الباحث القرآني

النساء، روي عن جابر قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «إِذَا خَطبَ أَحَدُكُمْ المَرْأَةَ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِها فَلْيَفْعَلْ» قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ الآية قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينبَ حين بنى بها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما روى ابن شِهَابٍ قال: أخبرني أنسُ بنُ مالك أنه كان ابن عَشْرِ سنينَ فقدِم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - المدينة قال: فكانت ام هانىء تواظبُني على خدمةِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فخدمته عَشْر سنينَ وتوفي وانا ابن عشرينَ فكنت أعلمَ الناس بشأن الحِجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مْبْتَنَى رَسُولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بزينبَ بنتِ جحشٍ أصبح النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بها عروساً فدعا القوم وأَصابوا من الطّعام ثم خرجوا وبَقِيَ رَهْطٌ منهم عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فأطالوا المُكْثَ فقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فمشيت حتى جاء عتبة حُجْرَة عائشةَ ثم ظن أنهم قد خرجوا فرجَع فرَجَعْتُ معهم حتى إذا دخل على زينب فإذا هم جلوس لم يخرجوا فرجَع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ورجعت معه حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة فظن أنهم قد خرجوا فرَجَع ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بيني وبينه بالسِّتر - فأنزل الله الحجاب، (و) قال أبو عثمان واسمه الجَعد عن أنس (قال) فدخل - يعني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ وروي عن ابن عباس أنها نزلت في ناسٍ من السلمين كانوا يتحيَّنون طعام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فيدخلون عيله قبل الطعام إلى أن يدرك ثم يأكلون ولا يخرجون وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يتأذَّى بهم فنزلت الآية ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ . وروى ابنُ شِهابٍ عن عروة عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عيه وسلم - كُنَّ يَخْرُجْنَ باللَّيْلِ إذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِع وهو صَعِيدٌ أَفْيَحُ فكان عمر يقول للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - احجبْ نِسَاءَكَ فلم يكن رسولُ الله يفعل فخرجت سُوْدةُ بنتُ زمعة زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ليلةً من الليالي عشاءً وكانت امرأة طويلة فناداها عمر: قد عرفناك يا سَوْدَةُ حرصاً على أن تنزل آيةُ الحجاب فأنزل الله الحجاب، وعن أنس قال: قال عمر: وافَقَنِي ربي في ثلاثة، قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] ، وقلت يا رسول الله: إنه يدخل عليك البرُّ الفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحِجاب فأنزل الله آية الحجاب قال: بلغني ما آذين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نساؤه قال: فدخلت عليهن فجعلت استقربهن واحدة واحدة قلت: والله لَتَنْتَبِهْنَ أوْ لَيُبَدِّلنَّه الله أزواجاً خَيْراً منْكُنَّ حت أتيت على زينب فقالت: يا عُمَرُ: ما كان في رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما يعظ نساءه حتى تَعِظَهُنَّ أنت قال: فخرجت فأنزل الله: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ [التحريم: 5] الآية قوله: ﴿إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ فيه أوجه: أحدها: أنها في موضع نصب على الحال تقديره إِلاَّ مَصْحُوبِينَ بالإِذن. الثاني: أنها على إسقاط باء السبب تقديره: «إلا بِسبِب