الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ الآية. هذه هي الشبهة الرابعة لمنكري نبوة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وحاصلها: لم (لم) تنزَّل الملائكة حتى يشهدوا أن محمداً محق في دعواه، ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ حتى يخبرنا بأنه أرسله إلينا؟ فصل قال الفراء: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي: لا يخافون لقاءنا، فوضع الرجال موضع الخوف لغة تهاميّة إذا كان معه جحدٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ [نوح: 13] أي: لا تخافون لله عظمةً قال القاضي: لا وجه لذلك، لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز، والمعلوم من حال عبّاد الأصنام أنهم كانوا لا يخافون العقاب، لتكذيبهم (بالمعاد) ، فكذلك لا يرجون الثواب لمثل ذلك، فقوله: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ محمول على الحقيقة، وهو أنهم لا يرجون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب والجنة، ومعلوم أن من لا يرجو ذلك لا يخاف العقاب أيضاً، فالخوف تابع (للرجاء) . فصل دلَّ ظاهر الآية على جواز الرؤية، لأن اللقاء جنس تحته أنواع، أحد أنواعه الرؤية، والآخر الاتصال والمماسّة. وهما باطلان، فدلَّ على جواز الرؤية، لأن الرائي يصل برؤيته إلى حقيقة المرئي فسمي الرؤية لقاء. وقالت المعتزلة: تفسير اللقاء برؤية البصر جهل باللغة، لأنه يقال في الدعاء: لقاك الله الخير. ويقول القائل: لم أَلْقَ الأمير. وإن رآه من بعد إذا حجب عنه، ويقال في الضرير: لقي الأمير إذا أذن له ولم يحجب، وقد يلقاه في الليلة الظلماء ولا يراه، بل المراد من اللقاء هنا المصير إلى حكمه حيث لا حكم لغيره في يوم ﴿لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ [الانفطار: 19] لا أنه رؤية البصر. قال ابن الخطيب وهذا كلام ضعيف، لأنَّ اللفظ الموضوع لمعنى مشترك بين معان كثيرة ينطلق على كل واحد من تلك المعاني، فيصح قوله: لقاك الخير، ويصح قول الأعمى: لقيت الأمير، ويصح قول البصير: لقيته (بمعنى رأيته، وما لقيته) بمعنى ما وصلت إليه، وإذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ مذكور في معرض الذم لهم، فوجب أن يكون رجاء اللقاء حاصلاً، ومسمى اللقاء مشترك بين الوصول المكاني وبين الوصول بالرؤية، وقد بطل الأول فتعيّن الثاني. وقولهم: المراد من اللقاء الوصول إلى حكمه. صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل، فثبت دلالة الآية على صحة الرؤية بل على وجوبها، بل على أنّ إنكار الرؤية ليس إلا من دين (الكفار) . قوله: «لَوْلاَ أُنْزِلَ» : هلاّ أنزل «عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ» فيخبرونا أن محمداً صادق ﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ﴾ (أي: تعظموا في أنفسهم) بهذه المقالة. قال الكلبي ومقاتل: نزلت الآية في أبي جهل والوليد وأصحابهما المنكرين للنبوة والبعث. قوله: «عُتُواً» مصدر وقد صحَّ هنا وهو الأكثر وأُعِلَّ في مريم في «عِتِيًّا» ، لمناسبة ذكرت هناك، وهي تواخي رؤوس الفواصل. فصل قال مجاهد: «عُتُوًّا» طغواً. وقال مقاتل: «عتوًّا» غلوًّا في القول. والعتو: أشد الكفر وأفحش الظلم، وعتوهم طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. وقوله: «فِي أَنْفُسِهِمْ» ، لأنهم أضمروا الاستكبار في قلوبهم واعتقدوه، كما قال: ﴿إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَّا هُم (بِبَالِغِيهِ) ﴾ [غافر: 56] . وعتوا: تجاوزوا الحد في الظلم. فصل وهذا جواب عن شبهتهم وبيانه من وجوه: أحدها: أن القرآن لما ظهر كونه معجزاً فقد تمت نبوة محمد - عليه السلام - فبعد ذلك يكون اقتراح أمثال هذه الآيات لا يكون إلا محض التعنت والاستكبار. وثانيها: أنَّ نزول الملائكة لو حصل لكان أيضاً من جملة المعجزات، فل يدل على الصدق لخصوص كونه نزول الملك بل لعموم كونه معجزاً فيكون قبول ذلك المعجز وردّ المعجز الآخر ترجيحاً لأحد المثلين على الآخر من غير مزيد فائدة ومرجِّح، وهو محض