الباحث القرآني

مكية وهي ثلاث وثمانون آية، وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة، وثلاثة آلاف حرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: قوله: ﴿يس﴾ بسكون النون. وأدغم النون في الواو بعدها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وحفص وقالون وورش بخلاف عنه. وكذلك النون من «نون والقلم» وأظهرهما الباقون فمن أدغم فاللخفّة، ولأنه لما وصل والنفي متقاربان من كلمتين أولهما ساكن وجب الإدغام كالمِثْلَيْن. ومن أظهر فاللمبالغة في تفكيك هذه الحروف بعضها من بعض، لأنه بنية الوقف وهذا أُجْرِيَ على القياس في لحروف المقطعة وكذلك التقى فيها الساكنان وصلاً ونقل إليهما حركة همزة الوصل على رأي نحو «الم. الله» كما تقدم تقريره. (وأمال الياء من «يس» الأخَوَانِ، وأبُو بكرٍ؛ لأنها اسم من الأسماء كما تقدم تقريره) أَوَّلَ البقرة. قال الفَارسيُّ: وإذا أمالوا «ياء» وهي حرف نداء فَلأَنْ يُمِيلُوا «يا» من «يس» أَجْدَرُ وقرأ عيسى وابن أبي إسْحَاقَ بفتح النون إمَّا على البناء على الفتح تخفيفاً ك «أَيْنَ وكَيْفَ» وإما على أنه مفعول ب «اتْلُ» وإما على أنه مجرور بحرف القسم، وهو على الوجهين غير منصرف للعملية والتأنيث ويجوز أن يكون منصوباً على إسْقاطِ حرف القسم كقوله: 4167 - ... ... ... ... ... ... ... . ... أمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ وقرأ الكلبي بضم النون، فقيل: على أنها خبرُ مبْتَدأ مُضْمَر، أي هذه يس ومُنِعَتْ من الصرف؛ لما تقدم. وقيل: بل هي حركة بناء ك «حَيْثُ» فيجوز أن (يكون) خبراً كما تقدم وأن يكون مقسماً بها نحو: «عَهْدَ اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ» . وقيل: لأنها منادى فبنيت على الضم، ولهذا فسَّرها الكلي القارئ لها ب «يَا إنْسَانُ» قال: وهي لغة طَيِّئ قال الزمخشري: إن صح مناه فوجهه أن يكون أصله يا أُنَيْسِينُ فكثر النداء به على ألسنتهم حتى اقتصروا على شطره كما قولا في القسم: «مُ اللَّهِ» في أَيْمُنُ اللَّهِ. قال أبو حيان: الذي نقل عن العرب في تصغير إنسان أُنَيْسَان بياء بعدها ألف فدل أن أصله أُنْسِيَان؛ لأن التصغير يرد الأشياءَ إلى أصولها، ولا نعلم أنهم قالوا في تصيغره: أُنَيْسِين. وعلى تقديره أنه يصغر كذلك فلا يجوز ذلك إلا أنْ يُبْنَى على الضم لأنه منادى مُقْبَلٌ عليه، ومع ذلك فلا يجوز لأنه تحقير ويمتنع من ذلك في حق النُّبُوَّةِ. قال شهاب الدين: أما الاعتراض الأخير فصحيح نصوا على أن التصغير لا يدخل في الأسماء المعظمة شرعاً، ولذلك يحكى أن ابْن قُبَيْبَةً (لمَّا قال) في المهَيْمِن إنه مصغر من «مُؤْمن» والأصل: مُؤَيْمِنٌ فأبدلت الهمزةُ هاءً قيل له: هذا يَقْرُبُ من الكفر فلْيَتَّقِ اللَّهَ قَائِلُه. وتقدمت هذه الحكايات في المائدة وما قيل فيها. وقد تقدم للزمخشري في «طه» ما يقرب من هذا البحث وتقدم كلام الشيخ معه. وقرأ ابْن أَبِي إسْحَاقَ أيضاً وأبو السَّمَّا يس بكسر النون، وذلك على أصل التقاء الساكنين ولا يجوز أن يكون حركة إعراب «وَالقُرْآنِ» إما قسم متسأنف إن لم تجعل ما تقدم قسماً وإما عطف على ما قبله إن كان مقسماً به وقد تقدم كلام عن الخليل في ذلك أوائلَ البقرة فاعتبرْهُ هنا فإنَّه حسنٌ جدَّا. فصل قد تقدمت في سورة