الباحث القرآني

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ قيل: الخطاب للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وفيه حمكة وهي أن اله تعالى لما ذكر الدلائل ولم ينتفعوا قطع الكلام منهم والنعت إلى غيرهم كما أن السيد إذا نصح بعض عبيده ولم ينزجر يقول لغيره: اسمع ولا تكمن مثل هذا. ويكرر معه ما ذكره للأول ويكون فيه إشْعار بأنه الأول فيه نقيصه لا يصلح للخطاب فينبّه له ويدفع عن نفسه تلك النقيصة وأيضاً فلا يخرج إلى كلام أجنبيِّ عن الأول بل يأتي بما يقاربه لئلا يسمع الأول كلاماً آخر فيترك التفكر فيهما كان من النصيحة. قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ هذا التفات من الغيبة إلى التكلم وإنما كان كذلك لأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء و «مُخْتلِفاً» نعت «لَثَمَرَاتٍ» و «ألوانها» فاعل به ولولا لأنَّث «مختلفاً» ولكنه لما أسند إلى جميع تكسير غير عاقل جاز تذكيره ولو أنت فقيل مختلفة كما يقول اختلفتْ ألوانُها لجاز. وبه قرأ زيدُ بن علي. قوله: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ﴾ العامة على ضم الجيم وفتح الدال جمع «جُدَّةٍ» وهي الطريقة قال ابن بحر: قِطَعٌ من قولك: جَدَدْتُ الشَّيْءَ قَطَعْتُهُ وقال أبو الفضل الرازي: هي ما يخالق من الطرائق لون ما يليها ومنه جُدّة الحمار للخط الذي في ظهره وقرأ الزُّهْرِيُّ جُدُد بضم الجيم والدال جمع جَدِيدَةٍ يقال: جَدِيدَة وجُدُد وجَدَائِدُ، قال أبو ذؤيب: 4158 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... جَوْنُ السَّرْاةِ لَهُ جَدَائِدُ أَرْبَعُ نحو: سِفِينةٍ وسُفُنٍ وسَفَائِنَ. وقال أبو الفضل: جمع جديد بمعنى: آثار جديدة واضحة الألوان وعنه أيضاً جَدَدٌ بفتحهما، ورد أبو حاتم هذه القراءة من حيث الأثَرِ والمعنى وقد صححها غيره وقال: الجَدد الطريق الواضح البيِّن، إلا نه وضع المفرد موضع الجمع إذ المراد الطرائق والخطوط. قوله: ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ مختلف صفة «لجُدَد» أيضاً، «ألوانها» فاعل به كما تقدم في نظيره ولا جائز أن يكون «مُخْتَلِفٌ» خبراً مقدماً و «ألوانها» مبتدأ مؤخر والجملة صفة؛ إذ كان يجب أن يقال مختلفة لِتَحَمُّلِهَا ضمير المبتدأ وقوله: ﴿أَلْوَانُهَا﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن البياض والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعف فرُبَّ أبْيَضَ أشدَّ من أبْيَضَ وأحْمَرَ أشدَّ من أحْمَرَ فنفيس البياض مختلف وكذلك الحمرة فلذلك جمع ألوانها فيكون من باب المُشْكِل. والثاني: أن الجُدَد كلها على لونين بياض وحرمة فالبياض والحرمة وإن كان لونين إلا أنهما جمعا باعتبار مَحَالِّهِمَا. قوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه معطوف على «حُمْرٌ» عطفُ ذِي لَوْنٍ على ذِي لَوْنٍ. والثاني: أنه معطوف على «بيض» . الثالث: أنه معطوف على «جدد» ، قال الزمخشري: معطوف على بيض (أَ) وعلى «جدد» كأنه قيل: ومن الجبال مُخَطّط ذُو ومنها ما هو على لون واحدٍ. ثم قال: ولا بد من تقدير حذف مضاف في قوله: «ومن الجبال جدد» بمعنى ومن الجبال ذُو جُدَد بيضٌ وحمرٌ وسودٌ حتى يؤول إلى قول: وَمِنَ الْجِبَالِ مختلف ألوانها «كما قال ﴿ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا﴾ ولم يذكر بعد غرابيب سود (مختلفاً ألوانها) كما ذكر ذلك بعد» بيض وحمر «لأن الغِرْبِيبَ هو البَالِغُ في السواد فصار لوناً واحداً غير متفاوت بخلاف ما تقدم. وغرابيب: جمع غِرْبيب وهو الأسود المتناهي في السواد. فهو تابع للأسود كقانٍ وناصع وناضر ويَقَقٍ، فمن ثم زعم بعضهم أنه في نية التأخير ومن مذهب هؤلاء أنه يجوز تقديم الصة على موصوفها وأَنْشَدُوا: 4159 - والْمُؤْمِنِ العَائِذَاتِ الطَّيْرِ يَمْسَحُهَا..... ... ... ... ... ... ... . . يريد: والمؤمن الطيْرَ العَائِذَاتِ، وقول الآخر: 4160 - وبالطَّوِيل العُمْرِ عُمْراً حَيْدَرَا..... ... ... ... ... ... ... ... . يريد: وبالعمر الطويل. والبصريون لا يرون ذلك ويخرجون هذا وأمثاله على أن الثَّاني بدلٌ من الأول» فسودٌ والطيرُ والعمرُ «أبدالٌ مما قبلها وخرَّجها الزَّمَخْشَريُّ وغيرهُ على أنه حذف الموصوف وقامت صفته مَقَامه وأن المذكور بعد الوصف دال على الموصوف قال الزمخشري: الغِرْبيبُ تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد كقولك أصفرُ فاقعٌ وأبيضُ يَقَق، ووجهه أن يضمر المؤكد قبله فيكون الذي بعده تفسيراً لما أضمر كقوله:» والْمؤْمِن العَائِذَات الطَّير» وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار، يعني فيكون الأصلُ وسودٌ غرابيبُ سود والمؤمن الطير العائذات الطير. قال أبو حيان: وهذا لا يصح إلا على مذهب من يُجَوِّز حذفَ المؤكد ومن النحويين من منعه وهو اختيار ابن مالك