ويحتمل أن تكون نسبة إلى الدُّرِّ لصفائها، وظهور (إشراقها) . وأما قراءة تشديد الياء مع فتح الدال وكسرها، فالذي يظهر أنه منسوب إلى الدُّرّ. والفتح والكسر في الدال من باب تغييرات النسب. وأما فتح الدال مع المد والهمز ففيها إشكال. قال أبو الفتح: وهو بناءٌ عزيز لم يُحْفَظ منه إلاّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين. قال شهاب الدين: وقد حكى الأخفش فعلية السَّكِّينَة والوَقَار، وكَوْكَبٌ دَرِّيءٌ من (دَرَأْتُه) . قوله: «تُوقَدُ» قرأ ابن كثير وأبو عمرو «تَوَقَّدَ» بزنة «تَفَعَّلَ» فعلاً ماضياً فيه ضمير فاعله يعود على «المِصْبَاح» ، ولا يعود على «كَوْكَبٍ» لفساد المعنى. والأخوان وأبو بكر: «تُوقَدُ» بضم التاء من فوق وفتح القاف مضارع «أَوقَدَ» ، وهو مبني للمفعول، والقائم مقام الفاعل ضمير يعود على «زُجَاجَة» فاستتر في الفعل. وباقي السبعة كذلك إلا أنه بالياء من تحت، والضمير المستتر يعود «المِصْبَاح» . وقرأ الحسن والسُّلمي وابن مُحيصن ورُويَتْ عن عاصم من طريق المُفضَّل كذلك إلا أنه ضمَّ الدَّال، جعله مضارع «تَوَقَّدَ» ، والأصل «تَتَوَقَّد» بتاءين فحذف إحداهما ك «تَتَذَكّر» ، والضمير أيضاً للزجاجة. وقرأ عبد الله «وُقِّدَ» فعلاً ماضياً بزنة «قُتِّلَ» مشدداً، أي: «المصْبَاحُ» وقرأ الحسن وسلام أيضاً «يَوَقَّدُ» بالياء من تحت وضم الدال مضارع «توقد» ، والأصل «يتوقد» بياء من تحت وتاء من فوق، فحذف التاء من فوق (و) هذا شاذٌ، إذ لم يَتَوال مِثلان، ولم يَبْقَ في اللفظ ما يدل على المحذوف، بخلاف «تَنَزَّلُ» و «تَذَكَّرُ» وبابه، فإن فيه تاءين، والباقي يدل على ما فُقِدَ. وقد يُتَمَحَّلُ لصحته وجه من القياس، وهو أنهم قد حملوا «أَعِدُ» و «تَعِدُ» و «نَعِدُ» على «يَعِدُ» في حذف الواو لوقوعها بين ياء وكسرة، فكذلك حملوا «يَتَوَقّدُ» بالياء والتاء على «تَتَوَقَّدُ» بتاءين وإن لم يكن الاستثقال موجوداً في الياء والتاء. قوله: «مِنْ شَجَرَةٍ» مِنْ لابتداء الغاية، وثمَّ مضافٌ محذوفٌ، أي: من زيت (شَجَرَةٍ) . و «زَيْتُونَةٍ» فيها قولان: أشهرهما: أنها بدل من «شَجَرَةٍ» . الثاني: أنها عطف بيانٍ، وهذا مذهب الكوفيين، وتبعهم أبو علي. وتقدم هذا في قوله: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] . قوله: «لاَ شَرْقِيَّةٍ» صفة ل «شجرةٍ» ودخلت «لاَ» لتفيد النفي. وقرأ الضَّحَّاكُ بالرفع على إضمار مبتدأ، أي: لاَ هِيَ شَرْقِيةٌ، والجملة أيضاً في محل جر نعتاً ل «شَجَرَةٍ» . (قوله: «يَكَادُ» هذه الجملة أيضاً نعت ل «شَجَرَةٍ» ) . قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ جوابها محذوف، أي: لأضاءت، لدلالة ما تقدم عليه، والجملة حالية. وتقدم تحرير هذا في قولهم: أعطوا السائل وَلَوْ جاء على فَرَسٍ. وأنها لاستقصاء الأحوال حتى في هذه الحالة. وقرأ ابن عباس والحسن: «يَمْسَسْهُ» بالياء، لأن التأنيث مجازي، ولأنه قد فصل بالمفعول أيضاً. * فصل في كيفية هذا التمثيل قال جمهور المتكلمين: معناه: أن هداية الله قد بلغت في الظهور والجلاء إلى أقصى الغايات، وصار ذلك بمنزلة المشكاة التي يكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح (يتّقد بزيت) بلغ النهاية في الصفاء. فإن قيل: لم شبهه بذلك مع أن ضوء الشمس أعظم منه؟ فالجواب: أنه تعالى أراد أن يصف الضوء الكامل الذي يلوح وسط الظلمة، لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهات التي هي كالظلمات (وهداية الله تعالى فيما بينها كالضوء الكامل الذي يظهر فيما بين الظلمات) وهذا المقصود لا يحصل من ضوء الشمس، لأن ضوءها إذا ظهر امتلأ العالم من النور الخالص، وإذا غاب امتلأ العالم من الظلمة الخالصة، فلا جرم كان هذا المثل أليق وأوفق. فصل اعلم أن الأمور التي اعتبرها الله تعالى في هذه المثل توجب كمال الضوء. فأولها: أن المصباح إذا لم يكن في المشكاة تفرقت أشعته، أما إذا وضع في المشكاة اجتمعت أشعته فكانت أشد إنارة، ويحقق ذلك أن المصباح ينعكس شعاعه من بعض جوانب الزجاجة إلى البعض، لما في الزجاجة من الصفاء والشفافة، فيزداد بسبب ذلك الضوء والنور، والذي يحقق ذلك أن شعاع الشمس إذا وقع على الزجاجة الصافية تضاعف النور