الإذن لكم» كقوله «فَأَخْرَجَ بِهِ» أي بسببه. الثالث: أنه منصوب على الظرف قال الزمشخري: ﴿إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ﴾ في معنى الظرف تقديره: إلا وقت أن يؤذن لكم و «غَيْرَ نَاظِرينَ» حال من «لاَ تَدْخُلُوا» وقع الاسثناء على الحال والوقت معاً كأنه قيل: لا تدخلوا بيوت النبي إلا وَقْتَ الإذْنِ ولا تدخلوا إلاَّ غَيْرَ ناظرين إناه، ورد أبو حيان الأول بأن النحاة نصوا على أن «أنْ» المصدرية لا تقع مَوْقِعَ الظرف، لا يجوز: «آتِيكَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ» وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو: «آتِيكَ صِيَاحَ الدِّيكَ» ، ورد الثاني بأنه لا يقع بعد «إلا» في الاستثناء إلا المستثنى أو المستثنى منه أو صفته ولا يجوز فيما عَدَا هذا عند الجمهور، وأجاز ذلك الكسائي والأخفش أجازا «مَا قَامَ القوْمُ إِلاَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ ضَاحِكِينَ» و «إلَى طَعَام» متعلق ب «يُؤْذَن» لأنه بمعنى إلاَّ أنْ يَدْعُوا إلى طعام، وقرأ العامة غَيْرَ ناظرين - بالنصب على الحال - كا تقدم، فعند الزمخشري ومن تابعه العامل فيه «يُؤْذَنَ» وعند غيرهم العامل فيه مقدر تقديره ادخلوا غير ناظرين، وقرأ ابن أبي عبلة «غَيْرِ» بالجر صفة لطعام واستضعفها الناس من أجل عدم بروز الضمي لجَرَيَانه على غير مَنْ هو له فكان من حقه أن يقال: غَيْرَ ناظرين إناه أنتم، وهذا رأي البصريين، والكوفيونَ يجيزون ذلك إن لم يُلْبِسْ كهذه الآية، وقد تقدمت هذه المسألة وفروعها وما قيل فيها، وهل هذا مختص بالاسم أو يجري في الفعل خلاف مشهور قلّ من يَضْبِطُهُ. قوله: «إِنَاهُ» قرأ العامة «إِنَاهُ» مفرداً أي نضجه، يُقَالُ: أنَى الطَّعامُ إنّى، نحوُ: قَلاَهُ قلّى، أي غير منتظرين إِدْرَاكَهُ وَوَقْتَ نُضْجِه ويقال: أنَى الحميمُ إذا انتهى حُرُّهُ، وأنَى أَنْ يَفْعَلَ كَذَا أي حان إِنَى بكسر الهمزة مقصورةً؛ وقرأ الأعمش «آناءه» جمعاً على أفْعَالٍ، فأبدلت الهمزة الثانية ألفاً والياء همزة لتطرفها بعد ألف زائدة فصار في اللفظ «كآناء» من قوله: «وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ» وإن كان المعنى مختلفاً، قال البَغَويُّ: إذا فتحت الهمزة مَدَدْتَ فقلت: الآناء وفيه لغتان أَنَى يأْنِي، وآنَ يَئِينُ مثل: حَانَ يَحِين. قوله: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ أكلتم «فَانْتَشِرُوا» تفرقوا واخرجوا من منزله. فصل قال ابن الخطيب قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ﴾ إِما أن يكون فيه تقديم وتأخير تقديره «وَلاَ تَدْخُلُوا إلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ» فلا يكون منعاً من الدخول في غير وقت الطعام بغير الإذن وإما أن لا يكون فيه تقديم وتأخير فكيون معنى: ولا تدخلوا إلا أيؤذن لكم إلى طعام فيكون الإذن مشروطاً بكونه إلى طعام فإن لم يؤنذن إلى طعام فلا يجوز الدخول فلو أذن لواحد في الدخول لاستماع كلام لا لأكل طعام لا يجوز فنقول المراد هو الثاني ليعم النهي عن الدّخول، وأما كونه لا يجوز إلا بإذن إلى طعام فلما تقدم في سبب النزول أن الخطاب مع قوم كانوا يَتَحَيَّنُونَ حين الطعام ويدخلون من غير إذن فمنعوا من الدخول في وقتهم بغير إذن، والأولى أن يقال المراد هو الثاني لأن التقديمَ والتأخيرَ خلافُ الأصل. وقوله: «إلى طعام» من باب التخصيص بالذكر فلا يدل على نفي ما عداه لا سيما إذا علم أن غيره مثله فإن من جازَ دخول بيته بإذنه إلى طعامه، جاز دخوله إلى غير طعامه فإن غير الطعام يمكن وجوده مع الطعام فإن من الجائز أن يتكلم معه وقت ما يدعوه إلى الطعام ويَسْتَعِينُه في حوائجه ويعلمه ممِا عنده من العلوم مع زيادة الطعام فإن رضي بالكل فرضاه بالبعض أقرب إلى العقل فيصير من