الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية. لما بيَّن حال المؤمن أنه في الدنيا يكون في النور، وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح ثم بين أنه يكون في الآخرة فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك ببيان أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على حسرته في الآخرة فقوله: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ . قال الأزهري: «السَّرَابُ: ما يتراءى للعين وقت الضحى في الفلوات شبيهاً بالماء الجاري وليس بماء، ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً، يقال: سَرَبَ الماءُ يَسْرُبُ سُرُوباً: إذَا جرى، فهو سَارِبٌ» . وقيل: السَّرَابُ: مَا يَتَرَاءَى للإنْسَانِ في القَفْرِ في شِدَّةِ الحَرِّ مِمَّا يُشْبهُ المَاءَ. وقيل: مَا يَتَكَاثَفُ مِنْ قُعُورِ القيعَانِ. قال الشاعر: 3836 - فَلَمَّا كَفَفْت الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُهم ... كَلَمْع سَرَابٍ في الفَلاَ مُتَألِّقِ يضرب به المَثَلُ لمن يَظُنُّ بشيءٍ خيراً فَيُخْلَفُ ظَنُّهُ. وقيل: هو الشُّعَاعُ الذي يُرَى نِصْفَ النَّهَارِ في شدة الحَرِّ في البراري، يُخَيَّلُ للناظر أنه الماء السَّارِبُ، أي: الجاري، فإذا قرب منه لم ير شيئاً. والآل: ما ارتفع من الأرض وهو شعاع يرى بين السماء والأرض بالغدوات شبه المَلاَة يرفع الشخوص، يرى فيها الصغير كبيراً، والقصير طويلاً. والرَّقْرَاقُ: يكون بالعشايا. وهو ما ترقرق من السراب، أي: جاء وذهب. قوله: «بِقِيعَةٍ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلِّق بمحذوف على أنه صفة ل «سَرَابٍ» . والثاني: أنه ظرف، والعامل فيه الاستقرار العامل في كاف التشبيه. والقيعة: بمعنى القاع، قاله الزمخشري، وهو المُنْبَسِطُ من الأرض، وتقدم في «طه» . وقيل: بل هي جمعه ك «جَارٍ وَجيرَة» قاله الفراء. وقرأ مسلمة بن محارب بتاء (ممطوطة) ، وروي عنه بتاء شَكل الهاء، ويقف عليها بالهاء، وفيها أوجه: أحدها: أن يكون بمعنى «قيعة» كالعامة، وإنَّما أشبع الفتحة فتولَّد منها ألف كقوله: مُخرنبقٌ لينباع. قاله صاحب اللوامح. والثاني: أنه جمع: «قيعة» وإنَّما وقف عليها بالهاء ذهاباً به مذهب لغة طيئ في قولهم: «الإخْوَه والأخَوَاه» و «دَفْنُ البَنَاه من المَكْرُماه» أي: والأخوات، والبنات، والمكرمات. وهذه القراءة تؤيد أن «قيعة» جمع قاع. قال الزمخشري: وقد جعل بعضهم «بِقِيعَاة» بتاء مدوَّرة ك «رجل عِزْهَاةٍ» . فظاهر هذا أنه جعل هذا بناء مستقلاً ليس جمعاً ولا إشباعاً. قوله: «يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ» جملة في محل الجر صفة ل «سَرَابٍ» أيضاً، وحَسُنَ ذلك لتقدم الجار على الجملة، هذا إن جعلنا الجارَّ صفةً والضمائر المرفوعة في «جَاءَهُ» ، وفي «لَمْ يَجِدْهُ» وفي «وَجَدَ» ، والضمائر في «عِنْدَهُ» وفي «وَفَّاهُ» وفي «حِسَابَهُ» كلها ترجع إلى «الظَّمْآن» لأن المراد به الكافر المذكور أولاً، وهذا قول الزمخشري وهو حسن. وقيل: بل الضميران في «جَاءَهُ» و «وَجَدَ» عائدان على «الظَّمْآن» ، والباقية عائدة على الكافر. وإنما أفرد الضمير على هذا وإن تقدمه جمع، وهو قوله: «وَالَّذِينَ كَفَرُوا» حَمْلاً على المعنى؛ إذ المعنى: كلُّ واحدٍ من الكفار. والأول أولى لاتِّساق الضمائر. وقرأ أبو جعفر، ورُويَتْ عن نافع: «الظَّمَانُ» بإلقاء حركة الهمزة على الميم. فصل قال الزجاج:» (الظَّمْآن) قد تخفف همزته، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه العقاب مع أنه يعتقد أنه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب، بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الشراب ويتعلق قلبه به، ويرجو به النجاة، فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه عظم ذلك عليه» . قال مجاهد: «السراب: عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا» . فإن قيل: قوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَهُ﴾ يدل على كونه شيئاً، وقوله: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ مناقض له؟ فالجواب من وجوه: الأول: معناه: لم يجد شيئاً نافعاً، كما يقال: فلان ما عمل شيئاً، وإن كان قد اجتهد. الثاني: «إذا جَاءَهُ» أي: جاء موضع السراب لم يجد السراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء، فإذا قرب منه رق وانتشر وصار كالهواء. قوله: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾ أي: وجد عقاب الله عنده الذي توعد به الكافر. وقيل: وجد الله عنده، أي: عند عمله، أي وجد الله بالمرصاد. وقيل: قدم على الله «فَوَفَّاهُ حِسَابه» أي: جزاء عمله. قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام. قوله: ﴿والله سَرِيعُ الحساب﴾ لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، فلا يشق عليه الحساب. وقال بعض المتكلمين: «معناه: لا تشغله محاسبة أحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما تقول مشبهة لما صح ذلك» . قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ هذا مثل آخر ضربة الله تعالى لأعمال الكفار، وفي هذا العطف أوجه: أحدها: أنه نسقٌ على «كَسَرَابٍ» على حذف مضاف واحد، تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، ودل على هذا المضاف قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف. وهو قول أبي علي. الثاني: أنه على حذف مضافين، تقديره: أو كَأَعْمَالٍ ذِي ظُلُمَاتٍ فَيُقَدَّر «ذي» ليصح عود الضمير إليه في قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ﴾ ويقدر «أَعْمَال» ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة، إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمة. الثالث: أنه لا حاجة إلى حذف البتَّة، والمعنى: أنه شَبَّهَ أعمالَ الكُفَّارِ في حَيْلُولَتِهَا بين القلب وما يهتدي به بالظلمة. وأما الضميران في «أَخْرَجَ يَدَهُ» فيعودان على محذوف دلَّ عليه المعنى، أي: إذا أخرج يده من فيها و «أَوْ» هنا للتنويع لا للشك. وقيل: بل هي للتخيير، أي: «شَبهُوا أعمالهم بهذا أو بهذا. وقرأ سفيان بن حسين:» أوَ كَظُلُمَاتٍ» بفتح الواو، جعلها عاطفة دخلت عليها همزة الاستفهام التي معناها التقرير، وقد تقدم ذلك في قوله: ﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى﴾ [الأعراف: 98] . قوله: ﴿فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ﴾ : «في بَحْر» صفة ل» ظُلُمَاتٍ «فيتعلق بمحذوف. واللُّجِيُّ: منسوبٌ إلى» اللُّجِّ «وهو مُعْظَمُ البحر قاله الزمخشري. وقال غيره: منسوب إلى اللُّجَّةِ بالتاء، وهي أيضاً معظمه. فاللُّجّيّ: هو العميق الكثير الماء، وفيه لغتان: كسر اللام، وضمها. قوله:» يَغْشَاه موجٌ «صفة أخرى ل» بَحْرٍ «هذا إذا أعدنا الضمير في» يَغْشَاهُ «على» بَحْرٍ «وهو الظاهر. وإن قدَّرنا مضافاً محذوفاً، أي:» أَو كَذِي ظُلُمَاتٍ» كما فعل بعضهم كان الضمير في «يَغْشَاهُ» عائداً عليه، وكانت الجملة حالاً منه لتخصيصه بالإضافة، أو صفة له. قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ يجوز أن تكون هذه جملة من مبتدأ وخبر صفة ل» مَوْجٍ «الأول ويجوز أن يجعل الوصف الجار والمجرور فقط، و» مَوْجٌ «فاعل به، لاعتماده على الموصوف، قوله: ﴿مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ﴾ فيه الوجهان المذكوران قبله من كون الجملة صفة ل» مَوْجٍ «الثاني، أو الجار فقط. قوله:» ظُلُمَاتٌ «. قرأ العامة بالرفع، وفيه وجهان: أجودهما: أن يكون خبر مبتدأ مضمر تقديره: هذه أو تلك ظلمات. الثاني: أن يكون» ظُلُمَاتٌ «مبتدأ، والجملة من قوله: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ خبره، ذكره الحوفي وفيه نظر، لأنه لا مسوغ للابتداء