الباحث القرآني

قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ﴾ شرط جوابه مقدر باختلاف التفسير في قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ العزة﴾ (فقال مجاهد: معاه) من كان يريد العزة بعبادة الأوثان فيكون تقديره فليطلبها. وقال قتادة: من كان يريد العزة وطريقة القويم ويحِبُّ نَيْلَها على وجهها. فيكون تقديره على هذا فليطلبها. وقال الفراء: مِنْ كَانَ يريد علمَ العرزة فيكون التقدير: فَلْيَنْسب ذلك إلى الله. قويل: من كان يريد العزة لا يعقبها ذلّة. فيكون التقدير: فهو لا يُبَالِهَا. ودل على هذه الأجوبة قوله: ﴿فَلِلَّهِ العزة﴾ وإنما قيل: إن الجواب محذوف وهو هذه الجملة لوجهين: أحدهما: أن العز لله مطلقاً من غير ترتبها على شرط إرادة أحدٍ. والثان: أنه لا بدّ في الجواب من ضي يعود على اسم الشرط إذا كان غير ظرف ولم يوجد هنا ضمير، و «جَميعاً حال، والعامل فيها الاسْتِقْرَارُ. فصل قال قتادة: من كان يريد العزة فليتفرد بطاعة الله عزّ وجلَ - ومعناه الدعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته كما يقال: من كان يريد المال فالمال لفُلان (أي) فليطلبه من عنده ذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزيز كما قال تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ﴾ [مريم: 81 - 82] وقال: ﴿الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ المؤمنين أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ [النساء: 139] . قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَد﴾ العامة على بنائه للفاعل من «صَعَدَ» ثلاثياً «الكَلِمُ الطَّيِّبُ» (برفعهما فاعلاً ونعتاً وعليّ وابنُ مسعود يُصْعِدُ من أصْعَدَ الكَلِمَ الطَّيّبَ) منصوبان على المفعول والنعت وقرئ يُصْعَدُ مبنياً للمفعول. وقال ابن عيطة: قرأ الضحاك يُصْعَد بضم الياء لكن لم يبيّن كونه مبنياً للفاعل او المفعول. فصل قال المفسرون: الكَلِمُ الطَّيب قول لا إله إلا الله. وقيل: هو قول الرجل: سُبْحَان اللَّهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ ولاَ إلَه إلاَّ اللَّهُ أَكْبَرُ. وعن ابن مسعود قال: إذا حَذَّثْتُكُمْ حَديثاً أنبأتكم بِمصْدَاقِهِ من كتاب الله - عزّ وجلّ - ما مِن عبدٍ مسلم يقول خمس كلمات سُبْحَان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ وتبارك الله إلا أحذهُنَّ ملكٌ فَجعَلَهُنَّ تحت جناحه ثم صعد بِهِنَّ، فلا يمرّ بهن على جمع من الملائكة إلاَّ استغفروا لقائلهن حتى يَجِيءَ بهنَّ وَجْهَ ربِّ العالمين ومصداقيه من كتاب الله عزّ وجلّ قوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ وقيل: الكلم الطيب: ذكر الله. وعن قتادة: إليه يصعد الكلم الطيب أي يقبل اللَّهُ الكلمَ الطيب. قوله: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ العامة على الرفع وفيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على» الكَلِمُ الطَّيَّبُ «فيكون صاعداً أيضاً. و» يَرْفَعُهُ» على هذا استئناف إخبار من الله برفعهما. وإنما وَحَّدَ الضمير وإن كان المراد الكلم والعمل ذهاباً بالضمير مذهب اسم الإشارة كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: 68] وقيل: لاشتراكهما في صفة واحدة وهي الصُّعود. والثاني: أنه مبتدأ و «يرفعه» الخبر ولكن اختلفوا في فاعل «يَرْفَعُ» على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه ضمير الله تعالى أي والعمل على الصالح يرفعهُ الله