الباحث القرآني

لما حكى خيانَتَهم في باب الدِّين ذكرها - ايضاً - في الأموال. قوله: «مَنْ» مبتدأ، و ﴿وَمِّنْ أَهْلِ﴾ خَبَرُه، قُدِّمَ عليه، و «مَنْ» إما موصولة، وإما نكرة. و «إن تأمنه بقنطار يؤده» هذه الجملة الشرطية، إما صلة، فلا محل لها، وإما صفة فمحلّها الرفع. وقرا بعضهم: ﴿تَأْمَنْهُ﴾ ، و ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّ﴾ [يوسف: 11] . بكسر حرف المضارعة، وكذلك ابن مسعود والأشهب والعقيلي، إلا أنهما أبْدَلاَ الهمزة ياءً. وجعل ابن عطية ذلك لغة قُرَيْشٍ، وغلَّطه أبو حيّان وقد تقدّمَ الْكَلاَمُ في كسر حرف المضارعةِ، وشرطه في الفاتحة يقال: أمنته بكذا، وعلى كذا، فالباءُ للإلصاق بالأمانة، و «على» بمعنى استيلاء المودع على الأمانة. وقيل: معنى: أمنته بكذا، وثقت به فيه، وأمنته عليه: جعلته أميناً عليه. والقنطارُ والدينار: المراد بهما العددُ الكثيرُ، والعدد القليل، يعني: أن فيهم مَنْ هو في غاية الأمانة، حتى أنه لو ائتمِن على الأموال الكثيرة أدَّى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة، حتى لو ائتُمِن على الشيء القليل فإنه يخون فيه. واختلف في القنطار، فقيل: ألف ومائتان أوقية؛ لأن الآية نزلت في عبد الله بن سلام، حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب، فردَّه، ولم يَخُنْ فيه. ورُوِي عن ابن عباس أنه مِلْءُ جلد ثور من المال. وقيل: ألف ألف دينار، أو ألف الف درهم - وقد تقدم -. والدينار: أصله: دِنَّار - بنونين - فاستثقل توالي مثلَيْن، فأبدلوا أولهما حرفَ علة، تخفيفاً؛ لكثرة دوره في لسانهم، ويدل على ذلك رَدُّه إلى النونين - تكسيراً وتصغيراً - في قولهم: دَنَانير ودُنَيْنِير. ومثله قيراط، أصله: قِرَّاط، بدليل قراريط وقُرَيْرِيط، كما قالوا: تَظَنَّيْتُ، وقصَّصْتُ أظفاري، يريدون: تظنّنت وقصّصت - بثلاث نونات وثلاث صاداتٍ - والدِّينار مُعرَّب، قالوا: ولم يختلف وزنه أصْلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قِيراطٍ ثلاث شعيرات معتدلاتٍ، فالمجموع اثنان وسبعون شعيرةً. وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم «يُؤَدِّهْ» بسكون الهاء في الحرفين. وقرأ قالون «يُؤَدِّهِ» بكسر الهاء من دون صلة، والباقون بكسرها موصولة بياء، وعن هشام وجهان: أحدهما: كقالون، والآخر كالجماعة. أما قراءة أبي عمرو ومن معه فقد خرَّجوها على أوجه، أحسنها أنه سكنت هاء الضمير، إجراءً للوصْل مجرى الوقف وهو باب واسع مضى منه شيء - نحو: ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] و ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت﴾ [البقرة: 258] وسيأتي منه أشياء إن شاء الله تعالى. وأنشد ابنُ مجاهد على ذلك: [البسيط] 1516 - وأشْرَبُ الْمَاءَ مَا بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ... إلاَّ لأنَّ عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا وأنشد الأخفش: [الطويل] 1517 - فَبتُّ لَدَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أخِيلُهُ ... وَمِطْوايَ مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقَان إلا أن هذا يخصُّه بعضهم بضرورة الشعر، وليس كما قال، لما سيأتي. وقد طعن بعضهم على هذه القراءةِ، فقال الزَّجَّاجُ: هذا الإسكان الذي رُوِيَ عن هؤلاء غلط بَيِّنٌ؛ وأن الفاء لا ينبغي أن تُجْزَم، وإذا لم تُجْزَم فلا تسكن في الوصل، وأما ابو عمرو فأُراه كان يختلس الكسرة، فغلط عليه كما غلط عليه في «باريكم» . وقد حكى عنه سيبويه - وهو ضابط لمثل هذا - أنه كان يكسر كسراً خفياً، يعني يكسر في ﴿بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54] كسراً خفيًّا، فظنه الراوي سكوناً. قال شهابُ الدينِ: وهذا الرد من الزجَّاج ليس بشيءٍ لوجوه: منها: أنه فَرَّ من السكون غلى الاختلاس، والذي نصَّ على أن السكون لا يجوز نص على أنَّ الاختلاس - ايضاً - لا يجوز إلا في ضرورة، بل جعل الإسكان في الضرورة أحسن منه في الاختلاس، قال: ليُجْرَى الوصلُ مجرى الوقف إجراء كاملاً، وجعل قوله: [البسيط] 1518 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... إلاَّ لأن عُيُونَهْ سَيْلُ وَادِيهَا أحسن من قوله: [البسيط] 1519 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا ولا اعْتَمَرَ حيث سكن الأول، واختلس الثاني. ومنها أن هذه لغة ثابتة عن العرب حفظها الأئمة الأعلام كالكسائي والفراء - حكى الكسائيُّ عن بني عقيل وبني كلابٍ ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُود﴾ [العاديات: 6]- بسكون الهاء وكسرها من غير إشباع -. ويقولون: لَهُ مال، ولَهْ مالٌ - بالإسكان والاختلاس. قال الفراء: من العرب مَنْ يجزم الهاء - إذا تحرَّك ما قبلَها - نحو ضَرَبْتُهْ ضرباً شديداً، فيسكنون الهاء كما يسكنون ميم «أنتم» و «قمتم» وأصلها الرفع. وأنشد: [الرجز] 1520 - لمَّا رَأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ ... مَالَ إلَى أرْطَاةِ حِقف فالطَدَعْ قال شهاب الدينِ: وهذا عجي من الفرَّاء؛ كيف يُنْشِد هذا البيت في هذا المَعْرِض؛ لأن هذه الفاء مبدلة من تاء التأنيث التي كانت ثابتةً في الوصل، فقلبها هاءً ساكنة في الوصل؛ إجراءً له مُجْرَى الوقف وكلامنا إنما هو في هاء الضمير لا في هاء التأنيثِ؛ لأن هاء التانيثِ لا حَظَّ لها في الحركة ألبتة، ولذلك امتنع رومها وإشمامُها في الوقف، نَصُّوا على ذلك، وكان الزجاج يُضَعَّف في اللغة، ولذلك رد على ثعلب - في فصيحه - أشياء أنكرها عن العرب، فردَّ الناسُ عليه رَدَّه، وقالوا: قالتها العربُ، فحفظها ثعلب ولم يحفظْها الزجَّاج. فليكن هذا منها. وزعم بعضهم أن الفعلَ لما كان مجزوماً، وحلت الهاءُ محلّ لامِهِ جرى عليها ما يَجْرِي على لام الفعل - من السكون للجزم - وهو غير سديدٍ. وأما قراءة قالون فأنشدوا عليها قول الشاعر: [الوافر] 1521 - لَهُ زَجَلٌ كأنَّهُ صَوْتُ حَادٍ ... إذَا طَلَبَ الْوَسِيقَةَ أوْ زَمِيرُ وقول الآخر: [الطويل] 1522 - أنَا ابْنُ كِلابٍ وابْنُ أوْسٍ فَمَنْ يَكُنْ ... قِنَاعُهُ مغْطِيًّا فَإنِّي لَمُجْتَلى وقول الآخر: [البسيط] 1523 - أوْ مَعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبي عَنْ وَلِيَّتِهِ ... مَا حَجَّ رَبَّهُ فِي الدُّنْيَا وَلا اعْتَمَرَ وقد تقدم أنها لغة عقيل، وكلاب أيضاً، وأما قراءة الباقين فواضحة وقرأ الزهريُّ «يُؤَدِّهو» بضم الهاء بعدها واو، وهذا هو الأصل في هاء الكتابة، وقرأ سَلاَّم كذلك إلا أنه ترك الواوَ فاختلس، وهما نظيرتا قراءتي «يؤدهي» و ﴿يُؤَدِّهِ﴾ - بالإشباع والاختلاس مع الكسرِ واعلم أن هذه الهاء متى جاءت بعد فعل مجزوم، أو أمر معتلِّ الآخر، جَرَى فيها هذه الأوجُه الثلاثة أعني السكون والإشباع والاختلاس - كقوله: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَ﴾ [آل عمران: 145] وقوله: ﴿يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: 7] وقوله: ﴿مَا تولى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم﴾ [النساء: 115] ، وقوله: ﴿فَأَلْقِهْ إِلَيْهِم﴾ [النمل: 28] وقد جاء ذلك في قراءة السبعة - أعني: الأوجه الثلاثة - في بعض هذه الكلمات وبعضها لم يأت فيه إلا وجه - وسيأتي مفصَّلاً في مواضعه إنْ شاء الله. وليس