الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ لقمان قيل: أعجمي وهو الظاهر فمنعه للتعريف والعجمة الشخصية، وقيل: عربي مشتق من اللّقْم وهو حينئذ مُرَجَّل لأنه لم يبق له وضعٌ في النكرات ومنعه حينئذ للتعريف وزيادة الألف والنون، والعامل في «إذ» مضمر. قال ابن إسحاق لقمانُ هو نَاعور بن ناحثور بن تَارخ، وهو آزر، وقال وهب كان ابن أخت أيوب وقال مقاتل: ذكر أنه كان ابن خالة أيوب، وقال الواقدي: كان قاضياً في بني إسرائيل واتفق العلماء على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً إلا عكرمة فإنه قال كان نبياً وانفرد بهذا القول وقال بعضهم خُيِّرَ لُقْمَانُ: هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض فتحكم بين الناس بالحقّ فأجاب الصوت وقال: إن خَيَّرَنِي ربي قبلت العافية ولم أقبل البلاء وإن عزم علي فسمعاً وطاعة فإني أعْلَمُ إن فعل بي ذلك أعاننين وعصمني فقال الملائكة بصوت لا يراهم لِمَ يا لقمانُ؟ قال: لأن الحاكم بأشد المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كل مكان أن يعن فبالحري أن ينجو وإن أخطأ أخطا طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً، ومن يختر الدنيا على الآخرة تُغْنه الدنيا ولا يصيب الآخرة فتعجب الملائكة من حسن مَنْطِقِ فقام من نومه فأعطي الحكمة فانْتَبَه وهو يتكلم بها ثم نودي داود بعده فقبلها ولم يشترط ما اشترط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرة، كُلّ ذلك بعفو الله عنه وكان لقمان تؤازره الحكمة، قال خالد الربعي: كان لقمان عبداً حبشياً نجاراً، وقال سعيد بن المسيب: كان خياطاً، وقيل: كان راعِيَ غنم، فروي أنه لقيه رجل وهو يتكلم بالحكمة فقال: ألستَ فلاناً الراعيَ فبم بَلَغْتَ ما بَلَغْتَ؟ قال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يَعْنِينِي، وقال مجاهد: كان عبداً أسود عظيم الشَّفَتَيْنِ مُشَقَّقَ القَدَمَيْنِ، وقال الحسن: اعتزل لقمان الناس فنزل ما بين الرقّة (وبيت) المقدس لا يخالطهم، وقال أبو جعفر: كان لقمانُ الحبشيُّ عبداً لرجل فجاء به إلى السوق ليبيعه فكَانَ كلما جاء إنسانٌ يشريته قال له لقمان: ما تصنع بي (فاعل فيقول: أصنع بك كذا وكذا فيقول: حاجتي إليك أن لا تَشْتِرِيَنِي حتى جاء رجل فقال له: ما تصنع بي) قال أُصَيِّرُك بواباً على بابي فقالك أنت اشتري فاشتراه وجاء به إلى جاره قال: وكان لمولاه ثلاثُ بناتٍ يَبْغِين في القرية، وأراد أن يخرج إلى ضيعةً له فقال له: إني أَدْخَلْتُ إليهن طعامَهُنَّ وما يَحْتَجْنَ إليه فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أحضر قال: ففعل فَخَرَجْنَ إليه فإذا خرجت فأغلق الباب واقعد من ورائه ولا تفتحه حتى أحضر قال: ففعل فَخَرَجْنَ إليه كما كُن يَخْرُجُنْ فقلن (له) : افتح الباب فأبى (عليهن) فَسَجَنَّه فَغَسَل الدم وجلس، فلما قدم مولاه لم يخبره (ثم عاد فأغلق الباب فجئن إليه فقلن له: افتح الباب فأبى فَشَجَجْنَه ورجَعنَ فغسل الدم وجلس ذلك فخرج إليه وقال: إني قد أدخلت إليهن ما يحتجن إليه فلا تفتح الباب فأغلق الباب فجئن إليه فقلن له: افتح الباب فأبى فشججنه ورجعن فغسل الدم وجلس فلما جاء مولاه لم يخبره) قال: فقالت الكبرى: وما بال هذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله - عَزَّ وَجَلَّ - مني والله لأتوبَنَّ فتَابَتْ، (وقالت) الصغرى: ما بال هذا العبد الحبشيّ وهذه الكبرى أولى بطاعة الله - عَزَّ وَجَلَّ - مني والله لأتوبَنَّ فَتَابَتْ فقالت الوسطى: ما بال هَاتَيْن وهذا العبد الحبشي أولى بطاعة الله مني والله لأتوبن فتابت فتُبْنَ إلى الله تعالى وكُنَّ عَوَابِدَ القرية فقال غُوَاةُ القرية ما بال هذا العبد الحبشيّ وبنات فلان أولى بطاعة الله - عَزَّ وَجَلَّ - منّا فتابوا، وعن مكحول: أن لقمانَ كان بعداً حبشياً لرجل من بني إسرائيل وكان مولاه يلعب بِالنَّرْدِ ويخاطر عليه، وكان على بابه نهرٌ جارٍ فلعب يوماً بالنَّرْدِ على أن من قهر صاحبه شرب الماء الذي في البحر كله أو افتدى منه فقمر سيد لقمان فقال له القامر: اشرب ما في النهر كله وإلا فافتديه فقال سَلْنِي الفداء فقال: عينيك أَفْقَأهُما أو جميع ما تملك فقال: أمْهِلْنِي يوماً قال لك ذلك. فأمسى كئيباً حزيناً فكلمه لقمان فأعرض عنه فأعاد عليه القول فأعرض عنه فقال أخبرني فلعل لك عندي فرجاً فأخبره فقال: إذا قال لك الرجلُ اشرب ما في النهر فقل له أشرب ما بين حفتي النهر أو المد (فإنه) يقول لك ما بين حفتي النهر فقل له احبس عني المد حتى أشرب ما بين الحفتين فإنه لا يستطيع وتكون قد خرجت مما ضمنته له فعرف الرجل أنه قد صدق فطابت نفسه، فلما أصبح الرجل جاء فقال أَوْفِ لي شرطي فقال له نعم أشرب ما بين الضفتين أو المد فقال ما بين الضفتين قال فاحبس عني المد قال كيف أستطيع فخصمه قال فأعتقه مولاه فأكرمه الله تعالى وكان يختلف إلى داودَ - عليه السلام - يقتبس منه فاختلف إليه سنة وداود يتخذ درعاً يسأله ما هذا ولم يخبره داود حتى فرغ منها ولَبِسَها على نفسه فقال عند ذاك: الصمت حكمة. فصل لما بين الله تعالى فساد اعتقاد المشركين في عبادة من لا يَخْلٌُ شَيْئاً قوله: ﴿هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ [الروم: 11] بين أن المشرك ظالم ضالٌّ ذكر ما يدل على أن ضلاله وظلمهم نقيض الحكمة إن لم يكن هناك نبوة وذكر حكاية لقمان فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة﴾ . (والحكمة) عبارة عن توفيق العمل بالعلم، فإن أريد تَحْدِيدُها بما يدخل فيه حكمة الله فنقول: حصول العلم على وفق المعلوم. قوله: «أَنْ اشْكُرْ» هذه «أن» المفسرة، فسر الله إيتاء الحكمة بقوله: ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ ثم بين أن الشكر لا يشفع إلا الشاكر بقوله: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ وبين أن من كفر لا يتضرر غير الكافر، فقال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي غير محتاج إلى شكره، وقدم الشكر على الكُفْرَانِ ههنا وقال في الروم: {مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الآية: 44] لأن الذكر في الروم كان للترهيب ولذلك قال: ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ﴾ [الروم: 43] فقدم التخويف، وههنا الذكر للترغيب؛ لأن وعظ الأب للابن يكون بطريق اللطف. والوعد. قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ هذا عطف على ما تقدم والتقدير آتينا لقمان الحكمة حين جعلناه شاكراً في نفسه، وحين جعلناه واعظاً لغيره. قوله: «يا بُنَيَّ» قرأ ابن كثير بإسكان الياء وفتحها حفصٌ والباقون بالكسر ﴿لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ بدأ في الوعظ بالأهم وهو المنع من الإشراك وقال: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، أما أنه ظلم فلأنه وضع النفس الشريفة المكرمة في عبادة الخسيس، فوضع العبادة في غير موضعها. قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ لما منعه من العبادة لغير الله والخدمة قريبٌ منها في الصورة بين أنها غير ممتنعة بل هي واجبة لغير الله (في بعض الصور) كخدمة الأبوين ثم بين السبب فقال: «حَمَلَتْهُ أُمُّهُ» يعني لله على العبد نعمة الابتداء بالخلق ونعمة الإبقاء بالرزق أي صارت بقدرة الله سبب وجود فإنها حملته وبرضاه حصل التربية والبقاء. قوله: ﴿وَهْناً على وَهْنٍ﴾ يجوز أن ينتصب على الحال من (أُمُّهُ) أي ضَعْفاً على ضعف. وقال ابن عباس: شدة عل شدة، وقال مجاهد: مشقة بعد مشقة وقال الزجاج: المرأة إذا حَمَلَتْ توَالَى عليها الضعف والمشقة، وقيل: الحمل ضعف والوضع ضعف، وقيل: منصوب على إسقاط الخافض أي في وهنٍ. قال أبو البقاء: «وعلى وهن» صفة له «الوَهْناً» . وقرأ الثَّقَفِي وأبو عمرٍو - في رواية - وَهَنا على وَهَنٍ - بفتح الهاء فيهما - فاحتمل أن تكونا لغتين كالشَّعْرِ والشَّعرِ، واحتمل أن يكون المفتوح مصدر «وَهِنَ» بالكسر يَوهَنُ وَهناً. قوله: «وفصاله» قرأ الجَحْدِرِيُّ وقتادةُ وأبُو رَجَاء والحسنُ «وفَصْلُهُ» دون ألف - أي وفِطامُهُ في عامين. فإن قيل: وصى الله بالوالدين، وذكر السبب في حق الأم مع أن الأب وجد منه الحشر من الأم لأنه حمله في صلبه سنين ورباه بكسبه سنين فهو أبلغ. فالجواب: أن المشقة الحاصلة للأم أعظم فإن الأبَ حمله خلفة لكونه من جملةِ جَسَدِهِ، والأم حملته ثقلاً آدميّاً مودع فيها وبعد وضعه وتربيته ليلاً ونهاراً وبينهما ما لا يخفى من المشقة. قوله: «أَنْ اشْكُرْ» في «أن» وجهان: أحدهما: أنها مفسرة. والثاني: أنها مصدرية في محل نصب «وصّينا» قاله الزجاج، لما كان الوالدان سببَ وجود الولد والموجد في الحقيقة للولد والوالدين هو الله أمر بأن يشكر قبلهما. ثم بين الفرق بين «إِلَيَّ المَصِيرُ» أي المرجع، قال سفيان بن عيينة في هذه الآية من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أَدْبَار الصَّلَوَاتِ الخَمْس فقد شكر الوالدين. قوله: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ يعني أن خدمتهما واجبة، وطاعتهما لازمة ما لم يكن فيها ترك طاقة الله فإن أفضى إليه فلا تُطِعْهُما، وتقدم تفسير الآية في العنكبوت. وقوله: «مَعْرُوفاً» صفة لمصدر محذوف أي صِحَاباً مَعْروفاً وقيل: الأصل: بمعروف. قوله: ﴿واتبع سبيل من أناب إليّ﴾ أي دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال عطاء عن ابن عباس: يريد: أبا بكر، وذلك انه حين أسلم أتاه عثمانُ وطلحة والزبير وسعدُ بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عَوْف وقالوا له: (لقد) صَدَّقْتَ هذا الرجل وآمنت به قال نعم هو صادق فآمنوا ثم حملهم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - حتى أسلموا وهؤلاء لهم سابقة الإسلام أسلموا بإرشاد أبي بكر قال الله (تعالى) : ﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ يعني أبا بكر. قوله: «إِلَي» متعلق «بأَنَاب» ثم «إِليَّ» متعلق بمحذوف لأنه خبر «مرجعكم» فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تعملون. قيل: نزلت هاتان الآيتان في سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص وأمِّه، وقيل: الآية عامة. قوله: ﴿يابني إِنَّهَآ﴾ هذا الضمير يرجع إلى الخطيئة، وذلك أن ابنَ لقمان قال لأبيه: يا أبت إنْ عملت الخطيئةَ حيث لا يراني أحد كيف يعلمها (الله) ؟ فقال: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ . قوله: «إِنْ تَكُ» الضمير ضمير القصة، والجملة الشريطة مفسرة (للضمير) ، وتقدم أن نافعاً يقرأ مِثْقَال بالرفع على أن كَانَ تامة وهو فاعلها وعلى هذا فيقال: لم ألحقت فله تاء التأنيث؟ قيل: لإضافته إلى مؤنث؛ ولأنه بمعنى «زِنَةُ حَبَّةٍ» ، وجوز الزمخشري في ضمير «إِنَّهَا» أن تكون للحبة من السيئات والإحسان في قراءة من نصب «مِثْقَال» . وقيل: الضمير يعود على ما يفهم من سياق الكلام أي إنَّ التي سألتَ عنها (إنْ تَكُ) ، قال المفسرون: إنه سأل أباه أرأيت الحَبَّةَ تقع في مغاص البحر يعلمها الله؟ . قوله: «فتكن» الفاء لإفادة الاجتماع يعني إن كانت صغيرة ومع صغرها تكون خفيةً في موضع حريز كالصَّخْرَةِ لا تخفى على الله لأن الفاء للاتصال بالتعقيب وقرأ عبد الكريم الجَحْدَريُّ «فَتكِنَّ» بكسر الكاف، وتشديد النون مفتوحة أي فتستقر. وقرأ مُحَمَّدُ بْنُ أبي مُحَمَّد البَعْلَبَكِّيِّ: فَتُكَنَّ، إِلا أنه مبنيٌّ للمجهول، وقتادة «فَتَكِنْ» بكسر الكاف وتخفيف النون مضارع «وَكَنَ» أي استقر في وَكْنِهِ ووَكْرِهِ. فصل الصخرة لا بد وأن تكون في السموات أو في الأرض فما الفائدة من ذكرها؟ قال بعض المفسرين المراد بالصخرة صخرة عليها الثَّوْرُ وهي لا في الأرض ولا في السماء، (وقال الزمخشري: فيه إضمار تقديره إن تَكُنْ في صخرةٍ أو في موضع آخَرَ في السموات أو في الأرض) . وقيل: هذا من تقديم الخاصّ وتأخر العام، وهو جائز في مثل هذا التقسيم، وقيل: خفاء الشيء يكون بطرق منها أن يكون في غاية الصِّغَرِ، هذه الأمور فلا يخفى في العادة فأثبت الله الرؤية والعلم مع انتفاء الشرائط فقوله: ﴿إنْ تَكُ مثقال حبة من خردل﴾ إشارة إلى الصغر، وقوله: ﴿تَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ إشارة (إلى الحِجَاب، وقوله: «فِي السَّمَوَاتِ» إشارة إلى البُعد، فإنها أبعدُ الأبعاد، وقوله: «أَوْ فِي الأَرْضِ» إشارة) إلى الظلمة فإن جوْف الأرض أظلمُ الأماكن، وقوله: ﴿﴾ أبلغ من قول القائل: يعلمه الله لأن من يظهر له شيء (ولا يقدر على إظهاره لغيره يكون حاله في العلم دونَ حال من يَظْهَرُ له الشيء) ويُظْهِرُهُ لغيره فقوله: ﴿يَأْتِ بِهَا الله﴾ أي يظهرها (للإشهار) ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ نافذ القدرة، «خَبِيرٌ» عالم ببواطن الأمور، روي في بعض الكتب أن هذه آخر كلمة تكلم بها لقمانُ فانشقتْ مرارتُه من هَيْبَتِهَا فمات، قال الحسن: معنى الآية هو الإحاطة بالأشياء صغيرها وكبيرها. قوله: ﴿يا بني أَقِمِ الصلاة﴾ لما منعه من الشرك وخوفه بعلم الله وقدرته أمره بما يلزم من التوحيد وهو الصلاة وهي العبادة لوجه الله مخلصاً وبهذا يعلم أن الصلاة كانت في سائر الملل غير أن هيئاته اختلفت. وقوله: ﴿وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر﴾ أي إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك فإن شغل الأنبياء رتبتهم عن العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم ﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ﴾ عين من الأذى لأن من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر عليه. فإن قيل: كيف قدم (في) وصيته لابنه الأمر بالمعروف على النهي عن المنكر وحين أمر ابنه قدم النهي عن المنكر على الأمر بالمعروف فقال: ﴿لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ ثم قال: «أَقِم الصَّلاَةَ» ؟ . فالجواب: أنه كان يعلم أن ابنه معترفٌ بوجودِ الإله فما أمره بهذا المعروف بل نهاه عن المنكر الذي يترتب على هذا المعروف، وأما ابنه فأمره أمراً مطلقاً والمعروف يقدم على المنكر. قوله: ﴿مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ يجوز أن يكون عزم بمعنى مفعول أي من مَغْزُماتِ الأمور أو بمعنى عازم كقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الأمر﴾ [محمد: 21] وهو مجاز بليغ، وزعم المبرد أن العين تبدل حاء فيقال «حَزْم، وعَزْم» والصحيح أنهما مادات مختلفتان اتفقا في المعنى، والمراد من الآية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى (فيهما) من الأمور الواجهة التي أمر الله تعالى بها ويعزم عليها لوجوبها. قوله: «وَلاَ تُصَعِّرْ» قرأ ابن كثير وابنُ عامر وعاصمٌ «تُصَاعِرْ» بألف وتخفيف العين، والباقون بالألف وتشديد العين، والرسم يحتملهما، فإنه رسم بغير ألف، وهما لغتان لغةُ الحجاز التخفيف وتميم التثقيل فمن التثقيل قوله: 4050 - وَكُنَّا إِذَا الجَبَارُ صَعَّرَ خَدَّهُ ... أَقَمْنَا لَهُ مِنْ مَيْلِهِ فَيُقَوَّمُ ويقال أيضاً: تَصَعَّر، قال: 4051 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... أقَمْنَا لَهُ مِنْ خَدِّه المُتَصَعِّر وهو من الميل، وذلك أن المتكبر يميل بِخَدِّهِ تكبراً كقوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] . قال أبو عبيدة: أصله من الصَّعَرِ داء يأخذ الإبل في أعناقها فتميل وتَلْتَوِي؛ يقال: صَعَّرَ وجهه وصاَعَرَ إذا مال وأعرض تكبُّراً، ورجل أصْعَرُ أي مائل العنق، وتفسير اليَزِيدِيّ له بأنه التَّشَدُّق في الكلام لا يوافق الآية هنا، قال ابن عباس: يقول لا تتكبر فتحتقر الناس وتعرض عنهم وجهك إذا كلموك، وقال مجاهد: هو الرجل يكون بينك وبين إحْنَةٌ فتلقاه فيعرض عنك بوجهه، وقال عكرمة: هو الذي إذا سلم عليه لوى عُنُقَه تكبراً، وقال الربيع بن أنس وقتادة ولا تحتقر الفقراء ليكون الغنيّ والفقير عندك سواء، واعلم أنه لما أمره بأن يكون كاملاً في نفسه مكملاً لغيره فكان يخشى بعدها من أمرين: أحدهما: التكبر على الغير لكونه مكملاً له. والثاني: التبختر في المشي لكونه كاملاً في نفسه فقال: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ﴾ تكبراً ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾ أي خُيَلاَءَ ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ في نفسه «فَخُورٍ» على الناس بنفسه. قوله: «واقْصِدْ» (هذا قاصر) بمعنى اقْتَصِدْ واسلُك الطريقة الوسطى بين ذلك قَوَاماً أي ليكن مشيك قصداً لا تخيلاً ولا إسراعاً. وقال عطاء: امشِ بالوَقَار والسكينة لقوله: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾ [الفرقان: 63] . (وقُرِىءَ) «وأَقْصِدْ» بهمزة قطعٍ من أَقْصَدَ إذا سَدَّدَ سهمه للرَّمْيَةِ. قوله: ﴿واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ من تَبْعيضيَّه، وعند الأخفش يجوز أن تكون زائدة، ويؤيده قوله ﴿يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ [الحجرات: 3] . وقيل: «من صوتك» صفة لموصوف محذوف أي شيئاً من صوتك، وكان الجاهلية يتمدحون برفع الصوت، قال: [من المتقارب] : 4052 - جَهِيزَ الكَلاَمِ جَهِيرَ العُطَاسِ ... جَهِيرَ الرُّوَاءِ جَهِيرَ النّعَمْ والمعنى أَنْقِصْ من صوتك، وقال مقاتل: اخفض من صوتك. فإن قيل: لِمَ ذكر المانع من رفع الصوت ولم يذكر المانع من سرعة المشي؟ . فالجواب: أن رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصِّمَاخ بقوته، وربما يخرقُ الغِشَاء الذي داخل الأذن، وأما سرعة المشيء فلا تؤذي وإن أذت فلا يؤذي غير في طريقه والصوت يبلغ من على اليمين وعلى اليسار ولأن اللمس يؤذي آلة اللمس والصوت يؤذي آلة السمع، وآل السمع على باب القلب فإن الكلامَ ينتقلُ من السمع إلى القلب ولا كذلك اللمس وأيضاً فلأن قبيحَ القول أقبح من قبيح الفعل وحسنه أحسن لأن اللسان تَرْجُمانُ القلب. قوله: «إِنَّ أَنْكَرَ» قيل: أنكر مبنيٌّ من مبنيٍّ للمفعول نحو: «أشْغَلُ مشنْ ذَاتِ النّْيَيْنِ» ، وهو مختلف فيه ووحد «صوت» لأنه يراد به الجنس ولإضافته لجمع، وقيل: يحتمل أن يكون «أنكر» من باب «أطوع له من بنانه» ومعناه أشدّ طاعةً. فإن «أفْعَلَ» لا يجيء (في) «مُفْعَل ولا في» مفْعُول «ولا في باب العيوب إلا ما شَذَّ كقولهم» أَطْوَعُ مِنْ كَذَا «للتفضيل على مُطِيع و» أَشْغَلُ مِنْ ذَاتِ النِّحْيَيْن و «أحْمَقُ (مِنْ فُلانُ» ) من باب العيوب، وعلى هذا فهو من باب «أفعل» كأَشْغَلَ في باب مَفْعُولٍ فيكون للتفضيل على المنكر. أو نقول هو من باب «أَشْغَل» مأخوذ من نُكِرَ الشيءُ فهو مَنْكُورٌ، وهذا أنْكَرُ مِنْه، وعلى هذا فله معنى لطيف وهو أن كل حيوان قد يفهم من صوته بأنه يصيح من ثِقَل أو تعب كالبَعير أو لغير ذلك والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهقُ بصوتٍ مُنْكَر (فيمكن) أن يقال: هو من نكير كأَحَدَّ من حَدِيدٍ. فإن قيل: كيف يفهم كونه أنكر الأصوات مع أن حزَّ المِنْشَار بالمبرد ودق النحاس بالحديد أشد صوتاً؟! فالجواب من وجهين: الأول: أن المراد أنكر أصوات الحيوانات صوتاً الحميرُ فلا يَردُ السؤال. الثاني: أن الآمر بمصلحة وعبادة لا ينكر صوته بخلاف صوت (الحمير) . فصل قال مقاتل: اخْفِضْ مِنْ صوتك ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات﴾ أقبح الأصوات ﴿لَصَوْتُ الحمير﴾ أوله زَفيرٌ، وآخره شهيقٌ وهما صوت (أهل النار) وقال موسى بن أعين سمعت سفيان الثوري يقول في قوله تعالى: ﴿إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ قال صياح كل شيء تسبيح لله تعالى إلا الحمار وقال جعفر الصادق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾ قال: هي العطسة القبيحة المنكرة، قال وهب تكلم لقمان اثْنَي عشَرَ ألْف كلمةٍ من الحكمة أدخلها الناس في كلامهم ومن حكمه: قال خالد الريعي كان لقمان عبداً حبشياً فدفع (له) مولاه إليه شاة فقال اذبحها فأتِنِي بأطيبِ مُضْغَتَيْنِ مِنْها فأتاه باللِّسان والقَلْب فسأله مولاه فقال: ليس شيء أطْيَبَ منهما إذا طابا ولا أخبثَ منهام إذا خَبُثَا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.