الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ العامة على ضم تاء المضارعة من: أَكنَّ، قال تعالى: «أَوْ أَكْنَنْتُمْ، وابن محيصن وابن السميفع وحُميد بفتحها وضم الكاف، يقال: كَنَنْتُهُ وَأَكْنَنْتُهُ، بمعنى: أخفيت وسترت. قوله: ﴿وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ﴾ في هذه التاء قولان: أحدهما: أنّها للمبالغة، كراويةٍ وعلاّمة، وقولهم: ويل للشاعر من رواية السوء، كأنه تعالى قال: وما من شيء شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد عَلِمه الله. والثاني: أنها كالتاء الداخلة على المصادر نحو: العافية والعاقية، قال الزمخشري: ونظيرها الذبيحة والنطيحة والرّمية في أنها أسماء غير صفات. ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في اللوح المحفوظ والمبين: الظاهر المبين لمن ينظر فيه من الملائكة. قوله : ﴿إِنَّ هذا القرآن﴾ الآية، لما تمَّمَ الكلام في إثبات المبدأ والمعاد، ذكر بعده ما يتعلق بالنبوة، ولمَّا كانت العمدة الكبرى في إثبات نبوة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هي القرآن لا جرم بيّن الله تعالى أولاً كونه معجزة من وجوه. أحدها: أنّ الأقاصيص المذكورة في القرآن موافقة للمذكور في التوراة والإنجيل، مع العلم بأنه - عليه السلام - كان أُمّيّاً - ولم يخالط العلماء، ولم يشتغل بالاستفادة والتعلّم، فإذن لا يكون ذلك إلاّ من قِبَل الله تعالى، وأراد ما اختلفوا فيه وتباينوا، وقبل ما حرّفه بعضهم، وقيل: إخبار الأنبياء. وثانيها: قوله ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ ، وذلك لأنّا تأملنا في القرآن فوجدنا فيه من الدلائل العقلية على التوحيد والحشر والنشر والنبوّة وشرح صفات الله ما لم نجده في كتاب من الكتب، ووجدناه مبرءاً من النقص والتهافت، فكان هدى ورحمة من هذه الوجوه، ووجدنا القوى البشرية قاصرة عن جمع كتاب على هذا الوجه، فعَلمنا أنه ليس إلا من عند الله تعالى، فكان القرآن معجزاً من هذه الجهة. وثالثها: ﴿إِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ لبلوغه في الفصاحة إلى حيث عجزُوا عن معارضته وذلك معجزة. قوله: «بحُكْمِهِ» العامة لعى ضم الحاء وسكون الكاف، وجناح بن حبيش بكسرها وفتح الكاف، جمع حكمة، أي: نقضي بين المختلفين يوم القيامة بحكمة الحق «وَهُوَ العَزِيزُ» والمنيع فلا يرد له أمر، «العَلِيمُ» بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فإنْ قيل: القضاء والحكم شيء واحد، فقوله: ﴿يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾ كقوله يقضي بقضائه ويحكم بحكمه!! فالجواب: معنى قوله: «بِحُكْمِهِ» أي: بما يحكم به وهو عدله لا يقضي إلا بالعدل، أو أراد بحكمه على القراءة بكسر الحاء. قوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ أي البيّن، ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ يعني الكفار، وإنّما حسن جعله سبباً للأمر بالتوكل، لأن الإنسان ما دام يطمع في أخذ شيء فإنه لا يقوى قلبه على إظهار مخالفته، فإذا قطع طمعه عنه قوي قلبه على إظهار مخالفته، فاللَّه تعالى قطع طمع محمد - عليه السلام - بأ بيَّن أنهم كالموتى وكالصم والعمي فلا يسمعون ولا يفهمون ولا يبصرون ولا يلتفتون إلى شيء من الدلائل، وهذا سبب لقوة قلبه - عليه السلام - على إظهار الدين كما ينبغي. قوله: ﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعآء﴾ قرأ ابن كثير: «لاَ يَسْمَعُ» بالياء مفتوحة، وفتح الميم «الصُّمُّ» رفع وكذلك في سورة الروم، وقرأ الباقون بالتاء وضمها وكسر الميم «الصُّمَّ» نصب ﴿إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ : معرضين. فإن قيل: ما معنى قوله: «وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ» وإذا كانوا صمّاً لا يسمعون سواء ولوا أو لم يولوا؟ قيل ذكره تأكيداً ومبالغة، وقيل: الأصم إذا كان حاضراً قد يسمع برفع الصوت ويفهم بالإشارة، فإذا ولّى مُدبراً لم يسمع ولم يفهم. قال قتادة: الأصم إذا ولّى مُدبراً ثم ناديته لم يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان. والمعنى: إنهم لفرط إعراضهم عما يدعون إليه كالميّت الذي لا سبيل إلا إسماعه والأصم الذي لا يسمع. قوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي العمي﴾ العامة على «بِهَادِي» مضافاً ل «العُمْي» ، وحمزة «تَهْدِي» فعلاً مضارعاً و «العُمْيَ» نصب على المفعول به. وكذلك التي في الروم. ويحيى بن الحارث وأبو حيوة «بِهَادِ» منوناً «العُمْيَى» منصوب به وهو الأصل. واتفق القراء على أن يقفوا على «هَادٍ» في هذه السورة بالياء، لأنها رُسمت في المصحف ثابتةً، واختلفوا في الروم، فوقف الأخوان عليها بالياء أيضاً كهذه، أما حمزة، فلأنه يقرأها «تَهْدِي» فعلاً مضارعاً مرفوعاً فياؤه ثابتة. قال الكسائي: من قرأ «تَهْدِي» لزمه أن يقف بالياء، وإنّما لزمه ذلك لأن الفعل لا يدخله تنوين في الوصل تحذف له الياء، فيكون في الوقف كذلك، كما يدخل التنوين على «هَادٍ» ونحوه، فتذهب الياء في الوصل، فيجري الوقف على ذلك لمن وقف بغير ياء انتهى. ويلزم على ذلك أن يوقف على «يقضي الحقّ» و ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] بإثبات الياء والواو، ولكن يلزم حمزة مخالفة الرسم دون القياس، وأمّا الكسائي فإنه يقرأ «بِهَادِي» اسم فاعل كالجماعة، فإثباته للياء بالحمل على «هَادِي» في هذه السورة، وفيه مخالفة الرسم السلفي. قوله: «عَنْ ضَلاَلَتِهِمْ» فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «تَهْدِي» وعدي ب (عن) لتضمنه معنى تصرفهم. الثاني: أنه متعلق بالعمي، لأنك تقول: عمى عن كذا ذكره أبو البقاء. فصل المعنى: ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى قلبه عن الإيمان أن يسمع ﴿إلا من يؤمن بآياتنا﴾ إلا من يصدق بالقرآن أنه من الله، «فَهُم مُسْلِمُونَ» مخلصون لله. «مِنْ» في قوله: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾ [البقرة: 112} يعني سالماً لله خالصاً لله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.