الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ أي: قصد نحوها ماضياً إليها، يقال: داره تلقاه دار فلان، إذا كانت محاذيتها وأصله من اللقاء، قال الزجاج: أي: سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها. قال ابن عباس: خرج وما قصد مدين ولكنه سلم نفسه إلى الله ومشى من غير معرفة فأسلمه الله إلى مدين، وقيل: وقع في نفسه أن بينهم وبينه قرابة؛ لأنهم من ولد مدين بن إبراهيم وكان من بني إسرائيل، سميت البلدة باسمه فخرج ولم يكن له علم بالطريق بل اعتمد على الله، وقيل: جاءه جبريل عليه السلام، وعلمه الطريق. قال ابن إسحاق: خرج من مصر إلى مدين خائفاً بلا زاد ولا ظهر وبينهما مسيرة ثمانية أيام ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ﴿قَالَ عسى ربي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السبيل﴾ ، أي: قصد الطريق إلى مدين. قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ وهو الماء الذي ستقبون منه وهو بئر، ووروده: مجيئه، والوصول إليه، «وَجَدَ عليه» أي: على شفيره ( «أمَّةً» جماعة كثيفة العدد «مِنَ النَّاسِ» مختلفين «يَسْقُونَ منها مواشيهم) ، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أي: سوى الجماعة، وقيل: في مكان أسفل من مكانهم. قوله:» امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ «ف» تذودوان «صفة ل» امْرَأَتِيْنِ «لا مفعول ثاني، لأَنَّ» وَجَدَ «بمعنى: لقي، والذَّودُ، الطرد والدفع، قال: 3985 - فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِهِ ... وقيل: حبس: ومفعوله محذوف، أي: يَذُودانِ النَّاسَ عن غَنمهما، أو عن مزاحمة الناس، وقال الزمخشري: لم ترك المفعول غير مذكور في» يَسْقُونَ «و» تَذُودَانِ «و» لاَ نَسْقِي» ، قُلتُ: لأنَّ الغرض هو الفعل لا المفعول، وكذلك قَوْلهُمَا: ﴿لاَ نَسْقِي حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ المقصود منه السَّقي لا المَسْقِيّ. (فصل واختلفوا في السبب المقتضي لذلك الحبس، فقال الزجاج: لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم، وقيل: لئلا يختلطن بالرجال، وقيل: كانتا تذودان عن وجوههما نظر الرجال لتسترهما، وقيل: تذودان الناس عن غنمهما، وقال الفراء: يحبسانها لئلا تتفرق وتتسرب، وقيل: تذودان أي: معهما قطيع من الغنم، والقطيع من الغنم يسمى: ذوداً، وكذلك قطيع البقرب وقطيع الإبل. قال عليه السلام: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ دَوْدٍ صَدَقَة» وقال الشاعر: 3986 - ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ، وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ... لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي قوله: «مَا خَطْبكُمَا» تقدم في طه، وقال الزمخشري: هنا حقيقته: مَا مخطُوبُكما؟ أي: ما مطلُوبُكُمَا من الذياد؟ فسمي المخطُوب خطباً كما سمي المشئُونُ شأْناً في قولك: ما شأنُكَ؟ يقال: شَأنْتُ شَأْنَهُ، أي: قَصَدْتُ قَصْدَه. وقال ابن عطية: السؤال بالخطب إنما هو في مُصَاب أو مُضطهد أو مَنْ يُشْلإقُ عليه أو يأتي بمنكر من الأمر. وقرأ شَمِر «خِطْبَكُمَا» بالكسر أي: ما زوجكما؟ أي: لِمَ تَسْقِيَانِ وَلَمْ يَسْقِ زَوْجُكُمَا؟ وهي شاذة جداً. قوله: ﴿حتى يُصْدِرَ الرعآء﴾ قرأ أبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر بفتح الياء وضم الدال من صَدَرَ يَصْدُرُ وهو قاصر، أي: حتى يرجع الرعاء: أي: يرجعون بمواشيهم والباقون بضم الياء وكسر الدال مضارع أَصدرَ مُعدًّى بالهمزة، والمفعول محذوف، أي: يُصدرُونَ مواشِيهم، والعامة على كسر الراء من «الرِّعَاء» ، وهو جمع تكسير غير مقيس لأنَّ فاعلاً الوصف المعتل اللام كقاضٍ قياسه (فُعَلَة) نحة قُضَاة ورُمَاة. وقال الزمخشري: وأما الرِّعَاء بالكسر فقياس كصِيام وقِيام. وليس كما ذكر (لِمَا ذَكَرْنَاهُ) . وقرأ أبو عمرو - في رواية - بفتح الراء. قال أبو الفضل: هو مصدر أقيم مقام الصفة فلذلك استوى فيه الواحد والجمع أو على حذف مضاف، وقرىء بضمها، وهو اسم جمع كرخال وثُنَاء. وقرأ ابن مصرف «لا نُسْقِي» بضم النون من أَسْقَى، وتقدم الفرق بين سَقَى وأَسْقَى في النحل، والمعنى لا نسقي حتى يرجع الرّعاء عن الماء، والرّعاء جمع راع مثل تاجر وتِجَار، أي: نحن امرأتان لا نطيق أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض، و ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يسقي مواشيه ولذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم. فصل قال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: أبوهما هو شعيب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. (وإنه عاش عمراً طويلاً بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى عليه السلام، وتزوج بابنته) . وقال وهب وسعيد بن جبير: هو يثرون ابن أخي شعيب (وكان شعيب) قد مات بعد ذلك بعدما كف بصره فدفن بين المقام وزمزم. وقيل: رجل ممن آمن بشعيب. قالوا: فلما سمع قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس، وقال ابن إسحاق: إنَّ موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر فسقى غنم المرأتين. وروي أن القوم لمَّا رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشر نفر، فجاء موسى فرفع الحجر وحده، وسقى غنمهما، ويقال: إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة فروي منه جميع الغنم. قوله: «فَسَقَى لَهُمَا» مفعوله محذوف أي: غنمهما لأجلهما، ﴿ثُمَّ تولى إِلَى الظل﴾ أي: إلى ظل شجرة فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع. قال الضحاك: لبث سبعة أيام لم يذق طعاماً إلا بقل الأرض. فصل «لِمَا أَنْزَلْتَ» متعلق ب «فَقير» قال الزمخشري: عُدِّي فقير باللام لأنه ضمن معنى سائل وطالب ويحتمل إني فقير من الدنيا لأجل ما أنزلتَ إِليَّ من خير الدين، وهو النجاة من الظالمين. يعني أن افتقر يتعدى ب «مِنْ» ، فإمَّا أن نجعله من باب التضمين، وإمّا أَنَّ متعلقه محذوف و «أَنْزَلْتَ» قيل ماض على أصله، ويعني بالخير ما تقدم من خير الدين، وقيل: بمعنى المستقبل. قال أهل اللغة: اللام بمعنى إلى، يقال: فقير له، وفقير إليه، فإنْ قيل: كيف ساغ بنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه السعي بالماشية فالجواب: أنَّ الناس اختلفوا فيه: هل هو شعيب أو غيره كما تقدم، وإن سلمنا أنه شعيب لكن لا مفسدة فيه، لأن الدين لا يأباه، وأحوال أهل البادية يغر أحوال أهل الحضر سيما إذا كانت الحال حالة ضرورة. فصل قال ابن عباس: سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه. قال الباقر: لقد قالها وإنه لمحتاج إلى شق تمرة، وقال سعيد بن جبير: قال ابن عباس: لقد قال ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهو أكرم خلقه عليه، ولقد افتقر إلي شق تمرة، وقيل: إنما قال ذلك في نفسه مع ربه، وهو اللائق بموسى عليه السلام فلما رجعتا إلى أبيهما سريعاً قبل الناس وأغنامهما حُفّل بِطَان قال لهما: ما أعجلكما: قالتا: وجدنا رجُلاً صالِحاً رحيماً فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي، قوله «فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا» قرأ ابن محيصن: «فَجَاءَتْهُ حُدَاهمَا» بحذف الهمزة تخفيفاً على غير قياس، كقوله: يا با فلان، وقوله: 3987 - يَا بَا المُغيرة رُبَّ أمْرٍ مُعْضِلٍ ... فَرَّجْتهُ بِالنُّكْرِ عَنِّي وَالدَّهَا وَوَيْلُمِّه أي: ويلٌ لأُمِّهِ. قال: 3988 - وَيْلُمِّهَا حَالُه لَوْ أَنَّهَا صَدَقَتْ ... و «تَمْشِي» حال، و «اسْتِحْيَاءٍ» حال أخرى، إما من «جَاءَتْ» وإما من «تَمْشِي» . فصل قال عمر بن الخطاب: ليست بسلفع من النساء خرَّاجة ولاَّجة، ولكن جاءت مستترة وضعت كم درعها على وجهها استحياء. ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ صرحت بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة، وهذا من تمام حيائها وصيانتها، وقيل: ماشية على بُعْد، مائلة عن الرجال. وقال عبد العزيز بن أبي حازم: على إجلال له، ومنهم من يقف على قوله «تَمْشِي» ، ثم يبتدىء ﴿عَلَى استحيآء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ أي: إنها على استحياء قالت هذا القول، لأن الكريم إذا دعا غيره إلى الضيافة يستحي لا سيما المرأة. قال ابن إسحاق: اسم الكبرى صَفورا والصغرى لبنا، وقيل ليا، وقال غيره: صَفُورا وصَفِيرا. وقال الضحاك: صافُورا، قال الأكثرون: التي جاءت إلى موسى الكبرى. وقال الكلبي: هي الصغرى. قال ابن الخطيب: وفي الآية إشكالات. أحدها: كيف ساغ لموسى عليه السلام أن يعمل بقول امرأة، (وَأَنْ يَمْشِي مَعَهَا) وهي أجنبية، فإذن ذلك يورث التهمة العظيمة؟ وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «اتَّقُوا مَوَاضِع التُّهَم» . وثانيها: أنه سقى أغنامها تقرباً إلى الله تعالى، فكيف يليق به أخذ الأجرة عليه، وذلك غير جائز في الشريعة؟ . وثالثها: أنه عرف فقرَهُنَّ، وفَقْرَ أبيهنّ، وأنه عليه السلام كان في نهاية القوة بحيث يمكنه الكسب بأقل سعي، فكيف يليق بمروءة مثله طلب الأجرة على ذلك القدر من الشيخ الفقير والمرأة الفقيرة؟ ورابعها: كيف يليق بالنبي شُعَيب عليه السلام أن يبعث ابنته الشابة إلى رجل شابٍّ قبل العلم بكون الرجل عفيفاً أو فاسقاً؟ والجواب عن الأول: أما العمل بقول امرأة فإن الخبر يعمل فيه بقول الواحد حراً كان أو عبداً ذكراً كان أو أنثى، وهي ما كانت إلاَّ مخبرة عن أبيها. وأما المشي مع المرأة فلا بأس به مع الاحتياط والتورع. وعن الثاني: أن المرأة لما قالت ذلك، فموسى عليه السلام ما ذهب إليهم طالباً للأجر، بل للتبرك بذلك الشيخ، لِما رُوِي أنه لما دخل على شعيب إذا هو بالعَشاء تهيَّأ، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال موسى: أعوذُ بالله، فقال شُعَيْب: ولم ذلك؟ ألست بجائع؟ فقال: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نطلبُ على عملٍ من أعمال الآخرة عوضاً من الدنيا، وفي رواية: لا نبيع ديننا بالدُّنيا، ولا نأخذ بالمعروف ثمناً. فقال شُعيب: لا والله يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى، فأكل. وأيضاً فليس بمنكر أن الجوع قد بلغ به إلى حيث ما كان يطيق تحمله، فقبل ذلك اضطراراً، وهو الجواب عن الثالث، فإن الضرورات تبيح المحظورات. وعن الرابع: لعله عليه السلام كان قد علم بالوحي طهارتها وبراءتها، فكان يعتمد عليها. فصل قال عمر بن الخطاب: فقام يمشي والجارية أمامه، فعبثت الريح، فوصفت ردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال موسى عليه السلام: إني من عنصر إبراهيم، فكوني خَلْفي حتى لا ترفع الريح ثيابك، فأرى ما لا يَحِل، وفي رواية: كوني خلفي ودليني على الطريق برمي الحَصَى، لأن صوت المرأة عورة. فإن قيل: لِمَ خشي موسى - عليه السلام - أن يكون ذلك أجرة له عن عمله، ولم يكره مع الخضر ذلك حين قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] ؟ فالجواب: أن أخذ الأجرة على الصدقة لا يجوز، وأما الاستئجار ابتداء (ف) غير مكروه. قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ مصدر كالعلل سمي به المقصوص، قال الضَّحاك: قال له: مَنْ أنت يا عبد الله؟ قال له: أنا موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وذكر له جميع أمره من لدن ولادته وأمر القوابل والمراضع والقذف في اليم وقتل القبطي، وأنهم يطلبوه فيقتلوه، فقال شعيب عليه السلام: ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين﴾ أي: لا سلطان له بأرضنا، فإن قيل إن المفسرين قالوا: إن فرعون يوم ركب خلف موسى، ركب في ألف ألف وستمائه، والملك الذي هذا شأنه كيف يعقل ألا يكون في ملكه قرية على بُعْد ثمانية أيام من دار مملكته؟ فالجواب: هذا وإن كان نادراً إلا أنَّه ليس بمحال. قوله: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأبت استأجره﴾ اتخذه أجيراً ليرعى أغنامنا، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين﴾ أي: خير من استعملت مَنْ قَوي على العمل، وأداء الأمانة، وإنما جعل ﴿خَيْرَ مَنِ استأجرت﴾ اسماُ و «القَوِيُّ الأَمِينُ» خبراً مع أن العكس أولى، لأن العناية سبب اللتقديم. فإن قيل: القوة والأمانة لا يكفيان في حصول المقصود ما لم ينضم إليهما العطية والكتابة، فلم أهمَل أمرَ الكتابة؟ فالجواب أنهما داخِلان في الأمانة. قال ابن مسعود: أفرسُ الناس ثلاثة: بنتُ شعيب، (وصاحب يوسف) ، وأبو بكر في عمر. فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوتُه، فإنه رفع حجراً من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة، وقيل: إلا أربعون، وأمَّا أمانته، فإنه قال لي: امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قال شعيب عند ذلك: ﴿إني أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ . قال أكثر المفسرين: إنه زوجه الصغير منهما، وهي التي ذهبت لطلب موسى واسمها صفورة. قوله: ﴿أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى﴾ روي عن أبي عمرو «أنْكِحَكَ حدى» بحذف همزة «إحدَى» ، وهذه تشبه قراءة ابن محيصن «فَجَاءَتْهُ حْدَاهُما» ، وتقدم التشديد في نون «هَاتَيْنِ» في سورة النساء. قوله ﴿على أَن تَأْجُرَنِي﴾ في محل نصب على الحال، إما من الفاعل أو من المفعول، أي: مشروطاً على أو عليك ذلك. و «تَأْجُرَنِي» مضارع أَجَرْتُه، كنتُ له أجيراً، ومفعوله الثاني محذوف، أي: وتأجُرنِي نفسَك، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظرف له. ونقل أبو حيان عن الزمخشري أنها هي المفعول الثاني. قال شهاب الدين الزمخشري لم يجعلها مفعولاً ثانياً على هذا الوجه، وإنّضام جعلها مفعولاً ثانياً على وجه آخر، وأما على هذا الوجه فلم يجعلها غير ظرف، وهذا نصه ليتبين لك، قال: «تَأْجُرَنِي» ، من أجرته إذا كنت له أجيراً، كقولك: أبوته إذا كنت له أَباً، و «ثَمَانِيَ حِجَجٍ» ظفر، أو مِنْ أجرته إذا أثبته، ومنه تعزية رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «آجركُم اللَّهُ ورحِمَكُمْ» وثماني حججٍ «مفعول به، ومعناه رعية ثماني حجج. فنقل الشيخ عنه الوجه الأول من المعنيين المذكورين في» تأجُرنِي «فقط، وحكى عنه أنه أعرب» ثَمَاني حِجَجٍ «مفعولاً به، وكيف يستقيم ذلك أو يتجه؟ وانظر إلى الزمخشري كيف قدر مضافاً ليصح المعنى به، أي: رَعْيُ ثَمَانِي حِجَجٍ، لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا نفس الزمان، فكيف يوجه الإجارة على الزمان؟ (قوله) » فَمِنْ عِنْدِكَ «يجوز أن يكون في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فهي من عندك، أو نصب أي: فقد زدتها أو تفضلت بها من عندك. فصل معنى الآية: أريدُ أن أنكِحَكَ إحدى ابنتيَّ هاتين على أن تكون أجيراً لي ثمانِ سنين قال الفراء: أي تجعل ثوابي من تزويجها أنْ ترعى غنمي ثماني حجج، تقول العرب: أَجَرَكَ اللَّه بأجْرِكَ، أي: أثابك والحِجَج: السِّنُون، واحدها حجَّة. ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً﴾ أي: عشر سنين» فَمِنْ عِنْدِك» أي: ذلك تفضل منك وتبرع ليس بواجب عليك. واعلم أن هذا اللفظ - وإن كان على الترديد - فلا شبهة أنه عند التزيوج عين، ولا شبهة في أن العقد وقع على أقل الأجلين، والزيادة كالتبرع. ودلت الآيية على أنَّ العمل قد يكون مهراً كالمال، وعلى أن إلحاق الزيادة بالثمن والمثمَّن جائز، ولكنه شرع من قبلنا، ودلَّت أيضاً على أنه يجوز أن يشرط الوليُّ، وعلى أنَّ عقد النكاح لا تفسده الشروط التي لا يوجبها العقد. (واستدل بعض الحنفية بهذه الآية على صحة بيع أحد هذين العبدين، أو الثوبين، وفيه نظر، لأأنها مراضاة لا معاقدة. ودلت الآية أيضاً على صحة الإجارة بالطعمة والكسوة، كما جرت به العادة، ويؤيده قوله عليه السلام: «إنَّ مُوسَى أَجَّر نَفْسه ثَمَانِيَ سينَ أوْ عَشْرَة على عفة فرجه وطعام بطنه» وهو مذهب الحنابلة قاله ابن كثير. فصل قال النووي: الإجارة بكسر الهمزة هو المشهور، وحكى الرافعي أن الجياني حكى في الشامل أيضاً ضم الهمزة، قال أهل اللغة: وأصل الأجر الثواب، يقال: أجرت فلاناً عن عمله كذا أي: أثبته، والله يأجر العبد أي؛ يثيبه، والمستأجر يثيب المأجور عوضاً عن بذل المنافع. قال الواحدي: قال المبرد: يقال أجرت داري ومملوكي غير ممدود، وآجرت ممدود قال المبرد: والأول أكثر) . قوله: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ أي؛ ألزمك تمام العشر. وأَنْ أَشُقَّ، مفعول «أريد» وحقيقة قولهم: شَقَّ عليه أي: شقَّ ظنَّه نصفين فتارة يقول أطيق، وتارة لا أطيق، وهو من أحسن مجاز. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال عمر: أي في حسن الصحبة والوفاء ولين الجانب. وقيل: أراد الصلاح على العموم، وإنما قال ﴿إِن شَاءَ اللَّهُ﴾ للاتكال على توفيقه ومعونته، فإنْ قيل: كيف ينعقد العقدُ بهذا الشَّرط، ولو قلت أنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ الله لا تطلَّق؟ فالجواب: هذا ما يختلف بالشرائع. قوله: «ذَلِكَ» مبتدأ، والإشارة به إلى ما تعاقد عليه، والظرف خبره، وأضيفت «بَيْنَ» لمفرد لتكررها عطفاً بالواو، فإن قلت: المالُ بَيْن زيد فعمرو لم يجز، وأما قوله: 3989 - بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ ... فكان الأصمعي يأباها، ويوري «وحوامل» بالواو، والصحيح بالفاء، وول البيت على أن الدَّخُول وحَوْمَل مكانان كل منهما مشتمل على أماكن، نحو قولك: دارِي بين مصر، لأنه يريد به المكان الجامع، والأصل ذلك بيننا ففرق بالعطف. قوله: «أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ» أي شرطية وجوابها «فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ» . وفي «مَا» هذه قولان: أشهرهما: أنها زائدة، كزيادتها في أخواتها من أدوات الشرط. والثاني: أنها نكرة، و «الأَجَلَيْنِ» بدل منها. وقرأ الحسن وأبو عمرو في رواية «أَيْمَا» بتخفيف الياء كقوله: 3990 - تَنَظَّرْتُ نَسْراً والسِّمَاكَيْنِ أَيْهُمَا ... عَلَيَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه وقرأ عبد الله ﴿أيَّ الأَجَلَيَْ مَا قَضَيْت﴾ بإقحام «مَا» بين «الأَجَلَيْن» و «قَضَيْتُ» . قال الزمخشري: فإن قلت: ما الفرق بين موقع زيادة «مَا» في القراءتين؟ قلت: وقعت في المستفيضة مؤكدة لإبهام، «أَيْ» زيادة في شياعها، وفي الشاذة تأكيداً للقضاء كأنَّه قال: أي الأجلين صمَّمْت على قضائه وجرَّدتُ عزيمتي له. وقرأ أبو حيوة وابن ٌطَيب «عِدْوانَ» . قال الزمخشري: فإن قلت: تصوُّر العدوان إنما هو في أحد الأجلين الذي هو أقصرهما، وهو المطالب بتتمة العشر، فما معنى تعلق العدوان بهما جميعاً؟ قلت: معناه: كما أني إن طولبت بالزيادة على العَشْر (كان عدواناً) لا شك فيه، فكذلك إن طولبت بالزيادة على الثماني، أراد بذلك تقرير أمر الخيار، وأنه ثابت مستقر، وأنَّ الأجلين على السواء إما هذا وإما هذا، ويكون اختيار الأقل والزائد موكولاً إلى رأيه من غير أن يكون لأحدهمَا عليه إجبار، ثم قال: وقيل: معناه فلا أكون متعدِّياً، وهو في نفي العدوان عن نفسه كقولك: لا إثم عليَّ ولا تبعة. قال أبو حيان: وجوابه الأول فيه تكثير. قال شهاب الدين: كأنه أعجبه الثاني. والثاني لم يرتضه الزمخشري، لأنه ليس جواباً في الحقيقة، فإن السؤال باق أيضاً، ولذلك نقله عن غيره، وقال المبرد: وقد علم أنه لا عدوان عليه في أيهما، ولكن جمعهما ليجعل الأول كالأَتَمِّ في الوفاء. فصل قال المفسرون: المعنى «أيّ الأَجَلَيْن قَضَيْتُ» أتممتُ وفرغت منه الثماني أو العشر، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ لا ظلم عليَّ بأن أطالب بأكثر ﴿والله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ قال مقاتل: شهيد فيما بيني وبينك، وقيل: حفيظ، ولما استعمل الوكيل بمعنى الشاهد عُدِّي ب (عَلَى) قال سعيد بن جبير: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأَجلينِ قَضَى مُوسَى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حَبْر العرب فأسأله، فقدمتُ فسألتُ ابن عباس فقال: قَضَى أكثرها وأطيبهما، إن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إذا قال فعل. وروي عن أبي ذر مرفوعاً «إذَا سُئِلْتَ أَيَّ الأَجَلينِ قَضَى مُوسَى؟ فقل خيرهُما وأبرَّهما، وإذا سئلت أيَّ المرأتين تزوَّج موسى؟ فقل الصغرى منهما، وهي التي جاءت فقالت: ﴿ياأبت استأجره﴾ فتزوج صغراهما، وقضى أوفاهما» وقال وهب: أنكَحَه الكُبْرى. ولمَّا تعاقد العقد بينهما أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في تلك العصا. فقال عكرمة: عرج بها آدم من الجنة، فأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلاً، فدفعها إليه، قيل: كانت من آس الجنة حملها آدم من الجنة، فتوراثتها الأنبياء، وكان لا يأخذها غير نبي، فصارت من آدم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم حتى وصلت إلى شعيب، فكانت عصا الأنبياء عنده فأعطاها موسى، وقال السُّدي: كانت تلك العصا استودعها إياه ملك في صورة رجل فأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت فأخذت العصا فأتته بها، فلما رآها شعيب قال لها: رُدِّي هذه العصا، وأتيه بغيرها، فدخلت وألقتها، وأرادت أن تأخذ غيرها، فلا تقع في يدها إلا هي، حتى فعلت ذلك ثلاث مرات، فأعطاها موسى، وأخرجها موسى معه، ثم إن الشيخ ندم وقال: كانت وديعة فذهب في أثره فطلب أن يرد العصا، فأبى موسى أن يعطيه وقال: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ [ طه: 18] ، فرضي أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فلقيهما ملك في صورة رجل، فحكم أن تطرح العصا فمن حملها فهي له فطرح موسى العصا فعالجها الشيخ ليأخذها، فلم يطقها، فأخذها موسى بيده، فرعفها فتركها له الشيخ ثم إن موسى لم أتم الأجل وسلم شعيب ابنته إليه، قال مجاهد: لما قضى موسى الأجل مكث بعد ذلك (عند صهره عشراً) أخرى فأقام عنده عشرين سنة، ثم استأذنه في العود إلى مصر، فأذن له فخرج بأهله إلى جانب الطور.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.