العنكبوت ذكر حروف التهجي وأن كل سورة بدأ الله فيها يحروف التهجي كان في أوائله الذكر أو الكتاب أو القرآن. ولنذكر هَهُنا أن في ذكر الحروف أوائل السور أموراً تدل على أنها غير خالية عن الحكمة لكن علم الإنسان لا يصل إليها. والذي يدل على أن فيها حكمة من حيث الجملة هو أن الله تعالى ذلك من الحروف نصفها وهي أربعة عشر حرفاً وهي نصفُ ثمانيةٍ وعشرينَ حرفاً هي جميع الحروف التي في لسان العرب على قولنا: الهمزة ألف متحركة. ثم إنه تعالى قسم الحروف ثلاثَة أقسام تسعةَ أحرف من الألف إلى الذال والتسعة الأخيرة من الفاء إلى الياء وعشرةً في الوسط من الراء إلى الغَيْن، وذكر من القسم الأول حرفين الألفَ والحاء وترك سبعةً ولم يترك فن القسم الأول من حروف الحلق والصدر إلا واحداً لم يذكره وهو الخاء ولم يذكر من القسم الأخير من حروف الشَّفَةِ إلا واحداً لم يتركه وهو الميم والعشر الأواسط ذكرمنه حرفاً وترك حرفاً، فترك الزاي وذكر الراء وذكر السين وترك الشِّين، وذكر الصاد وترك الضاد، وذكر الطاء وترك الظّاء وذكر العين وترك الغيْن. ولي هذا أمراً يقع اتفاقاً بل هو ترتيب مقصود وهو لحكمة لكنها غير معلومة وهب أن واحداً يدعي فيه شيئاً فماذا يقول في كون بعض السور مفتتحة بحرف كسُورة «ن» و «ق» و «ص» وبعضها بحرفين كسورة «حم» و «يس» و «طه» وبعضها بثلاثة أحرف كسورة «الم» و «طسم» و «الر» وبعضها بأربعة أحرف كسروة «المر» و «المص» وبعضها بخمسة كسورة «حمعسق» و «كهيعص» وهب أنَّ قائلاً يقول: إن هذا إشارة بأن الكلام إما حرف، وإما فعل، وإما اسمٌ، والحرف كثيراً ما جاء على حرف كواوِ العطف وفاء العقيب، وهمزة الاستفهام، وكاف التشبيه، وياء الإلصاق وغيرها، وجاء على حرفين كمِنْ للتبعيض و «أَوْ» للتخيير، و «أم» للاستفهام المتوسط، وإن للشرط وغيرها. والفعل والاسم والحرف جاء على ثلاثة أحرف كإلى وعلى في الحرف وإلى وعَلَى في الاسم وأَلا يألو وعَلاَ يعلو في الفعل، والاسم والفعل جاءا على أربعة أحرف، والاسم خاصة جاء على ثلاثة أحرف وأربعة وخمسة ك «عِجْل» وسنجل وجرَحْل فما جاء في القرآن إشارة إلى أن تركيب العربية من هذه الحروف على هذه الوجوه فماذا يقول هذا القائل في تخصيص بعض السور بالحرف الواحد، والبعض بأكثر فلا يعلم ما السِّرُّ إلا الله من أعْلَمَهُ الله به وإذا علم هذا العبادة منها قلبية ومنها لسانية ومنها جاريحة، وكل واحد منها قسمان: قمس عُقِل معناه وحقيقته وقسم لم يُعْلَمْ. أما القلبية مع أنها عن الشك والجهل ففيها ما لم يعلم دليله عقلاً وإنما وجب الإيمَانُ به والاعتقاد سمعاً كالصّراط الذي هو أرق من الشعر وأحدّ من السيف، ويمر عليه المؤمن كالبَرْق الخاطبف، والميزان الذي تزن به الأعمال الذي لا ثقل بها في نظر الناظر وكيفية الجنة والنار فإن هذه الأشياء وجودها لم يعلم بدليل عقلي وإنما المعلوم بالعقل إمكانها ووقوعها معلوم (و) مقطوع به بالمسع ومنها ما علم معناه وما لم يعلم كمقادير النصب وعدد الركعات والحكمة في ذلك أن العبد إذا أتى بما أمر به من غير أن يعمل ما فيه من الفائدة لا يكون الإتيان إلا لمحض العبادة بخلاف ما لو علم الفائدة فربما يأتي بها لفائدة وإن لم يؤمن كما لو قال السيد لعبده: انقُل هذه الحجارة من ههنا ولم يعلمه بما في لانقل فنقها ولو قال انقلها فإن