الباحث القرآني

أحدها: أنه منصوب ب «قَدِيرٌ» ، أي: قدير في ذلك اليوم العظيم، لا يقال: يلزم من ذلك تقييد قدرته بزمان؛ لأنه إذا قدر في ذلك اليوم الذي يُسْلَب فيه كلُّ أحدٍ قدرته، فلأنْ يقدرَ في غيره بطريق الأولى. وإلى هذا ذهب ابو بكر ابن الأنباري. الثاني: أنه منصوب ب «يُحَذِّرُكُمْ» ، أي: يخوفكم عقابه في ذلك اليوم، وإلى هذا نحا أبو إسحاق، ورجحه. ولا يجوز أن ينتصب ب «يُحَذِّرُكُمْ» المتأخرة. قال ابن الأنباري: لا يجوز أن يكون اليوم منصوباً ب «يُحَذِّرُكُمْ» المذكور في هذه الآية؛ لأن واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها «. وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرفِ وناصبه معترضاً، وهو كلامٌ طويلٌ، والفصل بمثله مستبعد، هذا من جهة الصناعة، وأما من جهة المعنى، فلا يصح؛ لأن التخويف لم يقع في ذلك اليوم؛ لأنه ليس زمانَ تكليف؛ لأن التخويف موجود، واليوم موعود، فكيف يتلاقيان؟ قال: أن يكون منصوباً بالمصير، والتقدير: وإلى الله المصير يومَ تَجِدُ، وإليه نحا الزّجّاجُ - أيضاً - وابن الأنباري ومكيٌّ، وغيرُهم، وهذا ضعيف على قواعد البصريين؛ للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلامٍ طويلٍ. وقد يقال: إن جُمَل الاعتراضِ لا يُبَالَى بها في الفصل، وهذا من ذاك. الرابع: أن يكون منصوباً ب» اذكر «مقدراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، وقدر الطبريُّ الناصب له» اتَّقُوا» ، وفي التقدير ما فيه من كونه على خلاف الأصلِ، مع الاستغناء عنه. الخامس: أن العامل فيه ذلك المضاف المقدر قبل «نفسه» ، أي: يحذركم اللهُ عقاب نفسه يوم تجد، فالعامل فيه» عقاب «لا» يحذركم «قاله أبو البقاء، وفي قوله:» لا يُحَذِّرُكُمْ» فرار عما أورد على أبي إسحاقَ كما تقدم. السادس: أنه منصوب ب «تَوَدُّ» . قال الزمخشريُّ: «يَوْمَ تَجِدُ» منصوب ب» تَوَدُّ «والضمير في» بينه «لليوم، أي: يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرها تتمنى لو أن بينها، وبين ذلك اليوم، وهَوْله أمداً بعيداً» . وهذا ظاهر حسنٌ، ولكن في هذه المسألة خلافٌ ضعيف؛ جمهور البصريين والكوفيين على جوازها، وذهب الأخفشُ الفرّاءُ إلى مَنْعِهَا. وضابط هذه المسألة أنه إذا كان الفاعلُ ضميراً عائداً إلى شيء مُتَّصِلٍ بمعمولِ الفعلِ نحو: ثَوْبَيْ أخَوْيك يلبسان، فالفاعل هو الألف، وهو ضمير عائد على «أخويك» المتصلين بمفعول «يلبسان» ومثله: غلام هندٍ ضربَتْ، ففاعل «ضربت» ضمير عائد على «هند» المتصلة ب «غلام» المنصوب ب «ضربت» والآية من هذا القبيل؛ فإن فاعل «تَوَدُّ» ضميرٌ عائدٌ على «نَفْس» المتصلة ب «يَوْمَ» لأنها في جملة أضِيفَ الظرفُ إلى تلك الجملةِ، والظرف منصوب ب طتَوَدُّ» ، والتقدير: يوم وُجدان كل نفس خيرها وشرها مُحْضَرَيْنِ تَوَدُّ كذا. احتج الجمهور على الجواز بالسماع. وهو قول الشاعر: [الخفيف] 1400 - أجَلَ الْمَرْءِ يَسْتَحِثُّ وَلاَ يَدْ ... ري إذَا يَبْتَغِي حًصُولَ الأمَانِي ففاعل «يستحثَ» ضمير عائد على «المرء» المتصل ب «أجل» المنصوب ب «يستحث» . واحتج المانعون بأن المعمول فضلة، يجوز الاستغناء عنه، وعَوْد الضمير عليه في هذه المسائل يقتضي لزوم ذكره، فيتنافى