الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ﴾ العامة على كسر الهمزتين على الاستئناف جواباً لسؤال قومها، كأنهم قالوا: ممن الكتاب؟ وما فيه؟ فأجابتهم بالجوابين. وقرأ عبد الله: ﴿وَإِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ بزيادة واو عاطفة ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ على قوله: ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ﴾ [النمل: 29] . وقرأ عكرمة وابن أبي عبلة بفتح الهمزتين، صرح بذلك الزمخشري وغيره. ولم يذكر أبو البقاء إلا الكسر في ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ وكأنه سكت عن الثانية، لأنها معطوفة على الأولى، وفي تخيرج الفتح فيهما أوجه: أحدهما: أنه بدل من «كِتَاب» بدل اشتمال، أو بدل كلٍّ من كلّ، كأنه قيل: ألقي إليَّ أنه من سليمان، وأنه كذا وكذا، وهذا هو الأصح. والثاني: أنه مرفوع ب «كَرِيم» ذكره أبو البقاء. الثالث: أنه على إسقاط حرف العلة. قال الزمخشري: ويجوز أن يريد لأنه من سليمان ولأنه، كأنها عللت كرمه بكونه من سليمان وتصديره باسم الله. وقال مكي: وأجاز الفراء الفتح فيهما في الكلام، كأنه لم يطلع على أنها قراءة وقرأ أُبيّ: أنْ من سليمان وأنْ بسم الله بسكون النون فيهما، وفيها وجهان: أظهرهما: أنها «أن» المفسرة، لتقدم ما هو بمعنى القول. والثاني: أنها المخففة واسمها محذوف، وهذا لا يتمشى على أصول البصريين؛ لأن اسمها لا يكون إلا ضمير شأن وضمير الشأن لا يفسر إلا بجملة مصرح بجزئيها. فصل قال المفسرون: أخذ الهدهد هذا الكتاب، وأتى به إلى بلقيس، وكان بأرض يقال لها: «مأرب» من صنعاء، فرمى بالكتاب إليها، فأخذته بلقيس، وكانت قارئة، ومن ثم اتخذ الناس البطائق، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت، لأن ملك سليمان كان في خاتمه، وعرفت أن الذي أرسل الكتاب أعظم ملكاً منها، لطاعة الطير وهيبة الخاتم، فقرأت الكتاب وتأخر الهدهد غير بعيد، فقعدت على سرير ملكها، وجمعت الملأ من قومها، وقالت لهم: ﴿إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 29] قال عطاء والضحاك: سمته كريماً، لأنه كان مختوماً. وروى ابن عباس عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «كرمه ختمه» وقال مقاتل والزجاج: كريم أي: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس أي: شريف لشرف صاحبه. وقيل سمته كريماً، لأنه مصدر ب «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ثم بينت ممن الكتاب، فقالت: ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ، وبينت المكتوب فقالت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ . فإن قيل: لم قد سليمان اسمه على قوله: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ؟ فالجواب: حاشاه من ذلك، بل ابتدأ الكتاب ب ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ، وإنما كتب اسمه عنواناً بعد ختمه، لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه كما هو المعهود، ولذلك قالت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ ، أي: إنّ الكتاب ... فالتقديم واقع في حكاية الحال. واعلم أن قوله: ﴿بِسْمِ الله الرحمن الرحيم﴾ مشتمل على إثبات الصانع سبحانه، وإثبات كونه عالماً قادراً حياً مريداً حكيماً رحيماً. فصل وقد استنبط الشيخ الإمام العالم شرف الدين محمد بن سعيد الشهير بالبوصيري من أسرار البسملة ما أبطل به مذهب النصارى، فقال: بلغني أن بعض النصارى انتصر لدينه، وانتزع من البسملة الشريفة دليلاً على تقوية اعتقاده في المسيح وصحة يقينه فقلب حروفها ونكر معروفها وفرق مألوفها وقدم فيها وأخر وفكّر وقدر فتقل كيف قدر، ثم عبس وبسر، ثم أدبر واستكبر، فقال: قد انتظم من البسملة: «المسيح ابن الله المحرر» . وظن ذلك سراً في قلب البسملة مضمراً، وعلى جبين الكتاب العزيز مسطراً، فنظرت إلى ما عزاه إلى البسملة واستخرجه من حروفها المستعملة والمهملة فإذا هو: «لا ما المسيح ابن الله محرر» ، فأسقط في يده، ونكص على عقبيه، وقامت حجته من لسانه عليه، ثم عاد إليّ رسوله يخبر أن الذي صح له نظمه وتمت عنده منها حكمه: «ألم المسيح ابن الله محرراً» ، فقلت: ورسل الله كلهم ألموا وأنبياؤه، فأي خصوصية لربك بالنبوة، وأي رتبة زدته بهاعلى النبوة، فقال: أردت بالألم إثبات ما أنكرته من الصلب، ونقيته عنه من ألم الطعن والضرب، وقد شهدت به كتب الله المنزلة، وشافهتك به حروف البسملة، فقلت: وهل شهدت لك إلا بالنقيض، ورحت منها بأخيب قداح المفيض، وحيث رضيت البسملة بيننا وبينك حكماً وجوزت منها أحكاماً عليك وحكماً، فالتنصرن البسملة الأخيار منا على الأشرار، ولتفضلن أصحاب الجن على أصحاب النار، وحيث كان مقصودك من ذكر الألم الإفصاح عما أردته من الصلب والطعن والضرب والثلب وسقيه من الخل الممزوج بالمرار بئس الشراب فخذ الجواب عنه، والله الموفق للصواب: أما دعواك النبوة فقد قالت لك البسملة بلسان حالها: لا ما المسيح ابن الله محرر، وألحقته بقولها: الحلم ربح رأس المال، لحملة الإيمان، الحلم ربح رأس مال الإيمان، ليس برّاً من أَحَلَّ ما حرم الله، المسلم له نبي حرم الراح لنبيه، سلم بالله من يحرم الراح، لله نبي مسلم حرم الراح، المسلم للرحمانية رابح، لا مرحمة للئام أبناء السحرة، رحم حر مسلم أناب إلى الله، إنما الله رب للمسيح راحم. وزعمت أنه ربك، فقالت: حرم من لا رب له إلا المسيح، وقالت أيضاً: النحر لأمم لها المسيح رب، وقلت: إنه حمل الله، فقالت: أسمي لله ابن المحرر حملاً، وقالت ما أسلم الرب حمله يسخر، وقالت: ألا يحرس الرب حمله من ألم؟ وقلت: إنه ألم، فقالت المحرر من ربه حل الألم، وقالت: سل حمرنا أربهم يحل الألم؟ وقالت: حرم حمار ينسب لله الألم، وقلت: إنه طعن بالحربة مسمراً، فقالت: من رأى المسيح ألم للحربة، وقالت: إن ربّاً حلل مسمره لحليم، وقالت: أحالل ربنا الحليم مسمره؟ وقالت: أمحالل الرب الحي من سمره، وقلت: إنه إله يحلل ويحرم، فقالت: ابن سليل رحم لا غله محرم، وقالت: سل ابن مريم أحل الحرام، وقالت: أمحلل لم حرمه رب الناس، وإن قلت: إنه رسول صدقتك، وقالت: أيل أرسل الرحمة من بلحم ويرحمه؛ أيل اسم من أسماء الله تعالى بلسان كتبهم وترجمة بلحم «بيت لحم» الذي ولد في المسيح. وقلت: إنه ركب الحمار، فقالت: سلم أن الرب لا يحمله حمار، وقالت للناس: رب لم يحمله حمار وباهيتها ببسملتك التي لفقها الفلاسفة للأساقفة، فقالت لم نر أحبار الملة المسيح، وقالت: أحبار الملة محل مرسلين، وقال: ما حرر إلا المسيح الأمانة وقلت: إن النصارى لا تمسهم النار، فقالت: حر لهب النار لأمم المسيح، وكهرت الإسلام بإيمان، وقالت: من حرم الإسلام لا ربح له، وقالت: إن المسلم لحري بالرحمة، وقالت: ما برح الله راحم المسلمين، وقالت: إن ملة الإسلامة رحم رحيب، وقالت: لا راحة لمحارب المسلمين، وقالت: إن ملة الإسلام رحم رحيب، وقالت: لا راحة لمحارب المسلمين، وقالت: الإسلام حرم لا رأي لمحاربه. وقالت: المسلم حرب للنار الحامية، وقالت: حن المسلم إلى رحمة الرب، وقالت: الأحبار رحمة للمسلمين، وقالت: المحراب راحة للمسلمين، ونَقِمْتَ قيام الدين بالسيف، فقالت: أم الحسام للنبي الرحمة، وأثنت البسملة على نفسها فقالت: البسملة لأرحم الراحمين، وقالت: الحرُّ ينال الرحمة ما بسمل. فانظر إلى البسملة قد لاحت لك بارقة من أنوارها وحلت لك عقدة من إزار أسرارها تخبر أن من وارء رجلها خيولاً وليوثاً، ومن دون طلبها سيولاً وغيوثاً، وأما بسملتك فلو كان على أصل ثابت، أو لم تغرس من الكفر على أخبث المنابت، لهززت إليك بجذعها، واستدللت عل طيب أصلها بخير فروعها، لكنّي ودتها شجرة خبيثة، وثمرة لا تسوغها القديمة ولا الحديثة، ألفاظها تصم الأسماع ومعانيها تحلّ عقود الإجماع، والنظر فيها يصدىء الأفهام والعقول، ويعلم كل غائب ما يقول، ولذلك ضربت عن ذكرها صفْحاً، وعددت الإعراض عنها غنيمةً وربحاً، فكفرها قائم وقاعد، والمعترف بها سواء والجاحد، والثلاثة الآلهة فيها يوصفون بالواحد، وأما بسملة المسلمين: فإنّ الله أودعها من العلوم والحكم ما فضلهم به على سائر الأمم، وأعلم أنّ منها ألفات اختصرت، وبين الهجاء مواضعها غابت أو حضرت، وقد استعملت بعضها في بعض المواضع؛ لأبين حكمها وأحيي رسمها، وصرفتها للمسألتين، وصارت كعبة فضلها للقبلتين، وتارة توافق حروفها في العدد والعادة، وتارة تقضي على ألفات الوصل بالزيادة، وما أخطأت - بحمد الله - منها واحدة صواباً، ولا عييت جواباً ولا خرجت عن حدها كتابة ولا حساباً، ولا تحسبني استحسنت كلمتك الباردة، فنسجت على منوالها، وقابلت الواحدة منها بعشر أمثالها، وما كان ذلك الهذيان مما يُجاب، لولا ما يداخلك من التيه والإعجاب، فتظن أنّك جِئْتَ بشيء عُجاب، أو حكمة كلمك الله بها وحياً أو من وراء حجابٍ، وتقول لإخوانك الذين يمدُّونك في الغَيّ ويحسبون أنك على شيء: قد أفحمت بكلمتي المسلمين، وأسكت بمسألتي فُضلاء المتكلمين، فتذر قومك في طغيانهم، وتقرهم على فساد إيمانهم، ولا أنت ممن يجري بمحاكاة كفرك قلمي، ولا أحرّك به لساني، ولا أفغر به فمي، وقد أتيتك بما يتعبك فيبهتك ويسمعك ما يصمّك عن الإجابة، ويصمتك على أسلوب رأيته في كتب أنبيائك، وتفاسير علمائك تعلم به أنّ هذه البسملة مستقر لسائر العلوم والفنون، ومستودع لجوهر سرِّها المكنون، أَلاَ ترى أَنَّ البسملة إذا حصلت جُمَلها كان عدده سبعمائة وستة وثمانين ب، س، م، ا، ل، ل، هـ، ا، ل، ر، ح، م، ن، ا، ا، ل، ر، ح، ي، م، 2، 60، 40، 1، 30، 30، 5، 1، 30، 200، 8 40، 50، 1، 30، 200، 8، 10، 40 وإذا قُلتَ إِنّ مثل عيسى كآدم وافق جملها سبعمائة وستّة وثمانين، وإنْ باهيتها ببسملتك التي ترعد من كفرها الفرائص، وتجوز بالبهتان ما لا يجوز على الله من النقائص، ردت عليه وقالت: ليس