قال شهاب الدين: ليس هذا هو التوكيد المختلف في حذف مؤكده لأن هذا من باب الصّفة والموصوف ومعنى تسمية الزمخشري لها تأكيداً من حيث إنَّهَا لا تفيد معنى زائداً إنما تفيد المبالغة والتوكيد في ذلك اللون والنحويون قد سموا الوصف إذا لم يفد غير الأول تأكيداً فقالوا وقد يجيء لمجرد التوكيد نحو: ﴿نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: 23] و ﴿إلهين اثنين﴾ [النحل: 5] والتوكيد المختلف في حذف مؤكده إنما هو في باب التوكيد الصَّنَاعِيّ. ومذهب سيبويه جوازه، أجاز: «مَرَرْتُ بأَخْوَيْك أَنْفُسُهَما» بالنصب والرفع على تقدير أَعْيُنِهِما أنْفُسِهما أو هُمَا أَنْفُسُهُمَا فأين هذا من ذاك إلا أنه يشكل على الزمخشري هذا المذكور بعد» غرابيب «ونحوه بالنسبة إلى أنه جملة مفسراً لذلك المحذوف وهذا إنما عهد في الجمل لا في المفردات إلا في باب البدل وعطف البيان فبأي شيء يسميه؟ والأولى فيه أن يسمى توكيداً لفظياً إذ الأصل سود غرابيب سود. قوله: «مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ» «مُخْتَلِف» نعت لمنعوت محذوف هو مبتدأ والجار قبله خبره أي ومِنَ النَّاس صِنْفٌ أو نَوْغٌ مختلف ولذلك عمل اسم الفاعل كقوله: 4161 - كَناطحٍ صَخْرَةً لِيَفْلِقَهَا..... ... ... ... ... ... ... ... . وقرأ ابن السَّمَيْقَع ألوانها وهو ظاهر وقرأ الزهري «وَالدَّوَابِ» خفيفة الباء هرباً من التقاء ساكنين كما حرك أولهما في الضّالين وجانَّ. فصل قال ابن الخطيب في الآية لطائف الأولى: قوله: «أَنْزَلَ» وقال: «أَخْرَجْنَا» وفائدته أن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ فإن كان جاهلاً يقول نزول الماء بالطبع لثقله فيقال له فالإخراج لا يمكنك أن تقول فيه إنه بالطبع فهو بإرادة الله فلما كان ذلك أظهره أسنده إلى المتكلم. وأيضاً فإن الله تعالى لما قال إن الله أنزل علم الله بالدليل وقرب التفكير فيه إلى الله فصار من الحاضرين فقال: أخْرَجْنَا، لقربه وأيضاً فالإخراج أتم نعمة من الإنزال، لأن الإنزال لفائدة الإخارج فأسْنَدَ (تعالى) الأتمَّ إلى نفسه بصيغة المتلكم وما دونه بصيغة المخاطب الغائب. الثانية: قال تعالى: ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ كأَنَّ قائلاً قال: اختلاف الثمرات لاختلاف البقاع ألا ترى أن بعض النباتات لا تَنْبُتُ ببعض البلاد كالزَّغْفَرَانِ فقال تعالى: اختلاف البِقاع ليس إلا بإرادة الله (تعالى) وإلا فلم صار بعض الجبال فيه مواضع حمرٌ ومواضع بيضٌ. فإن قيل: الواو في «وَمِنَ الْجِبَالِ» ما تقديرها؟ هي تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون للاستئناف كأنه تعالى قال: «أخْرَجْنَا بالماء ثمراتٍ مختلفة الألوان وفي الجبال جدد بيض دالة على القدرة الرادة على من ينكر الإرادة في اختلاف ألوان الثمار. ثانيهما: أن تكون للعطف والتقدير وخُلِقَ مِن الجبال جددٌ» بِيضٌ» . قال الزمخشري: أراد ذُو جُدَدٍ. الثالثة: ذكر الجبال ولم يذكر الآية في (الأرض) كما قال في موضع آخر: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4] مع أن هذا الدليل مثل ذلك وذلك لأن الله تعالى لما ذكر في الأول: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ كان نفس إخراج الثِّمار دليلاً على القدر ثمر زاد عليه بيناناً وقال: «مختلفاً» كذلك في الجبال في نفسها دليل القدرة والإرادة لكن كون الجبل في بعض نواحي الأرض دون بعضها وكون بعضها أخفض وبعضها أرفع دليل القدرة والاختيار. ثم زاد بياناً وقال: «جُدَدٌ بِيضٌ» أي دلالتها بنفسها هي دالة باختلاف ألوانها كما أن إخراج الثمرات في نفسها دلائل واختلاف ألوانها دليل. الرابع: قوله: «مُخْتَلِفاً ألوانها» الظاهر أن الاختلاف راجعٌ إلى كل لون أي بيض مختلف أولانها وحمر مخلتف ألوانها لأن الأبيض قد يكون على لون الجِصّ وقد يكون على لون التُّراب الأبيض وبالجلمة فالأبيض تتفاوت درجاته في البياض وكذلك الأحمر تتفاوت درجاته في الحمرة ولو كان المراد البيض والحُمْر مختلف الألوان لكان لمجرد التأكيد والأول أولى. وعلى هذا ذكر «مختلفٌ ألوانها» في البيض والحمر وأخر «السود الغرابيب» لأن الأسود لما ذكره مع المؤكد وهو الغِرْبيب يكون بالغاً غايةَ السواد فلا يكون فيه اختلافٌ. قوله: ﴿وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام﴾ استدلال آخر على قدرة الله إرادته فكان تعالى قسم الدلائل دلائل الخلق في هذا العالم وهو عالم المركبات قسمين حيوان وغير حيوان وهو إما نبات وإما معدِن والنبات أشر فأشار إليه بقوله: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾ ثم ذكر المعدن بقوله: ﴿وَمِنَ الجبال﴾ ثم ذكرالحيوان وبدأ بالأشرف منها وهو الإنسان فقال: «ومن الناس» ثم ذكر الدواب، لأن منافعها في حياتها والأنعام منفعتها في الأكل منها أو لأن الدابة في العرف تُطْلَقُ على الفَرَس