باب: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] وقوله: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي لا تنظروا وقت الطعام فإنه ربما لا يَتَهَيَّأ. فصل لا يشترط في الإذن التصريح به بل إذا حصل العلم بالرضا جاز الدخول ولهذا قال: «إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ» من غير بيان فاعل فالآذن إن كان الله أو النبي أو العقل المؤيد بالدليل جاز والنقل دال عليه حيث قال: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ [النور: 61] فلو جاء الرجل وعلم أنّ لا مانع في البيت من يكشف أو بحضور غير محرم أو علم خلو الدار من الأهل وهي محتاجة إلى إطفاء حريق فيها أو غير ذلك جاز الدخول وفي معنى البيت موضع مباح اختاره شخص لعبادته او اشتغاله بشغل فيأتيه أحد ويطيل المكث عنده. قوله: ﴿وَلاَ مُسْتَأنِسِينَ﴾ يجوز أن يكون منصوباً عطفاً على «غَيْر» أي لا تدخلوها غَيْرَ ناظِرينَ ولا مُسْتَأْنسين والمعنى ولا طالبين الأُنسَ لِلْحَديث، وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلاً فَنُهُوا عن ذلك. قوله: «لِحَدِيثٍ» يحتمل أن تكون لام العلة أي مستأنسين لأجل أن يحدث بعضكم بعضاً وأن تكون المقوية للعامل لأنه قرع أي ولا مستأنسين حديثَ أَهْل البَيْت أو غيرهم. قوله: «إنَّ ذَلَكُمْ» أي إن انتظارَكم واسْئنَاسكم فأشير إِليهما إِشارة الواحد كقوله ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] أي إن المذكور. قوله: «فيستحيي منكم» قرىء «لا يَسْتَحِي» بياء واحدة، والأخرى محذوفة، واختلف فيها هل هي الأولى أو الثانية وتقدم ذلك في البقرة، وأنها رواية عن ابن كثير وهي لغة تميم يقولون اسْتَحَى يَسْتَحِي مثل: اسْتَقَى يستقي. قوله: ﴿والله لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الحق﴾ أن لا يترك تأديبكم وهذا إشارة إِلى أنّ ذلك حق وأدب، ثم ذكر أدباً آخر فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فاسألوهن مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ أي من وراء سِتْر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأةٍ من نساء رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُنْتقِبة كانت أو غير مُنْتَقِبة ﴿ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب، فأما وإن رأت العين فقد يشتهي القلب وقد لا يشتهي، فالقلب عند عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذ أظهر. قوله: ﴿وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً﴾ نزلت في رجلٍ من أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال: لئن قُبِضَ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأنكحن عائشةَ. قال مقاتل بنه سليمان: هو طلحة ابن عُبَيْد الله فأخبر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - أن ذلك مُحَرَّم وقال: ﴿إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً﴾ . وروى مَعْمَرٌ عن الزهري أن العالية بنتَ ظبيان التي طلق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تزوجت رجلاً وولدت له وذلك قبل تحريم أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على الناس. قوله: ﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية نزلت فيمن أضمر نِكَاحَ عائشةَ بعد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقيل: قال رجل من الصحابة ما بالنا نمنع الدخول على بنات أعمامنا فنزلت هذه الآية، ولما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأقارب ونحن أيضاً نكلمهن من وراء حجاب فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ أي لا إثم عليهنّ في ترك الاحتجاب عن هؤلاء «وَلاَ نِسَائِهِنَّ» قيل: أراد به نساء المُسْلمات حتى لا يجوز للكتبيات الدخول عليهن. وقيل: هو عام في المسلمات والكتبيات وإنَّمَا قال: «وَلاَ نِسَائِهِنَّ» لأنهن من