الاستكبار والتعنت. وثالثها: أنهم بتقدير أن يروا الرب، ويسألوه عن صدق محمد - عليه السلام - وهو سبحانه يقول: نعم هو رسولي، فذلك لا يزيد في التصديق على إظهار المعجز على يد محمد - عليه السلام - لأنَّا بيَّنَّا أن المعجزة تقوم مقام التصديق بالقول، إذ لا فرق وقد ادعى النبوة بين أن يقول: اللهم إن كنت صادقاً فأحْيِ هذا الميت، فيحييه الله تعالى، (والعادة لم تجر بمثله) ، وبين أن يقول له: صدقت. وإذا كان التصديق بالقول والتصديق الحاصل بالمعجز (سيّين) في كونه تصديقاً للمدعى، كان تعيين أحدهما محض استكبار وتعنت. ورابعها: يمكن أن يكون المراد أنَّ الله تعالى قال: لو علمت أنهم ما ذكروا هذا السؤال لأجل الاستكبار والعتو الشديد لأعطيتهم مقترحهم، ولكني علمت أنهم ذكروا هذا الاقتراح لأجل الاستكبار والتعنت، فلو أعطيتهم مقترحهم لما انتفعوا به، فلا جرم لا أعطيهم ذلك. وخامسها: لعلهم سمعوا من أهل الكتاب أن الله لا يُرَى، وأنه تعالى لا ينزل الملائكة في الدنيا على عوام الخلق، ثم إنهم علقوا إيمانهم على ذلك على سبيل الاستهزاء. فصل استدل المعتزلة بهذه الآية على عدم الرؤية، لأنّ رؤيته لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً. قالوا: فقوله: ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً﴾ ليس إلا لأجل سؤال الرؤية، واستعظم في آية أخرى قولهم: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة﴾ [البقرة: 55] . فثبت أن الاستكبار والعتو هاهنا إنما حصل لأجل سؤال الرؤية، وتقدم الكلام على ذلك في سورة البقرة. ونقول هاهنا: إنّا بينا أن قوله: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ يدل على الرؤية، وأمّا الاستكبار والعتو فلا يدل ذلك على أن الرؤية مستحيلة، لأنَّ من طلب شيئاً محالاً لا يقال: إنه عَتَا واستكبر، ألا ترى قولهم: ﴿اجعل لَّنَآ إلها كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] لم يثبت لهم بطلب هذا المحال عتوًّا واستكباراً بل قال: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] . ومما يدل على ذلك أن موسى - عليه السلام - لما قال: ﴿رَبِّ أرني أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] ما وصفه الله بالاستكبار والعتوّ، لأنه - عليه السلام - طلب الرؤية شوقاً، وهؤلاء لمَّا طلبوها امتحاناً وتعنتاً لا جرم وصفهم بذلك. قوله: «يَوْمَ يَرَونَ» فيه أوجه: أحدها: أنه منصوب بإضمار فعل يدل عليه قوله: «لاَ بُشْرَى» أي: يُمْنَعُونَ البُشْرَى يَوْمَ يَرَونَ. الثاني: أنه منصوب ب (اذكر) ، فيكون مفعولاً به. الثالث: أنَّه منصوب ب (يعذبون مقدراً. ولا يجوز أن يعمل فيه نفس «البُشْرَى» لوجهين: أحدهما: أنها مصدر والمصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أنَّها منفية ب (لا) ، (وما بعد (لا)) لا يعمل فيما قبلها. قوله: «لاَ بُشْرَى» هذه الجملة معمولة لقول مضمر، أي: يَرَون الملائكة يقولون لا بُشْرَى، فالقول حال من «المَلاَئِكَة» ، وهو نظير التقدير في قوله: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ﴾ [الرعد: 23] إلى قوله: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: 24] . قال أبو حيان: واحتمل «بُشْرَى» أن يكون مبنيًّا مع «لاَ» ، واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ، ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإنه كان مبنيًّا مع «لا» احتمل أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبراً بعد خبر، أو نعتاً ل «بُشْرَى» ، أو متعلقاً بما تعلَّق به الخبر، وأن يكون «يَوْمَئِذٍ» صفة ل «بُشْرَى» والخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» ، ويجيء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس «لاَ» أو الخبر للمبتدأ الذي هو مجموع «لاَ» وما بني معها. وإن كان في نية التنوين وهو معرب، (جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» ، و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، و) جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» خبراً