لله من شريك، جملها سبعمائة وستة وثمانين، بحساب الألف التي بعد لامي الجلالة، وقالت: ولا أشر ربّي أحداً سبعمائة وستة وثمانين، وقالت: ما لِعُلُومِ الفلسفة أنوار هداية، سبعمائة وستة وثمانين، وقالت: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ: سبعمائة وستة وثمانين، بإسقاط ألف الجلالة. ولو استشهدت ببسملتك لشهدت لي بالحقّ عليك، وشكت إلى الله وإلى النّاس مما نسبت من الإفك والبهتان إليك، إذا ألفاظها - وحاكي الكفر ليس بكافر - تنافي المعقول والمنقول، وتنافر: «بسم الب والابن وروح القدس، إله واحد» ، وباطنها يقول: «ما سبح إلاّ بنور، الإله القدوس واحد» ، وتقول: بسملوا بالقرآن، ووحّدُوا الله بلا جسد، فهي كافرة الظاهرة مؤمنة الباطن، كسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ونظرت في محصلها من العدد، فإذا جملته ستمائة وستة وتسعون، فإذا قلت: أُفٍّ لها بسملة ما نزّل اللَّه بها من سُلطَانٍ، وافقت المعنى وطابقت العدد، وكانت ستمائة وستة وتسعون، وكذلك ما عطفته عليها من الكلام، وهو: ﴿بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان﴾ [الحجرات: 11] موافق للمعنى مطابق للعدد: ستمائة وستة وتسعون، وكذلك قولك: «لا بسملة بحقّ كبسملةِ المسلمين» ستمائة وستة وتسعون، وقد أجابتك البسملة بما لم تحط به خُبراً، وجاءتك بما لم تستطع عليه صبراً، على الأسلوب الذي تضمنته شريعتكم، فإنّي رأيت في إنجيلك وقد سَأَلَتْ بنو إسرائيل المسيح أن يُرِيهم آية، ليؤمنوا به وهو في بيت المقدس، فقال: تهدمون هذا الهيكل، وأنا أٌقِيمُه في ثلاثة أيام، فقالوا: بيت بني في خمسة وأربعين سنة، يقيمه في ثلاثة أيام!! وعلله في الإنجيل أنه أشار إلى هيكل نفسه الذي هو هيكل آدم، وحمله خمسة وأربعون وفي هذا ردّ عليهم ليس هذا موضعه. ورأيتُ في التوراة في البشارة بإسماعيل بعد قوله: «وأكبره وأنميه بماد ماد» ومعناه بحد جدلها بل اشار بها إلى اسم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، بطريق الحمل، إذ هو اثنان وتسعون في الموضعين، وفي قصة يعقوبإذ قال لبنيه ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ [البقرة: 133] ، فقالوا له: أعلم إسرائيل (الله أحد) فطابت نفسه، وعلم أن بنيه الاثني عشر سبطاً يعبدون الله وحده، لأنّهم عَدَلُوا عن قولهم: «اللَّه واحدٌ» إلى قولهم: «اللَّهُ أَحَدٌ» ، إذ جملها ثلاثة عشر، وهي إشارة إلى أنّ الاثني عشر سبطاً يعبدون الله الواحد. وفيه أنّ المصلّي إذا دخل في الصلاة تكون على رأسه طيلسان يسمى: «صيصيت» ، وفي طرفه خمسة خيوط وثمان عقد ليجتمع له من جمع صيصت وهو ستمائة ومن خمسة خيوط وثمان عقد ثلاثة عشر لتتمة ما عليهم من الفرائض، وهي ستمائة، وثلاث عشرة فريضة، ليذكورا بها ما كتب الله عليهم من الفرائض، والتزموا (بها) . ولنرجع إلى الإعراب والتفسير. قوله: «أَلاَّ تَعْلوا» فيه أوجه: أحدها: أن «أَنْ» مفسرة كما تقدم في أحد الأوجه في «أَنْ» قبلها في قراءة عكرمة، ولم يذكر الزمخشري غيره، وهو وجه حسن، لما في ذلك من المشاكلة، وهو عطف الأمر عليه، وهو قوله: «وَأْتُونِي» . الثاني: أنها مصدرية في محل رفع بدلاً من «كِتَاب» ، كأنّه قيل: ألقي إليَّ أن لا تعلُوا عَلَيَّ. الثالث: أنها في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر، أي هو أن لا تعلوا. الرابع: أنها على إسقاط الخافض، أي: بأن لا تعلوا، فيجيء في موضعها القولان المشهوران. والظاهر أن «لا» في هذه الأوجه الثلاثة للنهي، وقد تقدّم أن «أَنْ» المصدرية توصل بالمتصرف مطلقاً. وقال أبو حيان: و «أَنْ» في قوله: ﴿أَن لاَّ تَعْلُواْ﴾ في موضع رفع على البدل من «كتاب» ، وقيل في موضع نصب على: ﴿بأَنْ لاَّ تَعْلُوا﴾ ، وعلى هذين التقديرين تكون «أن» ناصبة للفعل. فظاهر هذا أنّها نافية، إذ لا يتوصر أن تكون ناهية بعد «أن» الناصبة للمضارع، ويؤيّد هذا ما حكاه عن الزمخشري، فإنّه قال: وقال الزمخشري: و «أن» في أن لا تَعْلُوا مفسرة، قال: فَعَلَى هذا تكون «لا» في: « لاَ تَعْلُوا» للنهي، وهو حسن لمشاكلة عطف الأمر عليه فقوله: «فعلى هذا» : إلى آخره صريح بأنّها على غير هذا يعني الوجهين المتقدمين ليس للنهي فيهما، ثم القول بأنّها للنفي لا يظهر، إذ يصير المعنى - على الإخبار منه عليه السلام - بأنّهم لا يعلون عليه، وليس هذا مقصوداً، وإنّما المقصود أن ينهاهم عن ذلك. وقرأ ابن عباس والعقيلي: «تغلوا» - بالغين المعجمة، من الغلو، وهو مجاوزة الحد. فصل قال ابن عباس: «لا تتكبروا عليَّ» ، وقيل: لا تتعظموا ولا ترتفعوا عليَّ أي: لا تمتنعوا من الإجابة، فإنّ ترك الإجابة من العلوّ والتكبر، «وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» : مؤمنين طائعين، قيل: هو من الإسلام، وقيل: من الاستسلام. فإنْ قيل: النهي عن الاستعلاء والأمر بالانقياد قبل إقامة الدلالة على كونه رسولاً حقاً يدل على الاكتفاء بالتقليد. فالجواب: معاذ الله أن يكون هناك تقليد؛ وذلك لأنّ رسول سليمان إلى بلقيس الهدهد، ورسالة الهدهد معجزة، والمعجزة تدل على وجود الصانع وصفاته، وتدل على صدق المُدَّعِي للرسالة، فلمَّا كانت تلك الرسالة دلالة تامة على التوحيد والنبوة، لا جرم لم يذكر في الكتاب دليل آخر. قوله: ﴿يا أيها الملأ أَفْتُونِي في أَمْرِي﴾ أشيروا عليَّ فيما عرض لي، وأجيبوني فيما أشاوركم، والفتوى هي الجواب في الحادثة، استفتت، على طريق الاستفادة من الفتي في السن، أي: أجيبوني في الأمر الفتي، وقصدت بذلك استطلاع آرائهم وتطييب قولبهم. ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً﴾ قاضية وفاصلة، ﴿حتى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون. «قَالُوا» مجيبين لها، ﴿نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾ في القتال، ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ، في الحرب، قال مقالت: أرادوا بالقوة كثرة العدد، وأرادوا بالبأس الشديد: الشجاعة، والبأس: النجدة والبلاء في الحرب، وهذا تعريض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك، ثم قالوا: «وَالأَمْرُ إِلَيْكِ» أيتها الملكة في التقال وتركه. قوله: «مَذَا تَأْمُرِينَ» ماذا هو المفعول الثاني ل «تأمرين» ، والأول محذوف تقديره: « تأمريننا» ، والاستفهام معلق للنظر، ولا يخفى حكمه مما تقدم قبله، والمعنى: فانظري في الرأي ماذا تأمرين تجدينا لأمرك طائعين. قالت - مجيبة لهم - عن التعريض بالقتال -:
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.