بهذه النكرة، اللهم إلا أن يقال: إنها موصوفة تقديراً، أي: ظلمات كثيرة متكاثفة، كقولهم:» السمن منوان بِدِرْهم» . وقرأ ابن كثير: «ظُلُمَاتٍ» بالجر، إلا أنَّ البزِّي روى عنه حينئذ حذف التنوين من «سَحَابُ» فقرأ البَزِّيُّ عنه: «سَحَابُ ظُلُمَاتٍ» بإضافة» سَحَابُ «ل» ظُلُمَاتٍ» . وقرأ قُنْبُل عه التنوين في «سَحَابٌ» كالجماعة مع جره ل «ظُلُمَاتٍ» . فأما رواية البزِّي فقال أبو البقاء: جَعَلَ المَوْجَ المُتَرَاكم بمنزلة السحاب. وأما رواية قنبل فإنه جعل «ظُلُمَاتٍ» بدلاً من «ظُلُمَاتٍ» الأولى. قوله: ﴿بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ جملة من مبتدأ وخبر في موضع رفع أو جر على حسب القراءتين في «ظُلُمَاتٍ» قبلها لأنها صفة لها. وجوَّز الحوفي على قراءة رفع «ظُلُمَاتٍ» في «بَعْضُها» أن تكون بدلاً من «ظُلُمَاتٌ» ورد عليه من حيث المعنى، (إذ المعنى) على الإخبار بأنها ظلمات، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض وصفاً لها بالتَّراكم، لا أنَّ المعنى أنَّ بعض تلك الظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلماتٌ متراكمة. وفيه نظرٌ، إذ لا فرق بين قولك: بعض الظلمات فوق بعضٍ، وبين قولك: الظلماتُ بعضُهَا فوق بعض، وإن تُخُيِّل ذلك في بادئ الرأي. قوله: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ . تقدم الكلام في «كاد» وأنَّ بعضهم زعم أنَّ نَفْيَهَا إثباتٌ وإثباتها نفيٌ، وتقدمت أدلة ذلك في البقرة عند قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] . وقال الزمخشري هنا: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ مبالغة في (لَمْ يَرَهَا) أي: لم يَقْرُب أن يَرَاهَا فَضلاً (عن) أن يراها، ومنه قوله ذي الرمة: 3837 - إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ ... رَسِيسُ الهَوَى مِنَ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُ أي: لم يَقْرُبْ مِنَ البِرَاحِ فَمَا بَالُهُ يَبْرحُ. وقال أبو البقاء: اختلف الناس في تأويل هذا الكلام، ومنشأ الاختلاف فيه أنَّ موضوع «كَادَ» إذا نفيت وقوع الفعل، وأكثر المفسرين على أن المعنى: أنه لا يرى يَدَهُ، فعلى هذا في التقدير ثلاثة أوجه: أحدها: أن التقدير: لَمْ يَرَهَا وَلَمْ يَكَدْ، ذكره جماعةٌ من النحويين، وهذا خطأ لأن قوله: «لَمْ يَرَهَا» جَزْمٌ بنفي الرؤية، وقوله: «لَمْ يَكَدْ» إذا أخرجها على مقتضى الباب كان التقدير: وَلَمْ يَكَدْ يَرَاهَا، كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية، فإن أراد هذا القائل أنه لم يكد يراها وأنه يراها بعد جَهْدٍ، تناقض، لأنه نفى الرؤية ثم أثبتها. وإن كان معنى ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ لم يَرَها البتَّة على خلاف الأكثر في هذا الباب فينبغي أن يحمل عليه من غير أن يقدِّر «لَمْ يَرَهَا» . الوجه الثاني: قال الفراء: إن (كَادَ) زائدة. وهو بعيد. الثالث: أن «كَادَ» خرِّجت هاهنا على معنى «قَارَبَ» والمعنى: لم يُقَارِب رؤيتها، وإذا لم يُقَارِبها بَاعَدَها، وعليه جاء قول ذي الرمة في البيت المتقدم، أي: لم يقارب البراح، ومن هنا حكي عن ذي الرُّمة أنه لما روجع في هذا البيت قال: (لم أجِد) بدل (لَمْ يَكَدْ) . والمعنى الثاني: أنه رآها بعد جَهد، والتشبيه على هذا صحيح، لأنه مع شدة الظلمة إذا أحدَّ نظره إلى يده وقرَّبها من عينه رآها انتهى. أما الوجه الأول وهو ما ذكره أن قول الأكثرين (إنه يكون نَفْيُها إثباتاً، فقد تقدم أنه غير صحيح، وليس هو قول الأكثر) وإنما غرّهم في ذلك آية البقرة، وما أنشد بعضهم: 3838 - أَنَحْوِيَّ هَذَا العَصْرِ مَا هِيَ لَفْظَةٌ ... البيتين. وأما ما ذكره من زيادة «كاد» فهو قول أبي بكر وغيره، ولكنه مردود عندهم. وأما ما ذكره من المعنى الثاني، وهو أنه رآها بعد جهد، فهو مذهب الفراء والمبرد. والعجب كيف يعدل عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشري، وهو المبالغة في نفي الرؤية. وقال ابن عطية ما معناه: إذا كان الفعل بعد «كاد» منفيًّا دلَّ على ثبوته، نحو: «كاد زيد لا يقوم» ، أو مثبتاً دلَّ على نفيه، نحو: «كاد زيد يقوم» وتقول: «كَادَ النَّعام يَطِير» فهذا يقتضي نفي الطيران عنه، فإذا قلت: «كاد النعام ألا يطير» وجب الطيران له، وإذا تقدم النفي على «كاد» احتمل أن يكون موجباً وأن يكون منفياً، تقول: «المفْلُوجُ لا يكاد يَسْكُنُ» فهذا يتضمَّن نفي السكون، وتقول: «رجل مُنْصَرِفٌ لا يكاد يَسْكُنُ» فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جَهْدٍ. فصل اعلم أن الله تعالى بين أنَّ أعمال الكفار إن كانت حسنةً فمثلها السراب، وإن كانت قبيحةً فهي الظلمات، وفيه وجه آخر، وهو أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة، وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا. وقيل: إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم، وأنهم لا يَحْصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم، فإنها تشبه الظلمات، كما قال: ( ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ ) [البقرة: 257] أي: من الكفر إلى الإيمان، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . فصل وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غور الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة، فإذا كانت فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللُّجِّيّ في نهاية شدة الظلمة. ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها، وأبعد ما يظن أنه لا يراها، فقال تعالى: ﴿إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ فبين سبحانه بهذا بلوغ تلك الظلمة التي هي أقصى النهايات، ثم شبه الكافر في اعتقاده، وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: ﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾ [النور: 35] وفي قوله: ﴿يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ [الحديد: 12] . ولهذا قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلم: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات إلى النار. وفي كيفية هذا التشبيه وجوه: الأول: قال الحسن: «إن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب، كذا الكافر له ظلمات ثلاث: ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول، وظلمة العمل» . الثاني: قال ابن عباس: «شبه قلبه وسمعه وبصره بهذه الظلمات الثلاث» . الثالث: أن الكافر لا يدري، ولا يدري أنه لا يدري، ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاثة تشبه تلك الظلمات الثلاث. الرابع: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم. الخامس: أن هذه الظلمات متراكمة، فكذا الكافر لشدة إصراره على كفره قد تراكمت عليه الضلالات حتى لو ذكر عنده أظهر الدلائل لم يفهمه. قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . قال ابن عباس: من لم يجعل الله له ديناً وإيماناً فلا دين له. وقيل: من لم يهده الله (فلا إيمان له) ولا يهديه أحد. قال أهل السنة: إنه تعالى لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: 35] ، ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبه بقوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ . والمراد من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان، وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله وهدايته وتكوينه. قال القاضي: قوله: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً﴾ يعني في الدنيا بالإلطاف ﴿فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾ أي: لا يهتدي فيتحير، وتقدم الكلام عليه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.