أجناسهن، وقد الآباء لأن اطلاعهم على بناتهم أكثر، وكيف وهم رأوا جميع بدن البنات في حال صغرهن ثم الأبناء ثم الإخوة وذلك ظاهر، إنما الكلام في بني الإخوة حيث قدمهم الله عليه على بنات الأخواتِ لأن بني الأخوات آباؤهم في بني الإخوة حيث قدمهم الله عليه على بنات الأخواتِ لأن بين الأخوات آباؤهم ليس المحارم خالات أبنائهم وبني الإخوة آباؤهم محارم أيضاً، ففي بني الأخوات مفسدة ما وهي أن الابن ربما يحكي خالته عند أبيه وهو ليس بمحرم ولا كذلك بنوة الإخوة. فإن قيل: لم يذكر الله تعالى من المحارم الأعمام والأخوال ولم يقل: ولا أعمامهن ولا أخوالهن؟ . فالجواب من وجهين: أحدهما: أن ذلك معلوم من بني الإخوة وبني الأخوات لأن من علم أن بني الأخ للعمّات محام علم أن بنات الأخ عند آبائهم وهم غير محارم وكذلك الحال في ابن الخال. قوله: ﴿وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ذكر هذا بعد الكل، فإن المفسدة في التكشف لهم ظاهرة، واختلفوا في عبد المرأة هل يكون محرماً لها فقيل يكون لها لقوله: ﴿وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ، وقيل: المراد من كان دون البلوغ. قوله: «واتَّقِينَ» عطف على محذوف أي امْتَثِلْنَ ما أُمرْتُنِ بِهِ واتَّقِينَ اللَّهَ أن يراكنّ غير هؤلاء، وقوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ في غاية الحسن في هذا الموضع لأن ما سبق إشارة إلى جواز الخلوة بهم والتكشف لهم فقال إن الله شاهد عند اختلاء بعضكم ببعض فخلوتكم مثل ملئكم بشهادة الله فاتقوا الله فإنه شهيد على أعمال العباد. قوله: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ العامة على نصب «الملائكة» نَسَقاً على اسم «إن» و «يُصَلُّونَ» هل هو خبر عن «اللَّه وملائكته» أو عن «الملائكة» فقط، وخبر الجلالة محذوف لتغاير الصلاتين خلاف. وقرأ ابن عباس وُرَويت عن أبي عمرو: وَمَلاَئِكَتُهُ رفعاً فيحتمل أنْ يكون عطفاً على محل اسم «إِنَّ» عند بعضهم، وأن يكون مبتدأ والخبر محذوف وهو مذهب البصريين، وقد تقدم فيه بحث نحو: زَيْدٌ ضَارِبٌ وعَمْرٌو أي ضَارِبٌ فِي الأَرْضِ. فصل لما أمر بالاستئذان وعدم النظر إلى نسائه احتراماً له كمل بيان حرمته وذلك أن حالاته منحصرة في حالتين حالة خلوة فذكر ما يدل على احترامه في تلك الحالة بقوله: ﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي﴾ وحالة بكونه في ملأ والملأ إما الملأ الأعلى وإما الملأ الأدنى أما احترامه في الملأ الأعلى فإن الله وملائكته يصلون عليه، وأما احترامه في الملأ الأدنى فقوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ . فصل قال ابن عباس: أراد أنّ الله يرحم النبي والملائكة يدعون له، وعن ابن عباس أيضاً: يصلون يزكون، قويل: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار. وقال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة الدعاء، روى عبد الرحمن بنُ أَبي لَيْلَى قال: «لَقِيَنِي كعْب بن عُجْرَةَ فقال: ألا أُهْدِي لك هديّة سمعتُها من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقلت بلى فأهدها إليَّ قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم فكيف نصلي عليك؟ قال:» قولوا اللَّهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبْرَاهيم إنك حميد مجيد «وروى أبو حُمَيْد السَّاعِدِيّ» أنهم قالوا يا رسول الله: كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قولوا: اللَّهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد «وروى ابن مسعود قال:» قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرهُمْ عَلَيَّ صَلاَةَ» وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال:» مَنْ صَلأَّى عَلَيَّ وَاحِدةً صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْراً «، وروى عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -» أنه