إليه. والثاني: أنه ضمير العمل الصالح وضمير النصب على هذا وجهان: أحدهما: أنه يعود على صاحب العمل أي يرفع صَاحِبَهُ. والثان: أنه ضمير الكلم الطيب أي العمل الصالح يرفع الكلمَ الطيب. ونُقل هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وعكرمة وأكثر المفسرين إلاَّ أنَّ ابن عطية منع هذا عن ابن عباس وقال: لا يصح؛ لأن مذهب أهل السنة أن الكلم الطيب مقبول وإن كان صاحبه عاصياً. والثالث: أن ضمير الرفع للكلم والنصب للعمل أي يرفع العَمَلَ وقرأ ابنُ أبي عَبَلَةَ وعِيسَى بالنّصب الْعَمَلَ الصَّالِحَ على الاشتغال والضمير المرفوع لِلْكَلِم أو لله والمنصوب للْعَمَلِ. فصل قال الحسن وقتادة: الكلمُ الطَّيَّبُ ذكر الله والعمل الصلاح أداء فرائضه، فمن ذكر الله ولم يؤد فرائضه ردّ كلامه على عمله وليس الإيمان بالتمني ولا بالتًّخَلِّي لكمن ما وقَرَ في القلوب وصدقه الأعمال فمن قال حَسَناً وعَمِلَ غير صالح ردّ الله عليه قوله ومن قال حَسَناً وعمل صالحاً رفعه العمل لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ} وقال عليه (الصلاة و) السلام - «لَمْ يَقْبَل اللَّهُ إلاَّ بِعَمَلٍ وَلاَ قَوْلاً وَعَمَلاً إلاَّ بِنِيَّة» . ومن قال الهاء في قوله «يَرفعُهُ» راجعةٌ إلى العمل الصالح أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلا أن يكون صادراً عن التوحيد. وهذا معنى قول الكلبي ومقاتل. وقال سفيان بن عيينة: العمل الصالح هو الخالص يعني أن الإخلاص سبب قبلو الخيرات من الأقولا والأفعال لقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَا﴾ [الكهف: 110] فجعل نقيض العمل الصالح الشِّرك والرياء. قوله: ﴿والذين يَمْكُرُونَ السيئات﴾ «يمكرون» أصله قاصر فعلى هذا ينتصب «السيّئات» على نعت مصدر محذوف أي المكراتِ السيئات أو تعتٍ مضاف إلى (مصدر) أي أصْنَاف المَكْرَاتِ السيئاتِ ويجوز أن يكون «يَمْكُرُونَ» مضمناً معنى يكْسِبُون فينتصب «السيئات» معفولاً به قال الزمخشري ويحتمل أن يقال استعمل المكر استعمال العمل فمعناه تعديته كما قال: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات﴾ [النساء: 18] قال مقاتل: يعني الشرك. وقال أبو العالية: يعني الذين مكروا برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في دار النَّدْوة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ﴾ [الأنفال: 30] . قوله: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ هو مبتدأ و «يبور» خبره والجملة خبر قوله: ﴿وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ﴾ وجوَّز الحَوْفِيُّ وأبو البقاء أن يكون «هو» فصلاً بين المبتدأ أو الخبر وخبره وهذا مردود بأن الفصل لا يقع قبل الخبر إذا كان فعلاً إلاَّ أن الجُرْجَانيِّ جوز ذلك، وجوز أبو البقاء أيضاً أن يكون «هو» تأكيداً وهذا مردود بأن المضمر لا يؤكد الظاهر ومعنى «يَبُور» يَهْلِكُ ويَبْطُلُ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿والله خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ... . الآية﴾ قد تقدم أن الدلائل مع كثرتها منحصرة في قسمين: دلائل الآفاق ودلائل الأنفس كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾ [فصلت: 53] فلما ذكر دلائل الآفاق من المسوات وما يرسل منها من الرياح شرع في دلائل الأنفس وتقدم ذكره مِراراً أن قوله: «مِنْ تراب» إشارة إلى خلق آدم «ثُمَّ مِنْ نُطْفِةٍ» إشارة إلى خلق أولاده. وتقدم أن الكلام غير محتاج إلى هذا التأويل