الباحث القرآني

مكية نزلت بعد آل عمران، وهي ثلاث وسبعون آية ومائتان وثمانون كلمة وخمسة آلاف وسبعمائة حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ اعلم أن الفرق ين نداء المنادى بقوله: «يَا رَجُلُ» ويايُّهَا الرَّجُل، أن قوله: «يَا رَجُل» يدل على النداء، وقوله: «يا أيها الرجل» يدل على ذلك ويُنْبِىءُ عن خطر المادى له أو غفلة المنادى فقوله: «يأيها» لا يجوز حمله على غفلة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن قوله: «النبي» ينافي الغفلة؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خبيرٌ، فلا يكون غافلاً، فيجب حمله على خَطَر الخَطْب. فإن قيل: الأمر بالشيء لا يكون إلا عند عدم اشتغال المأمور بالمأمورية إذْ لا يصلح أن (يكون) يقال للجالس: اجلس وللساكت اسْكُتْ والنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - كان متقياً فما الوجه في قوله «اتق الله» ؟ . فالجواب: أنه أمر (بالمدينة) بالمداومة فإنه يصح أن يقال للجالس: اجلس ههنا إلى أن يأتيك ويقال للساكت قد أصبت فاسكت تسلم أي دُمْ على ما أنت عليه، وأيضاً من جهة العقل أن الملك يتقي منه عباده على ثلاثة أوجه بعضهم يخاف من عقابه وبعضهم يخاف من قطع ثوابه وثالث يخاف من احتجابه فالنبي - عليه (الصلاة و) السلام لم يؤمر بالتقوى بالأول ولا بالثاني، وأما الثالث: فالمخلص لا يأمنه ما دام في الدنيا فكيف والأمور البدنية شاغلة فالآدَميُّ في الدنيا تارة مع الله والأخرى مقبل على ما لا بد منه وإن كان معه الله وإلى هذا أشار بقوله: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] يعني برفع الحجاب عني وقت الوحي ثم أعود إليكم كأني منكم فأُمِرَ بتقوى توجب استدامة الحضور، وقال المفسرون: نزلت في أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبي الأعور عمرو بن أبي (رأس المنافقين) بعد قتال أحد وقد أعطاهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم الأمان على أن يكلموه فقام (معهم) عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، وطُعْمَةُ بن أُبَيْرِق فقالوا للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعنده عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - ارفض ذكر آلهتنا اللاتَ والعُزَّى ومَنَاةَ وقل إن لها شفاعةً لمن عبدها وندعك وربَّك فشق على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولهم فقال عمر: يا رسول اللَّهِ ائذنْ لي في قتلهم. فقال: إني قد أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه وأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عمر أن يُخْرِجَهُمْ من المدينة فأنزل الله: ﴿ياا أَيُّهَا النبي اتق الله﴾ أي دُم على التقوى كما يقول ارجل لغيره وهو قائم: «قُمْ قائماً» أي اثبتْ قائماً، وقيل: الخطاب مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - والمراد الأمة، وقال الضحاك معناه: اتق الله ولا تَنْقُضِ العهد الذي بينك وبينهم. قوله: ﴿وَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾ أي من أهل مكة يعني أبا سفيان، وعكرمة وأبا الأعور، والمنافقين من أهل المدينة عبد الله بن أبي، وطعمة ﴿إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً (حَكِيماً﴾ بخلقه قبل أن يخلقهم حكيماً فيما دبره لهم فإن قيل: لم خص الكافر والمنافق بالذكر مع أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ينبغي أن لا يطع أحداً غير الله؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن ذكر الغير لا حاجة إليه لأن غيرهما لا يطلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الأتِّباع ولا يتوقع أن يصير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مطيعاً له بل يقصد اتباعه ولا يكون عنده إلا مطاعاً. الثاني: أنه (تعالى) لما قال: ﴿﴾ منعه (من) طاعة الكل لأن كل من طلب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - طاعته فهو كافر أو منافق لأن من يأمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يأمر إيجاب معتقداً أنه لو لم يفعله يعاقبه بحق يكون كافراً. قوله: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ وهذا يقدر ما ذكره أولاً من أنه عليم حكيم فاتباعه واجب. قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ وبعده ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ قرأهما أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب أما الغيبة (في الأولى) فلقوله «الكافرين والمنافقين» وأما الخطاب فلقوله: «يأيها النبي» لأن المراد هو وأمته وخوطب بالجمع تعظيماً (له) كقوله: 4068 - فَإِنْ شئْتَ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... وجوز أبو حيان أن يكون التفاتاً يعني (عن) الغائبين (و) الكافرين والمنافقين (وهو بعيد) وأما (الغيبة) في الثاني فلقوله ﴿إذ جاءتكم جنود﴾ وأما الخطاب فلقوله ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ . قوله: ﴿وتوكل على الله﴾ أي ثق بالله يعني إن توهمت من أحد فتوكل على الله فإنه كافيك ﴿وكفى بالله وَكِيلاً﴾ حافظاً لك، وقيل: كفيلاً برزْقكَ. قوله {مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ «نزلت في أبي يَعْمُرَ (و) جميل بن مَعْمَرٍ الفِهْرِي وكان رجلاً لبيباً حافظاً لما يسمعه فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان وكان يقول: لي قلبان أعقِلُ بكُلِّ واحد منهما أَفْضَلُ من عقل محمد فلما هزم الله المشركين يوم بدر انهزم أبو مَعْمَرُ فَلَقِيَهُ أبو سفيان وإحدى نعليه بيده والأخرى في رجله فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا قال فما لك إحدى نعليك (في يدك) والأخرى في رجلك. قال أبو معمر: ما شعرت إلا أنهما في رجلي فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نَعْلَهُ في يده. وقال الزُّهْرِيُّ ومقتل: هذا مَثَلٌ ضربه الله للمظاهر من امرأته والمتبنيّ ولد غيره يقول: فكما لا يكون لرجل قلبان فذلك لا يكون امرأة المظاهر أمه حتى يكون لها ابناً ولا يكون ولداً واحداً من رَجُلَيْنِ. (قال الزَّمخشري) : قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللائي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أي ما جعل الله لرجل قلبين كما لم يجعل لرجلين أمين ولا لابن أَبَوَيْنِ، (وقوله: {وما جعل أزواجكم اللائي» ) قرأ الكوفيونَ وابن عامر اللائي ههنا وفي سورة الطلاق بياء ساكنة بعد همزة مكسورة وهذا هو الأصل في هذا اللفظ لأنه جميع» التي «معنى وأبو عمرو والبَزِّيُّ اللائي بيان ساكنة وصلاً بعد ألف محضة في أحد وجيهيها، ولهما وجه آخر سيأتي، ووجه هذه القراءة أنهما حذفا الياء بعد الهمزة تخفيفاً ثم ابدلاً الهمزة ياء وسكناها ليصيرورتها ياء مكسوراً ما قبلها (إلاَّ أنَّ هذا ليس بقياس وإِنما القياس جعل الهمزة بين بين) . (قال أبو علي: لا يُقْدَمُ على مثل هذا البدل إلا أن يُسْمَعَ) . قال شهاب الدين: قال أبو عمرو بن العلاء إنها لغة قُريش التي أمر الناس أن يقرءوا بها. وقال بعضهم: لم يبدلوا وإنما كتبوا فعبر عنهم القرآن بالإبدال. وليس بشيء. وقال أبو علي: «أو غير بإظهار أبي عمرو اللاَّئي يَئِسْنَ يدل على أنه يشهد ولم يبدل» وهذا غير لازم لأن البدل عارض فلذلك لم يدغم وقرأها ورش بهمزةٍ مُسَهَلَةٍ بَيْنَ بَيْنَ، وهذا الذي زعم بعضهم أنه لم يصح عنهم غيره وهو تخفيف قياس، وإذا وقفاو سكنوا الهمزة ومتى سكنوها استحال تسهيلها بين بين