فيه أن الهاء التي للكناية متى سبقها متحرَّك فالفصيح فيها الإشباع، نحو «إنَّهُ، لَهُ، بِهِ» ، وإن سبقها ساكن، فالأشهر الاختلاس - سواء كان ذلك الساكن صحيحاً أو معتلاً - نحو فيه، منه وبعضهم يفرق بين المعتلْ والصحيح وقد تقدم ذلك أول الكتاب. إذا علم ذلك فنقول: هذه الكلمات - المشار إليها - إن نظرنا إلى اللفظ فقد وقعت بعد متحرِّك، فحقها أن تشبع حركتها موصولةً بالياء، أو الواو، وإن سكنت فلما تقدم من إجراء الوصل مُجرى الوقف. وإن نظرنا إلى الأصل فقد سبقها ساكن - وهو حَرْفُ العلة المحذوف للجزم - فلذلك جاز الاختلاسُ، وهذا أصل نافع مطرد في جميع هذه الكلمات. قوله ﴿بِدِينَارٍ﴾ في هذه الباء ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنها للإلصاق، وفيه قَلَقٌ. الثاني: أنها بمعنى «في» ولا بد من حذف مضاف، أي: في حفظ قنطار، وفي حفظ دينار. الثالث: أنها بمعنى «على» وقد عُدِّيَ بها كثيراً، كقوله: ﴿مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُف﴾ [يوسف: 11] وقوله: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 64] وكذلك هي في ﴿بِقِنطَارٍ﴾ . قوله: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ استثناء مفرَّغ من الظرف العام؛ إذ التقدير: لا يؤده إليك في جميع المُددِ والأزمنة إلا في مدة دوامك قائماً عليه، متوكِّلاً به و «دُمْتَ» هذه هي الناقصةُ، ترفع وتنصب، وشرط إعمالها أن يتقدمها ما الظرفية كهذه الآية إذ التقدير إلا مدة دومك [ولا ينصرف، فأما قولهم: «يدوم» فمضارع «دام» التامة بمعنى بقي، ولكونها صلة ل «ما» الظرفية] لزم أن يكون بحاجة إلى كلام آخر، ليعمل في الظرف نحو أصحبك ما دمت باكياً ولو قلت ما دام زيد قائماً من غير شيء لم يكن كلاماً. وجوز أبو البقاء في «ما» هذه أن تكون مصدرية فقط، وذلك المصدر - المنسبك منها ومن دام - في محل نصب على الحال، وهو استثناءٌ مفرَّغ - أيضاً - من الأحوال المقدَّرة العامة، والتقدير: إلا في حال ملازمتك له، وعلى هذا، فيكون «دَامَ» هنا تامة؛ لما تقدم من أن تقدُّم الظرفية شرط في إعمالها، فإذا كانت تامة انتصب «قَائماً» على الحال، يقال: دام يدُوم - كقام يقوم - و «دُمت قائماً» بضم الفاء وهذه لغة الحجاز، وتميم يقولون: دِمْت - بكسرها - وبها قرأ أبو عبد الرحمن وابن وثّابٍ والأعمشُ وطلحة والفياضُ بن غزوان وهذه لغة تميم، ويجتمعون في المضارع، فيقولون: يدوم يعني: أن الحجازيين والتميميين اتفقوا على أن المضارع مضمومُ الْعَيْنِ، وكان قياسُ تميم أن تقول يُدام كخاف يخاف - فيكون وزنها عند الحجازيين فعَل - بفتح العين - وعند التميمين فِعل بكسرها هذا نقل الفراء. وأما غيره فنقل عن تميم أنهم يقولون: دِمْتُ أدام - كخِفت اخاف - نقل ذلك أبو إسحاق وغيره كالراغب الأصبهاني والزمخشري. وأصل هذه المادة: الدلالة على الثبوت والسكون، يقل: دام الماء، أي سكن. وفي الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم» وفي بعضه بزيادة: الذي لا يجري، وهو تفسير له، وأدَمْت القِدْرَ، ودومتها سكنت غليانها بالماء، ومنه: دامَ الشيء، إذا امتدَّ عليه الزمان، ودوَّمت الشمس: إذا وقعت في كبد السماء. قال ذو الرمة: [البسيط] 1524 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَالشَّمْسُ حيْرَى لَهَا في الْجَوِّ تَدْوِيمُ هكذا أنشد الراغبُ هذا الشطر على هذا المعنى، وغيره ينشده على معنى أن الدوام يُعَبَّر به عن الاستدارة حول الشيء، ومنه الدوام، وهو الدُّوَار الذي يأخذ الإنسان في دماغه، فيرَى الأشياء دائرة. وأنشد معه - أيضاً - قول علقمة به عَبدَة: [البسيط] 1525 - تَشْفِي