الباحث القرآني

في الناصب لِ «إذْ» أوجه: أحدها: أنه «اذكر» مقدَّراً، فيكون مفعولاً به لا ظرفاً، أي: اذكر لهم وقت قول امرأة عمران كيت وكيت وإليه ذهب ابو الحسن وأبو العباس. الثاني: أن الناصب له معنى الاصطفاء، أي: «اصْطَفَى» مقدَّراً مدلولاً عليه ب «اصْطَفَى» الأوَّل والتقدير: واصطفى آل عمران - إذ قالت امرأة عمران. وعلى هذا يكون قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 33] من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات؛ إذ لو جُعِل من عطف المفردات لزم أن يكون وقتُ اصطفاءِ آدمَ وقول امرأةِ عمران كيت وكيت، وليس كذلك؛ لتغاير الزمانَيْن، فلذلك اضطررنا إلى تقدير عامل غير هذا الملفوظِ به، وإلى هذا ذَهَبَ الزَّجَّاجُ وغيره. الثالث: أنه منصوب ب «سميع» وبه صرح ابن جرير الطبري، وإليه نحا الزمخشري؛ فإنه قال: سميع عليم لقول امرأة عمران ونِيَّتها، و «إذْ» منصوب به. قال أبو حيّان: ولا يَصِحُّ ذَلِكَ؛ لأن قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ إمّا أن يكون خبراً بعد خبر، أو وصفاً لقوله: «سميع» فإن كان خبراً فلا يجوز الفصل به بين العامل والمعمول؛ لأنه أجنبيٌّ عنهما، وإن كان وَصْفاً فلا يجوز أن يَعْمَل ﴿سَمِيعٌ﴾ في الظرف؛ لأنه قَدْ وُصِفَ، واسم الفاعل وما جرى مجراه إذا وُصِفَ قَبْلَ معموله لا يجوز له - إذ ذاك - أن يعمل، على خلاف لبعض الكوفيين في ذلك؛ لأن اتصافه تعالى ب ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لا يتقيد بذلك الوقت. قال شهابُ الدين: «وهذا القدر غيرُ مانع؛ لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيره، ولذلك تقدم على ما في خبر» أل «الموصولة وما في خبر» أن «المصدرية» . وأما كونه - تعالى - سميعاً عليماً لا يتقيد بذلك الوقت، فإن سَمْعَه لذلك الكلام مقيَّد بوجود ذلك الكلام، وعلمه - تعالى - بأنها تذكر مقيَّد بذكرها لذلك، والتغيُّر في السمع والعلم، إنما هو في النسبِ والتعلُّقات. الرابع: أن تكون «إذْ» زائدةً، وهو قول أبي عُبَيْدَةَ، والتقدير: قالت امرأة عمرانَ، وهذا غلط من النحويين، قال الزّجّاج لم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً؛ لأن إلغاء حرفٍ من كتاب الله تعالى - من غير ضرورةٍ لا يجوز، وكان أبو عبيدة يُضَعَّفُ في النحو. الخامس: قال الأخفش والمُبَرِّد: التقدير: «ألم تر إذْ قالت امرأة عمران، ومثله في كتاب الله كثير» . فصل امرأة عمران هي حَنَّة بنت فاقوذا أم مريم، وهي حنة - بالحاء المهملة والنون - وجدة عيسى - عليه السلام - وليس باسم عربي. قال القرطبيُّ: «ولا يُعْرَف في العربية» حنة» : اسم امرأة - وفي العرب أبو حنة البدريّ، ويقال فيه أبو حبة - بالباء الموحَّدة - وهو أصح، واسمه عامر، ودير حنة بالشام، ودير آخر أيضاً يقال له كذلك. قال أبو نواس: 1414 - يَا ديرَ حَنَّةَ مِنْ ذَاتِ الأكَيْرَاحِ ... مَنْ يَصْحُ عَنْكِ فَإنِّي لَسْتُ بِالصَّاحِي وفي العرب كثير، منهم أبو حبة الأنصاريّ وأبو السنابل بن بعْكك - المذكور في حديث سبيعة الأسلمية، ولا يعرف «خَنَّة» - بالخاء المعجمة - إلا بنت يحيى بن أكثم، وهي أم محمد بن نصر، ولا يُعْرَف «جَنَّة» - بالجيم - إلاَّ أبو جنة وهو خال ذي الرمة الشاعر، نقل هذا كله ابنُ ماكولا» . وعمران بن ماثان، وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة، وكان بنو ماثان رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم. وقيل: عمران بن أشهم، وكان زكريا قد تزوَّج إيشاع بنت فاقوذ، وهي أخت حنة أم مريم، فكان يحيى بن زكريا ومريم عليهما السلام ولدي خالة، وفي كيفية هذا النذر روايات. قال عكرمةُ: إنها كانت عاقراً لا تلد، وتغبط النساء بالأولاد، فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً ن أتصدَّقَ به على بيتك المقدَّس، فيكونَ من سَدَنَتِهِ. الثانية: قال محمد بن إسحاق: إن أم مريم ما كان يحصل لها ولد، فلما شاخت جلست يوماً في ظل شجرة فرأت ظائراً يُطْعِم فِراخًاً له فتحركت نفسها للولد، فدعت رَبَّها أن يَهَبَ لها وَلَداً، فحملت مريم وهلك عمران - فلما عرفت جعلته لله محرراً - أي: خادماً للمسجد. قال الحسن البصري: إنما فعلت ذلك بإلهام من الله - تعالى - ولولاه لما فعلت، كما رأى إبراهيم - عليه السلام - ذبحَ ابنه في المنام فعلم أن ذلك أمر الله تعالى - وإن لم يكن عن وحي، وكما ألهم الله أمَّ موسى بقَذْفه في اليم وليس بوحي، فلما حررت ما في بطنها - ولم تعلم ما هو، قال لها زوجها: ويحكِ: ما صنعتِ؟ أرأيت إن كان ما في بطنك أنثَى لا يصح لذلك؟ فوقعوا جميعاً في هَمٍّ من ذلك، فهلك عمران وحنة حامل بمريم ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ . قوله: «مُحَرَّراً» في نَصبه أوجه: أحدها: أنها حال من الموصول - وهو ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ - فالعامل فيها «نذرت» . الثاني: أنه حال من الضمير المرفوع بالجار؛ لوقوعه صلة «ما» وهو قريب من الأول، فالعامل الاستقرار الذي تضمنه الجار والمجرور. الثالث: أن ينتصب على المصدر؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعول من الفعل الزَّائد على ثلاثة أحرف، وعلى هذا، فيجوز أن يكون في الكلام حذفُ مضاف، تقديره: نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويجوز أن يكون «ما» انتصب على المعنى؛ لأن معنى ﴿نَذَرْتُ لَكَ﴾ : حرَّرتُ لك ما في بطني تحريراً، ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قوله: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19] وقوله: ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾ [الحج: 18]- في قراءة من فتح الراء - أي: كلَّ تمزيق، فما له من إكرام. ومثله