لزوال حركتها فتقلب ياءً لوقوعها ساكنةٌ بعد كسرة وليس (هذا) من مذهبهم تخفيفها فتقر همزة، وقرأ قُنْبُل وورش بهمزة مكسورة دون ياء حذف الياء واجتزأ عنها بالكسرة وها الخلاف بعينه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق. قوله: «تَظَاهَرُونَ» قرأ عاصمٌ تُظَاهِرُونَ بضم التاء وكسر الهاء بعد ألف، مضارع» ظَاهَرَ «وابن عامر» تَظَّاهَرون «بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارع» تَظَاهَرَ «والأصل» تَتَظَاهَرُونَ «بتاءين فأدغم. والأخوان كذلك إلا أنهما خففا الظاء والأصل أيضاً بتاءين (إلا أنهما) حذفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو إما الإدغام وإما الحذف وقد تقدم تحقيقه في نحو تَذّكر وتَذَّكَّرون مخففاً ومثقلاً وتقدم نحوه في البقرة أيضاً. والباقون» تَظَّهرُونَ «بفتح التاء والحاء (وتشديد الظاء) والهاء دون ألف، والأصل» تَتَظَهَّرُونَ «بتاءين فأدغم نحو» تذكرون «وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتهم في قوله: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: 2، 3] إلا الأخوين، فإنهما خالفا أصلهما هنا فقرءا في المجادلة بتشديد الظاء كقراءة ابن عامر. والظهار مشتق من الظَّهْر، وأصله أن يقول الرجل لامرأته: «أنْتَ عَلَيَّ كظَهْرِ أُمِّي» وإنما لم يقرأ الأخوان بالتخفيف في المجادلة لعدم المسوِّغ له وهو الحذف؛ لأن الحذف إنما كَان لاجتماع مثلين وهما التاءان وفي المجادلة ياء من تحت وتاء مِن فوق فلم يجتمع مثلان فلا حذف فاضطر إلا الإدغام، وهذا ما قرىء به متواتراً، وقرأ ابن وثاب «تَظهَّرُونَ» بفتح التاء والظاهء مخففة وتشديد الهاء والأصل: تَتَظَهَّرُونَ مضارع «تَظَهَّر» مشدداً، فحذف إحدى التاءين، وقرأ الحسن «تُظَهِّرُونُ» بضم التاء وفتح الظاء مخففة وتشديد الهاء مكسورة مضارع «ظَهَّرَ» مشدداً وعن أبي عمرو «تَظْهَرُونَ» بفتح التاء والهاء وسكون الظاء مضارع «ظَهَرَ» مخففاً وقرأ أُبَيٌّ - وهي في مصحفه كذلك - تَتَظَهَّرُونَ - بتاءين فهذه تسع قراءات، أربعٌ متواترة، وخمسٌ شاذة، وأخذ هذه الأفعال من لفظ «الظَّهْرِ» كأخذ «لَبَّى» من التَّلْبِيَةِ، و «أفف» من أُفّ. وإنما عدي «بمن» لأنه ضمن معنى التباعد كأنه قيل: يَتَبَاعَدُونَ من نسائهم بسبب الظهار كما تقدم في البقرة في تعدية الإيلاء (بِمِنْ) . فصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أَنْتِ عَلَيَّ كظهرِ أمي، فقال الله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ نِسَاءَكُمْ اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم ولكنه منكر وزور. وفيه كفارة يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى في سورة المُجَادَلَة. قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ (يعني) ما جعل من تبنّيتموهم أبناءكم، (نسخ) التبني، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يتبنى الرجل فيجعله كالابن يدعوه الناس إليه ويرث ميراثه، «وكان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي وتبناه قبل الوحي وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب» فلما تزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - زينتب بنت جحش وكانت تحت زيدِ بن حارثة قال المنافقون تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية، ونسخ التبني. واعلم أن الظهار كان في الجاهلية طلاقاً حتى كان للزوج ان يتزوج بها من جديدٍ. قوله: «ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ» مبتدأ وخبر أيْ دعاؤكم الأدعياء أبناء مجدر قول لسان من غير حقيقة، والأَدْعِيَاءُ جمع دَعِيٍّ بمعنى مَدْعُوٍّ فعيل بمعنى مفعول وأصله دَعِيوٌ فأدغم ولكن جمعه على أَدْعِيَاء