هذان السببان، ولذلك أجمع على منع زيداً ضرب، وزيداً ظن قائماً، أي: ضرب نفسه، وظنها، وهو دليلٌ واضح للمانع لولا ما يرده من السماع كالبيت المتقدم وفي الفرق عُسْر بين: غلامَ زَيدٍ ضَرَبَ، وبين: زيداً ضَرَبَ، حيث جاز الأول، وامتنع الثاني، بمقتضى العلة المذكورة. قوله: «تجد» يجوز أن تكون [المتعدية لواحد بمعنى «تصيب» ، ويكون «محضراً» على هذا منصوباً على الحال، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن تكون علمية] ، فتتعدى لاثنين، أولهما «مَا عَمِلَتْ» ، والثاني «مُحْضَراً» وليس بالقويّ في المعنى، و «ما» يجوز فيها وجهان: أظهرهما: أنها بمعنى «الذي» فالعائد - على هذا - مقدَّر، أي: ما عملته، وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ حال، إما من الموصول، وإما من عائده، ويجوز أن تكون «مِنْ» لبيان الجنسِ. ويجوز أن تكون «ما» مصدرية، ويكون المصدر - حينئذ - واقعاً موقع مفعول، تقديره: يوم تجد كلُّ نفس عملها - أي: معمولها - فلا عائد حينئذ [عند الجمهور] . قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء تَوَدُّ﴾ يجوز في «ما» هذه أن تكون منسوقة على «ما» التي قبلها بالاعتبارين المذكورَيْن فيها - أي: وتجد الذي عملته، أو وتجد عملها - أي: معمولها - من سوء. فإن جعلنا «تَجِدُ» متعدياً لاثنين، فالثاني محذوف، أي: وتجد الذي عملته من سوء محضراً، أو وتجد عملها مُحْضَراً، نحو علمت زيداً ذاهباً وبكراً - أي: وبكراً ذاهباً - فحذفت مفعوله الثاني؛ للدلالة عليه بذكره مع الأول. وإن جعلناها متعدية لواحد، فالحال من الموصول أيضاً - محذوفة، أي: تجده محضراً - اي: في هذه الحال - وهذا كقولك: أكرمت زيداً ضاحكاً وعمراً - أي: وعمراً ضاحكاً - حذفت حال الثاني؛ لدلالة حال الأول عليه -، وعلى هذا فيكون في الجملة من قوله: «تَوَدُّ» وجهان: أحدهما: أن تكون في محل نصب على الحال من فاعل «عَمِلَتْ» ، أي: وما عملته حال كونها وَادَّةً، اي: متمنِّيًَ البعد من السوءِ. والثاني: أن تكون مستأنفةً، أخبر الله تعالى عنها بذلك، وعلى هذا لا تكونُ الآية دليلاً على القطع بوعيد المذنبين. ووضع الكرم، واللطف هذا؛ لأنه نَصَّ في جانب الثوابِ على كونه مُحْضَراً، وأما في جانب العقاب فلم ينصّ على الحضورِ، بل ذكر أنهم يودون الفرار منه، والبعد عنه، وذلك بَيِّنٌ على أن جانب الوعد أولى بالوقوع من جانب الوعيدِ. ويجوز أن تكون «ما» مرفوعة بالابتداء، والخبر الجملة في قوله: «تَوَدُّ» ، أي: والذي عملته وعملها تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً. والضمير في «بَيْنَهُ» فيه وجهان: أحدهما - وهو الظاهر - عوده على «مَا عَمِلَتْ» ، وأعاده الزمخشري على «الْيَوْم» . قال أبو حيّان: «وأبعد الزمخشري في عوده على» اليوم «؛ لأن أحد القسمين اللذين أحْضِروا له في ذلك اليوم هو الخير الذي عمله، ولا يطلب تباعد وقت إحضار الخير، إلا بتجوُّز إذا كان يشتمل على الخير والشر، فتود تباعده؛ لتسلم من الشرِّ، ودعه لا يحصل له الخير. والأولى عوده على ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِن سواء﴾ ؛ لأنه أقربُ مذكورٍ؛ ولأن المعنى أن السوء تَتَمَنَّى في ذلك اليوم التباعُدَ منه» . فإن قيل: هل يجوز أن تكون «ما» هذه شرطية؟ فالجواب: أن الزمخشريَّ، وابن عطية مَنَعَا من ذلك، وَجَعَلا علة المنع عدم جزم الفعل الواقع جواباً، وهو «تَوَدُّ» . قال شهاب الدينِ: «وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنهم نَصُّوا على أنه إذا وقع فعلُ الشرطِ ماضياً، والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان - الجزم والرفع - وقد سُمِعَا من لسان العرب، ومنه بيت زُهَيْر: [البسيط] 1401 - وَإنْ أتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْألةٍ ... يَقُولُ: لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرمُ ومن الجزم قوله تعالى ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ [هود: 15] ، وقوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ﴾ [الشورى: 20] ، وقوله: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: 20] فدل ذلك على أن المانع من شرطيتها ليس هو رَفْعَ تَودُّ» . وأجاب ابو حيّان بأنها ليست شرطية - لا لما ذكر الزمخشريُّ وابن عطيّة - بل لعلَّةٍ أخرى، قال: كنت سُئِلت عن قول الزمخشريِّ: فذكره ثم قال: ولنذكر هاهنا ما تمس إليه الحاجة بعد أن تقدم ما ينبغي تقديمه، فنقول: إذا كان فعل الشرط ماضياً، وبعده مضارع تتم به جملة الشرط والجزاء جاز في ذلك المضارع، الجَزْمُ، وجاز فيه الرفعُ، مثال ذلك: إن قام زيد يَقُمْ - ويقوم عمرو، فأما الجزم فعلى جواب الشرط ولا نعلم في جواز ذلك خلافاً، وأنه فصيح، إلا ما ذكره صاحب كتاب «الإعراب» عن بعض النحويين أنه لا يجيء في الكلام الفصيح، وإنما يجيء مع «كان» كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ [هود: 15] ، لأنها أصل الأفعال، ولا يجوز ذلك مع غيرها، وظاهر كلام سيبويه، وكلام الجماعة، أنه لا يختص ذلك ب «كان» بل سائر الأفعال في ذلك مثل «كان» . وأنشد سيبويه للفرزدق: [البسيط] 1402 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأنَّ الْقَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتَ تَوغِيرِ وقال أيضاً: [الطويل] 1403 - تَعَالَ فَإنْ عَاهَدتنِي لا تَخُونُنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَجِبَانِ وأما الرفع فإنه مسموع من لسان العرب كثيراً. قال بعض أصحابنا: هو أحسن من الجزم، ومنه بيت زهير السابق. ومثله - أيضاً - قوله: [الطويل] 1404 - وَإنْ شُلَّ رَيْعَانُ الْجَمِيع مَخَافَةً ... نَقُولُ - جِهَاراً - وَيْلَكُمْ لا تُنَفِّرُوا وقال أبو صخر: [الطويل] 1405 - وَلاَ بِالَّذِي إنْ بَانَ عَنْهُ حَبِيبُهُ ... يَقُول - وَيُخْفِي - الصَّبْرَ - إنِّي لَجَازعُ وقال الآخر: [الطويل] 1406 - وَإنْ بَعُدُوا لا يَأمَنُونَ اقْتِرَابَهُ ... تَشَوُّفَ أهْلِ الْغَائِبِ الْمُتَنَظَّرِ وقال الآخر: [الطويل] 1407 - فَإنْ كَانَ لا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي ... إلَى قَطَرِيٍّ لا إخَالُكَ رَاضِيا وقال الآخر: [البسيط] 1408 - إنْ يُسْألُوا الْخَيْرَ يُعْطُوهُ وَإنْ خُبِرُوا ... فِي الجَهْدِ أدْرَكَ مِنْهُمْ طيبُ أخْبَارِ قال شهاب الدين: «هكذا ساق هذا البيتَ في جملة الأبيات الدالة على رفع المضارع، ويدل على ذلك أنه قال - بعد