الظاهر، حتى إنه يظهر فيما يقابله مثل ذلك الضوء، فإذا انعكست تلك الأشعة من كل جانب من جوانب الزجاجة إلى الجانب الآخر كثرت الأنوار والأضواء وبلغت النهاية. وثانيها: أن ضوء المصباح يختلف بحسب اختلاف ما يتقد فيه، فإذا كان الدهن صافياً خالصاً كانت حاله بخلاف حاله إذا كان كدراً، وليس في الأدهان التي توقد ما يظهر فيه من الصفاء مثل الذي يظهر في الزيت، فربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض فيه وشعاع يتردد في أجزائه. وثالثها: أن الزيت يختلف باختلاف شجرته، فإذا كانت لا شرقية ولا غربية بمعنى أنها كانت بارزة للشمس (في كل حالاتها يكون زيتونها أشد نضجاً، فكان زيته أكثر صفاءً، لأن زيادة تأثير الشمس) تؤثر في ذلك، فإذا اجتمعت هذه الأمور وتعاونت صار ذلك الضوء خالصاً كاملاً، فيصلح أن يجعل مثلاً لهداية الله تعالى. فصل قال بعضهم: «هذه الآية من المقلوب والتقدير: مثل نوره كمصباح في مشكاة، لأن المشبه به هو الذي يكون معدناً للنور ومنبعاً له، وذلك هو المصباح لا المشكاة» . فصل قال مجاهد: «المِشْكَاة» : القنديل، والمعنى: كمصباح في مشكاة. المصباح في زجاجة، يعني: «القنديل» قال الزجاج: إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج. ثم وصف الزجاجة فقال: ﴿كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ . والدَّرُّ: الدفع، لأن الكواكب تدفعُ الشياطينَ من السماء. وشبيه حالة الدفع، لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور. وقيل: «دري» أي: طالع، يقال: درى النجم: إذا طلع وارتفع، ويقال: هو من درأ الكوكب: إذا اندفع منْقضاً فيضاعف ضوؤه في ذلك الوقت) (ويقال: درأ علينا فلان، أي: طلع وظهر. وقيل: الدري أي ضخم مضى، ودراري النجوم: عظامها. وقيل: الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام، وهي: زحل، والمريخ والمشتري، والزهرة وعطارد. وقيل: الكواكب المضيئة كالزهرة والمشتري والثوابت التي في المعظم الأول. فإن قيل: لم شبهه بالكوكب ولم يشبهه بالشمس والقمر؟ . فالجواب لأن الشمس والقمر يلحقها الخسوف، والكواكب لا يلحقها الخسوف. «توقّد» يعني: المصباح، أي: اتَّقَدَ. ويقال: توقدت النار، أي: اتقدت، يعني: نار الزجاجة، لأن الزجاجة لا توقد. هذا على قراءة من ضم التاء وفتح القاف. وأما على قراءة الآخرين ف «توقد» يعني المصباح ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ أي: من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف بدليل قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء﴾ . وأراد بالشجرة المباركة: الزيتون وهي كثيرة البركة والنفع: لأن الزيت يسرج به وهو أضوأ وأصفى الأدهان، وهو إدام وفاكهة، ولا يحتاج في استخراجه إلى عصار، بل كل أحد يستخرجه. وقيل: أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وبارك فيها سبعون نبياً منهم الخليل. وجاء في الحديث أنه مصحة من الباسور، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها. وقال عليه السلام: «كُلُوا الزَّيْتَ وادهنُوا بِهِ فإِنَّهُ من شَجَرة مُبَارَكةٍ» . وقيل: المراد زيتون الشام، لأنه في الأرض المباركة فلهذا جعل الله هذه الشجرة بأنها ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ واستدلوا على ذلك بوجوه: أحدها: أن الشام وسط الدنيا، فلا توصف شجرتها بأنها شرقية أو غربية. وهذا ضعيف، لأن من قال: «الأرض كرة» لم يثبت للمشرق والمغرب موضعين معينين، بل لكل بلد مشرق ومغرب على حدة، لأن المثل مضروب لكل من (يعرف، الزيت) وقد) يوجد في غير الشام كوجوده فيه. وثانيها: قال الحسن: «لأنها من شجر الجنة، إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية» . وهذا أيضاً ضعيف، لأنه تعالى إنما ضرب المثل بما شاهدوه، وهم ما شاهدوا شجر الجنة. وثالثها: أنها شجرة يلتف بها ورقها التفافاً شديداً، ولا تصل الشمس إليها سواء كانت الشمس شرقية أو غربية، وليس في الشجر ما يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. وهذا أيضاً ضعيف، لأن الغرض صفاء الزيت، وذلك لا يحصل إلا بكمال نضج الزيتون، وذلك إنما يحصل في العادة بوصول أثر الشمس إليه لا بعدم وصوله. ورابعها: قال ابن عباس: «المراد