الباحث القرآني

يصير رَجُلاً، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره. ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيما﴾ أي علمه بكل شيء دخل فيه أن لا نبي بعده، فعلم أن من الحكمة إكمال شرع محمد عليه (الصلاة و) السلام أن زوجه بزوجة دعيِّه تكميلاً للشرع، وذلك من حيث إنَّ قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يفيد شرعاً لكن إذا امتنع هو عنه يفيد في بعض النفوس نُفْرة، ألا ترى أنه ذكر بقوله ما فهم منه حِلّ أكل الضَّبِّ، ثم لما لم يأكله بَقِيَ في النفوس شيء، ولما أكل لحم الجمل طاب أكله، مع أنه في بعض الملل لا يؤكل وكذلك الأرنب، روى أبو هريرة أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنبياء كَمَثَلِ قَصْرِ أُحْكِمَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حُسْنِ بِنَائِهِ إِلاَّ مَوْضِعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ لاَ يُجِيبُونَ سِوَاهَا فَكُنْت أنَا مَوْضِع تِلْكَ اللَّبِنَةِ خُتِمَ بِهِ البُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِي الرُّشْدُ» ، وقال - عليه (الصلاة و) السلام: «إنَّ لِي أسْمَاءَ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الماحِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى قَدَمِيَ وأَنَا العَاقِبُ» والعاقِبُ الذَّي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ. قوله : ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ قال ابن عباس: لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل حدّاً معلوماً ثم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه لم يجعل له حداً ينتهي إليه ولم يعذر أهله في تركه إلا مغلوباً على عقله وأمرهم به في الأحوال كلها، فقال: ﴿فاذكروا الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103] وقال: ﴿اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي بالليل والنهار، والبرِّ والبحر والصحة والسِّقَم في السر والعلانية وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا ينساه أبداً ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي صلوا له بكرة يعني صلاة الصبح و «أصيلاً» يعني صلاة العصر، وقال الكلبي: «وأصيلاً» صلاة الظهر والعصر والعشاء، وقال مجاهد معناه: قولوا: سبحانَ اللَّهِ والحمدُ لله ولا إله إلا الله واللَّه أكبر ولا حَوْلَ ولا قوة إلى بالله فعبر بالتسبيح عن أخواته، وقيل: المراد من قوله: «ذكْراً كَثيراً» هذه الكلمات يقولها الطاهرُ والخبيثُ والمحدث. قوله: ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار للمؤمنين فذكر صلاته تحريضاً للمؤمنين على الذكر والتسبيح، قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى: أيصلي ربنا؟ فكَبُرَ هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه قل لهم: إنِّي أصلي وإن صلاتي رحمتي وقد وسعت رحمتي كُلَّ شيء. وقيل: الصلاة من الله هي إشاعة الذكر الجميل له في عباده، وقيل: الثناء عليه. قال أنس: لما نزلت إن الله وملائكته يصلون على النبي قال أبو بكر: ما خَصَّك الله يا رسول الله بشرف إلا وقد أشركنا فيه فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ هذه الآية. قوله: «ومَلاَئِكَتُهُ» إما عطف على فاعل «يصلي» ، وأغنى الفصل بالجار عن التأكيد بالضمير، وهذا عند من يرى الاشتراك أو القدر المشترك أو المجاز؛ لأن صلاة الله غير صلاتهم. وإما مبتدأ وخبره محذوف، أي «وملائكته يصلون» وهذا عند من يرى شيئاً مما تقدم جائزاً إلا أن فيه بحثاً، وهو أنهم نصوا على أنه إذا اختلف مدلولاً الخبرين فلا يجوز حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه وإن كانا بلفظ واحد، فلا تقول: «زَيْدٌ ضَاربٌ وَعَمرٌو» يعني وعمرو ضاربٌ في الأرضِ أي مُسِافِرٌ. فصل الصلاة من الله رحمة، ومن الملائكة استغفار، فقيل: إن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مَعْنَيَيْهِ معاً وكذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ جائز. قال ابن الخطيب: وينسب هذا القول للشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو غير بعيد؛ وذلك لأن الرحمة والاستغفار مشتركان في العناية بحال المرحوم والمستغفر له والمراد هو القدر المشترك فتكون الدلالة واحدة، ثم قال: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي من ظلمةِ الكفر إلى نور الإيمان يعنى (أنه) برحمته وهدايته ودعاء الملائكة لكم أخرجكم من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان. ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ وهذا بشارة لجميع المؤمنين وأشار بقوله: «يصلي عليكم» أن هذا غير مختص بالسامعين وقت الخطاب. قوله: «تَحِيَّتُهُمْ» يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعوله، وأن يكون مضافاً لفاعله ومفعوله على معنى أن بعضهم يُحَيِّي بعصاً، فيصح أن لا يكون الضكير للفاعل والمفعول باعتبارين لا أنه يكون فاعلاً ومفعولاً من وجهٍ واحد وهو قول من قال: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: 78] أنه مضاف للفاعل والمفعول. فصل المعنى تحيةُ المؤمنين يَوْمَ يلقونه أي يرون الله سلام أي يسلم اللَّهُ عليهم ويسلمهم من جميع الآفات، وروي عن البراب بن عازب قال: تحيتهم يوم يلقونه سلام يعني ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه. وعن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك يقبض روح المؤمن قال: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السلام، وقيل: تسلم عليهم الملائكة تبشرهم حين يخرجون من قبورهم ثم قال: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ يعني الجنة. فإن قيل: الإعداد إنما يكون مِمَّن لا يقدر عند الحاجة إلى الشيء عليه، وأما الله تعالى فغير محتاج ولا عاجز فحيث يلقاه (و) يؤتيه ما يرضى به وزيادة فما معنى الإعداد من قبل؟ . فالجواب: أن الأعداد للإكرام لا للحاجة. قوله: ﴿يا أيها النبي إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ أي شاهداً للرسل بالتبليغ «وَمُبَشِّراً» لمن آمن بالجنة و «نَذِيراً» لمن كذب بالنار «فشاهداً» حال مقدرة، أو مقارنة لقرب الزمان ﴿وَدَاعِياً إِلَى الله﴾ إلى توحيده وطاعته، وقوله «بِإِذْنِهِ» حال أي ملتبساً بتسهيله، ولا يريد حقيقة الإذن لأنه مستفاد من «أَرْسَلْنَاكَ» . قوله: «وَسِرَاجاً» يجوز أن يكون عطفاً على ما تقدم، إما على التشبيه، إما على حذف مضاف أي ذا سراج، وجوز الفَرَّاءُ أن يكون الأصل: وتالياً سراجاً، ويعني بالسِّراج القرآن، وعلى هذا فيكون من عطف الصفات وهي لذات واحدة، لأن التالي هو المرسل. وجوز الزمخشري أن يعطف على مفعول «أَرْسَلْنَاكَ» وفيه نظر لأن السراج هو القرآن ولا يوصف بالإرسال بل بالإنزال إلاَّ أن يقال: إنه حمل على المعنى كقوله: 4096 - فَعَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِداً ... [حَتَّ شَتَتْ هَمَّالَةً عَيْنَاهَا] وأيضاً فيغتفر في الثواني ما لا يغفتر في الأوائل، وقوله: «مُنِيراً» لأنه يهتدى به كالسِّراج يستضاء به في الظلمة. واعلم أنَّ في قوله: «سِرَاجاً» ولم يقل: إنه شمس مع أن الشمس أشد إضاءة من السراج فائدةً وهي أن نور الشمس لا يؤخذ منه شيء، والسراج يؤخذ منه أنوار كثيرة إذا انطفى الأول يبقى الذي أخذ منه وكذلك إن غاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان كُلُّ صحابي كذلك سراجاً يؤخذ منه نور الهداية كما قال عليه (الصلاة و) السلام: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» وفي هذا الخبر لطيفة وهي أن النبي عليه (الصلاة و) السلام لم يجعل أصحابه كالسرج وجعلهم كالنجوم لأن النجم لا يؤخذ منه (نور) بل له في نفسه نور إذا غرب لا يبقى نور مستفاد منه فكذلك الصحابي إذا مات فالتابعي يستنير بنور النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولو جعلهم كالسِّراج والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان سراجاً كان للمجتهد أن يَسْتَنِيرَ بمَنْ أراد منهم، ويأخذ النور مِمَّن اختار وليس كذلك فإن مع
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.