الباحث القرآني

«ما» موصولة بمعنى الذي، في محل رفع بالابتداء، و «بإذن الله» الخبر، وهو على إضمار مبتدأ، تقديره: فهو بإذن الله، ودخلت الفاء في الخبر؛ لشِبْه المبتدأ بالشرط، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وهذا - على ما قرره الجمهورُ - مُشْكِل؛ وذلك أنهم قرروا أنه لا يجوز دخول هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط. منها: أن تكون الصلةُ مستقبلةً في المعنى؛ وذلك لأن الفاءَ إنما دخلت للشِّبْه بالشَّرط، والشّرط إنما يكون في الاستقبال، لا في الماضي، لو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم، لم يصحّ، «وأصابكم» - هنا - ماضٍ في المعنى؛ لأن القصة ماضية، فكيف جاز دخول هذه الفاءِ زائدةً في الخبر إلا بشروط. منها: أن تكون الصلةُ مستقبلةً في المعنى؛ وذلك لأن الفاءَ إنما دخلت للشِّبْه بالشَّرط، والشّرط إنما يكون في الاستقبال، لا في الماضي، لو قلت: الذي أتاني أمس فله درهم، لم يصحّ، «وأصابكم» - هنا - ماضٍ في المعنى؛ لأن القصة ماضية، فكيف جاز دخول هذه الفاء؟ أجابوا عنه بأنه يُحْمل على التبيُّن - أي: وما تبين إصابته إياكم - كما تأولوا قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ [يوسف: 26]- أي تبين - وهذا شرطٌ صريحٌ، وإذا صحَّ هذا التأويل فلْنَجْعَل «ما» - هنا - شرطاً صريحاً، وتكون الفاء داخلة وجوباً؛ لكونها واقعة جواباً للشرط. وقال ابنُ عطية: «يحسن دخولُ الفاء إذا كان سببَ الإعطاء، وكذلك ترتيبُ هذه، فالمعنى إنما هو: وما أذن الله فيه فهو الذي أصابكم، لكن قدم الأهم في نفوسهم، والأقرب إلى حسّهم. والإذن: التمكينُ من الشيء مع العلم به» . وهذا حسنٌ من حيثُ المعنى؛ فإن الإصابة مرتبة على الإذْن من حيث المعنى، وأشار بقوله: الأهم والأقرب، إلى ما أصابهم يوم التقى الجَمْعَانِ. فصل ذكر في الآية الأولى أن الذي أصابهم كان من عند أنفسهم، وذكر هذه الآية وجهاً آخرَ، وهو أن يتميز المؤمنُ عن المنافقِ، والمراد بالجمعينِ هو جمعُ المؤمنينَ، وجمعُ المشركينَ في يوم أحُدٍ. واختلفوا في المراد بقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ الله﴾ [التوبة: 3] وقوله: ﴿آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: 47] وقوله: ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279] وطعن الواحدي في هذا بأن الآية إنما هي لتسلية المؤمنين مما أصابهم، ولا تحصل التسلية إذا كان ذلك واقعاً بعِلة؛ لأن علمه عام في جميع المعلومات. وقيل: فبأمر الله؛ لقوله: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ [آل عمران: 152] والمعنى: أنه - تعالى - لما أمر بالمحاربة، ثم أدت تلك المحاربة إلى ذلك الانهزام صح - على سبيل المجاز - أن يقال: حصل ذلك بأمره. ونُقِل - عن ابن عباسٍ - أن المرادَ من الإذن قضاءُ الله بذلك وحكمه به. وهذا أولى؛ لأن الآية تسلية للمؤمنين مما أصابهم، وبهذا تحصل التسلية. قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ المؤمنين﴾ في هذه اللام قولان: أحدهما: أنها معطوفة على معنى قوله: ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ عطف سبب على سبب، فتتعلق بما تتعلق به الباء. الثاني: أنها متعلقة بمحذوف، أي: وليعلم فعل ذلك - أي: أصابكم - والأول أولى - وقد تقدم أن معنى: وليعلم الله كذا: أي يُبَيِّن، أو يظهر للناس ما كان في علمه، وزعم بعضهم أن ثَمَّ مضافاً، أي: ليعلم إيمان المؤمنين، ونفاق المنافقين، ولا حاجة إليه. قوله: ﴿وَلْيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ﴾ قال الواحدي: «يقال: نَافَقَ الرَّجُلُ - فهو منافقٌ - إذا أظهر كلمة الإيمان، وأضمَر خلافَها، والنفاق اسم إسلامي، اختلِف في اشتقاقه على وجوهٍ: أحدها: قال أبو عبيد: من نافقاء اليربوع؛ لأن حجر اليربوع لها بابان: القاصعاء، والنافقاء، فإذا طلب من أيهما خرج من الآخر، فقيل للمنافق: إنه منافق لأنه وضع لنفسه طريقين: إظهار الإسلام، وإضمار الكُفْرِ، فمن أيهما