جاء ذات يوم والبِشْرُ في وجهه فقال: «إِنِّي جَاءَنِي جبريلُ فقال: أَمَا يُرْضِيكَ يا محمد أن لا يُصَلِّي عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلاَّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْراً وَلاَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلاَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْراً» وروى عامر بن ربيعة «أنه سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول» مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّت المَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيَّ فليقلّ العَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أوْ لِيُكْثِرُ «وروى عبد الله بن مسعود قال:» قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: «إنَّ لِلَّه مَلاَئِكَةً سَيَّاحِينَ في الأَرْضِ يُبَلِّغُونَ عَنْ أُمَّتِي السَّلاَمَ» فصل دلت الآية على وجوب الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لأن الأمر للوجوب ولا تجب في غير التشهد فتجب في التشهد وكذلك قوله: «وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً» أمر فيجب السلام ولم يجب في غير الصلاة فيجب فيها وهو قولنا في التشهد: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وذكر في السلام المصدر للتأكيد، ولم يُؤكد الصلاة لأنها كانت مؤكدة بقوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ . فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة به إلى صلاتنا؟ فالجواب: أن الصلاة عليه ليس لحاجة إليها وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو إظهاره وتعظيمه (كما أن الله تعالى) وجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه وإنما هو لإظهاره وتعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه ولهذا قال عليه (الصلاة و) السلام: «ومن صلى علي واحدة صلى الله عليه عشراً» قوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله﴾ فيه أوجه أي يقولون فيه ما صورته أذى وإن كان تعالى لا يلحقه ضرر ذلك حيث وصفوه بما لا يليق بجلاله من اتخاذ الأنداد ونسبة الولد والزوجة إليه، قال ابن عباس هم اليهود والنصارى والمشركون، قال عليه (الصلاة و) السلام «يقول الله تعالى:» شَتَمَنِي عَبْدِي يَقُولُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدُ وَلَم أَولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كفواً أَحَدٌ» ، وقال عليه (الصلاة و) السلام «قال الله تعالى: يُؤذِيني ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهرَ وأَنَا الدَّهرُ بِيدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ» ، وقيل: يؤذون الله: يلحدون في أسمائه وصفاته، وقال عكرمة: هم أصحاب التصاوير، روى أبو هريرة قال: «سمعت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يقول:» قال الله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فليخلقوا ذَرَّةً أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً» ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي أولياء الله كقوله: ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: 82] أي أهل القرية قال عليه (الصلاة و) السلام: «قال الله تعالى:» مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ» وقال: «مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيَّاً فَقَدْ بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ» ومعنى الأذى هو مخالفة أمر الله وارتكاب معاصيه وذكره على ما يتعارفه الناس بينهم والله عَزَّ وَجَلَّ منزه عن أن يلحقه أذى من أحد، وقال بعضهم أتى بالجلالة تعظيماً، والمراد يؤذون رسولي كقوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] وأما