بل خلقكم خطاب مع الناس وهم أولاد آدم، وكلهم من تراب ومن نطفة لأن كلهم من نطفة والنطفة من غذاء والغذاء (ينتهي) بالآخرة إلى الماء والتراب فهو من تراب صار نطفة «ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ذُكْرَانا وإنَاثاً» . قوله: ﴿﴾ من مزيدة في «أُنْثَى» وكذلك في: «مِنْ مُعَمَّرٍ» إلا أن الأول فاعل وهذا مفعول قام مقامه و «إلاَّ بِعِلْمِهِ» حال أي إلاَّ مُلْتبِسَةً بعِلْمِهِ. قوله: ﴿مِنْ أنثى﴾ في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه يعود على «مُعَمَّر» آرخ لأن المراد بقوله: «مِنْ مُعَمَّر» الجنس فهو يعود عليه لفظاً لا معنى، لأنه بعد أن فرض كونُه معمراً استحال أن يَنْقص مِنْ عُمُرِهِ نفسه كقوله: 4155 - وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَتْلَ فَحْلِهِم ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَه فهو سَارِبُ ومنه: عندي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ أي ونصف درهم آخر. والثاني: أنه يعود على «مُعَمَّر» لفظاً ومعنى. أنه إذا مضى من عمره حول أُحْصِيَ وكُتِبَ ثم حول آخر كذلك فهذا هو النقص. وإليه ذهب ابن عباس وابن جبير وأبُو مالكٍ؛ ومنه قول الشاعر: 4156 - حياتك أنْفَاسٌ تُعَدُّ فَكُلما ... مَضَى نَفَسٌ مِنْكَ انْتَقَصْتَ بِهِ جُزْءَا وقرأ يعقوب وسلاَّم - وتروى عن أبي عمرو - ولا يَنْقُصُ مبنياً للفاعل وقرأ الحَسَنُ: مِنْ عُمْرِهِ بسكون المِيم. فصل معنى «وما يعمر من معمر» لا يطول عمره ولا ينقص من عمره أي من عرم آخر كما يقال: لفلانٍ عندي درهم ونصفه أي ونصف درهم آخر «إلا في كتاب» وقيل: قوله ولا نيقص من عرمه ينصرف إلى الأول. وقال سعيد بن جبير: مكتوب في أم الكتاب عمر فلان كذا وكذا سنة ثم يكتب أسفل (من) ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره. وقال كعب الأحبار حين حضر الوفاة عمر: والله لو دعا عمر ربه أن يؤخر أجله لأخر فقيل له: إن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34] فقال: هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد و (أن) يَنْقُصَ، وقرأ هذه الآية. فصل «وما تحمل من أنثى ولا تضع» إشارة إلى كمال قدرته فإن ما في الأرحام قبل التخليق بل بعده ما دام في البطن لا يعلم حاله أحد كيف والأم الحامل لا تعلم منه شيئاً فلما ذرك بقوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ كمال قدرته بين بقوله: {ما تَحْمِلُ من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} كمال علمه. ثم بين نفوذ إرادته بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ فبين أنه هو القادرُ العليم المريد والأصنام لا قدرة لها (ولا علم) ولا إرادة فكيف يستحق شيء منها العبادة. ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي الخلق من التراب. ويحتمل أن يكون المراد إن التعمير والنقصان على الله يسير. ويحتمل أن يكون المراد: إن العمل بما تحمله الأنثى يسير والكل على الله يسير. والأول أشبه لأن استعمال اليسير في الفعل أليق. قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران﴾ يعني العذب والملح ثم ذكرهما فقال: ﴿هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ طيب «سَائغٌ شَرَابُهُ» جائز في الحلق هنيء «وَهَذا مِلْحٌ أجَاجٌ» شديد الملوحة. وقال الضحالك: هو المُرُّ. قوله: ﴿سَآئِغٌ شَرَابُهُ﴾ يجوز أن يكون متبدأ وخبراً، والجملة خبر ثانٍ وأن يكون «سائغٌ» خبراً و «شرابه» فاعلاً به لأنه