الشجرة التي تبرز على جبل عال، أو صحراء واسعة، فتطلع الشمس عليها حالتي الطلوع والغروب» . وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة. وقال الفراء والزجاج: «لا شرقية وحدها ولا غربية وحدها، ولكنها شرقية غربية، كما يقال: فلان لا مسافر ولا مقيم، إذا كان يسافر ويقيم، أي: تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فتكون شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ، كما يقال: فلان ليس بأسود ولا أبيض، يريد: ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص، بل اجتمع فيه الأمران، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض، أي: اجتمع فيه الحلاوة والحموضة» . وهذا هو المختار، لأن الشجرة إذا كانت كذلك كان زيتها في نهاية الصفاء، وحينئذ يكون مقصود التمثيل أتم. وقيل: المراد ب «المِشْكَاة» صدر محمد، (و «الزجاجة» قلب محمد) و «المصباح» ما في قلب محمد من الدين، ﴿يوقد من شجرة﴾ يعني: ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: 125] والشجرة: إبراهيم، ثم وصف إبراهيم بقوله: ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي: لا يصلي قبل المشرق ولا قبل المغرب كاليهود والنصارى، بل كان عليه السلام يصلي إلى الكعبة، ثم قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ لأن الزيت إذا كان خالصاً ثم رئي من بعيد يرى كأن له شعاعاً، فإذا مسته النار ازْدَاد ضَوءاً على ضوئه كذلك. قال ابن عباس: «يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد نوراً على نور، وهدى على هدى» . وقال الضحاك: «يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي» . قال عبد الله بن رواحة: 3834 - لَوْ لَمْ تَكُنْ فيه آياتٌ مبينةٌ ... كانتْ بديهتُه تُنْبِيكَ بالخَبر وقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل والمصباح محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سماه الله مصباحاً كما سماه سراجاً فقال «وسراجاً منيراً» ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وهي إبراهيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وسماه مباركاً، لأن أكثر الأنبياء من صلبه ﴿لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ أي لم يكن إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً، لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ يكاد محاسن محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تظهر للناس من قبل أن يوحى إليه، ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ نبي من نسل نبي (نور محمد على نور إبراهيم) . قوله: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي: ذلك نور، و «عَلَى نُورٍ» صفة ل «نُورٌ» . والمعنى: أن القرآن نور من الله - عزَّ وجلَّ - لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن، فازدادوا بذلك نوراً على نور. ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ . قال ابن عباس: «لدين الإسلام، وهو نور البصيرة» . وقيل: القرآن. (قال إن المؤمن يتقلب في خمسة أنوار: قوله نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصير إلى نور) . واستدل أهل السنة بهذه الآية على صحة مذهبهم فقالوا: «إنه تعالى بعد أن بين أن هذه الدلائل التي بلغت في الظهور والوضوح إلى هذا الحد الذي لا يمكن الزيادة عليه، قال:» يَهْدِي اللَّهُ «بإيضاح هذه الأدلة ﴿لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: وضوح هذه الدلائل لا يكفي ولا ينفع ما لم يخلق الله الإيمان» . قوله: ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ يبين الله الأشباه للناس، أي: للمكلفين، تقريباً لأفهامهم، وتسهيلاً لنيل الإدراك. ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾ وهذا كالوعيد لمن لا يعتبر ولا يتفكر في أمثاله، ولا ينظر في أدلته فيعرف وضوحها وبعدها عن الشبهات. قالت المعتزلة: قوله تعالى ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ﴾ ذكره في معرض النعمة، وإنما يكون نعمة عظيمة لو أمكنكم الانتفاع به وتقدم جوابه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.