إنشاده هذه الأبيات كلَّها -: فهذا الرفع - كما رأيت - كثير» . وهذا البيتُ ليس من ذلك؛ لأن المضارع فيه مجزوم - وهو يُعْطُوه - وعلامة جزمهِ سقوط النون فكان ينبغي أن ينشده حين أنشد: دَسَّتْ رَسُولاً، وقوله: «تعال فإن عاهدتني» . وقال: فهذا الرفع كثير - كما رأيت - ونصوص الأئمة على جوازه في الكلام - وإن اختلفت تأويلاتُهم كما سنذكره - وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد بن عبد النور بن رشيد المالقي - وهو مصنف كتاب رصف المباني - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لا أعلم منه شيئاً جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسه الجزم؛ لأنه أصل العمل في المضارع - تقدم الماضي أو تأخَّر - وتأوَّل هذا المسموعَ على إضْمَار الفاء، وجملة مثل قول الشاعر: [الرجز] 1409 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ على مذهب من جعل الفاءَ منه محذوفة. وأما المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرَّفعِ. فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم، وأنَّ جوابَ الشرط ليس مذكوراً عِنْدَه، وذهب المبردُ والكوفيون إلى أنه هو الجواب، وإنما حُذِفَ منه الفاءُ، والفاء يُرْفَع ما بعدها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] فأعْطِيَتْ - في الإضمار - حكمَها في الإظهار. وذهب غيرهما إلى أن المضارعَ هو الجوابُ بنفسه - أيضاً - كالقول قبله، إلا أنه ليس معه فاء مقدرة قالوا: لكن لما كان فعلُ الشرط ماضياً، لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهِرٌ استضعفوا أداةَ الشرط، فلم يُعْمِلُوها في الجواب؛ لضَعْفِها، فالمضارع المرفوع - عند هذا القائل - جواب بنفسه من غير نية تقديم، ولا على إضمار الفاء، وإنما لم يُجْزَم لما ذُكِر، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان. وتلخص من هذا الذي قلناه - أن رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً، لكن امتنع أن يكون «وما عملت» شرطاً لعلة أخرى - لا لكون «تَوَدُّ» مرفوعاً، وذلك على ما تقرَّر من مذهب سيبويه أن النية بالمرفوع التقديم، وأنه - إذ ذاك - دليل على الجواب لا نفس الجواب، فنقول: لما كان «تَوَدُّ» مَنوياً به التقديم أدَّى إلَى تقديم المُضْمَ رعلى ظاهرهِ في غير الأبوابِ المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله: «وَبَيْنَه» عائد على اسم الشرط - الذي هو «ما» - فيصير التقدير: تَوَدُّ كلُّ نفسٍ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عملت من سوء، فلزم هذا التقدير تقديم المضمر على الظاهر، وذلك لا يجوز. فإن قلت: لم لا يجوز ذلك والضمير قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت نيتُه التقديمَ فقد حصل عَوْدُ الضمير على الاسم الظاهر قَبْلَه، وذلك نظير: ضرب زيداً غلامُه، فالفاعل رُتْبته التقديمُ، ووجب تأخيره لصحة عود الضمير؟ فالجواب: أن اشتمال الدليل على ضمير اسم الشرط يوجب تأخيره عنه؛ لعود الضمير، فيلزم من ذلك اقتضاء جملة الشرط لجملة الدليل، وجملة الشرط إنما تقتضي جملة الجزاء - لا دليله - ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل؟ بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملة الدليل لا موضع لها من الإعراب، وإذا كان كذلك تدافَع الأمر؛ لأنها من حيث هي جملة دليل لا يقتضيها فعل شرط، ومن حيث عَوْد الضمير على اسم الشرط اقتضاها، فتدافَعَا، وهذا بخلاف: ضرب زيد أخاه؛ فإنها جملة واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، فكل واحد منهما يقتضي صاحبه، ومن ذلك جاز - عند بعضهم - ضرب غلامُها هنداً، لاشتراك الفاعل - المضاف إلى الضمير - والمفعول الذي عاد عليه الضمير - في العامل، وامتنع ضرب غلامُها جازَ عنده؛ لعدم الاشتراك في العامل، ففرق ما بين المسألتين، ولا يُحْفَظ من لسان العربِ: أوَدُّ لو أني أكْرمه أبا ضربتُ هِندٍ؛ لأنه يلزم منه تقديم المُضْمَر على مفسِّره - في غير المواضع التي ذكرها النحويون - فلذلك لا يجوز تأخيره «انتهى. وقد جوَّز ابو البقاء كونَها شرطية، ولم يلتفت لما مَنَعُوا به ذلك، فقال:» والثاني - أنها شرط وارتفع» تَوَدُّ «على إرادة الفاء، أي: فهو تود» . ويجوز أن يرتفع من غير تقدير حذف؛ لأن الشرط - هنا - ماضٍ، وإذا لم يظهر في الشرط لفظ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزم والرفع. [وقد تقدم تحقيق القول في ذلك، فالظاهر موافقته للقول الثالث من تخريج الرفع في المضارع كما تقدم تحقيقه وقرأ ... ] عبد الله وابن أبي عبلة: «ودت» - بلفظ الماضي - وعلى هذه القراءة يجوز في «ما» وجهان: أحدهما: أن تكون شرطية، وفي محلها - حينئذ - احتمالان. الأول: النصب بالفعل بعدها، والتقدير: أيَّ شيء عملت من سوء ودت، ف «وَدَّتْ» جواب الشرط. الثاني: الرفع على الابتداء، والعائد على المبتدأ محذوف، تقديره: وما عملته، وهذا جائز في اسم الشرط خاصة عند افرّاء في فصيح الكلام، أعني حذف عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعل نحو: «أيُّهُمْ ضرب أكرمه» - برفع «أيُّهم» وإذا كان المبتدأ غير ذلك ضَعُفَ نحو: زيدٌ ضربت، [وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في قراءة من قرأ: «أفحكمُ الجاهلية يبغون» ، وفي قوله: «وكل وعد الله الحسنى» في الحديد] . الوجه الثاني من وجهي «ما» : أن تكون موصولة، بمعنى: الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمدا بعيداً، ومحلها - على هذا - رفع بالابتداءِ، و «وَدَّتْ» الخبر، وهو اختيار الزمخشريِّ؛ لأنه قال: «لكن الحمل على الابتداء والخبر أوْقَعُ في المعنى: لأنه حكاية الكائن في ذلك اليوم، وأثبت؛ لموافقة قراءة العامة» انتهى. فإن قيل: لِمَ لَمْ يمتنع أن تكون «ما» شرطية على هذه القراءة، كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجواب: أن العلة إن كانت رفعَ الفعل، وعدم جَزْمه - كما قال به الزمخشريّ وابن عطية - فهي مفقودة في هذه القراءة؛ لأن الماضيَ مبني اللفظ، لا يظهر فيه لأداة الشرط عملٌ وإن كانت العلة أن النية به التقديم، فيلزم عَوْدُ الضميرِ على متأخِّرٍ لفظاً ورُتْبةًن فهي أيضاً مفقودة فيها؛ إذ لا دَاعِيَ يدعو إلى ذلك. قوله - هنا - على بابها، من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوعِ غيره، وعلى هذا ففي الكلام حذفان: أحدهما: حذف مفعول «تَوَدُّ» . والثاني: حذف جواب «لَوْ» ، والتقدير فيها: تود تباعُدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسُرَّت بذلك، أو لفرحت ونحوه. والخلاف في «لو» بعد فعل الودادة وما بمعناه أنها تكون مصدرية كما تقدم تحريره في البقرة، يبعد مجيئه هنا؛ لأن بعدها حرفاً مصدرياً وهو «أن» . قال أبو حيان: ولا يباشر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 23] ، قال شهاب الدين: إلا قليلاً يشعر بجوازه، وهو لا يجوز ألبتة، وأما الآية التي أوردها فقد مضى النحاة على أن ما زائدة. وقد تقدم الكلام في «أنَّ» الواقعة بعد «لَوْ» هذه، هل محلها الرفع على الابتداء، والخبر محذوفٌ - كما ذهب إليه سيبويه - أو أنها في محل رفع بالفاعلية بفعل مقدَّر، أي: لو ثبت أن بينها وما قال الناس في ذلك وقد زعم بعضهم أن «لو» - هنا - مصدرية، هي وما في حيزها من معنى المفعول لِ «تَوَدُّ» ، أي تود تباعد ما بينها وبينه، وفي ذلك إشكال، وهو دخول حرف مصدري على مثله، لكن المعنى على تسلط الوداد على «لو» وما في حيِّزها لولا المانع الصناعي. والأمد: غاية الشيء ومنتهاه، وجمعه آماد - نجو أجل وآجال - فأبدِلَت الهمزةُ ألِفاً، لوقوعها ساكنةً بعد همزةِ «أفعال» . قال الراغب: «الأمَد والأبد متقاربان، لكن الأبد عبارة عن مدة الزمانِ التي ليس لها حَدٌّ محدود، وَلا يتقيد فلا يقال: أبَدَ كذا والأمد مدة لها حَدٌّ مجهول إذا أطلق، وقد ينحصر إذا قيل: أمَد كذا، كما يقال: زمان كذا، والفرق بين الأمد والزمان، أن الأمد يقال لاعتبار الغايةِ، والزمان عام في المبدأ والغاية ولذلك قال بعضهم: المدى والأمد يتقاربان» . فصل المعنى: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ﴾ يعني: لو أن بين النفس وبين السوء أمداً بعيداً. قال السُّدِّيُّ: مكاناً بعيداً. وقال مقاتلٌ: كما بين المَشرق والمَغْرِب؛ لقوله تعالى: ﴿ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين﴾ [الزخرف: 38] . قال الحسنُ: يسر أحدهم أن لا يلقى عمله أبداً. اعلم أن المقصود تَمَني بُعْدِه، سواء حملنا لفظ الأمَد على الزمان، أو على المكان. ثم قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ وهو تأكيد للوعيد، ثم قال: ﴿والله رَؤُوفُ بالعباد﴾ وفيه وجوه: الأول: أنه رؤوفٌ بهم، حَيْثُ حذَّرهم من نفسه، وعرفهم كمالَ علمِه وقدرتهِ، وأنه يُمْهِل ولا يُهْمِل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذَّرهم من استحقاق غضبه. قال الحسنُ: «ومن رأفته بهم أن حذَّرَهُم نفسه» . الثاني: أنه رؤوف بالعباد، حيث أمْهَلَهُمْ للتوبة والتدارك والتَّلاَفِي. الثالث: أنه لما قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ﴾ - وهو للوعيد - أتبعه بالوعد، وهو قوله: ﴿والله رَؤُوفُ بالعباد﴾ ، ليعلم العبد أن وَعْدَ رحمته غالب على وعيده. الرابع: أن لفظ «العباد» في القرآن مختص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] ، وقال: ﴿عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله﴾ [الإنسان: 6] ، فعلى هذا لما ذكر وعيد الكفار والفساق ذكر وعد أهل الطاعة، فقال: ﴿والله رَؤُوفُ بالعباد﴾ ، أي: كما هو منتقم من الكفار والفساق فهو رؤوف بالعباد المطيعين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.