إيذاء الرسول فقال ابن عباس: هو أنه شُجَّ في وجهه وكُسِرت رُبَاعِيّتُه، وقيل: ساحر شاعر معلم مجنون، ثم قال: ﴿لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة﴾ واللعن الطرد، وهذا إشارة إلى بعد لا رجاء للقرب معه، لأن البعيد في الدنيا يرجو القرب في الآخرة فإذا خاب في الآخرة فقد خاب وخسر. ثم إنه تعالى لم يحصر جزاءه في الإبعاد بل أوعده بالعذاب المهين فقال: «وَأَعَدَّ لَهُمْ» وهذا يفيد التأكيد؛ لأن السيد إذا عذب عبده حالة الغضب من غير إعداد يكون دون ما أعد له قيداً وغلاًّ. قوله: ﴿والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا﴾ أي من غير ما عملوا ما أوجب أذاهم، وقال مجاهد: يقعون فيهم ويرمونهم بغير كلام، وقيل: إن من جُلِدَ مائة على شرب الخمر أو حُدَّ أربعين على لعب النَّرْد فقد أوذي بغير ما اكتسب. قوله: «فَقَد احْتَمَلُوا» خبر «والذين» ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط. وقوله: ﴿بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا﴾ قال مقاتل: نزلت في علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - كانوا يؤذونه ويسمعونه وقيل: نزلت في شأن عائشة، وقال الضحاك والكلبي: نزلت في الزّناة (الذين) كانوا يتشمون في طريق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن فيغمزون المرأة فإِن سكتت اتبعوها وإن زجرتهم انتهوا عنها ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من اَمَةِ؛ لأن زي الكل كان واحداً يخرجن في دِرْع وخمار الحرة والأمة فشكَوا ذلك إلى أزواجهن فذكروا ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فنزلت هذه الآية: ﴿والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات﴾ الآية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإِماء فقال - عَزَّ وَجَلَّ - ﴿يا أيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾ . فإن قيل: البهتان هو الزور، وهو لا يكون إلا في القول، والإيذاء قد يكون بغير القول، فمن آذى مؤمناً بالضرب أو أخذ ماله لا يكون قد احتمل بهتاناً؟ فالجواب: أن المراد: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بالقول لأن الله تعالى أراد أظهار شرف المؤمنين لأنه لما ذكر أن من آذى الله ورسوله لعن، وإيذاء الله أن ينكر وجوده أو يشرك به من لا يبصر لا يسمع وذلك قول فذكر إيذاء المؤمنين بالقول وعلى هذا خص إيذاء القول بالذكر لأنه أعم؛ لأنه الإنسان لا يقدر أن يؤذي الله بما يؤلمه من ضرب أو أخذ مال ويؤذيه بالقول وكذا الغائب لا يمكن إيذاؤه بالفعل ويمكن إيذاؤه بالقول بأن يقول فيه ما يصل إليه فيتأذى، ووجه آخر في الجواب بأن يقال: قوله بعد ذلك: وإثْماً مُبِيناً، كأنه استدرك فكان قوله احتمل بهتاناً إن كان بالقول، وَإِثْماً مبيناً ما كان الإيذاء. قوله: «يُدْنِينَ» كقوله ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ... الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ. .﴾ [إبراهيم: 31] و «مِنْ» للتَّبْعِيض، و «الجَلاَبِيبُ» جمع «الجِلْبَابِ» وهو المَلاَءَةُ التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، قال ابن عباس و (أبو) عبيدة من نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههنّ بالجلابيب إلا عينا واحدة ليعلم أنهن حرائر. وقوله: " ذلك أدنى " أي إدناء الجلابيب أقرب إلى عِرْفَانِهِنَّ أي أدنى أن يعرفن أنهن حرائر «فَلاَ يُؤْذَيْنَ» لا يتعرض لهن، ويمكن أن يقال: المراد يعرفن أنهن لا يَزْنينَ لأن من تستر وجهها مع أنه ليس بعورة لا يطمع فيها أنها تكشف عورتها فيُعْرَفْنَ أنهنَّ مستوراتٌ لا يمكن طلب الزنا منهن. {وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً} قال أنس: مرت بعمر بن الخطاب جارية مقنَّعة فعلاها بالدرَّة، وقال: يا لَكَاعِ أتتشبّهين