غير مقيس؛ لأن «أفعلاء» إنما يكون جمعاً لفَعِيل المعتل اللام إذا كان بمعنى فاعل نحو: تَقِيّ وأَتْقِيَاء، وغَنِيّ وأَغنياء، وهذا وإن كان فعيلاً معتل اللام إلا أنه بمعنى مفعول فكان قياس جمعه على فَعْلَى كقَتِيل وقَتْلَى، وجَرِيح، وَجَرْحَى، ونظير هذه (الآية في) الشذوذ، قولهم: أَسِيرٌ وأُسَرَاء، والقياس: أَسْرَى، وقد سمع فيه الأصل. واعلم أن الله تعالى قال ههنا ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهَكُمْ﴾ وقال في قوله: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 30] يعني نسبة الشخص إلى غير الأب قول لا حقيقة له ولا يخرج من قلب ولا يدخل أيضاً في قلب، فهو قول بالفم مثل أصوات البهائم. قوله: ﴿والله يَقُولُ الحق﴾ أي قوله الحق ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ أي يرشد إلى سبيل الحق وهذا إشارة إلى أنه ينبغي للعاقل أن يكون قوله إما من عقل أو شرع فإذا قال: فلانٌ بنُ فلان ينبغي أن يكون عن حقيقة أو شرع بأن يكون ابنه شرعاً وإن لم تعلم الحقيقة كمن تزوج بامرأةٍ فولدت لِستةِ أشْهُرٍ ولداً وكانت الزوجة من قبل زوجة شخص آخر يحتمل أن يكون الولد منه فإنا نلحقه بالزوج الثاني لقيام الفراش ونقول: إنه ابنه شرعاً، وفي الدَّعِيِّ لم توجد الحقيقة ولا ورد الشرع به لأنه لا يقول إلا الحق وهذا خلاف الحق، لأن أباه مشهور ظاهر وأشار فيه من وجه آخر إلى أن قولهم هذه زوجة الابن فتحرم فقال الله هي لك حلال فقولهم لا اعتبار له لأنه بأفواههم كأصوات البهائم وقوله الحقّ فيجب اتباعه وهو يهدي السبيل فيجب اتباعه لكونه حقاً ولكونه هادياً. قوله: ﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ﴾ (أي الذين ولدوهم ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ أي أعدل قال عبد الله بن عِمران زيد بن حارثة مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوْهُمْ لآبائهم هو أقسط عند) الله. واعلم أن قوله: هو أقسط أي دعاؤهم لآبائهم فهو مصدر قَاصِرٌ لدلالة فعله عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى﴾ [المائدة: 8] قال ابن الخطيب وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ترك الإضافة للعموم أي اعدلوا كل كلام كقولك الله أكبر. الثاني: أن يكون ما تقدم مَنْوِيّاً كأنه (قال) : ذلك أقسط من قولكم هو ابن فلان ثم تمم الإرشاد فقال: ﴿فَإِن لَّمْ تعلموا آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدين﴾ أي قولوا لهم إخواننا فإن كانوا مُجَرَّدِينَ فقولوا موالي فلان ثم قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي قبل النهي فنسبتموه إلى غيره. قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ يجوز في «ما» وجهان: أحدهما: أن تكون مجرورة المحل عطف على ( «ما» ) المجرورة قبلها بفي، والتقدير: ولكن الجناح فيما تعمدته. الثاني: أنها مرفوعة المحل بالابتدءا والخبر محذوف، تقديره تؤاخذون به أو عليكم في الجُنَاح ونحوه. قوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ المغفرة هي أن يستر القادر قَبِيحَ مَنْ تَحْتِ قدرته حتى أنَّ العبد إذا ستر عيب سيده مخافةَ عقابه لا يقال غفر له والرحمة هي أن يميل بالإحسان إلى المرحوم لعجز المرحوم لا لعوض فإن من مال إلى إنسان قادر كالسلطان لا يقال رحمه وكذلك من أحسن إلى غيره رجاءً في خيره أو عوضاً عما صدر منه آنفاً من الإحسان لا يقال: رحمه إذا علم هذه فالمغفرة إذا ذكرت قبل الرحمة يكون معناها أنه ستر عيبه ثم رآه مفلِساً عاجزاً فرحمه وأعطاه، وإذا ذكرت المغفرة بعد الرحمة وهو قليل يكون معناها أنه مال إليه لعجزه فترك عقابه (ولم) يقتصر عليه بل ستر ذنوبه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.