الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾ الآية. لما بين جهل المعرضين عن دلائل التوحيد، وبين فساد طريقهم ذكر أنواعاً من الدلائل الدالة على وجود الصانع، فأولها الاستدلال بحال الظل في زيادته ونقصانه، وتغير أحواله قوله: «ألم تر» فيه وجهان: أحدهما: أنه من رؤية العين. والثاني: أنه من رؤية القلب، يعني: العلم، فإن حملناه على رؤية العين، فالمعنى: أَلَمْ تَرَ إلى الظل كيف مده ربُّك، وإن حملناه على العلم وهو اختيار الزجاج، فالمعنى: ألم تعلم، وهذا أولى، لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر، فحمل هذا اللفظ على رؤية القلب أولى من هذا الوجه. وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للرسول فهو عام في المعنى، لأن المقصود بيان نعم الله تعالى بالظل، وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لهذه النعمة و «كَيْفَ» منصوبة ب «مَدَّ» ، وهي معلقة ل «تَرَ» فهي في موضع نصب، وقد تقدم القول في «أَلَمْ تَرَ» . فصل الظل عبارة عن عدم الضوء مما شأنه أن يضيء، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، جعله ممدوداً، لأنه ظل لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] إذ لم يكن معه شمس، ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾ دائماً ثابتاً لا يزول ولا تذهبه الشمس. وقال أبو عبيدة: الظل ما نسخته الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس. سمي فيئاً، لأنه فاء من جانب المغرب إلى جانب المشرق، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾ ، أي: على الظل دليلاً، ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرفت الظل، ولولا النور ما عرف الظلمة، والأشياء تُعْرَفُ بأضدادها. قال الزمخشري: فإن قُلتَ: «ثم» في هذين الموضعين كيف موقعها قلت موقعها لبيان تفاضل الأمور الثلاث، كأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم منهما تشبيهاً لتباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بينهما في الوقت. قوله: «ثُمَّ قَبَضْنَاهُ» يعني: الظل ﴿إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ بالشمس التي تأتي عليه، والقبض جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءاً فجزءاً «قَبْضاً يَسِيراً» أي: خفياً، وقيل: المراد من قبضها يسيراً قبضها عند قيام الساعة، وذلك قبض أسبابها، وهي الأجرام التي تلقي الظلال. وقوله: «يَسِيراً» كقوله: ﴿حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: 44] قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِبَاساً﴾ الآية. هذا هو النوع الثاني شبه الليل من حيث يستر الكل ويغطي باللباس الساتر للبدن، ونبه على (ما لنا فيه) من النفع بقوله: «والنَّوْمَ سُباتاً» والسبات: هو الراحة، أي: راحة لأبدانكم، وقطعاً لعملكم، وأصل السبت: القطع، والنائم مسبوت، لأنه انقطع عمله وحركته. قال أبو مسلم: السبات: الراحة، ومنه يوم السبت، لما جرت به العادة من الاستراحة فيه، ويقال للعليل إذا استراح من تعب العلة مسبوت. وقال الزمخشري: السبات: الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، قال: وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل﴾ [الأنعام: 60] . وإنما قلنا إن تفسيره بالموت أولى من تفسيره بالراحة، لأن النشور في مقابلته. ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾ قال أبو مسلم: هو بمعنى الانتشار والحركة، كما سمى تعالى نوم الإنسان وفاة فقال: ﴿يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42] كذلك وفق بين القيام من النوم والقيام من الموت في التسمية بالنشور. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَا﴾ الآية. هذا هو النوع الثالث، وقد تقدم الكلام على نظيرتها في الأعراف. