الباحث القرآني

واعلم أن إبراهيم - عليه السلام - لما استثنى رب العالمين وصفه بما يستحق العبادة لأله بأوصاف: أحدهما: قوله ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ ، وذلك لأن الله تعالى أثنى عليه نفسه بهذين الأمرين في قوله: ﴿الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: 2 - 3] . وقال: «خَلَقَنِي» بلفظ الماضي، لأن خلق الذات لا يتجدد في الدنيا، بل لما وقع بقي إلى الأمد المعلوم. وقال: «فَهُوَ يَهْدِيْن» بلفظ المستقبل، لأن الهداية مما تتكرر كل حين وأوان، سواء كانت تلك الهداية من المنافع الدنياوية بتمييز الناف عن الضار، أو من المنافق الدينية بتمييز الحق عن الباطل والخير عن الشر. قوله: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ . يجوز أن يكون مبتدأ وخبره محذوف وكذلك ما بعده، ويجوز أن تكون أوصافاً ل «الَّذِي خَلَقَنِي» ودخول الواو جائز، وقد تقدم تحقيقه في أول البقرة كقوله: 3911 - إلَى المَلِك القَرْمِ وَابنِ الهَمَامِ ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وأثبت ابن إسحاق - وتروى عن عاصم أيضاً - ياء المتكلم في: «يَسْقِينِ، ويَشْفِينِ، ويُحْيِينِ» . فصل المعنى: يرزقني ويغدوني بالطعام والشراب، ونبه بذكر الطعام والشراب على ما عداهما. قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ أضاف المرض إلى نفسه، وإن كان المَرض والشفاء كله من الله استعمالاً لحُسن الأدب كما قال الخضر: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [ الكهف: 79] ، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: 82] . وأجاب ابن الخطيب بأجوبة أخر، منها: أن أكثر أسباب المرض تحدث بتفريط الإنسان في مطاعمه ومشاربه وغير ذلك، ومن ثم قال الحكماء: لو قيل لأكثر الموتى: ما سبب آجالكم؟ لقالوا: التخَم. ومنها: أن الشفاء محبوب، وهو من أصول النعم، والمرض مكروه وليس من النعم وكان مقصود إبراهيم - عليه السلام - تعديد النعم، ولما لم يكن المرض من النعم لا جرم لم يضفه إلى الله، فإن نقضته بالأمانة فجوابه: أن الموت ليس بضرر، لأن شرط كونه ضرراً وقوع الإحساس به، وحال حصول الموت لا يحصل الإحساس به، إنما الضرر في مقدماته، وذلك هو عين المرض، ولأن الأرواح إذا كملت في العلوم والأخلاق كان بقاؤها في هذه الأجساد عين الضرر، وخلاصتها عنها عين السعادة (بخلاف المرض) . قوله: ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . والمراد منه: الإماتة في الدنيا والتخلص عن آفاتها، والمراد من الإحياء: المجازاة، ولذلك أدخل «ثُمَّ» للتراخي، أي يميتني وحيين في الآخرة. قوله: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ قرأ العامة: «خَطِيئَتِي» بالإفراد. والحسن: «خَطَايَايَ» جمع تكسير. فإن قيل: لم يقال: «والَّذِي أَطْمَعُ» والطمع عبارة ن الظن والرجاء، وهو عليه السلام كان قاطعاً بذلك؟ فالجواب: هذا الكلام يستقيم على مذهب أهل السنة، حيث قالوا: لا يجب على الله لأحد شيء، وأن يحسن منه كل شيء، ولا اعتراض لأحد عليه في فعله. وأجاب الجبائي عنه من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي﴾ أراد به سائر المؤمنين، لأنهم الذين يطعون ولا يقطعون به. والثاني: المراد من الطمع: اليقين، وهو المروي عن الحسن. وأجاب الزمخشري بأنه إنما ذكره على هذا الوجه تعليماً لأمته كيفية الدعاء. قال ابن الخطيب: وهذه وجوه ضعيفة، أما الأول فإن الله تعالى حكى الثناء أو والمدح ثانياً، ومن أول المدح إلى آخر الدعاء كلام إبراهيم - عليه السلام - فجعل الشيء الواحد وهو كقوله: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي يَوْمَ الدين﴾ كلام غيره ممّا يبطل نظم الكلام ويفسده. وأما قوله: إن الطمع هو اليقين (فهذا) على خلاف اللغة. وأما الثالث وهو أن المراد تعليم الأمة فباطل أيضاً، لأن حاصله يرجع إلى أنه كذب على نفسه لغرض تعليم الأمة، وإنه باطل أيضاً. فإن قيل: لم أسند إلى نفسه الخطيئة مع أن الأنبياء منزهون عن الخطايا؟ فالجواب من وجوه: أحدها: قال مجاهد: هي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89] وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: «هذه أختي» وزاد الحسن قوله للكوكب: ﴿هذا رَبِّي﴾ [الأنعام: 76] . قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأن نسبة الكذب إليه غير جائز. وثانيها: أنه ذكره على سبيل التواضع وهضم النفس. قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف، لأنه إن كان صادقاً في هذا التواضع فقد لزم الإشكال، وإن كان كاذباً فحينئذ يرجع حاصل الجواب إلى إلحاق المعصية به، وهو منزه عن المعصية. وقال: وثالثها، وهو الجواب الصحيح: أن يحمل ذلك على ترك الأولى، وقد يسمى ذلك خطأ، فإن من ملك جوهرة أمكنه أن يبيعها بألف ألف دينار، فباعها بدينار، وقيل: إنه أخطأ، وترك الأولى على الأنبياء جائز. فإن قيل: ما فائدة قوله: «يَغْفِرَ لِي» ؟ فالجواب من وجوه: الأول: أن الأأب إذا عفا عن ولده، والسيد عن عبده، والزوج عن زوجته فإنما يكون ذلك طلباً للثواب، أو لحسن الثناء والمحمدة، أو دفعاً للألم الحاصل من الرقة الجنسية، وإذا كان كذلك لم يكن عفوه إلا رعاية جانب نفسه، إما لتحصيل ما ينبغي، أو لدفع ما لا ينبغي، وأما الإله سبحانه فإنه كامل بذاته فيستحيل أن تحدث له صفات كمال لم تكن، أو يزول عنه نقصان كان، وإذا كان كذلك لم يكن فعوه إلا رعاية لجانب المعفو عنه. فقوله: «يَغْفِر لِي» معناه: أن غفرانه لي ولأجلي، لا لأجل أمر عائد إليه ألبتة. وثانيها: كأنه قال: خلقتني لا لي، فإنك حين خلقتني لم أكن موجوداً، فإذا عفوت كان ذلك العفو لأجلي، فلما خلقتني أولاً مع أني ما كنت محتاجاً إلى ذلك الخلق، فلأن تغفر لي وتعفو عني حال ما أكون في أشد الحاجة إلى العفو والمغفرة كان أولى. وثالثها: أن إبراهيم - عليه السلام - كان مع شدة استغراقه في المعرفة شديد الفرار عن الوسائط، ولذلك لما قال له جبريل: «ألك حاجة؟» قال: «أما إليك فلا» فهاهنا قال: ﴿أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ أي: بمجرد عبوديتي واحتياجي إليك تغفر لي خطيئتي، لا أن تغفرها بواسطة شفاعة شافع، فإن قيل: لم علق غفران الخطيئة بيوم الدين وإنما تغفر في الدنيا؟ فالجواب: لأن أثرها يظهر يوم الدين، وهو الآن خفي لا يعلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.