وهو بعد الإنسان أشرف من غيره. وقوله: «مختلف ألوانه» القول فيه كما تقدم أنها في أنفسها دلائل كذلك باختلافها دلائل. وقوله: «مختلف ألوانه» مذكراً؛ لكون الإنسان من جملة المذكرو فكان التذكير أولى. قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه بما قبله أي مُخْتَلِفٌ اخْتِلاَفاً مِثْلَ الاختلاف في الثَّمرات والجُدَد والوقف على «كَذَلِكَ» . والثاني: أنه متعلق بما بعده والمعنى مثل ذلك المطر والاعتبار بمَخْلُوقات الله واختلاف ألوانها يخشى اللَّهَ العلماءُ. وإلى هذا نحا ابنُ عَطِيَّةَ. وهو فاسد من حيث إن ما بعد «إنَّمَا» مانع من العمل فيها قبلها وقد نَصَّ أبو عمرو الدَّانِيُّ على أن الوقف على «كذلك» تام. ولم يحك فيه خِلاَفاً. قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله﴾ العامة على نصب الجلالهِ ورفع «العلماء» وهي واضحة. وقرأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزَ وأَبُو حَنِيفَةَ - فيما نقله الزمخشريّ - وأبو حيوة - فيما نقله الهذلي في كامله - بالعكس. وتُؤُوِّلَتْ على معنى التعظيم أي إنما يعظم اللَّهُ من عباده العلماء وهذا القراءة شبيهة بقراءة: «وإذا ابْتَلَى إبْرَاهِيمُ رَبَّهُ» برفع إبْرَاهِيمَ ونصب «رَبَّهُ» . فصل قال ابن عباس: إنما يخافُني مِنْ خَلْقي من عَلِمَ جَبَرُوتِي وعِزَّتِي وسُلْطَاني. واعلم أنَّ الخشيبة بقدرمعرفة المخشي والعالم يعرف الله فيخافه ويرجوه. وهذا دليل على أنَّ العالمَ أعلى درجةً من العابد؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] بين أن الكرامة بقدر التقوى والتقوى بقدر العلم لا بقدر العلم قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «وَاللَّهِ إنِّي لأَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً» وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً» وقال مسروق: كفى بخشية عِلماً وكفى بالاغترار بالله جهلاً. ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ أي عزيز في ملكه غفور لذنوب عباده فذكر ما يوجب الخوف والرجاء فكونه عزيزاً يوجب الخوف ورفع الجلالة تقدَّم معناه. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ﴾ في خبر «إن» وجهان: أحدهما: الجملة من قوله: ﴿يَرْجُون﴾ أي (إنَّ) التالِينَ يَرْجُونَ و «لَنْ تَبُورَ» صفة «تِجَارةً» و «لِيُوفِّيَهُمْ» متعلق «بِيَرْجُونَ» أوْ «بتَبُور» أو بمحذوف أي فَعَلُوا ذلك لِيَوفِّيَهم، وعلى الوجهين الأولين يجوز أن تكون لام العاقبة. والثاني: أن الخبر «إنَّه غَفُورٌ شَكُورٌ» (و) جوزه الزمخشري على حذف العائد أي غفور لهم وعلى هذا «فَيرجُونَ» حال من «أنْفَقُوا» أي أنْفَقَوا ذلك راجينَ. فصل المراد بالذين يتلون كتابا لله أي قراء القرآن لما بين العلماء بالله وخشيتهم وكرامتهم بسبب خشيتهم ذكر العالمين بكتاب الله العاملين بما فيه فقوله: ﴿يَتْلُونَ كِتَابَ الله﴾ إشارة إلى الذكر وقوله: ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ إشارة إلى العل البدنيّ وقوله: ﴿وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ إشارة إلى العمل الماليّ. وفي الآية حكمة بالغة وهي قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ﴾ إشارة إلى عمل القلب. وقوله: ﴿الذين يَتْلُونَ﴾ إشارة إلى عَمَل اللِّسِّانِ وقوله: ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ إشارة إلى علم الجوارح. ثم إن هذه الأشياء الثلاثة متعلقةٌ بجانب تعظيم الله وقوله: ﴿وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ يعني الشفقة على خلقه. وقوله: ﴿سِرّاً وَعَلاَنِيَة﴾ حَثٌّ على الإنفاق كَيْفَما تهيأ فإن تهيأ سراً فذاك وإلاَّ فَعَلاَنِيَة ولا يمنعه ظنه أن يكون رياء فإن ترك الخير مخافة ذلك هو عين الرياء ويمكن أن يكون المرار بالسِّرِّ الصدقة المطلقة وبالعلانية الزكاة فإن الإعلان بالزكاة كالإعلان بالفرض وهو مستحب. «يرْجُونَ تِجَارةً» هي ما وعد الله من الثواب لَنْ تَبُورَ «لن تفسدّ ولن تَهْلِكَ» لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورهم «جزاء أعمالهم بالثواب» وَيزِيَدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ «قال ابن عباس: يني سوى الثواب ما لم تَرَ عَيْنٌ ولم تسمعْ أذن. ويحتمل أن يزيدهم النظر إليه كما جاء في تفسير الزيادة» إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ «قال ابن عباس: يغفر الذنب العظيم من ذنوبهم ويشكر اليَسَير من أعمالهم وقيل: غفور عند الإبطاء شكور عند إعطاء الزيادة. قوله: ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب﴾ يعني القرآن وقيل: اللَّوح المحفوظ لما بين الأصل (الأول) وهو وجود الله الواحد بالدلائل في قوله: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح﴾ [الروم: 48] وقوله: ﴿واللَّهُ (الذي) خَلَقَكُمْ﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة فقال: ﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب هُوَ الحق﴾ . قوله: ﴿مِنَ الكِتَابِ﴾ يجوز أن تكون للبيان كما يقال: «أَرْسَلَ إلَيَّ فُلاَنٌ مِنَ الثِّيَاب جُملَةً» وأن تكون للجنس وأن تكون لابتداء الغاية كما يقال: «جَاءَانِي كِتَابٌ مَنَ الأمير» وعلى هذا فاكتاب يمكن أن يراد به اللوح يعني الذي أوحينا إليك من اللوح المحفوظ إليك حق، ويمكن أن يراد به القرآن يعني الإرشاد والتبيين الذي أوحينا إليه من القرآن ويمكن أن تكون للتبعيض و «هُو» فصل أو مبتدأ و «مُصَدِّقاً» حال. فصل «هُوَ الحَقُّ» آكد من قول القائل: «الَّذِي أوْحَيْنَاحَقٌّ إلَيْكَ» من وجهين: أحدهما: أن التعريف للخبر يدل على أن الأمر في غاية الظهور لأن الخبر في الأكثر يكون نكرةً. الثاني: أن الإخبار في الغالب يكون إعلاماً بثبوت أمر لا يعرفه السامع كقولنا: «زيد قاَمَ» فإن السامع ينبغي أن يكون عارفاً بزيد ولا يعرف قيامه فيخبره به فإذا كان الخبر معلوماً فيكون الإخبار للتنبيه فيعرِّفان باللاَّمِ كقولنا: «إنَّ زيداً الْعَالِمُ في هذه المدينة» إذا كان علمه مشهوراً وقوله ﴿مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ من الكتب وهذا تقرير لكونه وحياً لأن النبي - عليه (الصلاة و) السلام - لم يكون قارئاً كاتباً وأتَى ببيان ما في كتاب الله ولا يكون ذلك إلا بوحي من الله تعالى. أو يقال: إن هذا الوحي مصدِّقٌ لما تقدم لأن الوحي لو لم يكن موجوداً لكذب موسى وعيسَى - عليهما (الصلاة و) السلام - علم جوازه وصدق ما تقدم في إنزال التوراة. وفي هذه لطيفة وهي أنه تعالى جعل القرآن مصدِّقاً لما مضى، لأن ما مضى أيضاً مصدق له لأن الوحي إذا نزل على واحد جاز أن ينزل على غيره وهو محمد - عليه (الصلاة و) السلام - ولم يجعل ما تقدم مصدقاً للقرآن لأن القرآن كونه معجزة يكفي في تصديقه بأنه وحي وأما ما تقدم فلا بدّ فيه من معجزة تُصَدَّقه ثم قال: «إنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ» خبير بالبواطن بصير بالظواهر فلا يكون الوحي من الله باطلاً لا في الباطن ولا في الظاهر ويمكن أن يكون جواباً لقولهم إنّ القرآن لو ينزل على رجل من القريتين عظيم فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ خِبِيرٌ﴾ يعمل بواطنهم وبصير يرى ظواهِرَهم فاختار مُحَمَّداً ولم يختر غيره كقوله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] . قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا﴾ «الكتاب الذين اصطفينا» مفولا أوْرَثْنَا و «الكتابَ» هو الثاني قدم لشرفه إذ لا لبس وأكثر المفسرين على أن المراد بالكتاب القرآن. وقيل: المراد جنس الكتاب ينتهي إلى الذين اصطفينا من عبادنا وتجويز أن يكون ثم بمعنى الواو وأورثنا كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ [البلد: 17] ومعنى أورثنا أعطينا لأن المثراث عطاء. قال مجاهد. وقيل: أورثنا: أخرنا ومنه الميراث لأنه أخر عن الميِّت ومعناه: أخرنا القرآن من الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهلناكم له. قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ يجوز أن يكون للبيان على معنى إنَّ المُصْطَفينَ هم عبادنا وأن يكون للتبعيض أي إنَّ المصطفين بعضُ عبادنا لا كلهم. وقرأ أبو عِمْرَان الجَوْنِي ويعقوبُ وأبو عمرو - في رواية - سَبَّاق مثال مبالغة. فصل قال ابن عباس: يريد بالعباد أمة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثم قسَّمهم ورتَّبهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات﴾ وروى أسامةُ بن زيد في هذه الآية قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كلهم من هذه الأمة وروى أبو عثمان النهدي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عنبادنا» الآية فقال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - سَابِقُنَا سَابِقٌ وَمُقْتَصِدُنَا نَاجٍ وَظَالمنا مَغْفُورٌ لَهُ. وروى أبو الدَّرْداء قال: سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قرأ هذه الآية «ثُمَّ أُوْرَثنا الْكِتَاب ... .» الآية وقال «أما السابق بالخيرات فيدخُلُ الجنةَ بغير حساب وأما المقتصد فيُحاسَبُ حساباً يسيراً وأما الظالم لنفسه فيجلسُ في المَقام حتى يدخله اللهم ثم يَدْخل الجنة ثم قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الِّذِي أذْهِبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ لَغَفُورٌ شكُورٌ. وقال عقبة بن صهبان: سألت عائشة عن قول الله - عزّ وجلّ -: أورثنا الكتاب الذين اصطفينا الآية. فقالت: يا بُنّيِّ كلُّهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شهد له رسولُ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالخير وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحِقَ به وأما الظالم فمثلِي ومثلُكم. فجعلت نفسها معنا وقال مجاهد والحسن وقتادة: فمنهم ظالم لنفسه هم أصحاب المَشْأمة، ومنهم مقتصد أصحاب المَيْمنَة ومنهم سابق بالخيرات السابقون المقربون من الناس كلهم. وعن ابن عباس قال: السابقُ المؤمن المخلص والمقتصد المرائي والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة. وقيل: الظالم هو الرَّاجِحُ السيئات والمقتصد هم الذي تساوت سَيِّئَاتُهُ وحسناتُهُ والسبق هو الذي رَجَحَتْ حسناته. وقيل: الظالم هو الذي ظاهره خير من باطنه والمقتصد من تساوى ظاهره وباطنه والسابق من باطه خير من ظاهره. وقيل الظالم هو الموحد بلسانه الذي تخالفه جوارحه، والمقتصد هو الموحِّد الذي يمنع جوراحه من المخالفة بالتكليف والسابق هو الموحد الذي ينسيه التوحيد غير التوحيد. وقيل: الظالم صاحب الكبيرة والمقتصد المتعلم والسابق العالم وقال جعفر الصادق: بدأ بالظالم إخباراً أنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه وأن الظالم لا يؤثر في الاصطفاء، ثم ثنى بالمُقْتَصدِ لأنه بين الخوف ولارجاء ثم ختم بالسابق لئلا يأمن أحد مكره وكلهم في الجنة. وقالأبو بكر الوراق: ربتهم على مقامات الناس لأن أحْوالَ العبدِ ثلاثةٌ معصيةٌ وغلفةٌ ثم توبةٌ ثم قرب فإذا عصى دخل في حَيِّز الظالمين وإذا تاب دخل في جملة المقتصدين فإذا صحت له التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة دخل في عِدَاد السابقين. قويل غير ذلك وأما من قال: المراد بالكتاب جنس الكتاب كقوله: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير﴾ [فاطر: 25] فالمعنى أنا أعطيناك الكتاب الذين اصطفينا وهم الأنبياء لأن لفظ المصفطى إنما يطلق في الأكثر على الأنبياء لا على غيرهم ولأن قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ يدل على أن العباد أكابر مكرَّمون لأنه أضافهم إليه ثم المصطفين (منهم) أشرف ولا يليق بمن يكون أشرف من الشرفاء أن يكون ظالماً مع أن لفظ الظالم أطلقه الله في كثير من المواضع على الكافر وسمى الشرك ظلماً. فإن قيل: كيف قال في حق من ذكر في حقه أنه من عباده وأنه مصطفى ظالم مع أن الظالم يطلق على الكافر في كثير من المواضع؟ فالجواب: أن المؤمن عند المعصية يضع نفسه في غير موضعها فهو ظالم لنفسه حال المعصية قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حين يَزْني وَهُوَ مُؤْمِنٌ» الحديث. وقال آدمُ - عليه (الصلاة و) السلام - مع كونه مصطفى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23] وأما الكافر فيضع قبله الذي به اعتماد الجسد في غير موضعه فهو ظالم على الإطلاق وأما قلب المؤمن فمطْمئن بالإيمان لا يضعه في غير التفكير في آلاَءِ الله ووجه آخر وهو أن قوله: «منهم» غيرُ راجع إلى الأنبياء المصطفين بل المعنى: إنّ الذي أويحنا إليك هو الحق وأنت المصطفى كما اصطفينا رسلنا وآتيناهم كتباً «ومنهم» أي ومن قومكم «ظالم» كَفَر بك وبما أنزل إليك ومقتصد أمر به ولم يأت بجميع ما أمر به المراد منه المنافق وعلى هذا لا يدخل الظالم في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ وحمل هذا القائل الاصطفاء على أن الاصْطِفَاء في الخِلقة وإرسال الرسول إليهم وأنزل الكتاب. والذي عليه عامة أهل العلم أن المراد من جميعهم المُؤْمِنُونَ. فصل معنى سابق بالخيرات أي الجنة وإلى رحمة الله بالخيرات أي بالأعمال الصالحة بإذن الله أي بأمر الله وإرادته «ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبيرُ» يعني إيراثهم الكتابَ، ثم أخبر بثوابهم فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ يعين الأصناف الثلاثة. قوله: «جنات عدن» يجوز أن يكون مبتدأ والجملة بعدها الخبر، وأن يكون بدلاً من «الفَضْلُ» قال الزمخشري وابن عيطة إلاَّ أنَّ الزمخشري اعرتض وأجاب فقال: فإن قلت: فكيف جعلت «جنات عدن» بدلاً من «الفضل» الذي هو السبق بالخيرات (المشار إليه بذلك؟ قلت: لما كان السبب في نيل الثواب نزل منزلة المسبب كأنه هو الثواب) فأبدل عنه «جنات عدن» وقرأ زِرّ والزّهري جَنَّةٌ مفرداً والجَحْدَريُّ جناتِ بالنصب على الاشتغال وهي تؤيد رفعها بالابتداء وجوز أبو البقاء أن كون «جنات» بالرفع خبراً ثانياً لاسم الإشارة وأن يكون خبر مبتدأ محذفو وتقدمت قراءة يَدْخُلُونَهَا للفاعل أو المعفول وباقي الآية في الحَجِّ. فصل قيل: المراد بالداخلين الأقسام الثلاثة. وهذا على قولنا بأنهم أقسام المؤمنين. وقيل: الذين يتلون كتاب الله وقيل: هم السابقون وهو أقوى لقرب ذكرهم ولأنه ذكر إكرامهم بقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ والمكرم هو السابق. فإن قيل: تقديم الفالع على الفعل وتأخير المفعول عنه موافق لترتيب المعنى إذا كان المفعول حقيقياً كقولنا: اللَّهُ الِّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وقول