تحتها كنزاً هو لك فإنه ينقلها وإن لم يؤمَر وإذا علم ها فكذلك في العبادات الِّسانية الذكرية يجب أن يكون ما لم يفهم معناه إذا تكلم به العبد علم أنه لا يعقل غير الانقياد لأمر المعبود الإلهيّ. فإذا قال: حم، يس، طس علم أنه لا يذكر ذلك لمعنى يفهمه بل يتلفظ به امتثالاً لما أمر به. فصل قال ابن عباس: يس قسم، ووري عنه أن معناه يا إنسان بلغة طيئ. قيل: لأن تصغير إنسان أُنَيْسِين كما تقدم عن الزمخشري فكأنه حذف الصدر منه وأخذ العجز وقال: ياسين أي أُنَيْسِينُ. قال أكثر المفسرين عين محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال الحسن وسعيد بن جبير وجماعة. وقال أبو (العالية: يا رَجُلُ. وقال أبو بكر الوراق: يا سيِّد البشر وقوله: {والقرآن الحكيم} أي ذي) الحكمة ك ﴿فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21] أي ذات رضا، أو أنه ناطق بالحكمة وهو كالحيِّ المتكلم. قوله: ﴿إنَّكَ﴾ و ﴿على صِرَاط﴾ يجوز أن يكون متعلقاً ب «المُرْسَلِين» يقول: أَرْسَلْتُ عليه، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً﴾ [الفيل: 3] وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الضمير المستكنِّ في «لَمِنَ المُرْسَلِين» لوقوعه خبراً وأن يكون حالاً من «المُرْسَلِينَ» وأن يكون خبراً ثانياً ل «إنَّكَ» . فصل أقسم بالقرآن على أن محمداً من المرسلين. وهو رد على الكفار، حيث قولوا: (لَسْتَ مُرْسَلاً) . فإن قيل: المطلب ثبت بالدليل لا بالقسم فما الحكمة بالإقْسَام؟! . فالجواب من وجوه: الأول: إن العرب كانوا يتقون الإيمان الفادرة وكانوا يقولون بأن الأيْمَان الفاجرة توجب خراب العالم وصحح النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ذلك بقوله: «اليَمينُ الكَاذِبَةُ تَدَعُ الدِّيَارَ بَلاَقِعَ» ثم إنهم كانوا يقولون: إن النبي عليه - (الصلاة و (السلام - يصيبه عذاب آلهتهم، وهي الكواكب والنبي عليه (الصلاة و) السلام يحلق بأمر الله وإنزال كلامه عليه بأشياء مختلفة، وما كان يصيبه عذاب بل كان كل يوم أرْفَعَ شَأْناً وأمْنَعَ مَكَاناً، فكان ذلك يوجب اعتقاد أنه ليس بكاذب. الثاني: أن المُتَنَاظِرَ (يْنِ) إذا وقع بينهما كلام، وغلب أحدهما الآخر بتمشية دليله وأسكته يقول المغلوب: إنك قدرت هذا بقوة جدالك، وأنت خبير في نفسك بضعف مقالتك، وتعلم أن الأمر ليس كما تقول وإن أقمت عليه الدليل صورة، وعجزت أنا عن القدح فيه وهذا كثير الوقوع بين المُتَناظِرَيْنِ فعند هذا لا يجوز أن يأتي هو بدليل آخر؛ لأن الساكت المنقطع يقول في الدليل الآخر ما قاله في الأول، فلا يجد أمراً إلا باليمين فيقول: وَاللَّهِ إنِّي لَسْتُ مُكَابِراً، وإنَّ الأمر على ما ذكرت ولم علمت خلافه لرَجَعْتُ إليه فههنا يتعين اليمين، فكذلك النبي عليه (الصلاة و) السلام أقام البراهين، وقالت الكفرة: ﴿مَا هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ﴾ [سبأ: 43] وقالوا ﴿لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ [الأحقاف: 7] فالتمسك بالأيْمان لعدم فائدة. الدليل الثالث: أن هذا ليس مجرد الحلف بل دليل خرج في صورة اليمين؛ لأن القرآن معجزة ودليل كَوْنه مُرْسَلاً هو المعجزة والقرآن كذلك. فإن قيل: لِمَ لَمْ يذكر في صورة الدليل. وما الحكمة في صورة اليمين؟ فالجواب: أن الدليل إذا ذكر لا في صورة اليمين، قد لا يُقْبِلُ عليه السامع فلا يفيد فائدة، فإذا ابتدأ به على صورة اليمين لا يقع ولا سيما من العظيم إلا على عظيم، والأمر العظيم تتوفر الدواعي على الإصْغاء إليه فلصروة اليمين تقبل عليه الأسماع لكونه دليلاً شافياً يتشربه الفؤاد فيقع في السمع وفي القلب. قوله: ﴿على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم. والمسقيم أقرب الطرق الموصلة إلى المقصِد والدين كذلًك فإنه يوصل إلى الله وهو المقصد. قوله: ﴿تَنزِيلَ العزيز الرحيم﴾ قرأ نافعٌ وابنُ كَثيروأبُو عمرو وأبو بكر برفع «تنزيلُ» على أنه خبر متبدأ مضمير أي هُو تنزيل. ويجوز أن يكون خبراً لمبتدأ إذا جعلت «يس» اسماً للسورة أي هذه السورة المسمّاة ب «يس» تنزيلٌ، أو هذه الأحرف المقطعة تنزيلٌ. والجملة القسمية على هذا اعتراض. والباقون بالنصب على المصدر كأنه قال: نَزَلَ تَنْزِلَ العَزِيزِ الرحيم لتنذر. أو على أنه معفول بفعل مَنْوِيِّ كأنه قال والقرآن الحكيم أعين تَنْزِيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين لتنذر وهذا اختيار الزمخشري وهو المراد بقوله: «أو عَلَى المَدْح» وهو في المعنى كالرفع على خبر ابتداء مضمر و «تنزيل» مصدر مضاف لفاعله. وقيل: هو بمعنى منزِّل وقرأ أبو حيوة واليزيدي وأبو جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة تَنْزِيل بالجر على النعت للقرآن أو البدل منه، كأن قال: والقُرْآن الحكيم تنزيل العزيز الرحيم إنك لمن المرسلين. وقوله: ﴿العزيز الرحيم﴾ إشارة إلى أن الملك إذا أرسل فالمرسَلُ إليهم إما أن يخالفوا المرسل ويُعِينُوا المُرْسَل، وحينئذ لا يقدر الملك على الانتقام منهم إلا إذا كان عزيزاً، أو يخالفوا المُرْسِل ويكرموا المُرْسَل وحينئذ لا يقدر الملك. أو يقال: المُرْسَلُ يكون معه في رسالته مَنْعٌ عن أشياء وإطلاق لأشياء والمنع يؤكده العزة والإطلاق يدل على الرحمة. قوله: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ يجوز أن يتعلق ب «تَنْزِيلُ» أو بمعنى المرسلين يعني بإضمار فعل يدل عليه هذا اللفظ أي أرْسَلْنَاك لِتُنْذِرَ. قوله: ﴿قَوْماً مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ﴾ يجوز أن تكون «ما» هذه بمعنى الذي، وأن تكون نكرة موصوفة والعائد على الوجهين مُقَّدرٌ. أي ما أنذره آباؤهم فتكون ما وصلتها أو وصفتها في محل نصب مفعولاً ثانياً لقوله: ﴿لِتُنذِر﴾ كقوله: ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً﴾ [النبأ: 40] أو التقدير لِتُنْذِرَ قَوْماً الذي أُنْذِرَهُ آبَاؤُهُمْ من العذاب، أو لتنذر قوماً عذاباً أُنْذِرَهُ آبَاؤُهُمْ. ويجوز أن تكون مصدرية أي إنْذَار آبَائِهِم أي مثله. ويجوز أن تكون ما نافية، وتكون الجملة المنفية صلة ل «قوماً» أي قوماً غير منذر آباؤهم. ويجوز أن تكون زاذدة أي قوماً أنذر آباؤهم. والجملة المثبتة أيضاً صفة ل «قوماً» قال أبو البقاء. وهو مناف للوجه الذي قبله. فعلى قولنا ما نافية، فالمعنى ما أنذر آبَاؤُهُم الأَدْنونَ وإن قلنا: ما للإثبات فالمعنى ليُنْذَرُوا بما أنذر آباؤهم الأولون. وقوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أي عن الإيمان والرشد.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.