طُلِب خرج من الآخر. الثاني: قال ابنُ الأنباري: المنافق من النَّفَق، وهو السربُ، ومعناه: أنه يتستّر بالإسْلامِ كما يتستَّر الرجُلُ في السِّرْبِ. الثالث: أنه مأخوذٌ من النافقاء، ولكن على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيدٍ، وهو أن النافقاء جثحْر يحفره اليربوعُ في داخل الأرضِ، ثم إنه يُرقِّق ما فوقَ الجُحر، حتى إذا رابه رَيْبٌ، رفع التراب برأسه وخرج، فقيل للمنافق: منافق؛ لأنه أضمر الكُفْرَ في باطنه، فإذا فتشته رمى عنه ذلك الكفر، وتمسَّك بالإسلام» . قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ﴾ هذه الجملة تحتمل وجهين: الأول: أنْ تكونَ استئنافية، أخبر الله أنهم مأمورونَ إما بالقتال، وإما بالدَّفْع، أي: تكثير سواد المسلمين. الثاني: أن تكون معطوفة على «نافقوا» فتكون داخلة في صلة الموصول، أي: ليعلم الذين حصل منهم النفاقُ والقول بكذا و «تعالوا» و «قاتلوا» كلاهما قام مقام الفاعل ل «قيل» لأنه هو المقول. قال أبو البقاء: إنما لم يأتي بحرف العطف - يعني بين «تعالوا» و «قاتلوا» - لأنه أراد أن يجعل كل واحدةٍ من الجملتين مقصودة بنفسها، ويجوز أن يقال: إن المقصودَ هو الأمر بالقتال، و «تعالوا» ذكر ما لو سكت عنه لكان في الكلام دليل عليه. وقيل: الأمر الثاني حال. يعني بقوله: «تعالوا» ذكر ما لو سكت، أن المقصود إنما أمرهم بالقتال، لا مجيئهم وحده، وجعله «قاتلوا» حالاً من «تعالوا» فاسد؛ لأن الجملة الحالية يُشْتَرط أن تكونَ خبرية، وهذه طلبية. قوله: «أو ادفعوا» «أو» - هنا - على بابها من التخيير والإباحة. وقيل: بمعنى الواو؛ لأنه طلب منهم القتال والدفع، والأول أصح. فصل اختلفوا في القائل، فقال الصمُّ: إنه الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يَدْعُوهُمْ إلى القتال. وقيل: إن عبد الله بن أبيّ ابن أبي سلول لما خرج بعسكره إلى أحُد قال: لم نُلْقي أنفسَنا في القتل؟ فرجعوا، وكانوا ثلاثمائةٍ من جملة الألف الذي خرجوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حرام - أبو جابر بن عبد الله الأنصاريّ -: أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عند حضور العَدَوِّ. فصل معنى ﴿قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ يعني: إن كان في قلوبكم حُبُّ الدين والإسلام فقاتلوا للدين والإسلام، وإن لم تكونوا كذلك، فقاتلوا دفعاً عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم. وقال السُّدَّيُّ: وابنُ جُرَيْج: ادفعوا عنا العدو بتكثير سوادنا - إن لم تقاتلوا معنا - لأن الكثرة أحد أسباب الهَيْبة. وقوله: ﴿قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً﴾ إنما لم يَأتِ - في هذه الجُمْلة - بحرف عطف؛ لأنها جواب لسؤال سائل كأنه قيل: فما قالوا - لما قيل لهم ذلك -؟ فأجيب بأنهم قالوا ذلك. و «نعلم» - وإن كان مضارعاً - معناه المُضِيّ؛ لأن «لو» تخص المضارع، إذا كانت لما سيقع لوقوع غيره، ونكَّر «قتالاً» للتقليل، أي: لو علمنا بعض قتال ما. وهذا جواب المنافقين حين قيل لهم: ﴿تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا﴾ فقال تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ . «هم» مبتدأ، و «أقرب» خبره، وهو أفعل تفضيل، و «للكفر» متعلق به، وكذلك «للإيمان» . فإن قيل: لا يتعلق حرفا جر - متحدان لفظاً ومعنىً - بعامل واحد، إلا أن يكونَ أحدهما معطوفاً على الآخر، أو بدلاً منه، فكيف تعلقا ب «أقرب» ؟ فالجوابُ: أن هذا خاصٌّ بأفعل التفضيل، قالوا: لأنه في قوة عاملين، فإنّ قوة قولك زيدٌ أفضلُ مِنْ عَمْرو، معناه: يزيد فضله على فضل عمرو. وقال أبو البقاء: «وجاز أن يعمل» أقرب «فيهما؛ لأنهما يشبهان الظرف، وكما عمل» أطيب «في قولهم: هذا بسراً أطيب منه رُطباً، في الظرفين المقدرين لأن» أفعل «يدل على معنيين - على أصل الفعلِ وزيادتهِ - فيعمل في كل واحد منهما بمعنى غير الأخر، فتقديره: يزيد قُرْبهم إلى الكفر على قربهم إلى الإيمان» . ولا حاجة إلى تشبيه الجارين بالظرفين؛ لأن ظاهره أن المسوغ لتعلقهما بعامل واحد تشبيههما بالظرفين وليس كذلك، وقوله: الظرفين المقدَّرين، يعني أن المعنى: هذا في أوانِ بُسْرَيته أطيب منه. و «أقرب» - هنا - من القُرْب - الذي هو ضد البعدِ - ويتعدى بثلاثة حروف: اللام، و «إلى» و «من» . تقول: قربت لك ومنك إليك، فإذا قلت: زيد أقرب من العلم من عمرو، ف «من» الولى المعدية لأصل معنى القرب، والثانية هي الجارة للمفضول، وإذا تقرر هذا فلا حاجة إلى ادعاء أن اللام بمعنى «إلى» . و «يومئذ» متعلق ب «أقرب» ومذا «منهم» و «من» هذه هي الجارةُ للمفضول بعد «أفعل» وليست هي المعدية لأصل الفعل. ومعنى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ﴾ أنهم كانوا - قبل هذا الوقت - كاتمين للنفاق، فكانوا في الظاهر أبعد من الكفر، فلما ظهر منهم ما كانوا يكتمونه صاروا أقرب للكفر؛ لأن رجوعهم عن معاونة المسلمين دَلَّ على أنهم ليسوا من المسلمين. وقيل: المعنى أنهم لأهل الكفر أقرب نُصْرَةً منهم لأهل الإيمان؛ لأن تقليلَهم سوادَ المسلمين يؤدي إلى تقوية المشركين. و «إذ» مضافةٌ لجملةٍ محذوفةٍ، عُوِّضَ منها التنوين، وتقدير هذه الجملة: هم للكفر يوم إذ قالوا: لو نَعْلَم قتالاً لاتبعناكم. وقيل: المعنى على حذف مضاف، أي: هم لأهل الكفر أقرب منهم لأهل الإيمان، وفُضِّلُوا - هنا - على أنفسهم باعتبار حالين ووقتين، ولولا ذلك لم يَجُزْ، تقول: زيدٌ قاعداً أفضل منه قائماً، أو زيد قاعداً اليوم أفضل منه قاعداً غداً. ولو قلت: زيد اليوم قاعداً أفضل منه اليوم قاعداً. لم يَجُزْ. وحكى النقاش - عن بعض المفسّرين - أن «أقرب» - هنا - ليست من معنى القُرب - الذي هو ضد البُعْدِ - وإنما هي من القَرَب - بفتح القاف والراء - وهو طلبُ الماءِ، ومنه قارب الماء، وليلةُ القُرْب: ليلة الورود، فالمعنى: هم أطلب للكفر، وعلى هذا تتعين التعدية باللام - على حَدِّ قولك: زيد أضربُ لعمرو. فصل قال أكثرُ العلماءِ: هذا تنصيصٌُ من الله تعالى على أنهم كفار. قال الحَسَنُ: إذا قال الله تعالى: «أقرب» فهو اليقين بأنهم مشركون، وهو مثل قوله: ﴿مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] فهذه الزيادة لا شك فيها، وأيضاً فالمكَلَّف لا يمكن أن ينفك عن الإيمان والكُفْرِ فلما دلَّت الآية على القُرْب من الكفر لزم حصول الكفر. وقال الواحديُّ - في «البسيط» : هذه الآية دليلٌ على أن مَنْ اتى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يطلق القول بتكفيره؛ لأنه - تعالى - لم يطلق القول بتكفيرهم - مع أنهم كانوا كافرين - لإظهارهم كلمة التوحيد. قوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ في هذه الجملة وجهانِ: أحدهما: أنها مستأنفةٌ، لا محلَّ لها من الإعرابِ. الثاني: أنها في محل نَصْب على الحال من الضمير في «أقرب» أي: قربوا للكفر قائلين هذه المقالة - وقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِم﴾ قيل: تأكيد، كقوله: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38] . والظاهرُ أن القولَ يُطْلق على اللساني والنفساني، فتقييده بقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِم﴾ تقييد لأحد مُحْتَمَلَيْه، اللهم إلا أن يُقَال: إن إطلاقه على النفسانيّ مجاز، قال الزمخشري: «وذكر الأفواه مع القلوب؛ تصويراً لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في قلوبهم» . وبهذا - الذي قاله الزمخشريُّ - ينتفي كونُه للتأكيد؛ لتحصيله هذه الفائدة - ومعنى الاية: أن لسانهم مُخَالِفٌ لقلوبهم، فهم وإن كانوا يُظْهرون الإيمانَ باللسانِ، لكنهم يُضْمِرون في قلوبهم الكُفْرَ. قوله تعالى: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ أي: عالم بما في ضمائرهم. فإن قيل: المعلوم إذا علمه عالمانِ لم يكن أحدُهما أعلمَ به من الآخرِ، فما معنى قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ ؟ فالجواب: أنّ الله - تعالى - يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.