القائل: زَيْدٌ بَنَى الجِدَارَ، فإن الله موجود قبل كل شيء ثم له فعل هو الخلق ثم حصل به المفعول وهو السّموات وكذا زيد ثم البناء ثم الجدار من البناء وإذا لم يكن المفعول حقيقاً كقولنا: دخل الداخلُ الدار، وضرب عمراً فإن «الدار» في الحقيقة ليس مفعولاً للداخل وإنما فعله متحقق بالنسبة إلى الدار وكذلك عمرو فعل (من أفعال) زيد تعلق به فسمي مفعولاً ولكن الأصل تقديم الفعل على المفعول ولهذا يعاد الفعلُ المقدّم بالضمير تقول: عَمْراً ضَرَبَهُ زَيْدٌ فتوقعه بعد الفعل بالهاء العائدة إليه وحينئذ يطول الكلام فلا يختاره الحكيم إلا لفائدة فما الفائدة في تقديم «الجنات» على الفعل الذي هو الدخول وإعادة ذكرها بالهاء في «يدخلونها» وما الفرق بني هذا و «بَيْنَ» قوله القائل: يَدْخُلُونَ جَنَّاتِ عَدْنٍ؟ فالجواب: أن السامعَ إذا علم له مدخلاً من المداخل وله دخول ولم يعلم غير المدخل فإذا قيل له: أنت تَدْخُلُ مال إلى أن يسمع الدار والسوق فيبقى متعلق القلب بأنه في أي المداخل يكون. فإذا قيل: «الدّارَ تَدْخُلُهَا» فيذكر الدار يعلم مدخله وبما عنده من العلم السابق بأنه له دخولاً يعلم الدخول فلا يبقى متعلق القلب ولا سيما الجنة والنار فإن بين المُدْخَلِين بوناً بعيداً. قوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ إشارة إلى سرعة الدخول فإن التحلية لو وقعت خارجاً لكان فيه تأخير المدخول فقال: ﴿يَدْحُلُونَها﴾ وفيها يقع تَحْلِيَتُهُمْ، وقوله: «مِنْ أَسَاورَ» بجمع الجمع فإنه جمع «أسْوِرَة» وهي جمع «سِوَار» «مِنْ ذَهَبٍ ولُؤلؤاً» وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾ أي ليس كذلك لأن الإكثار من اللباس يدل على حاجة مَنْ دفع برد أو غيره والإكثار من الزينة لا يدل (إلا) على الغِنَى، وذكر الأساور من بين سائر الحُلِيِّ في مواضع كثيرةٍ كقوله تعالى: ﴿وحلوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: 21] وذلك لأن التحلي بمعنيّيْن: أحدهما: إظهار كون المتحلّي غير مبتذل في الأشْغال لأن التحَلِّي لا يكون (حَالُهُ) حَالَةَ الطبخِ والغُسْلِ. وثانيهما: إظهار الاستغناء عن الأشياء وإظهار القدرة على الأشياء لأن التحلي إما بالآلِئَ والجواهر وإما بالذهب والفضة والتحلِّي بالجواهر واللآلىء يدل على أن المُتَحَلِّي لا يعجز عن الوصول إلى الأشياء الكثيرة عند الحاجة حيث لم يعجز عن الوصول إلى الأشياء العزيزة الوجود لا لحاجة والتحلِّي بالذهب والفضة يدل على أنه غير محتاج حاجة أصلية وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع حاجَتِهِ وإذا عرف هذا فنقول: الأساوِرُ محلّها الأيدي وأكثر الأعمال باليد فإذا حليت بالأساور عُلِمَ الفراغُ من الأعمال. قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ قرأ العامة «الْحَزَنَ» يفتحتين وجَنَاحُ بني حُبَيْشٍ بضم الحاء وسكون الزاي. وتقدم من ذلك أول القصص والمعنى يقولون إذا دخلوا لجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن والحَزَنُ والحُزْنُ واحد كالبَخَلِ والبُخْلِ، قال ابن عباس: حزن النار. وقال قتادة: حزن الموت وقال مقاتل: لأنهم كانوا لا يدرون ما يصنعن بهم. وقال عكرمة: حزن السيئات والذنوب وخوف ردِّ الطاعات وقال القاسم: حزن زوال النعم وخوف العاقبة. وقيل: حزن أهوال يوم القيامة. وقال الكلبي: ما كان يحزنهم في الدنيا من أمر يوم القيامة، وقال سعيد بن جبير: الخبر في الدنيا. وقيل: هم المعيشة، وقال الزجاج: أَذْهَبَ الله عن أهل الجنة كُلَّ الأحزان ما كان منها لمعاشٍ أوم معادٍ. وقال - عليه (الصلاة و) السلام) لَيْسَ عَلَى أهْلِ لاَ إليه إلاّ اللَّه وَحْشَةٌ في قُبُورِهمْ وَلاَ مَنْشَرِهِمْ وَكَأَنِّي بأَهِلِ لاَ إلَه إلاَّ اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَيَقولُون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الِّذِي أَذْهَبَ عنّا الْحَزَنَ ثُمَّ قَالُوا: إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. ذكرالله عنهم أموراً كلها تفيد الكرامة: الأول (أن) الحمد لله فإن الحامد مثاب. الثاني: قولهم: رَبَّنَا فإن اللَّهَ (تعالى) إذا نودي بهذا اللفظ استجاب للمنادى اللهم إلا أن يكون لامادي يطلب ما لا يجوزُ. الثالث: قوله: غفور شكور. والغفور إشارة إلى ما غفر لهم في الآخرة بحَمْدهم في الدنيا، والشكور إشارة إلى ما يعطيهم الله ويزيدهم بسبب حمدهم في الآخرة. قوله: ﴿الذي أَحَلَّنَا﴾ أي أنزلنا «دارَ المُقَامَةِ» مفعول ثانٍ «لأَحَلَّنَا» ولا يكون ظرفاً لأنه مختص فلو كان ظرفاً لتعدي إليه الفعل بفِي والمُقَامَةُ الإقامة. والمفعول قد يجيء بالمصدر يقال: ما له مَعْقُول أي عَقْل. قال تعالى: ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: 80] ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 