قول: [الوافر] 1415 - ألَمْ تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ الْقَوَافِي ... فَلاَ عِيًّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَا أي تسريحي القوافي. الرابع: أن يكون نعتاً لمفعولٍ محذوفٍ، تقديره: غلاماً مُحَرَّراً، قاله مكيُّ بن أبي طالب - وجعل ابنُ عطية، في هذا القول نظراً. قال شهاب الدين: «وجه النظر فيه أن» نذر «قد أخذ مفعوله - وهو قوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ فلم يتعد إلى مفعول آخرَ، وهو نظر صحيح» . وعلى القول بأنها حال يجوز أن تكون حالاً مقارنة إن أريد بالتحرير معنى العِتْق ومقدرة معنى خدمة الكنيسة - كما جاء في التفسير، ووقف أبو عمرو والكسائي على «امرأة» بالهاء - دون التاء - وقد كتبوا «امرأة» بالتاء وقياسها الهاء هاهنا وفي يوسف «امرأة العزيز» موضعين - وامرأة نوح، وامرأة لوط، وامرأة فرعون، وأهل المدينة يقفون بالتاء؛ إتباعاً لرسم المصحف، وهي لغة للعرب يقولون في حمزة: حمزت. وأنشدوا: 1416 - وَاللهُ نَجَّاكَ بِكَفَّيْ مَسْلَمَتْ ... مِنْ بَعْدِمَا وَبعْدِمَا وَبَعْدِمَتْ فصل والنذر ما يوجبه الإنسان على نفسه وهذا النوع من النَّذْر كان في بني إسرائيل، ولم يوجَد في شرعنا. قال ابن العربي: «لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حَمْلِها نذرٌ؛ لكونها حُرَّةٌ، فلو كانت امرأته أَمَة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر في ولده. وكيفما تصرفت حاله فإنه إن كان الناذرُ عبداً فلم يتقرر وله في ذلك، وإن كان حُرًّا، فلا يصح أن يكون، مملوكاً له، وكذلك المرأة مثله، فأي وجه للنذر فيه؟ وإنما معناه - والله أعلم - أن المرء إنما يريدُ ولَده للأنس به والتسلّي، والاستنصارِ، فطلبت هذه المرأة أنساً به، وسُكوناً إليه، فلمَّا مَنَّ الله - تعالى - عليها به نذرَتْ أن حظها من الأنس متروك فيه، وهو على خدمة الله - تعالى - موقوفٌ، وهذا نَذْر الأحرار من الأبرار، وأرادت به مُحَرَّراً من جهتي رق الدنيا وأشغالها. قوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ أتى ب» ما «التي لغير العاقلِ؛ لأن ما في بطنها مُبْهَمٌ أمرُه، والمُبْهَم أمره يجوز أن يُعَبَّر عنه ب» ما «. ومثاله أن تقول إذا رأيتَ شبحاً من بعيد لا تدري إنسان هو أم غيره: ما هذا؟ ولو عرفته إنساناً وجهلت كونه ذكراً أو أنثى، قلت: ما هو أيضاً؟ والآية من هذا القبيل، هذا عند مَنْ يرى أن» ما «مخصوصة بغير العاقل، وأما من يرى وقوعها على العقلاء، فلا يتأوَّل شيئاً. وقيل: إنه لما كان ما في البطن لا تمييز له ولا عقل عبر عنه ب» ما» التي لغير العُقَلاء. المحرر: الذي يُجْعَل حُرًّا خالصاً، يقال: حرَّرت العبدَ - إذا أخلصته من الرق - وحرَّرْت الكتاب، أي: أصلحته وخلصته من وجوه الغلط، ورجل حُرّ: إذا كان خالصاً لنفسه، وليس لأحد عليه تعلُّق. والطين الحر: الخالص من الرمل والحمأة والعيوب، فمعنى «مُحَرَّراً» ، أي: مُخْلصاً للعبادة، قاله الشعبيُّ. وقيل: خادماً للبيعة. وقيل: عتيقاً من أمر الدنيا لطاعة الله. وقيل: خادماً لمن يدرس الكتاب، ويُعَلِّم في البيع. والمعنى أنها نذرت أن تجعلَ الولدَ وَقْفاً على طاعة الله تعالى. قيل: لم يكن لبني إسرائيل غنيمة ولا شيء، فكان تحريرهم جعلَهم أولادَهم على الصفة التي ذكرنا؛ وذلك؛ لأنه كان الأمر في دينهم أن الولد إذا صَارَ بحيث يمكن استخدامه كان يجب عليه خدمة الأبوين، فكانوا - بالنذر - يتركون ذلك النوعَ من الانتفاع، ويجعلونهم محرَّرين لخدمة المسجد وطاعة الله تعالى. وقيل: كان المحرر يجعل في الكنيسة - يقوم بخدمتها - حتى يبلغَ الحلم، ثم يُخَيَّر بين المُقام والذهاب فإن أبي المقام، وأراد أن يذهب ذهب، وإن اختار المقام فليس له بعدَ ذلك خيار، ولم يكن نبيّ إلا ومن نسله محرَّر في بيت المقدس. وهذا التحرير لم يكن جائزاً إلا في الغلمان، أما الجارية فكانت لا تصلح لذلك؛ لِمَا يُصِيبها من الحيض، والأذى، وحنَّةُ نذرت مطلقاً، إما لأنها بنت الأمر على التقدير، أو لأنها جعلت ذلك النذر وسيلةً إلى طلب الذكر ومعنى: نذرت لك أي لعبادتك، وتقدم الكلام على النذر، ثم قال تعالى - حاكياً عنها -: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ ، والتقبُّل: أخذ الشيء على الرضا، قال الواحديُّ: «وأصله من المقابلة؛ لأنه يقابَل بالجزاءِ، وهذا كلام مَن لم يرد بفعله إلا رضا الله - تعالى - والإخلاصَ في عبادته ومعنى ﴿السميع﴾ أي: لتضرعي ودعائي وندائي ﴿العليم﴾ بما في ضميري ونيَّتي. قوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ الضمير في «وضعتها» يعود على «ما» - من حيث المعنى -؛ لأن الذي في بطنها أنْثَى - في علم الله - فعاد الضمير على معناها دون لفظها. وقيل: إنما أنث؛ حَمْلاً على مضيّ النسمة أو الْجِبلَّة أو النفس، قاله الزمخشريُّ. وقال ابنُ عطية: حملاً على الموجودة، ورفعاً للفظ» ما «في قوله ﴿مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ . قوله: ﴿أنثى﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنها منصوبة على الحال، وهي حال مؤكِّدَة؛ لأن التأنيث مفهوم من تأنيث الضمير، فجاءت» أنثى «مؤكدة. قال الزمخشريُّ:» فإن قلت: كيف جاز انتصاب» أنثى «حالاً من الضمير في» وَضَعْتُهَا «وهو كذلك كقولك: وضعت الأنثى أنثى؟ قلت: الأصل وضعته أنثى، وإنما أنث لتأنيث الحال؛ لأن الحالَ وذا الحال لشيء واحد، كما أنث الاسم في من كانت أمك؛ لتأنيث الخبر، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ [النساء: 176] . وأما على تأويل النسمة والجبلة فهو ظاهرٌ، كأنه قيل: إني وَضَعْتُ النسمةَ أنثى» . يعني أن الحال على الجواب الثاني - تكون مبيِّنة لا مؤكِّدة؛ وذلك لأن النسمة والجبلة تصدق على الذكر وعلى الأنثى، فلما حصل الاشتراكُ جاءت الحال مبيِّنةً لها، إلا أن أبا حيّان ناقشة في الجواب الأول، فقال: وآل قوله - يعني الزمخشري - إلى أن «أنثى» تكون حالاً مؤكِّدة، ولا يخرجه تأنيثه لتأنيث الحال عن أن يكون حالاً مؤكِّدة، وأما تشبيهه ذلك بقوله: من كانت أمّك - حيث عاد الضمير على معنى «ما» - فليس ذلك نظير ﴿وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ ؛ لأن ذلك حَمْلٌ على معنى «ما» إذ المعنى: اية امرأة كانت أمك، أي كانت هي أي أمُّك، فالتأنيث ليس لتأنيث الخبرِ، وإنما هو من باب الحملِ على معنى «ما» ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظير ﴿وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ ؛ لأن الخبر تخصَّصَ بالإضافة غلى الضمير فاستفيد من الخبر ما لا يُستفاد من الاسم، بخلاف «أنْثَى» فإنه لمجرَّد التأكيد، وأما تنظيره بقوله: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ . فيعني أنه ثَنَّى الاسمَ؛ لتثنية الخبر. والكلام يأتي عليه في مكانه إن شاء الله تعالى فإنها من المشكلات، فالأحسن أن يُجعل الضمير - في ﴿وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ - عائداً على النسمة أو النفس، فتكون الحال مبيِّنة مؤكِّدة. قال شهاب الدين: قوله: «ليس نظيرها؛ لأن من كانت أمك» حُمل فيه على معنى من، وهذا أنث لتأنيث الخبر «ليس كما قال، بل هو نظيره، وذلك أنه في الآية الكريمة حُمل على معنى» ما «كما حمل هناك على معنى» من» ، وقول الزمخشري: «لتأنيث الخبر» أي لأن المرادَ ب «من» : التأنيث، بدليل تأنيث الخبر، فتأنيث الخبر بَيَّنَ لنا أن المراد ب» من «المؤنث كذلك تأنيث الحال وهو أنثى، بيّن لنا أن المراد ب» ما «في قوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ أنه شيءٌ مؤنث، وهذا واضح لا يحتاج إلى فكر، وأما قوله:» فقد استفيد من الخبر ما لا يستفاد من الاسم بخلاف ﴿وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ ، فإنه لمجرد التوكيد» ليس بظاهر أيضاً؛ وذلك لأن الزمخشري إنما أراد بكونه نظيره من حيث إن التأكيد في كلّ من المثالين مفهوم قبل مجيء الحال في الآية وقَبْل مجيء الخبر في النظير المأما كونه يفارقه في شيء آخر لعارض، فلا يضر ذلك في التنظير، ولا يخرجه عن كونه يشبهه من هذه الجهة، وقد تحصل لك في هذه الحالة وجهان: أحدهما: أنها مؤكِّدة إن قلنا: إن الضمير في ﴿وَضَعَتْهَا﴾ عائد على معنى «ما» . الثاني: أنها مبيِّنة إن قلنا: إن الضمير عائد على الجبلة والنسمة أو النفس أو الجِبلَّة لصدق كل من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكر والأنثى. الوجه الثاني من وجهي «أنثى» : أنها بدل من «ها» في ﴿وَضَعَتْهَا﴾ بدل كل من كل - قاله أبو البقاء. ويكون في هذا البدلِ بيان ما المراد بهذا الضميرِ، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبة، فإن كان الضمير مرفوعاً نحو: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: 3]- على أحد الأوجهِ - فالكل يجيزون فيه البدلَ، وإن كان غير مرفوعٍ نحو ضربته زيداً ومررت به زيدٍ فاختلِفَ فيه، والصحيح جوازه كقول الشاعر: [الطويل] 1417 - عَلَى حَالَةٍ لَوْ أنَّ فِي الْقَوْمِ حَاتِماً ... عَلَى جُودِهِ لَضَنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ بجر حاتم الأخير بدلاً من الهاء في «جُودِهِ» . فصل والفائدةُ في قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالبُ على ظَنِّها أنه ذَكَر، فلم تشترط ذلك في كلامِها، وكانت عادتُهم تحريرَ الذكر، لأنه هو الذي يُفَرَّغ لخدمة المسجد دون الأنثى، فقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى﴾ خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يُعتَد به، ومعتذرةً من إطلاقها النذر المتقدم، فذكرت ذلك على سبيل الاعتذار، لا على سبيل الإعلام؛ تعالى الله عن [أن يحتاج إلى إعلامها] . قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر «وَضَعْتُ» بتاء المتكلم - وهو من كلام أمِّ مَرْيَمَ خاطبت بذلك نفسَها؛ تَسَلِّياً لها واعتذاراً للهِ تعالى؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس. قال الزمخشريُّ - وقد ذكر هذه القراءة -: «تعني ولعل الله - تعالى - فيه سِرًّا وحكمةً، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر؛ تَسلِيَةً لنفسها» . وقيل: قالت ذلك؛ خوفاً أن يُظَنَّ بها أنها تُخْبِر الله - تعالى - فأزالت الشبهةَ بقولها هذا وبينت أنها إنما قالتْ ذلك للاعتذارِ لا للإعلام - وفي قولها: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ التفات من الخطاب إلى الغيبة؛ إذ لو جَرَتْ على مقتضَى قولها: «رَبِّ» لقالت: وأنت أعلم. وقرأ الباقون: «وَضَعَتْ» بتاء التأنيث الساكنةِ - على إسناد الفعل لضمير أم مريم، وهو من كلام الباري تعالى، وفيه تنبيه على عِظَم قَدْر هذا المولود، وأنَّ له شأناً لم تعرفيه، ولم تعرفي إلا كونه أنثى لا غير، دون ما يئول إليه من أمور عِظَامٍ، وآيات واضحةٍ. قال الزمخشريُّ: «ولتكلُّمها بذلك على وجه التحسُّر والتحزُّن قال الله - تعالى -: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيماً لموضوعها، وتجهيلاً لها بقدر ما وُهِبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آيةً للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت» . وقد رجح بعضهم القراءة الثانية على الأولى بقوله: ﴿والله أَعْلَمُ﴾ قال: «ولو كان من كلامِ مريم لكان التركيب: وأنت أعلم» . وقد تقدم جوابُه بأنه التفات. وقرأ ابن عباس «والله أعلم بِمَا وَضَعَتِ» - بكسر التاء - خاطبها الله - تعالى - بذلك، بمعنى: أنك لا تعلمين قدرَ هذه المولودة، ولا قدر ما علم الله فيها من عظائمِ الأمورِ. قوله: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ ؛ هذه الجملة - يحتمل أن تكون معترضةً، وأن يكون لها محل، وذلك بحسب القراءات المذكورة في «وَضَعَتْ» - كما يأتي تفصيله - والألف واللام في «الذكَر» يحتمل أن تكون للعهدِ، والمعنى: ليس الذكر الذي طلبَتْ كالأنثى التي وَهِبَتْ لها. قال الزمخشريُّ: «فإن قلتَ: فما معنى قولها: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ ؟ قلت: هو بيان لما في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من التعظيم للموضوع، والرفع منه، ومعناه: ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وُهِبَتْ لها، والألف واللام فيهما يحتمل أن تكون للعهد وأن تكون للجنس، على أن المراد: أن الذكر ليس كالأنثى في الفضل والمزية؛ إذ هو صالح لخدمة المتعبدات والتحرير ولمخالطة الأجانب، بخلاف الأنثى؛ لِما يعتريها من الحيض، وعوارض النسوان. وكان سياقُ الكلام - على هذا - يقتضي أن يدخل النفي على ما استقر، وحصل عندَها، وانتفت عنه صفاتُ الكمال للغرض المقصود منه، فكان التركيبُ: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عدل عن ذلك؛ لأنها بدأت بالأهم لما كانت تريده، وهو المُتَلَجلِج في صدرها، والحائل في نفسها، فلم يَجْرِ لسانُها في ابتداء النطق إلا به، فصار التقديرُ: وليس جنسُ الذكرِ مثل جنس الأنثى، لما بينهما من التفاوتِ فيما ذكر، ولولا هذه المعاني التي استنبطها العلماء، وفهموها عن الله - تعالى - لم يكن لمجرد الإخبار بالجملة الليسية معنًى؛ إذ كلُّ أحدٍ يعلَمُ أن الذكر لَيْسَ كالأنثى. وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ هذه الجملة معطوفة على قوله ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَآ﴾ على قراءة مَنْ ضَمَّ التاء في قوله وضعت فتكون هي وما قبلها في محل نصب بالقول، والتقدير: قالت: إني وضعتُها، وقالت: والله أعلم بما وَضَعْتُ، وقالت: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَم. وأما على قراءة من سكن التاء أو كسرها فتكون ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾ أيضاً معطوفاً على ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَآ﴾ ويكون قد فصل بين المتعاطفَيْن بجملتي اعتراض، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 76] قاله الزمخشريُّ. قال أبو حيّان: «ولا يتعين ما ذكر من أنهما جملتان معترضتان؛ لأنه يحتمل أن يكون: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ من كلامها في هذه القراءة» ويكون المعترض جملة واحدة - كما كان من كلامها في قراءة من قرأ «وَضَعْتُ» بضم التاء - بل ينبغي أن يكون هذا المتعيِّن؛ لثبوت كونه من كلامها في هذه القراءة، ولأن في اعتراضِ جملتين خلافاً لمذهب أبي علي الفارسي من أنه لا يعترض جملتان. وأيضاً تشبيهه هاتين الجملتين اللتين اعترض بهما - على زعمه - بين المعطوف والمعطوفِ عليه، بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: 76] ليس تشبيهاً مطابقاً للآية؛ لأنه لم يعترض جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعترض بين القسم - الذي هو ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75]- وبين جوابه - الذي هو ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: 77]- بجملة واحدة - وهي قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ - لكنه جاء في جملة الاعتراض - بين بعض أجزائها، وبعض اعتراض بجملة - وهي قوله: ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ اعتراضٌ بها بين المنعوتِ الذي هو «لَقَسَمٌ» - وبين نعته - الذي هو «عَظِيمٌ» - فهذا اعتراضٌ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ . قال شهابُ الدين: والمشاحَّة بمثل هذه الأشياء ليست طائلة، وقوله: «ليس فصلاً بجملتي اعتراض» ممنوع، بل هو فَصْلٌ بجملتي اعتراض، وكونه جاء اعتراضاً في اعتراض لا يضر ولا يقدَح في قوله: فصل بجملتين «ف» سمى «يتعدى لاثنين، أحدهما بنفسه، وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوز حذفه، تقول: سميت زيداً، والأصل: بزيدٍ، وجمع الشاعرُ بين الأصل والفرع في قوله: [المتقارب] 1418 - وَسُنِّيْتَ كَعباً بِشَرِّ الْعِظَامِ ... وَكَانَ أبُوكَ يُسَمَّى الْجَعَل أي يسمى بالجُعَل - وقد تقدم الكلامَ في مريمَ واشتقاقها ومعناها. فصل ظاهر هذا الكلام يدل على أن عمران كان قد مات قبل وَضْعِ حَنَّة مَرْيمَ، فلذلك تولَّت الأم تسميتها؛ لأن العادة أن التسمية يتولاّها الآباء، وأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله أن يعصمها من آفاتِ الدين والدنيا؛ لأن مريم - في لغتهم - العابدة، ويؤكد ذلك قوله: بعد ذلك: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ . وقولها: ﴿سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ جَعَلت هذا اللفظَ اسماً لها وهذا يدل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور ثلاثة متغايرة، وعلى أن تسمية الولد يكون يوم الوضع. قوله: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ عطف على ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا﴾ وأتى - هنا - بخبر» إنَّ «فعلاً مضارعاً؛ دلالة على طلبها استمرار الاستعاذة دون انقطاعها، بخلاف قوله: ﴿وَضَعْتُها﴾ و ﴿سَمَّيْتُهَا﴾ حيث أتى بالخبرين ماضيَيْن؛ لانقطاعهما، وقدم المُعَاذَ به على المعطوف؛ اهتماماً به. وفتح نافع ياءَ المتكلم قبل هذه الهمزة المضمومة، وكذلك ياء وقع بعدها همزة مضمومة إلا في موضعين فإن الكُلَّ اتفقوا على سكونها فيهما -: ﴿بعهدي أُوف﴾ [البقرة: 40] و ﴿آتوني أُفْرِغ﴾ [الكهف: 96] والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها. فصل لما فاتها ما كانت تريد من أن يكون رجلاً خادماً للمسجد، تضرعت إلى الله تعالى أن يحفظها من الشيطان، وأن يجعلها من الصالحات القانتات. قال القرطبي: «معنى قوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ يعني خادم الرب - بلغتهم - ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ مريمَ. ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ عيسى. وهذا يدل على أن الذرية قد تقع على الولد خاصّة» . قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ الجمهور على ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ فعلاً ماضياً على «تَفَعَّل» بتشديد العينِ - و ﴿رَبُّهَا﴾ فاعل به، وتفعل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى المجرَّد - أي فقبلها - بمعنى رَضِيها مكان الذَّكر المنذورِ، ولم يقبل أنثى منذورة - قبل مريم - كذا ورد في التفسير، و «تَفَعَّل» يأتي بمعنى «فَعَل» مُجَرَّداً، نحو تعجب وعَجب من كذا، وتَبَرَّأ وبَرِئَ منه. والثاني: أن «تفعل» بمعنى: استفعل، أي: فاستقبلها ربُّها، يقال: استقبلت الشيءَ أي: أخذته أول مرة. والمعنى: أن اللهَ تولاَّها من أول أمرها وحين ولادتها. ومنه قول الشاعر: [الوافر] 1419 - وَخَيْرُ الأمْرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ بِأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّبَاعا ومنه المثل: خذ الأمر بقوابله. و «تَفَعَّل» بمعنى «استفعل» كثير، نحو: تعظم، واستعظم، وتكبر، واستكبر، وتعجَّل واستعجل. قال بعضُ العلماء: «إن ما كان من باب التفعُّل، فإنه يدل على شدة اعتناء ذلك الفاعل بإظهار ذلك الفعل، كالتصبُّر والتجلُّد، ونحوهما، فإنهما يُفيد أن الجِدَّ في غظهار الصَبْرِ والجَلَدِ، فكذا هنا التقبل يفيد المبالغة في إظهار القبولِ» . فإن قيل: فلِمَ لَمْ يَقُلْ: فتقبلها ربُّها بتَقَبُّلٍ حَسَنٍ، حتى تكمُلَ المبالغةُ؟ فالجوابُ: أنَّ لفظَ التَّقَبُّل - وإن أفاد ما ذكرنا - يُفِيدُ نوعَ تكلُّفِ خلاف الطبعِ، فذكر التقبلَ، ليفيد الجد والمبالغة، ثم ذكر القبولَ، ليفيد أن ذلك ليس على خلاف الطبعِ، بل على وفق الطبعِ، وهذه الوجوه - وإن كانت ممتنعةً في حق اللهِ تعالى - تدل من حيثُ الاستعارةُ - على حصول العنايةِ العظيمةِ في تربيتها، وهو وجه مناسبٌ. والباء - في قوله: «بِقَبُولٍ» - فيها وجهانِ: أحدهما: أنها زائدة، أي: قبولاً، وعلى هذا فينتصب «قبولاً» على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذْ لو جاء على «تَقَبُّل» لقيل: تَقَبُّلاً، نحو تَكَبَّرَ تَكَبُّراً. وَقَبُول: من المصادر التي جاءت على «فَعُول» - بفتح الفاء - قال سيبويه: خمسة مصادر جاءت على «فَعُول» قَبُول، وطَهُور، ووَقُود، ووَضُوء، وولُوع، إلا أن الأكثر في الوقود - إذا كان مصدراً - الضَّمّ، يقال: قَبلتُ الشيءَ قَبُولاً، وأجاز الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ ضم القافِ من قَبُول وهو القياس، كالدخولِ والخروجِ، وحكاها ابنُ الأعرابي عن الأعراب: قبلت قَبُولاً - بفتح القافِ وضمها - سماعاً، وعلى وجهه قُبُول - لا غير - يعني لم يُقَل هنا إلا بالضم، وأنشدوا: [السريع] 1420 - قَدْ يُحْمَدث الْمَرْءُ وَإنْ لَمْ يُبَلْ ... بالشّرِّ وَالْوَجْهُ عَلَيْهِ الْقُبُولْ بضم القاف - كذا حكاه بعضهم. قال الزَّجَّاجُ: إن «قَبُولاً» هذا ليس منصوباً بهذا الْفِعْلِ حتى يكونَ مصدراً على غير المصدر، بل هو منصوب بفعل موافقٍ له، - أي: مجرداً - قال: والتقدير: فتقبلها بتقبُّلٍ حَسَنٍ، وقَبِلَها قبولاً حَسَناً، أي: رضيها، وفيه بُعَدٌ. والوجه الثاني: أن الياء ليست بزائدة، بل هي على حالها، ويكون المرادُ بالقبول - هنا - اسماً لما يقبل به الشيءُ، نحو اللدود، لما يُلَدُّ به. والمعنى بذلك اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكرِ في النذر. فصل في تفسير ذلك القبولِ الْحَسَنِ وجوهٌ: أحدها: أنه - تعالى - استجاب دعاءَ أمِّ مريمَ، وعصمها، وعصم ولدَهَا عيسى - عليه السلام - من الشيطان. روى أبو هريرةَ أن رسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلاَّ والشَّيْطَانُ يَمَسه - حِيْنَ يُولَدُ - فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إلاَّ مَرْيَمَ وَابنها» ، ثم قال أبو هريرة: اقرَأُوا - إنْ شِئْتُمْ - ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم﴾ ، طعن القاضي في هذا الخبر، وقال: إنه خبر واحد على خلاف الدَّليلِ؛ وإنما قلنا: إنه على خلاف الدليل لوجوهٍ: الأول: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشَّرِّ مَنْ يَعْرف الخير والشر، والطفل المولود ليس كذلك. الثاني: أن الشيطان لو تمكَّن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك - من إهلاك الصالحين، وإفساد أحوَالهم. الثالث: لِمَ خَصَّ - بهذا الاستثناء - مريم وعيسى - عليهما السلام - دون سائر الأنبياء؟ الرابع: أن ذلك المس لو وُجِدَ بَقِيَ أثَرهُ، ولو بقي أثره لدام الصُّرَاخُ والبُكاءُ، فلمَّا لم يكن كذلك علمنا بُطْلانَهُ. الوجه الثاني - في معنى القبول الحسن -: ما رُوِيَ أن حَنَّةَ - حين ولدت مريمَ - لفَّتْها في خِرْقَةٍ وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار أبناء هارون - وهم في بيت المقدس كالحجبة في الكعبة - وقالت: خذوا هذه النذيرةَ، فتنافسوا فيها؛ لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريَّا: أنا أحق بها؛ عندي خالتها، فقالوا: لا، حتى نقترع عليها، فانطلقوا - وكانوا سبعةً وعشرين - إلى نهرٍ جارٍ. قال السُّدِّيُّ: هو نهر الأردُن - فألقوا فيه أقلامهم التي كانوا يكتبون الوحي بها، على أن كل من يرتفع قلمه، فهو الراجحُ، ثم ألقوا أقلامَهم ثلاثَ مراتٍ، وفي كل مرة كان يرتفع قلم زكريا فوق الماءِ، وترسب أقلامهم، فأخذها زكريَّا. قاله محمد بن إسحاق وجماعة، وقيل: جرى قلم زكريا مُصْعِداً إلى أعلى الْمَاءِ، وجرت أقلامهم بجري الماء. وقال السُّدِّيُّ وجماعة: ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين، وجرت أقلامُهم، فذهب بها الماء، فسَهَمَهُم زكريا - وكان رأس الأحبار ونبيهم - فأخذها. الوجه الثالث: رَوَى القفّالُ عن الحسنِ أنه قال: إن مريم تكلمت في صباها - كما تكلم المسيحُ - ولم تلتقم ثدياً قط، وإن رزقها كان يأتيها من الْجَنَّةِ. الوجه الرابع: أن عادتَهم في شريعتهم أن التحريرَ لا يجوز إلا في حق الغلام، وحتى يصير عاقلاً قادراً على خدمة المسجد، وهنا قبل الله تلك الْجَارِيَةَ على صغرهَا، وعدم قدرتها على خدمة المسجد. وقيل: معنى التَّقَبُّل: التكفُّل في التربية، والقيام بشأنها. وقال الحسنُ: معنى التقبل أنه ما عاذ بها قط ساعة من ليل ونهار. وقوله: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ نبات: مصدر على غير المصدر؛ إذ القايس إنبات، وقيل: بل هو منصوب بمُضْمَرٍ موافق له أيضاً، تقديره: فتنبت نباتاً حسناً، قاله ابنُ الأنباريّ. وقيل: كانت تنبت في اليوم كما ينبت المولود في العام. وقيل: تنبت في الصلاح والعِفَّةِ والطاعةِ. وقال القرطبي: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ أي: سَوَّى خَلْقَها من غير زيادةٍ ولا نُقْصَانٍ. قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ قرأ الكوفيون ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ - بتشديد الْعَيْنِ - «زَكَرِيَّا» - بالقصر - إلا أبا بكر، فإنه قرأه بالمد كالباقين، ولكنه ينصبه، والباقون يرفعونه. وقرأ مجاهدٌ «فَتَقَبَّلَهَا» بسكون اللام «رَبَّهَا» منصوباً، «وأنْبَتَهَا» - بكسر الباء وسكون التاء - وكَفِّلْها - بكسر الفاء [وسكون اللام] والتخفيف وقرأ أبي: «وأكْفَلَهَا» - كأكْرَمَهَا - فعلا ماضياً. وقرأ عبد الله المزني «وَكَفِلَهَا» - بكسر الفاء والتَّخْفِيفِ -. فأما قراءة الكوفيين فإنهم عَدَّوُا الفعل بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما زكريا، فمن قصره، كالأخَوَيْن وحفص - كان عنده مُقَدَّر النصب، ومن مَدَّ كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة وهكذا أقرأ به، وأما قراءة بقية السبعة ف «كَفِلَ» مخفف عندهم، متعد لواحد - وهو ضمير مريم - وفاعله زكريا. قال أبو عبيدة: ضمن القيام بها، ولا مخالفة بين القراءتين؛ لأن الله لما كفَّلَها إياه كَفِلَها، وهو في قراءتهم ممدود، مرفوع بالفاعلية. وأما قراءة: «أكْفَلهَا» فإنه عدَّاه بالهمزة كما عدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو خرَّجْته وأخْرَجته، وكرَّمته وأكرمته وهذه قراءة الكوفيين في المعنى والإعْرَابِ؛ فإن الفاعل هو الله تعالى، والمفعول الأول هو: ضمير مَرْيَمَ والثاني: هو زكريا. أما قراءة «وَكفِلها» - بكسر الفاءِ - فإنها لغة في «كَفَل» يقال: كَفَلَ يَكْفُل - كقَتَل يقْتُل - وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلُ - كعَلِمَ يَعْلَمُ - وعليها هذه الْقِرَاءةُ، وإعرابها كإعراب قراءة الجماعة في كون «زكريا» فاعلاً. وأما قراءة مجاهدٍ فإنها «كَفِّلْهَا» على لفظ الدعاء من أم مريم لله - تعالى - بأن يفعل لها ما سألته ربَّهَا منصوب على النداء، أي: فَتَقَبَّلْهَا يَا رَبَّهَا، وأنبِتْهَا وكَفِّلْهَا يَا رَبَّهَا، وزكريا في هذه القراءة مفعول ثان أيضاً كقراءة الكوفيين. وقرأ حفص والأخوانِ «زكريا» - بالقصر - حيث ورد في القرآن، وباقي السبعة بالْمَدِّ والمدُّ والقَصْرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهل الحجاز. وهو اسم أعجمي فكان من حقه أن يقولوا فيه: مُنِع من الصرف للعلمية، والعُجْمَة - كنظاشره - وإنَّما قالوا منع من الصرف لوجود ألفِ التَّأنِيثِ فيه: إما الممدودة كَحَمْرَاءَ، وإما المقصورة كحُبْلَى، وكأن الذي اضطرهم إلى ذلك أنهم رأوْه ممنوعاً - معرفةً ونكرة - قالوا: فلو كان منعه للعلمية والعُجمَةِ لانصرف نكرة لزوال أحد سببي المنع، لكن العرب منعته نكرةً، فعلمنا أن المانع غير ذلك، وليس معناه - هنا - يصلح مانعاً من صَرْفهِ إلا ألف التأنيث - يَعْنُون للشبه بألف التأنيث - وإلا فهذا اسم أعجمي لا يُعْرفَ له اشتقاقٌ، حتى يُدَّعَى فيه أنَّ الألف فيه للتأنيث. على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صَرْفه نكرةً، وكأنه لحظ المانعَ فيه ما تقدمَ من العلميَّة والعُجْمَةِ، لكنهم غلطوه وخطئوه في ذلك، وأشبع الفارسيُّ القولَ فيه فقال: «لا يخلو من أن تكون الهمزة فيه للتأنيث، أو للإلحاق أو منقلبة، ولا يجوز أن تكون منقلبةٌ؛ لأن الانقلاب لا يخلو من أن يكون من حرفٍ أصلي، أو من حرف الإلحاق؛ لأنه ليس في الأصول شيء يكون هذا مُلْحَقاً به، وإذا ثَبَتَ ذلكَ ثبت أنها للتأنيث وكذلك القول في الألف المقصورة» . قال شِهَابُ الدِّينِ: «وهذا - الذي قاله أبو علي - صحيح، لو كان فيما يُعْرَفُ له اشتقاق ويدخله تصريف، ولكنهم يُجرون الأسماء الأعجميّة مُجْرَى العربية بمعنى أنَّ هذا لَوْ وَرَدَ في لسان العرب كيف يكون حكمه» . وفيه - بَعْدَ ذلك - لغتانِ أخْرَيَانِ: إحداهما: زكريّ - بياء مشددة في آخره فقط دون ألف - وهو في هذه اللغة منصرف، ووجَّهَ أبو علي ذلك فقال: «القول فيه أنَّهُ حُذِفَ منه الياءان اللتان كانتا فيه - ممدوداً ومقصوراً - وما بعدها، وألحق بياء النَّسَب، ويدل على ذلك صرفُ الاسم، ولو كانت اياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ؛ للعجمة والتعريف، وهذه لُغَةُ أهل نجد ومَنْ والاهم» . الثانية: زَكْر - بوزن عَمْرو - حكاه الأخفشُ. والكفالة أي: الضمان - في الأصل - ثم يُستعار للضَّمِّ والأخذ، يقال منه: كَفَل يَكْفُل، وكَفِلَ يَكْفَلُ، كعلم يعلم - كفالةً وكَفْلاً، فهو كافِل وكفيل، والكافل: هو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح حاله، وفي الحديث: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وقال تعالى: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: 23] . واختلفوا في كَفَالةِ زكريا - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - إياها، فقال الأكثرون: كان ذلك حال طفولتها، وبه جاءت الروايات. وقال بعضهم: بل إنما كفلها بعد أن طمثت، واحتجوا بوجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً﴾ ثم قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهذا يوهم أن تكل الكفالة بعد ذلك النباتِ الحسنِ. الثاني: أنه - تعالى - قال: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يامريم أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله﴾ وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع في وقت تلك الكفالة. وأجيبوا عن الأول بأن الواو لا توجب الترتيب، فلعل الإنباتَ الحسنَ وكفالة زكريا حَصَلا معاً. وعن الثاني بأن دخول زكريا عليها، وسؤالَه لها هذا السؤالَ لعله وقع في آخرِ زمانِ الكفالةِ. قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب﴾ «المحراب» فيه وجهان: أحدهما: وهو مذهب سيبويه أنه منصوب على الظرف، وشذ عن سائر أخواته بعد «دَخَلَ» خاصَّةً، يعني أن كل ظرف مكان مختص لا يصل إليه الفعل إلا بواسطة «في» نحو صليت في المحراب - ولا تقول: صليت المحرابَ - ونِمْتُ في السوقِ - ولا تقول: السوقَ - إلا مع دخل خاصة، نحو دخلت السوق والبيت ... الخ. وإلا ألفاظاً أخر مذكورة في كتب النحو. والثاني مذهب الأخفش وهو نَصب ما بعد «دَخَلَ» على المفعول به لا على الظرف فقولك: دخلت البيت، كقولك: هدمت البيت، في نصب كل منهما على المفعول به - وهو قول مرجوح؛ بدليل أن «دَخَلَ» لو سُلِّطَ على غير الظَّرْفِ المختص وجب وصوله بواسطة «في» تقول: دخلتُ في الأمر - ولا تقول: دخلت الأمر - فدل ذلك على عدم تَعَدِّيه للمفعول به بنفسه. والجواب: قال ابو عبيدة: هو سَيِّدُ المجالس ومقدَّمها وأشرفها، وكذلك هو من المسجد. وقال أبو عمرو بن العلاء: هو القصر؛ لعُلُوِّه وشَرَفِهِ. وقال الأصمعيُّ: هو الغُرْفَة. وأنشد لامرئِ القيس: [الطويل] 1421 - وَمَاذَا عَلَيْهِ أنّ ذَكَرْتَ أو أنِسَا ... كَغِزْلاَنِ رَمْلٍ فِي مَحَارِيبِ أقْيَالِ قالوا معناه: في غرف أقيال. وأنشد غيره - لعُمَرَ بن أبي ربيعة: [السريع] 1422 - رَبَّةُ مِحْرَابٍ إذَا ما جِئْتُهَا ... لَمْ أدْنُ حَتَّى أرْتَقِي سُلَّما وقيل: هو المحراب من المسجد المعهود، وهو الأليق بالآية. وقد ذكرناه عمن تقدم فإنما يَعْنُونَ به: المحراب من حيث هو، وأما في هذه الآية فلا يظهر بينهم خلاف في أنه المحراب المتعارف عليه. واستدل الأصمعيّ على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: 21] فوجه الإمالة تقدم الكسرة، ووجه التَّفْخِيم أنه الأصل. قوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ «وجد» هذه بمعنى أصاب ولَقِيَ وصَادَفَ، فيتعدى لِواحِدٍ وهو «رِزْقاً» و «عندها» الظاهر أنه ظرف للوجدان. وأجاز أبو البقاء أن يكون حالاً من «رِزْقاً» ؛ لأنه يصلح أن يكون صفة له في الأصل، وعلى هذا فيتعلق بمحذوف، ف «وجد» هو الناصب لِ «كُلَّمَا» لأنها ظرفية، وأبو البقاء سمَّاه جوابها؛ لأنها عنده الشرط كما سيأتي. قوله: ﴿قَالَ يا مريم﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه مستأنف، قال ابو البقاء: «ولا يجوز أن يكون بدلاً من» وَجَدَ «؛ لأنه ليس بمعناه» . الثاني: أنه معطوف بالفاء، فحذف العاطف، قال أبو البقاء: «كما حذفت في جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: 121] ، وكذلك قول الشاعر: [البسيط] 1423 - مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللهُ يَشْكُرُهَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وهذا الموضع يشبه جوابَ الشرط، لأن» كُلَّمَا «تشبه الشرط في اقتضائها الجواب. قال شهاب الدين: وهذا - الذي قاله - فيه نظر من حيث إنه تخيَّل أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أن جوابَ الشرط هو نفس ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ حُذِفَتْ منه الفاء، وليس كذلك، بل جواب الشرط محذوف، و ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ جواب قسم مقدر قبل الشرط وقد تقدم تحقيق هذه المسألة، وليس هذا مما حُذِفَتْ منه فاء الجزاء ألبتة، وكيف يَدَّعِي ذلك، ويُشَبِّهه بالبيت المذكور، وهو لا يجوز إلا في ضرورة؟ ثم الذي يظهر أن الجملةَ من قوله:» وَجَدَ «في محل نصب على الحال من فاعل» دَخَلَ «ويكون جواب» كُلَّمَا «هو نفس» قَالَ «والتقدير: كلما دخل عليها زكريا المحراب واجداً عندَها الرزق. قال: وهذا بَيِّن. ونكر» رِزْقاً «تعظيماً، أو ليدل به على نوع» ما «. قوله: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ » أنى «خبر مقدم، و» هَذَا» مبتدأ مؤخر ومعنى أنى هذا: من أين؟ كذا فسَّره أبو عبيدة. قيل: ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية، أي: كيف تَهَيأ لكِ هذا؟ قال الكميت: [المنسرح] 1425 - أنَّى وَمِنْ أيْنَ هَزَّكَ الطَّرَبُ ... مِنْ حَيْثُ لاَ صَبْوةٌ وَلاَ رِيَبُ وجوَّز أبو البقاء في «أنَّى» أن ينتصب على الظرف بالاستقرار الذي في «ذلك» . و «لك» رافع ل» هذا «يعني بالفاعلية. ولا حاجة إلى ذلك، وتقدم الكلام على» أنى» في «البقرة» . فصل قال الرَّبيع بن أنس: إن زكريا كان إذا خرج من عندها غلق عليها سبعةَ أبوابٍ، فإذا دخل عليها غُرفتها وجد عندها رزقاً - أي: فاكهة في غير حينها - فاكهة الصَّيْفِ في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، فيقول يا مريمُ، أنى لك هذا؟ قال ابو عبيدة: معناه من أين لك هذا، وأنكر بعضهم عليه وقال: معناه من أي جهة لك هذا؛ لأن أنّى للسؤال عن الجهة، وأين للسؤال عن المكان. فصل احتجوا على صحة القول بكرامات الأولياء بهذه الآية؛ فإنَّ حصول الرزق عندها إمَّا أن يكون خارقاً للعادة أو لا يكون، فإن كان غيرَ خارقٍ للعادة، فذلك باطلٌ من خمسة أوْجُهٍ: الأول: أنه على هذا التقدير لا يكون ذلك الرزقُ عند مريم دليلاً على عُلُوِّ شأنِهَا، وامتيازها عن سائر الناس بتلك الخاصِّيَّةِ، وهو المعنى المراد من الآية. الثاني: قوله ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38] والقرآن دلَّ على أنه كان آيساص من الولد؛ بسبب شيخوخته وشيخوخة زوجته، فلما رأى خَرْقَ العادة في حق مريمَ طمع في حصول الولد، فيستقيم قوله ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ . ولو كان الذي شاهده في حق مريم غيرَ خارق لم تكن مشاهدةُ ذلك سبباص لطمعه في انخراق العادة له بحصول الولد من المرأة الشيخة العاقر. الثالث: تنكير الرزق في قوله: «رِزْقاً» فإنه يدل على تعظيم حال ذلك الرزق كأنه قيل: رزق وإنه رزق عديب فلولا أنه خارق للعادة لم يفد الغرض اللائق بسياق الآية. الرابع: أنه - تعالى - قال: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 91] ولولا أنه ظهر عليها الخوارق وإلا لم يصح ذلك. الخامس: تواتُر الروايات على أن زكريا - عليه السلام - كان يجد عندها فاكهةَ الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف فثبت أن الذي ظهر في حق مريم عليها الصلاة والسلام كان خارقاً للعادة، وإذا ثبت ذلك فنقول: إمّا أنه كان معجزةً لبعض الأنبياء أو ما كان كذلك، والأول باطل؛ لأن النبيَّ الموجودَ في ذلكَ الزمانِ زكريا - عليه السلام - ولو كان ذلك معجزةً له لكان عالماً بحاله، ولم يَشْتبه أمْرُه عليه، ولم يَقُلْ ل «مريم» أنَّى لَكِ هَذَا؟ وأيضاً فقوله ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ مُشْعِرٌ بأنه لما سألها ذكرت له أن ذلك من عند الله، فهنالك طمع في انخراق العادةِ في حصول الولد من المرأة الشيخة العقيم العاقر وذلك يدل على أنه ما وقف على تلك الأحوال إلا من إخبار مريم، وإذا كان كذلك، وإذا ثبت أن تلك الخوارق ما كانت معجزةً لزكريا - عليه السلام - فلم يَبْقَ إلاَّ أنها كانت لمريم عليها السلام إما بسبب ابنها أو لعيسى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كرامة لمريم، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل. قال أبو علي الجبائي: لم لا يجوز أن يقال تلك الخوارق كانت معجزات زكريا - عليه السلام - لوجهين: الأول: أن زكريا دعا لها على الإجمال أن يوصل الله إليها رزقها، وأنه كان غافلاً عما يأتيها من الأرزاق من عند الله، فإذا رأى شيئاً بعينه في وقت معيَّن قال لها: أنَّى لكِ هذا؟ فقالت هو من عند الله، فعند ذلك يعلم أن الله أظهر بدعائه تلك المعجزةَ. الثاني: يحتمل أن يكون زكريا شاهد عند مريم رزقاً معتاداً، إلا أنه كان يأتيها من السماء، وكان زكريا يسألها عن ذلك، حَذَراً من أن يكون يأتيها من عند إنسان يبعثه إليها، فقالت: هو من عند الله لا من عند غيره. وأيضاً لا نسلم أنه كان قد ظهر على مريم شيء من الخوارق، بل معنى الآية أن الله - تعالى - كان قد سبب لها رزقاً على أيدي المؤمنين الذين كانوا يرغبون في الانفاق على الزاهداتِ العابداتِ، فكأن زكريا عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لمّا رأى شيئاً من ذلك خاف أنه رُبَّما أتاها ذلك الرزق من جهةٍ لا ينبغي، فكان يسألها عن كيفية الحال. والجواب عن الأول والثاني: أنه لو كان معجزاً لزكريا لكان زكريا مأذوناً له من عند الله في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً له في ذلك الطلب كان عالماً - قطعاً - بأنه يحصل، وإذا علم ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يكن لقول: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فائدة. والجواب عن الثالث: أنه - على هذا التقدير - لا يبقى لاختصاص مريم بمثل هذه الواقعة وجه. أيضاً فإن كان في قلبه احتمال أنه ربما أتاها هذا الرزق من الوجه الذي لا يليق، فبمجرد إخبارها كيف يعقل زوال تلك التهمة؟ فسقطت هذه الأسئلة. واحتج المعتزلة على امتناع الكرامات بأنها دلالات صدق الأنبياء، ودليل النَّبِيِّ لا يوجد مع غير النبي، كما أن الفعل المُحْكَم - لما كان دليلاً على العلم لا جرم - لا يوجد في حَقِّ غَيْرِ العالمِ. والجواب من وجوه: الأول: أن ظهور الفعل الخارق للعادة دليل على صدق المدَّعِي، فإن ادَّعَى صاحبهُ النبوةَ، فذلك الفعل الخارق للعادة يدل على كونه نبيًّا، وإن ادَّعَى الولايةَ، فذلك يدل على كونه وليًّا. والثاني: قال بعضهم: «الأنبياء مأمورون بإظهارها، والأولياء مأمورون بإخفائها» . والثالث: أن النبي يدَّعي المعجزة ويقطع به، والولي لا يمكنه القطع به. الرابع: أن المعجزة يجب انفكاكها عن المعارضة، والكرامة لا يجب انفكاكها عن المعارضة. قوله: ﴿إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ يُحْتَمَل أن يكون من جملة كلام مريم - عليها السلام - فيكون منصوباً. ويحتمل أن يكون مستأنفاً، من كلام الله تعالى، وتقدم الكلامُ على نظيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.