بالحَرَائِرِ أَلْقِي القِنَاعَ. قوله: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ لما ذكر حال المشركين الذي يؤذون الله ورسوله والمجاهر الذي يؤذي المؤمنين ذكر حال المُسِرِّ الذي لا يظهر الحق ويظهر الباطل وهو المنافق ولما كان المذكور من قبلُ أقواماً ثلاثةً نظر إلى أمورِ ثلاثة وهم المُؤْذُونَ لله والمُؤْذُونَ للرسول، والمؤذون للمؤمنين ذكر للمسرين ثلاثة نظراً إلى اعتبار أمور ثلاثة: أحدها: المنافق الذي يؤذي الله سرّاً. والثاني: الذي في قلبه مرض وهو الذي يؤذي المؤمن باتباع نِسَائِهِ. والثالث: المرجف الذي يؤذي النبي عليه (الصلاة و) السلام بالإرجاف بقوله: غُلِبَ محمد، وسيخرج من المدينة وسيؤخذ، وهؤلاء وإِنْ كانوا قوماً واحداً إلاَّ أنَّ لهم ثلاث اعتبارات وهذا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ حيث ذكر أصنافاً عشرة وكلهم يوجد في واحد بالشخص لكنه كثير الاعتبار فقال: ﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون﴾ أي عن نفاقهم ﴿والذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ يعني الزناة، ﴿والمرجفون فِي المدينة﴾ بالكذب وذلك أن ناساً منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يُوقِعُونَ في الناس أنهم قتلوا وهزموا ويقولون قد أتاكم العدو ونحوه، وقال الكلبي: كانوا يحبون أن تشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا وَيفْشُو الأخبار. قوله: «لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ» أي لنُحَرِّشَنَّكَ وَلنُسَلِّطَنَّكَ عليهم لِتُخْرِجَهُمْ من المدينة ﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ﴾ لا يساكنونك فيها أي في المدينة «إلاَّ قَلِيلاً» حتى يخرجوا منها، وقيل: لنسلطنهم عليهم بقتلهم ونخرجهم من المدينة. قوله: «الاَّ قَلِيلاً» أي إِلاَّ زماناً قليلاً، أو إلا جوَاراً قليلاً، وقيل: «قليلاً» نصب على الحال من فاعل «يجاورونك» أي إِلا أَقِلاَّءَ أَذِلاَّء بمعنى قَلِيلِينَ، وقيل: قيلاً منصوب على الاستثناء أي لا يجاور إلا القليل منهم على أذل حال وأقله. قوله: «مَلْعُونِينَ» حال من فاعل «يُجَاوِرُونَكَ» قاله ابن عطية، والزمخشري وأبو البقاء، قال ابن عطية لأنه بمعنى مُنَتَفَوْنَ منها مَلْعُونينَ، وقال الزمخشري: دخل حرف الاستثناء على الحال والظرف معاً كما مر في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ﴾ وتقدم بحث أبي حيان معه، وهو عائد هنا، وجوز الزمخشري أن ينتصب على الشَّتْم؛ وجوز ابن عطية أن يكون بدلاً من «قليلاً» على أنه حال كما تقدم تقريره، ويجوز أن يكون «ملعونين» نعتاً، ل «قليلاً» على أنه منصوب على الاستثناء من واو «يجاورونك» كما تقدم تقريره، أي لا يُجَاوِرُكَ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَلِيلاً ملعوناً، ويجوز أن يكون منصوباً «بأُخِذُوا» الذي هو جواب الشرط نحو: خَيْراً إِنْ تَأْتِنِي تُصِبْ، وقد منع الزمخشري من ذلك فقال: ولا يصح أن يَنْتَصِبَ «بأخذ» لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيها قبلها، وهذا منه مشيء على الجَارَّةِ، وقوله ما بعد كلمة الشرط يشتمل فعل الشرط والجواب، فأما الجواب فتقدم حكمه وأما الشرط فأجاز الكسائيّ أيضاً تقديم معموله على الأداة، نحو: «زَيْداً إنْ تَضْرِبْ أُهِنْكَ» فتلخص في المسألة ثلاثة مذاهب المنع مطلقاً، الجواز مطلقاً، التفصيل يجوز تقديم معمولي الجواب، ولا يجوز تقديم معمولي الشرط وهو رأي الفراء. قوله: «وَقُتِّلُوا» العامة على التشديد، وقرىء بالتخفيف. وهذه يردها مجيء المصدر على التفعيل إلا أن يقال: جاء على غير مصدره، وقوله: «سُنَّةَ اللَّهِ» تقدم نظيرها. قوله: «مَلْعُونينَ» مطرودين من باب الله وبابك، وإذا خرجوا لا يَنْفَكُّونَ عن الذلة ولا يجدون ملجأً بل أينما يكونون يؤخذون ويقتلون، وهذا ليس بِدْعاً بل