19] وكذلك المستخرج للإخراج لأن المصدر هو المفعول في الحقيقة فإنه هو الذي فعل (فجاز إقامة المفعول مُقَامَهُ) . فصل في قوله: ﴿دَارَ المقامة﴾ إشارة إلى أن الدنيا منزلة ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة القبور ومن القبور إلى منزلة العَرَصَات التي فيها الجَمْع ومنها التفريق وقد يكون النار لبعضهم منزلة أخرى والجنة دار البقاء وكذا النار لأهلها. قوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ متعلق «بأَحَلَّنَا» و «من» إما لِلْعِلَّة وإما لابتداء الغاية ومعنى فضله أي يحكم وعدد لا بإيجاب من عنده. قوله: ﴿لاَ يَمَسُّنَا﴾ حال من مفعول «أَحَلَّنَا» الأول والثاني، لأن الجملة مشتملة على ضمير كل منهما وإن كان الحال من الأول أظهر والنَّصْبُ التَّعَبُ والمشقَّة، واللُّغُوبُ الفُتُورُ النَّاشِيءُ عنه وعلى هذا فيقال إذا انتفى السَّبَبُ فإذا قيل: لم آكل فيعلم انتفاء الشبع فلا حاجة إلى قوله ثانياً فلم أشبع بخلاف العكس ألا ترى أنه يجوز لم أشبع ولم آكل و (في) الآية الكريمة على ما تقرر من نفي السبب فما فائدته؟ وقد أجاب ابن الخطيب: بأنه بين مخالفة الجنة لدار الدنيا فإن أماكنها على قسمين موضع يمس فيه المشاق كالبَرَاري وموضع يمس فيه الإعباء كالبيوت والمنازل التي في الأسفار فقيل: لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ لأنها ليست مظانَّ المتاعب كدار الدنيا ولا يَمَسُّنَا فيها لغوب أي لا يخرج منها إلى مواضع يتعب ويرجع إليها فيمسنا فيها الإعياء وهذا الجواب ليس بذالك والذي يقال: إن النصب هو تعب البدن واللغوب تعب النفس. وقيل: اللغوب الوجع وعلى هذين فالسؤال زائل وقرأ عليُّ والسُّلَمِيُّ بفتح لام لغوب وفيه أوجه: أحدهما: أنه مصدر على فَعُول كالقَبُول. والثاني: أنه اسم لما يغلب به كالفَطُورِ والسَّحُور. قاله الفراء. الثالث: أنه صفة لمصدر مقدر أي لا يَمَسُّنَا لُغُزبٌ لَغُوبٌ نحو: شعرٌ شاعرٌ وموتٌ مائتٌ وقيل: صفة لشيء غير مقدار أي أمرٌ لَغُوب. قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ عطف على قوله: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله﴾ [فاطر: 29] وما بينهما كلام يتعلق ﴿بالَّذين يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ على ما تقدم. قوله: ﴿فَيَمُوتُوا﴾ العامة على نصبه لحذف النوف جواباً للنفي وهو على أحد مَعْنَيين نَصْبِ: «مَا تَأتِينا فَتُحَدِّثَنَا» أي ما يكون منك إتيان ولا حديثٌ. انتفى السبب وهو الإتيان فانتفى مسببه وهو الحديث. والمعنى الثاني: إثابت الإتيان ونفي الحديث أي ما تأتينا محدِّثاً بل تأتينا غيرَ محدث. وهو لا يجوز في الآية البتّة وقرأ عيسى والحسن «فَيَموتُونَ» بإثبات النون قال ابن عطية: وهي ضعيفة قال شهاب الدين وقد وَجَّهَهَا المَازِنيُّ على العطف على «لاَ يُقْضَى» أي لا يُقْضَى عليهم فلا يموتون. وهو أحد الوجهين في معنى الرفع في قولك: مَا تَأتِيناً فَتُحَدِّثُنَا أو انتفاء الأمرين معاً كقوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المراسلات: 36] أي فَلاَ يَعْتَذِرُونَ. و «عَلَيْهِمْ» قائمٌ مَقَامَ الفالع وكذلك «عَنْهُمْ» بعدَ «يُخَفِّفُ» ويجوز أن يكون القائم «مِنْ عَذَابِهَا» و «عَنْهُمْ» منصوب المحل، ويجوز أن يكون «مِنْ» مزيدةً عند الأخفش فيتعين قيامه مقام الفاعل لأنه هو المفعول به وقرأ أبو عمرو - في روايةٍ - ولا يُخَفِّفْ بسكون الفاء شبه المنفصل بعَضْدٍ كقوله: 4162 - فَالْيوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... . فصل ﴿لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ أي لا يَهْلِكُون فيستريحوا كقوله: ﴿فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15] أي قَتَله. لاَ يَقْضِي عليهم الموت فيموتوا كقوله: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] أي الموت فنستريح بل العذاب دائم «ولا يخفف عنهم من عذابها أي من عذاب النار. وفي الآية لطائف: الأولى: أن العذاب في الدنيا إن دام قتل وإن لم يَقْتُلْ يَعْتَادُهُ البدن ويصير مِزَاجاً فاسداً لا يحسّ به المعذب فقال عذاب نار الآرخرة ليس كعذاب الدنيا إما أن يفني وإما أن يألَفَهُ البَدّنُ بل هو في كل زمان شديد والمعذب فيه دائم. الثانية: دقيق العذاب بأنه لا يفتر ولا ينقطع ولا بأقوى الأسباب وهو الموت حتى يتمنوه ولا يُجَابُون كما قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77] أي بالموت. الثالث: ذكر في المعذبين الأشقياء بأنه لا ينقصُ عذابهم ولم يقل: يزيدهم، وفي المثابين قال: ﴿يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ . قوله: ﴿كَذلِكَ﴾ إما مرفوع المحل أي الأمر كذلك، وإما منصوبة أي مِثْلُ ذلِكَ الجَزَاءِ يُجْزَى وقرأ أبو عمرو» يُجْزَى «مبنياً للمعفول كُلُّ رفع به والباقون نَجْزِي بنون العظمة