الصُّدَاعَ وَلاَ يُؤْذِيكَ سَالِيهَا ... وَلاَ يُخَالِطُهَا فِي الرَّأْسِ تَدْوِيمُ ومنها: دوَّم الطائر، إذا حَلَّق ودار. قوله: «عَلَيْهِ» متعلق ب «قائِماً» وفي المراد بالقيام - هنا - وجهان: الأول: الحقيقة، وهو أن يقوم على رأس غريمه، ويلازمه بالمطالبة، وإن أخَّره أنكر. قال القرطبيُّ: استدل أبو حنيفةَ على مذهبه في ملازمة الغريم بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ وأباه سائر العلماء واستدلَّ بعضهم على حَبْس المِدْيان بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً﴾ فإذا كان له ملازمته، ومنعه من التصرف، جاز حبسه. وقيل معنى: إلا ما دمت عليه قائماً أي: بوجهك، فيهابك، ويستحيي منك، فإن الحياء في العينين ألا ترى قول ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: لا تطلبوا من الأعمى حاجة فإن الحياء في العينين وإذا طلبتَ من أخيك حاجة فانظر غليه بوجهك، حتى يستحيي فيقضيها. الثاني: المجاز. قال ابن عباس: المرادَ من هذا القيام، الإلحاح، والخصومة، والتقاضي، والمطالبة، قال ابن قُتَيْبَة: أصله أن المطالبَ للشيء يقوم فيه، والتارك له يَبُْد عنه، بدليل قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113] أي: عاملة بأمر الله، غير تاركة. ثم قيل لكل مَنْ واظب على مطالبة أمر: قام به - وإن لم يكن ثَمَّ قيام - وقال: أبو علي الفارسي: القيام - في اللغة - بمعنى الدوام والثبات، كما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ [النمل: 3] ومنه قوله: ﴿دِينًا قَيِّمًا﴾ [الأنعام: 161] ، أي: دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى الآية: دائماً، ثابتاً في مطالبتك. فصل دلَّت الآية على انقسام أهل الكتاب إلى قسمين: أهل أمانة، وأهل خيانة. فقيل: اهل الأمانة هم الذين أسلموا، وأهل الخيانة: هم الذين لم يُسْلِموا. وقيل: أهل الأمانة هم النصارى وأهل الخيانة: هم اليهود. وروى الضحاك عن ابن عباس - في هذه الآية ﴿وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ يعني عبد الله بن سلام، [أودعه رجل ألفاً ومائتي أوقية من ذهب، فأداه. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ يعني: فنحاص بن عازوراء] ، استودعه رجل من قريش ديناراً، فخانه. فصل يدخل تحت هذه الآية العَيْنُ والدَّيْنُ؛ لأن الإنسانَ قد يأتمن غيره على الوديعة، وعلى المبايعة، وعلى المقارضة، وليس في الآية ما يدل على التعيين، ونُقِل عن ابنِ عباس أنه حمله على المبايعة، فقال ومنهم من تبايعه بثمن القنطار، فيؤديه إليك، ومنهم من تبايعه بثمنِ الدينارِ، فلا يؤديه إليك ونقلنا - أيضاً - أن الآية نزلت في رجل أودعَ مالاً كثيراً عبد الله بن سلام فأدَّاه، ومالاً قليلاً عند فنحاص بن عازوراء فلم يؤده، فثبت أن اللفظ محتمل لجميع الأقسام. قوله: ﴿ذلك بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ﴾ ذكروا في السبب الذي لأجله اعتقد اليهود هذا الاستحلال وجوهاً: أحدها: أنهم يبالغون في التعصُّب لدينهم، فلذلك يقولون: يحل لنا قتل المخالف، وأخذ ماله بأي طريق كان، وروي أنه لما نزلت هذه الآية قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «كَذَبَ أعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ إلا وهُو تَحْتَ قدَميَّ، إلاَّ الأمَانَةَ، فإنَّهَا مُؤدَّاة إلى البَرِّ والْفَاجِرِ» . الثاني: أن اليهود قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18] والخلق لنا عبيد، فلا سبيل لأحد علينا، إذا أكلنا أموال عبيدنا. الثالث: قال القرطبيُّ: قالت اليهود: إن الأموال كانت كلُّها لنا، فما في أيدي