اعتمد وقرأ عيسى - ويوى عن أبي عمرو وعاصم - سَيِّغٌ مثل سيِّد وميِّت وعن عيسى بتخفيف يائه كما يخفف هَيِّن ومَيِّت. وقرأ طلحة وأبو نُهَيْك ملحٌ بفتح الميم وكسر اللام، فقيل: هو مقصور من مَالِحٍ ومالٍح لغَيَّة شاذة. قويل: مَلِح بالفَتْح والكسر لُغَةٌ في مِلْحٍ، بالكسر والسكون. فصل قال أكثر المفسرين: إن المراد من الآية ضرب المثل في حق الكفر والإيمان أو الكافر والمؤمن فالإيمان لا يُشَبَّه بالكفر كما لا يشبه البحر العَذْبُ الفراتُ بالبحر المَلِح الأجاج ثم على هذا فقوله: ﴿وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ فالبيان أن حال الكافر والمؤمن أو الكفر والإيمان دون حال البحرين لأن الأجاجَ يشارك الفُرَاتَ في خير ونفع إذ اللحمُ الطريُّ يوجد فيهما والحِلْية تؤخذ منها والفُلْكُ تجري فيهما ولا نفع في الكفر والكافر. وهذا على نَسَقِ قوله تعالى: ﴿أولئك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179] وقوله: ﴿كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء﴾ [البقرة: 74] قال ابن الخطيب: والأظهر أن المراد من ذكر دليل آخر على قدرة الله تعالى وذلك من حيث إن البحرين يَسْتَوِيَانِ في الصورة ويختلفان في الماء، فإن أحدهما فُراتٌ والآخر مِلْح أُجَاج ولولا ذلك بإيجاب مُوجِب لما اختلفت المستويان ثم إنهما بعد اختلافهما يوجد منهما أمور متشابهة فإن اللحم الطريَّ يوجد فيهما والحِلْية تؤخذ منهما ومن يوجد من المتشابهين اختلافاً ومن المختلفين اشتباهاً لا يكون إلا قادراً مختاراً فقوله: ﴿َمَا يَسْتَوِي البحران﴾ إشارة إلى أن عدم استوئهما دليل على كمال قدرته ونفوذ إرادته. فصل قال أهل اللغة: لا يقال لماء البحر إذا كان فيه مُلُوحَةٌ مالحٌ وإنما يقال له: مِلْح. وقد يذكر في بعض كتب الفقه يَصِيرُ بها ماءُ البَحْرِ مَالِحاً. ويؤاخذ قائله (به) وهو أصح مما يذهب إليه القوم وذلك لأن الماء العذب إذا ألقي فيه مِلْح حتى مَلَحَ لا يقالُ له إلا مالح. وماء مِلْحٌ يقال للماء الذي صار من أصل خِلْقَتِهِ كذلك لأن المَالِحَ شيء فيه مِلْحٌ ظاهر في الذَّوْق والماء الملح ليس ماءً ومِلْحاً بخلاف الطعام المالح فالماء العذب المُلْقَى فيه المِلْح ما فيه ملح ظاهر في الذَّوْق بخلاف (ما هو مِلْحٌ ظاهر في الذَّوْقِ بخلاف) ما هو من أصل خلقته كذلك (فلما) قال الفقيه: الملحُ أجزاء أرضيَّة سَبِخَة يصير بها ماءُ البَحْرِ مالحاً راعى فيه الأصل فإنه جعله ماءً جاوره مِلْحٌ. وأهل اللغة حيث قالوا في البحر ماؤه مِلْحٌ جعلوه كذلك من أصل الخلقة والأجَاجُ المُرُّ كما تقدم. قوله: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً﴾ من الطَّيْر والسَّمَك من العَذْب والملح جميعاً «وتَسَتْخَرِجُونَ حِلْيَةً» يعني من الملح دون العذب «تَلْبَسُونَها» من اللُّؤْلُؤ والمَرجَان. وقيل: نسب اللؤلؤ إليهما لأنه قد يكون في البحر الأجاج (عيون) عذبة تمتزج بالملح فيكون اللؤلؤ من ذلك. وقرئ «الفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ» أي ماخرات تَمْخُر البحر بالجَرَيَان أي تشُقّ جَوَارِي مقبلة ومدبرة بريح واحدة «لِتبَبْغُوا مِنْ فَضْلِهِ» بالتجارة «ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ» الله على نعمة وهذا يدل على أن المراد من الآية الاستدلال بالبحرين وما فيهما على وجود الله ووحدانيته وكمال قدرته. قوله: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ وهذا استلال آخر باختلاف الأزمنة وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ جواب لسؤال يذكره المشركون وهوأنهم قالوا اختلاف الليل والنهار بسبب اختلاف القسيّ الواقعة فوق الأرض وتحتها فإن الصيف تكون الشمس على سَمْتِ الرُّؤُوس في بعض البلاد المائلة الآفاق وحركة الشمس هناك مائلة فتقع تحت الأرض أقل من نصف دائرة فيقل زمان مكثها تحت الأرض فيقْصُرُ الليل وفي الشتاء بالضَّدّ فيقصر النهار فقال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾ يعني سبب الاختلاف وإن كان ما ذكرتم لكن سير الشمس والقمر بإرادة الله وقدرته فهو الذي فعل ذلك «كُلُّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسمَّى» . قوله: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُم﴾ ذلكم مبتدأ و «الله» خبره و «ربكم» خبر ثانٍ أو نعت لله. وقال الزخشري: ويجوز في حكم الإعراب إيقاع اسمالله صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و «ربكم» خبر لولا أن المعنى يأباه وردهُ أبو حيان بأن «اللَّهَ» علم لا جنس فلا يُوصَفُ به. ورد قوله إنّ المعنى يأباه قال: لأنه يكون قد أخبر عن المُشِار إليه بتلك الصفات أنه مَالِكُكُمْ ومُصْلِحُكُمْ. فصل المعنى ذلك الذي فعل هذه الأشياء من فَطْرِ السَّمَواتِ والأرض وإرْسَالِ الأرواح وخَلْقِ الإنسان من ترابٍ وغيرذلك له الملك كله فلا معبود إلا هو فإذا كان له الملك كله فله العبادة كلها. ثم بين ما ينافي صفة الإلهية فقال: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ يعني الأصنام ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِير﴾ قوله: ﴿والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ العامة على الخطاب في «تَدْعُونَ» لقوله: «رَبُّكُمْ» وعيسى وسَلاَّم ويعقوبُ - وتُرْوَى عن أبي عمرو - بياء الغيبة إمَّا على الالتفات وإمَّا على الانتقال إلى الإخبار. والفرق بينهما أن يكون في الالتفات المراد بالضميرين واحداً بخلاف الثاني فإنهما غَيْرَانِ و «يَمْلِكُونَ» هو خبر الموصول و «مِنْ قِطْمِير» مفعول به؟ و «مِنْ» فيه مزيدة والقطمير المشهور فيه أنه لُفَافَهُ النَّواة. وهو مَثَلٌ في القِلَّةِ كقوله: 4157 - وَأبُوكَ يخْصِفُ نَعْلهُ مُتَوَرِّكاً ... مَا يَمْلِكُ المِسْكِينُ مِنْ قِطْمِير وقيل: هو القُمْعُ وقيل: ما بين القُمْع والنَّواة وقد تقدم أن النَواةَ أربعة أشياء يضرب بها المثل في القِلَّة: الفتيل وهو ما في شقِّ النَّواة، والقطمير وهو اللفافة والنَّفيرُ والثفروقُ وهو ما بين القُمْعِ والنَّواةِ. قوله: ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ﴾ يعني الأصنام «وَلَو سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ» وهذا إبضال لما كانوا يقولون: إن في عبادة الأصنام عزّة من حيث القرب منها والنظر إليها وعرض الحوائج عليها والله لا يرى ولا يصل إليه أحد فقلا مجيباً لهم: إن هؤلاء لا يسمعون كما تظنون فإنهم كانوا يقولون: إن الأصنام تسمع وتعلم ولكن لا يمكنهم أن يقولون بأنها تجيب لأن ذلك إنكار للمحسوس فقال: ﴿َلَوْ سَمِعُواْ﴾ كما تظنون «مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ» . قوله: ﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي يَتَبرءُون منكم ومن عبادتكم إيَّاها ويقولون «مَا كُنْتُم إيَّانا تَعْبُدُونَ» واعلم أنه لما بين عدم النفع فيهم في الدنيا بين عدم النفع فيهم في الآخرة ووجود الضرر منهم في القيامة بقوله: {وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.