مبنياً للفاعل كُلَّ مفعول به. والكَفُور الكافر. قوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ﴾ يستغيثون ويصيحون» فِيهَا «وهو يَفْتَعِلُون من الصَّراخ وهو الصِّياح. وأبدلت الفاء صاداً لوقوعها قبل الطاء،» يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرجْنَا مِنْهَا «من النار فقوله:» ربنا «على إضمار القول وذلك القول إن شئت قدرته فعلاً مفسراً ليَصْطَرِخُونَ أي يقولون في صراخهم كما تقدم وإن شئت قدرته حالاً من فالع» يصطرخون «أي قَائِلينَ ربَّنا. قوله: ﴿صَالِحاً غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَل﴾ يجوز أن يكونا نَعْتَيْ مصدر محذوف أي عملاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكونا نعتي مفعول به محذوف أي نعمل شيئاً صالحاً غير الذي كنا نعمل وأن يكون» صالحاً «نعتاً لمصدر و» غيرا لذي كنا نعمل» هو المفعول به. وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: فهلا اكتفي بصالِحاً كما اكتفي به في قوله: فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً؟ وما فائدة زيادة غير الذي كنا نعمل؟ على أنه يوهم أنهم يعملون صلاحاً آخر غير الصالح الذي عملوه؟ قلتُ: فائدته زيادة التحسرّ على ما عملوه من غير الصالح مع الاعتراف به وأما الوهم فزائل بظهور حالهم في الكفر وظهور المعاصي ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: 104] فقالوا: أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِجاً غَيْرَ الِّذي كُنَا نَحْسَبُهُ صَالِحاً قوله: «أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ» (أي فيقول لهم توبيخاً: أو لم نعمركم أي عَمَّرْنَاكُمْ مِقْداراً يمكن التذكرُ فيه. قوله: ﴿مَّا يَتَذَكَّرُ﴾ جوزوا في «ما» هذه وجهين: أحدهما: ولم يحك أبو حيان غيره -: أنها مصدرية طرفية قال: أي مُدَّةَ تَذَكُّر، وهذه غلط لأن الضمير (في) يمنع ذلك لعوده على» ما «ولم يَقُلْ باسمية ما المصدرية إلا الأخْفَشُ وابنُ السِّرِّاجِ. والثاني: أنها نكرة موصوفة أي تَعَمُّراً يُتّذَكَّرُ فيه أو زماناً يُتَذَكَّرُ فيه. وقرأ الأعمش ما يذَّكَّرُ بالإدغام من» اذَّكَّر» قال أبو حيان: بالإدغام واجتلاب همزة الوصل ملفوظاً بها في الدَّرج وهذا غريب حيث أثبت همزة الوصل مع الاستغناء عنها إلاَّ أَنْ يكون حافَظَ على سكون «من» وبيَان ما بعدها. فصل معنى قوله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ قيل: هو البلوغ. وقال قتادة وعطاء والكلبي: ثماني عشرة سنة وقال الحسن: أربعون سنة. وقال ابن عباس: ستون سنة. رُويَ ذلك عن عَلِيِّ وهو العمر الذي أَعْذَرَ الله إلى ابن آدم. قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «أعْذَرَ اللَّهُ إلَى آدَم امْرىءٍ أخَّر أَجَلَهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً» وقال عليه (الصَّلاَةُ و) السلام -: «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوز ذَلِكَ» . قوله: ﴿وَجَآءَكُمُ﴾ عطف على «أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ» ؛ لأنه في معنى قَدْ عَمَّرناكُمْ كقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ [الشعراء: 18] ثم قال: وَلَبِثْتَ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ﴾ [الشرح: 1] ثم قال: ﴿وَوَضَعْنَا﴾ [الشرح: 2] إذْ هما في معنى رَبَّيْنَاك وشَرَحْنا، والمراد بالنَّذير محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في قول أكثر المفسرين. قويل: القرآن. وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع: هو الشيب والمعنى أو لم نعركم حتى شِبْتُم. ويقال: الشَّيْبُ نذير الموت. وفي الأثر: مَا مِنْ شَعْرَةٍ تَبْيَضُّ إلاَّ قَالَتْ لأُخْتِهَا: اسْتَعِدِّ] فَقَدْ قَرُبَ الْمَوتُ وقرئ: النّذُر جمعاً. قوله: ﴿فَذُوقُواْ﴾ أمر إهانة «فَمَا» لِلظّالِمينَ «الذين وضعوا أعمالهم وأقوالهم في غير موضعها.» مِنْ نَصيرٍ «في وقت الحاجة ينصرهم، و» من نصير» يجوز أن يكون فاعلاً بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ مخبراً عنه بالجار قبله. قوله: ﴿إِنَّ الله عَالِمُ غَيْبِ السماوات والأرض﴾ قرأ العامة عَالِمُ غَيْبِ على الإضافة تخفيفاً وجَنَاحُ بْنُ جبيش بتنوين عالم ونصبب (غيب) إنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور. وهذا تقرير لدوامهم في العذاب وذلك من حيث إن الله تعالى لما أعلم أنّ جزاءَ السِّيئة سيئة مثلها ولا يزاد عليها فلو قال (قائل) : الكافر ما كفر بالله إلا أياماً معدودة فينبغي أن لا يعذَّب إلا مثل تلك الأيام فقال: غن اله لا يخفى عليه غيب السموات والأرض فلا يخفى عليه ما في الصدور وكان يعلم من الكافر أن في قلبه تَمَكُّنَ الكُفْرِ لو دام إلى الإبد لما أطاع الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.