العرب منها، فهو لنا؛ ظلمونا وغصبونا، فلا سبيل علينا في أخذنا إياه منهم. الرابع: قال الحسنُ وابنُ جريجٍ ومقاتلٍ: إن اليهودَ إنما ذكروا هذا الكلامَ لمن خالفهم من العرب الذين آمنوا بالرسول خاصَّةً، وليس لكل من خالفهم. ورُوي أنهم بايعوا رجالاً في الجاهلية، فلما أسلموا طالبوهم بالأموال، فقالوا: ليس علينا حَقٌّ؛ لأنكم تركتم دينكم. وادَّعَوْا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم. قال ابن الخطيبِ: «ومن المحتملِ أنه كان من مذهب اليهود، أن مَن انتقل من دين باطلٍ إلى دين آخرَ باطلٍ كان في حكم المرتدِّ، فهم - وإن اعتقدوا أن العرب كُفار، إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كُفر - حكموا على العرب الذي أسلموا بالرِّدَّةِ. قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا﴾ يجوز أن يكون في» ليس «ضمير الشأنِ - وهو اسمها - وحينئذ يجوز أن يكون» سبيل «مبتدأ، و» عَلَيْنَا «الخبر، والجملة خبر ليس. ويجوز أن يكون» عَلَيْنَا «وحده هو الخبر، و ﴿سَبِيلِ﴾ مرتفع به على الفاعلية. ويجوز أن يكون ﴿سَبِيلِ﴾ اسم» ليس «والخبر أحد الجارين أعني: ﴿عَلَيْنَا﴾ أو ﴿فِي الأميين﴾ . ويجوز أن يتعلق ﴿فِي الأميين﴾ بالاستقرار الذي تعلق به» عَلَيْنَا «وجوّز بعضهم أن يتعلق بنفس» ليس «نقله أبو البقاء، وغيرُه، وفي هذا النقل نظر؛ وذلك أن هذه الأفعال النواقص في عملها في الظروف خلاف، وَبَنَوُا الخلافَ على الخلاف في دلالتها على الحدث، فمن قال: تدل على الحدث جوز إعمالها في الظرف وشبهه، ومن قال: لا تدل على الحدث منعوا إعمالها. واتفقوا على أن» ليس «لا يدل على حدث ألبتة، فكيف تعمل؟ هذا ما لا يُعْقَل. ويجوز أن يتعلق ﴿فِي الأميين﴾ ب» سَبيلٌ» ، لأنه استعمل بمعنى الحرجِ، والضمانِ، ونحوها. ويجوز أن يكون حالاً منه فيتعلق بمحذوف. قال: فالأمي منسوب إلى الأم، وسُمِّي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أمياً؛ قيل: لأنه كان لا يكتب، وذلك لأن الأمَّ: أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بَقِي على أصله في أن لا يكتب. وقيل: نسبة إلى مكة، وهي أمُّ القُرَى. قوله: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكذب﴾ فيه وجوهٌ: أحدها: هو قولهم: أن جواز الخيانةِ مع المخالف مذكور ف يالتوراة، وكانوا كاذبين في ذلك، وعالمين بكونهم كاذبين. [ومن كان كذلك كانت خيانته أعظمَ، وجرمُه أفحش] فيه. وثانيها: أنهم يعلمون كون الخيانة مُحَرَّمَةٌ. وثالثها: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم. * فصل في رد شهادة الكافر قال القرطبيُّ: «دلَّت هذه الآيةُ على أنَّ الكافرَ لا يُجعل أهلاً لقبول شهادته؛ لأن الله تعالى وصفه بالكذب، وفي الآية رَدٌّ على الكَفَرَةِ الذين يُحَلِّلُون ويُحَرِّمون من غير تحليل الله وتحريمه ويجعلون ذلك من الشرع، قال ابن العربيّ: ومِنْ هذا يخرج الرَّدُّ على مَنْ يحكم بالاستحسان مِن غير دليل، ولست أعلم أحداً من أهل القبلةِ قاله» . قوله: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ يجوز أن يتعلق بالكذب - وإن كان مصدراً - لأنه يُتَّسَع في الظرف وعديله ما لا يُتَّسَع في غيرهما ومَنْ منع علَّقه ب» يَقُولُونَ «متضمِّناً معنى يفترون، فعُدِّي تعديته. ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال من» الْكَذِب» ، وقوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملة حالية، ومفعول العلم محذوف اقتصاراً، أي: وهم من ذوي العلم، أو اختصاراً، أي: وهم يعلمون كذبهم وافتراءهم، وهو أقبح لهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.