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني: المطر، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: إنزال الماء موصوفاً بالطهارة وتعليله بالإحياء والسقي يؤذن بأن الطهارة شرط في صحة ذلك كما تقول: حملني الأمير على فرس جواد لأصيد عليه الوحش. قلت: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصف بالطهارة إكراماً لهم، وتتميماً للمنّة عليهم. وطهور: يجوز أن يكون صفة مبالغة منقولاً من ظاهر، كقوله تعالى: «شَرَاباً طَهُوراً» ، وقال: 3876 - إلى رُجَّحِ الأَكْفَالِ غِيدٌ مِنَ الصِّبَا ... عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ وأن يكون اسم ما يتطهر به كالسحور لما يتسحَّر به، والفطور لما يتفطَّر به، قال عليه السلام في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» أراد به المطهر، فالماء مطهر، لأنه يطهر الإنسان من الحدث والنجاسة، كما قال في آية أخرى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11] فثبت أن التطهير مختص بالماء. (وذهب أصحاب الرأي إلى أن الطهور هو الطاهر حتى جوزوا إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة كالخل وماء الورد، والمرق، ولو جاز إزالة النجاسة بها لجاز رفع الحدث بها. وقال عليه السلام: «التّراب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» ولو كان معنى الطهور هو الطاهر لكان معناه التراب طاهر للمسلم، وحينئذ لا ينتظم الكلام، وكذا قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه أن يغسل سبعاً» ولو كان الطهور هو الطاهر لكان معناه: طاهر إناء أحدكم، وحينئذ لا ينتظم الكلام) . ويجوز أن يكون مصدراً ك (القبول والولوع) . وقوله: «لِنُحْيِيَ بِهِ» فيه وجهان: أظهرهما: أنه متعلق بالإنزال. والثاني: وهو صعب أنه متعلق ب (طهور) . ووصف «بَلْدَةً» ب «مَيِّت» وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد. قوله: «وَنُسْقِيَهُ» العامة على ضمّ النون، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيوة وابن أبي عبلة بفتحها، وقد تقدم أنه قرئ بذلك في النحل والمؤمنون وتقدم الكلام (على ذلك) . قوله: «مِمَّا خَلَقْنَا» يجوز أن يتعلق «مِنْ» ب «نُسْقِيَهُ» ، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنها حال من «أَنْعَاماً» ، ونكرت الأنعام والأناسي، (قال الزمخشري) : لأن علية الناس وجلهم مجتمعون بالأودية والأنهار، فيهم غنية عن سقي الماء وأعقابهم وهم كثير منهم لا يعيشهم إلا ما ينزل الله من رحمته وسقيا (سمائه) . قوله: «وَأَنَاسِيَّ» فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه جمع إنسان، والأصل إنسان، وأناسين، فأبدلت النون ياء، وأدغمت فيها الياء قبلها نحو ظربان وظرابي. والثاني: وهو قول الفراء والمبرد والزجاج أنه جمع إنسي. وفيه نظر، لأن فعالي إنما يكون جمعاً لما فيه ياء مشددة لا تدل على نسب نحو كرسي وكراسي، فلو أريد ب (كرسي) النسب لم يجز جمعه على كراسي، ويبعد أن يقال: إن الياء في إنْسِيّ ليست للنسب، وكان حقه أن يجمع على (أناسية) نحو مهالبة في المهلبي، وأزارقة في الأزرقي. وقرأ يحيى بن الحارث الذماري والكسائي في رواية «وأناسِيَ» بتخفيف الياء. قال الزمخشري: بحذف ياء أفاعيل، كقولك (أناعم في أناعيم) . قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم إحياء الأرض وسقي الأنعام على سقي الأناسي. قلت: لأن حياة الأناسي بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فقدم ما هو سبب حياتهم، ولأنهم إذا ظفروا بسقيا أرضهم، وسقي أنعامهم لم يعدموا سقياهم فإن قيل: لم خص الإنسان والأنعام هاهنا بالذكر دون الطير والوحش مع انتفاع الكل بالماء؟ فالجواب: لأن الطير والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، لأن حوائج الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الإنعام عليهم (بسقي أنعامهم كالإنعام عليهم) بسقيهم. وقال: «أَنَاسِيَّ كَثيراً» ولم يقل: كثيرين، لأنه قد جاء فعيل مفرداً ويراد به الكثرة كقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾ [الفرقان: 38] ﴿وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً﴾ [النساء: 69] .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.