هو سنة جارية وعادة مستمرة تفعل بالمكذبين ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ أي ليست هذه السنة مثل الحكم الذي يتبدل وينسخ فإن النسخ يكون في الأقوال أما الأفعال إذا وقعت والأخبار لا تنسخ. قوله: ﴿يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾ لما بين حالهم في الدنيا أنهم يُلْعَنُونَ ويُهَانُونَ ويُقْتَلُونَ أراد أن يبين حالهم في الآخرة، فذكرهم بالقيامة وما يكون لهم فيها فقال: ﴿يَسْأَلُكَ الناس عَنِ الساعة قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله﴾ أي إن وقت القيامة علمه عند الله لا يبين لهم فإِن الله أخفاها لحكمةٍ وهي امتناع المكلف عن الاجتراء وخوفهم منها في كل وقت. قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة﴾ الظاهر أن «لعل» تعلق كما تعلق التمني و «قريباً» خبر كان على حذف موصوف أي شيئاً قريباً، وقيل: التقدير: قيام الساعة فروعيت «الساعة» في تأنيث «يكون» ورُوعِيَ المضاف المحذوف في تذكير «قريباً» وقيل: «قريباً» أكثر استعماله استعمال الظرف فهو هنا ظرف في موضع الخبر. وقال ابن الخَطِيب: فَعِيلٌ يستوي فيه المذكَّر والمؤنث قال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله قَرِيبٌ مِّنَ المحسنين﴾ [الأعراف: 56] أي لعلَّ الساعةَ تكون قريبةً. فصل المعنى أي شيء يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قياماه أي أنت لا تعرفه لعل الساعة تكون قريباً. وهذا إشارة إلى التخويف، ثم قال: ﴿إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ أي كما أنهم ملعونون في الدنيا عندكم فكذلك هم يلعنون عند الله وأعد لهم سعيراً كما قال: ﴿لَعَنَهُمُ الله فِي الدنيا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ مطيلين المكث فيها مستمرين، وقوله «فِيهَا» أي في السعير لأنها مؤنثة، أو لأنه في معنى «جهنم» ﴿لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ حال ثانية، أو من «خَالِدِينَ» لا يجدون ولياً ولا نصيراً أي لا صديق يشفع لهم، ولا ناصر يدفع عنهم. قوله: «يَوْمَ» معمول «لِخالدين» أو لمحذوف، أو «لنصير» أو «لاذْكُرْ» أو لِ «يقولون» بعده، وقرأ العامة تُقَلأَّبُ - مبنيّاً للمفعول (و) وُجُوهُهُمْ رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن وعيسى والرؤاسي - بفتح التاء - أي تَتَقَلَّب (و) وُجُوهُهُمُ فاعل به، وأبو حيوة نُقَلِّبُ بالنون أي نحن (و) وُجُوهَهُمْ بالنصب. وعيسى تُقَلّب - بضم التاء وكسر اللام - أي السعيرُ أو الملائكةُ وُجُوهَهُمْ بالنصب على المفعول به «يَقُولُون» حال و «يَا لَيْتَنَا» مَحْكيّ. قوله: ﴿تقلب وجوههم في النار﴾ ظهراً لبطن كانا يسحبون لعيها يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولَ في الدنيا. قوله: «سَادَتَنا» قرأ ابنُ عامر في آخرينَ بالجمع بالألف والتاء، قال البغوي على جَمْع الجَمْع، والباقون «سَادَتَنا» على أنه جمع تكسير غير مجموع بألف وتاء، ثم «سادة» يجوز أن يكون جمعاً لسيّد ولكن لا ينقاص لأن «فيْعلاً» لا يجمع على «فَعَلَةٍ» وسادة فعلة، إذ الأصل سَوَدَةٌ، ويجوز أن يكون جمعاً لسائد نحو: فَاجِر وفَجَرَةٍ وكَافِر وكَفَرَةٍ، وهو أقرب إلى القياس مما قبله، وابن عامر جمع هذا ثانياً بالألف والتاء وهو غير مقيس أيضاً نحو: بُيُوتَات، وجَمَالاَتٍ. فصل لما بين أنه لا شفيع لهم يدفع عنهم العذاب بين أن بعض أعضائه أيضاً لا يدفع العذاب عن البعض بخلاف عذاب الدنيا فإن الإنسان يدفع عن وجهه الضربة اتِّقاءً بيده فإن من يقصد رأسه ووجهه يجعل يده جُنَّة لوجهه ووقاية له يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول في الدنيا فيندمون حيث لا تنفعهم الندامة ثم يقولون ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا﴾ أي
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.