و «لِلْمُجْرِمِينَ» صفة، والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً لنفس «لاَ» بإجماع. قال شهاب الدين: قوله: واحتمل أن يكون في نية التنوين إلى آخره لا يتأتَّى إلاَّ على قول أبي إسحاق، وهو أنه يرى أنَّ اسم (لاَ) النافية للجنس معربٌ، ويعتذر عن حذف التنوين بكثرة الاستعمال ويستدل عليه بالرجوع إليه في الضرورة، وينشد: 3870 - أَلاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... ويتأوله البصريون على إضمار: ألا ترونني رجلاً، وكان يمكن الشيخ أن يجعله معرباً كما ادّعى بطريق أخرى، وهو: أن يجعل «بُشْرَى» عاملة في «يَوْمَئِذٍ» أو في «لِلْمُجْرِمِينَ» ، فيصير من قُبَيْل المطوَّل، والمطوَّل معربٌ، لكنه لم يلم بذلك، وسيأتي شيء من هذا في كلام أبي البقاء رَحِمَهُ اللَّهُ. ويجوز أن يكون «بُشْرَى» معرباً منصوباً بطريق أخرى، وهي أن تكون منصوبة بفعل مقدَّر، أي: لا يُبَشَّرُونَ بُشْرَى، كقوله تعالى: ﴿لاَ مَرْحَباً (بِهِمْ) ﴾ [ص: 59] ، (و) لا أهلاً ولا سهلاً، إلاَّ أن كلام الشيخ لا يمكن تنزيله على هذا لقوله: جاز أن يكون «يَوْمَئِذٍ» و «لِلْمُجْرِمِينَ» خبرين، فقد حكم أن لها خبراً، وإذا جُعِلَت منصوبة بفعل مقدر لا يكون [ل (لا) ] حينئذ خبر، لأنها داخلة على ذلك الفعل المقدر، وهذا موضع حسنٌ. قوله: «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» قد تقدَّم في «يَوْمَئِذٍ» أوجه: وجوَّز أبو البقاء أن يكون منصوباً ب «بُشْرَى» ، قال: إذا قدَّرت أنها منونة غير مبنيَّة مع (لا) ، ويكون الخبر «لِلْمُجْرِمِينَ» . وجوَّز - أيضاً - هو والزمخشري أن يكون «يَوْمَئِذٍ» تكريراً ل «يَوْم) يَرَوْنَ» وردَّه أبو حيان سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظيّ أم أريد به البدل قال: لأنَّ «يَوْمَ» منصوب بما تقدم ذكره من (اذكر) (أو من) (يَعْدَمُونَ) البشرى، وما بعد (لاَ) العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها، وعلى تقدير ما ذكراه يكون العامل فيه ما قبل (لاَ) . وما ردَّه ليس بظاهر، لأنَّ الجملة المنفية معمولةٌ للقول المضمر الواقع حالاً من «المَلاَئِكَةِ» ، و «الملائكة» معمولةٌ ل «يَرَوْنَ» ، و «يَرَوْنَ» معمول ل «يَوْمَ» خُصِّصَا بالإضافة، ف (لا) وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث إنها معمولة لبعض ما في حيزه، فليست بأجنبية ولا مانعةٍ من أن يعمل ما قبلها فيما بعدها. والعجب له كيف تخيل هذا وغفل عما تقدم فإنه واضح مع التأمل. و «لِلْمُجْرِمِينَ» من وضع الظاهر موضع المضمر شهادةً عليهم بذلك. والضمير في «يقُولُونَ» يجوز عوده للكفار (أو للملائكة) . و «حِجْراً» من المصادر الملتزم إضمار ناصبها، ولا يتصرَّف فيه نحو معاذ الله، وقعدك، وعمرك، وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدوٍّ وهجوم نازلة، ونحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: ويقول الرجل للرجل: أتفعل كذا فيقول: حِجْراً وهي من حجره: إذا منعه، لأنَّ المستعيذ طالب من الله أن يمنع المكروه ولا يلحقه، وكان المعنى: أسأل الله أن يمنعه منعاً ويحجره حجراً. والعامة على كسر الحاء، والضحاك، والحسن، وأبو رجاء على ضمِّها وهو لغة فيه. قال الزمخشري: ومجئيه على فِعْل أو فُعْل في قراءة الحسن تصرُّفٌ فيه لاختصاصه بموضع واحد كما كان قعدك وعمرك كذلك وأنشد لبعض الرجاز: 3871 - قَالَتْ وَفِيهَا حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بِرَبِّي مِنْكُم وَحُجْرُ ... وهذا الذي أنشده الزمخشري يقتضي تصرُّف «حِجْراً» . وقد تقدم نص سيبويه على أنه يلتزم النصب. وحكى أبو البقاء فيه لغةً ثالثةً وهي الفتح، قال: وقد قرئ بها. فعلى هذا كمل فيه ثلاثة لغاتٍ مقروء بهنَّ. و «مَحْجُوراً» صفة مؤكدة للمعنى كقولهم: ذيل ذائل، والذيل: الهوان، ومَوْتٌ مَائِتٌ، والحِجْرُ: العقل، لأنه يمنع صاحبه. فصل قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة﴾ عند الموت. قاله ابن عباس، وقال الباقون: يريد يوم القيامة ﴿لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ﴾ للكافرين. قالت المعتزلة: الآية تدلّ على القطع بوعيد الفساق وعدم العفو، قوله: «لاَ بُشْرَى ... لِلْمُجْرِمِينَ» نكرة في سياق النفي فتعمّ جميع أنواع البشر في جميع الأوقات، بدليل أن من أراد تكذيب هذه القضية قال: بل له بُشْرَى في الوقت الفلاني، فلما كان ثبوت البشرى في وقت من الأوقات يذكر لتكذيب هذه القضية، علمنا أن قوله: «لاَ بُشْرَى» يقتضي نفي جميع البشرى في كل الأوقات، وشفاعة الرسول لهم من أعظم البشرى فوجب أن لا يثبت ذلك لأحد من المجرمين، والكلام على التمسك بصيغ العموم، وقد تقدم مراراً. فصل اختلفوا في القائلين «حِجْراً مَحْجُوراً» : فقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة، ورأوا ما يكرهون، قالوا: «حِجْراً مَحْجُوراً» ، فهم يقولونه إذا عاينوا الملائكة. قال مجاهد: يعني: عوذاً مَعَاذاً، فيستعيذون به من الملائكة. وقال ابن عباس: تقول الملائكة: حراماً محرماً أن يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله. قال مقاتل: إذا خرج الكفار من قبورهم قالت لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» أي: حرام محرم عليكم أن تكون لكم البشرى. قوله: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾ أي: وعمدنا إلى عملهم. قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ . الهَبَاءُ والهَبْوَةُ: التراب الدقيق. قاله ابن عرفة. قال الجوهري: يقال فيه: هَبَا يَهْبُو: إذا ارتفع، وأَهْبَبْتُهُ أَنَا إِهْبَاءً. وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوَّة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس بالأيدي ولا يرى في الظل. وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد. وقيل: الهَبَاءُ ما تطاير من شرر النَّار إذا أُضْرِمَتْ، والواحدة هباءة على حد تَمْر وتَمْرَة. و «مَنْثُوراً» أي: مفرَّقاً، نثرت الشيء فرَّقته. والنَّثْرَةُ لنجوم متفرقة. والنَّثْرُ: الكلام غير المنظوم على المقابلة بالشعر. قال ابن عباس وقتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح، وتذريه من التراب، (وحطام الشجر) . وقال مقاتل: هو ما يسطع من حوافر الدواب عند السير. وفائدة الوصف به أنَّ الهَبَاءَ تراه منتظماً مع الضوء، فإذا حرّكته تفرَّق، فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك. وقال الزمخشري: أو مفعول ثالث ل «جَعَلْنَاهُ» أي: فَجَعَلْنَاهُ جامعاً لحقارة الهَبَاء والتناثر، كقوله: «كُونُوا» ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: 66] أي: جامعين للمسخ والخسأ. قال أبو حيان: وخالف ابن درستويه، فخالف النحويين في منعه أن يكون ل (كان) خبران وأزيد، وقياس قوله في (جعل) أن يمنع أن يكون لها خبر ثالث. قال شهاب الدين: مقصوده أن كلام الزمخشري مردودٌ قياساً على ما منعه ابن درستويه من تعديد خبر (كَانَ) . قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾ أي: من هؤلاء المشركين المستكبرين. «وَأَحْسَن مَقِيلاً» موضع قائلة. وفي (أَفْعَل) هاهنا قولان: أحدهما: أنها على بابها من التفضيل، والمعنى: أن المؤمنين خير في الآخرة مُسْتَقَراً من مُسْتَقَرِّ الكفار «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» من مقيلهم، لو فرض أن يكون لهم. والثاني: أن يكون لمجرَّد الوصف من غير مفاضلةٍ. فصل قال المفسرون: يعني أن أهل الجنة لا يمرّ بهم يوم إلا قدر النهار من أوله إلى قدر القائلة حتى يسكنوا مساكنهم من الجنة. قال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقرأ: «ثُمَّ إن مَقِيلَهُمْ لإلى الجَحِيمِ» وهكذا كان يقرأ. وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب ذلك اليوم في أوله. وقال قوم: حين قالوا في منازلهم. قال الأزهري: القيلولة والمقيل: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، لأن الله قال: «وَأَحْسَنُ مَقِيلاً» والجنة لا نوم فيها. وروي «أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.