الباحث القرآني

مكية وهي خمس وثمانون آية وسبعمائة واثنتان وثمانون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿ص﴾ قرأ العامة بسكون الدال كسائر حروف التهجي في أوائل السور وقد مر ما فيه. وقرأ أبيٌّ والحسنُ وابن أبي إسحاق وابن أبي عَبْلَة وأبو السّمَال بكسر الدال من غير تنوين وفيه وجهان: أحدهما: أنه كسر لالتقاء الساكنين وهذا أقرب. والثاني: أنه (أمر) من المصاداة وهي المعارضة ومنه صوت الصَّدَى لمعارضته لصوتك، وذلك في الأماكن الصُّلبة الخالية. والمعنى عارض القرآن بعملك فاعل بأوامره (وانته عن نواهيه قاله الحسن. وعنه أيضاً أنه من صَادَيْتُ أي حَادَثْتُ) والمعنى حَادِث النَّاسَ بالقرآن، وقرأ ابنُ أبي إسْحَاقَ كذلك إلاَّ أنه نونه وذلك على أنه مجرور بحرف قسم مقدر حذف وبقي عمله كقولهم: اللَّهِ لاَفْعَلَنَّ بالجر إلا أن الجر يقل في غير الجلالة، وإنما صرفه ذهاباً به إلى معنى الكتاب أو التنزيل وعن الحسن أيضاً وابن السميقع وهَارونَ الأَعْورض صادُ ومنع من الصرف للعملية والتأنيث وكذلك قرأ ابن السَّمَيْقَع وهارُون قافُ ونونُ بالضم على ما تقدم وقرأ عيسى وأبو عمرو - في رواية محبوب - صَادَ بالفتح من غير تنوين وهي تحتمل ثلاثة أوجه: البناء على الفتح تخفيفاً كأينَ وكَيْفَ، والجر بحرف القسم المقدر وإنما منع من الصرف للعملية والتأنيث كما تقدم. والنصب بإضمار فعل أو على حذف حرف القسم نحو قوله: 4232 - فَذَالكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وامتنعت من الصرف لما تقدم. وكذلك قرأ قاف ونون بالفتح فيهما وهما كما تقدم ولم يحفظ التنوين مع الفتح والضم. فصل قيل: هذا قسم، وقيل: اسم للسورة كما ذكر في الحروف المقطعة في أوئل السور قال محمد بن كعب القُرَظِيّ: (ص) اسم الصّمد وصادق الوعد وقال الضحاك: معناه صدق الله وروي عن ابن عباس صدق محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقيل معناه أن القرآن مركب من هذه الحروف وأنتم قادرون عليها وسلتم قادرين على معارضته. فإن قيل: قوله ﴿والقرآن ذِي الذكر﴾ قسم فأين المقسم عليه؟ . فالجواب من وجوه: أحدهما: قال الزجاج والكوفيون غير الفراء: هو قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ﴾ [ص: 64] قال الفراء: لا نجده مستقيماً لتأخيره جداً عن قوله ﴿والقرآن﴾ وقال ثعلب والفراء هو قوله: «كَمْ أَهْلَكْنَا» والأصل: «لكم أهلكنا» فحذف اللام كما حذفها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] بعد قوله: ﴿وَالشَّمْسِ﴾ ، لما طال الكلام. الثالث: قال الأخفش هو قوله: «إنْ كُلُّ لَمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ» كقوله: ﴿تالله إِن كُنَّا﴾ [الشعراء: 97] وقوله: ﴿والسمآء والطارق﴾ ﴿إِن كُلُّ﴾ [الطارق: 1و 4] الرابع: قوله: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا﴾ [ص: 54] . الخامس: هو قوله: « (ص) » لأن المعنى والقرآن لقد صدق محمد قاله الفراء وثعلب أيضاً؛ وهذا بناء منهما على جواز تقديم جواب القسم وأن هذه الحرف مقتطع من جملة دالّ هو عليها وكلاهما ضعيف. السادس: أنه محذوف واختلفوا في تقديره فقال الحَوْفيُّ تقديره: «لَقَدْ جَاءَكُم الحَقُّ» ونحوه وقدره ابن عطية: ما الأمر كما تزعمون. ودل على هذا المحذوف قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ والزمخشري: أنه لمعجز، وأبو حيان: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ. قال: لأنه نظير: ﴿يس والقرآن الحكيم إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ [يس: 1 - 3] . وللزمخشري هنا عبارة بشعة جداً قال: فإن قلت: قوله: «ص. والقرآن ذي الذكر بل الذين كفروا في عزة وشقاق» كلام ظاهر متناف غير منتظم فما وجه انتظامه؟ . قلت: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون قد ذكر اسم هذا الحرف من حروف المعجم على سبيل التحديث والتنبيه على الإعجاز كما مر في أول الكتاب ثم أتبعه القسم محذوف الجواب بدلالة التَّحدِّي عليه كأنه قال: والقرآن ذِي الذِّكْر إنه لكلام معجز. والثاني: أن يكون (صاد) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة كأنه قال: هذه «ص» يعني هذه السورة التي أعجزت العرب وَالقُرآنِ ذي الذكر كما تقول: «هذا حَاتمٌ واللَّهِ» تريد هو المشهور بالسخاء واللَّهِ وكذلك إذا أقسم بها كأنه قال: أقسمتُ بصاد والقرآنِ ذي الذكر إنه لمعجز. ثم قال: بلِ الذَّينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ واستكبار عن الإذعان لذلك والاعتراف (بالحق) وشِقَانِ لله ورسوله (و) جعلتها مقسماً بها وعطفت عليها «والقرآن ذي الذكر» جاز لك أن تريد بالقرآن التنزيل كله، وأن تريد السورة بعينها ومعناه: أُقْسِمُ بالسُّورةِ الشًّرِيفة والقرآنِ ذِي الذِّكر كما تقول: مَرَرْتُ بالرَّجُلِ الكَرِيم وبالنِّسْبَة المُبَارَكَةِ، ولا تريد بالنّسبة غيرَ الرجل. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره بل الذين كفروا في عِزَّةٍ وشقاق والقرآنِ ذي الذكر. (والمراد بكون القرآن ذي الذكر) أي ذي الشرف، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] وقال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] كما تقول: «لِفُلاَنٍ ذٍكْرٌ فِي النَّاسِ» ويحتمل أن يكون معناه ذو النبأ أي فيه أخبرا الأولين والآخرين وبيان العلوم الأصلية والفرعية. قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ﴾ إضراب انتقال من قصةٍ إلى أخرى. وقرأ الكسائي - في رواية سَوْرَةَ - وحماد بن الزِّبرقَان وأبو جعفر وَالجَحْدَريّ: في غَرَّة بالغين المعجمة والراء وقد نقل أن حَمَّاداً الراوية قرأها كذلك تصحيفاً فلما رُدّت عليه قال: ما ظننت أن الكافرين في عِزّةٍ. وهو وَهَمٌ منه، لأن العزة المشار إليها حمية الجاهلية. والتنكير في (عزة وشقاق) دلالة على شدّتهما وتفاقمهما. فصل قالت المعتزلة دل قوله: (ذِي الذّكْر) على أنه مُحْدَث، ويؤيده قوله: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ [الأنبياء: 50] ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ [يس: 69] والجواب: أنا نصرف دليلكم إلى ما نقرأه نحن به. فصل قال القُتَيْبيُّ: بل لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم بصاد والقرآن ذي الذكر أن الذين كفروا من أهل مكة في عزة وحَمِيَّة جاهلية وتَكَبُّر عن الحق وشِقَاق خلاف وعداوة لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وقال مجاهد: في عزة وتغابن. قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ (كم) مفعول «أَهْلَكْنَا» و «مِنْ قَرْنٍ» تَمْييزٌ، و «مِنْ قَبْلِهِمْ» لابتداء الغاية والمعنى كم أهلكنا من قبلهم من قرن يعني من الأمم الخالية فنادوا استغاثوا عند نزول العذاب وحلول النِّقْمَة. وقيل: نادوا بالإيمان والتوبة عند معاينة العذاب. قوله: ﴿وَّلاَتَ حِينَ﴾ هذه الجملة في محل نصب على الحل من فاعل «نَادَوْا» أي استغاثوا والحال أنه مَهْرَبَ ولا مَنْجِى. وقرأ العامة «لاَتَ» بفتح التاء وحينَ منصوبة وفيها أوجه: أحدها وهو مذهب سيبويه: أن لا نافية بمعنى ليس والتاء مزيدة فيها كزيادتها في رُبَّ وثُمّ، كقولهم: رُبَّت وثُمَّت وأصلها «ها» وُصِلَتْ بلا فقالوا «لاَه» كما قالوا ثُمّهْ «ولا يعمل إلا في الزمان خاصة نحو: لات حين، ولات أوان كقوله: 4233 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاَتَ أَوَانٍ ... فَأجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاء وقوله الآخر: 4234 - نَدِمَ البُغَاةُ لاَتَ سَاعَةَ مَنْدَم ... والبَغْيُ مَرْتَعُ مُبْتَغِيهِ وَخِيمُ والأكثر حينئذ حذف مرفوعها تقديره: وَلاَتَ الحِينُ حِينَ مَنَاصٍ. وقد يحذف المنصوب ويبقى المرفوع وقد قرأ هنا بذلك بعضهم لقوله: 4235 - مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا ... فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لاَ بَرَاحُ أي لا براح لي. ولا تعمل في غير الأحيان على المشهور، وقد تمسك بإعمالها في غير الأحيان في قوله: 4236 - حَنًّتْ نَوَارُ وَلاَتَ هَنَّا حَنَّت ... وَبدَا الَّذِي كَانَتْ نَوَارُ أَجَنَّتِ فإن» هنّا «من ظروف الأمكنة، وفيه شذوذ من ثلاثة أوجه: أحدهما: عملها في اسم الإشارة وهو معرفة ولا تعمل إلا في النكرات. والثاني: كونه لا ينصرف. الثالث: كونه غير زمان. وقد رد بعضهم هذا بأن» هنا «قد خرجت عن المكانية واستعملت في الزمان كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: 11] وقوله: 4237 - (وَإِذَا الأُمُورُ تَعَاظَمتْ وَتَشَاكَلَتْ) فَهُنضاك يَعْتَرِفُون أَيْنَ المَفْزَعُ كما تقدم في سورة الأحزاب. إلا أن الشذوذين الأخيرين باقيان. وتأول بعضهم البيت أيضاً بتأويل آخر وهو أن» لات «هنا مُجْمَلَةٌ لا عمل لها، و» هنا» ظرف خبر مقدم و «حنت» مبتدأ بتأويل حذف» أن «المصدرية تقديره» أَنْ حَنَّت «نحو:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيِّي خَيْرٌ مِنْ أنْ ترَاهُ «وفي هذا تكلف وبعد ألى أن فيه الاستراحة من الشذوذات المذكورة أو الشذوذين وفي الوقف عليها مذهبان: أشهرهما عند [علماء] العربية وجماهير القراء السبعة بالتاء المجبورة اتباعاً لمرسوم الخط، والكسائي وحْدَهُ من السبعة بالهاء. والأول: مذهب الخليل وسِيبوَيْهِ والزَّجَّاج والفراءِ وابْنِ كَيْسَانَ. والثاني: مذهب المبرد. وَأَغْرَبَ أبو عبيدة فقال: الوقف على» لا «والتاء متصلة بحين فيقولون: قمت تحين قمت وتحين كان كذا فعل كذا، وقال: رأيتها في الإمام كذا» وَلاَ تَحِينَ «متصلةً، وأنشد على هذا أيضاً قول أبي وَجْزَة السَّعديِّ: 4238 - العَاطِفونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ ... وَالمُطْعِمونَ زَمَانَ لاَ مِنْ مُطْعِمِ ومنه حديث ابن عمر وسأله رجل من عثمان فذرك مناقبهُ ثم قال: «اذْهَبْ تَلاَنَ إلَى أَصْحَابِكَ» يريد «الآن» والمصاحف إنما هي لات حين. وحمل العامة ما رآه على أنه مما شذ عن قياس الخط كنَظَائِرَ له مرت. فأما البيت فقيل فيه: إنه شاذ لا يلتفت إليه وقيل: إنه إذا حذف الحين المضاف إلى الجملة التي فيها «لات حين» جاز أن يحذف (لا) وحدها ويستغنَى عنها بالتاء، والأصل: العاطفُونَ حِينَ لاَتَ حِينَ لاَ من عاطف، فحذف الأول ولا وحدها كما أنه قد صرح بإضافة حين إليها في قوله الآخر: _ _ 4239 - وَذَلِكَ حِينَ لاَتَ أَوَانِ حِلْمٍ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ذكر هذا الوجه ابن مالك؛ وهو متعسف جداً وقد يقدر إضافة «حين» إليها من غير حذف لها كقوله: 4240 - تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لاَتَ حِينَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . أي حين لات حين. وأيضاً فكيف يصنع أبو عبيدة بقوله: «وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمِ، ولات أوانِ» فإِنه قد وجدت التاء من «لا» دُونَ حِينَ؟! الوجه الثاني من الأوجه السابقة: أنها عالمة عمل «أن» يعني أها نافية للجِنْس فيكون «حِينَ مَنَاصٍ» اسمها، وخبرها مقدر تقديره ولات حِينَ مَنَاصٍ لَهُمْ، كقولك: لاَ غُلاَمَ سَفَرٍ لَكَ. واسمُها معربٌ لكونه مضافاً. الثالث: أنّ بعدها فعلاً مقدّراً ناصباً حلين مناص بعدها أي لات أرى حينَ مناص لهم بمعنى لَسْتُ أرى ذلك، ومثله: «لاَ مَرْحَباً بِهِمْ ولا أهْلاً ولا سَهْلاً» أي لا أتوا مرحباً ولا وَطِئُوا سهلاً ولا لَقُوا أهلاً. وهذا الوجهان ذهب إليهما الأخفش وهما ضعيفان وليس إضمار الفعل هنا نظير إضماره في قوله: 4241 - ألاَ رَجُلاً جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً..... ... ... ... ... ... ... ... ... . . لضرورة أن اسمها المفرد النكرة مبني على الفتح فلما رأينا هنا معرباً قدرنا له فعلاً خلافاً للزجَّاج فإنه يجوز تنوينه في الضرورة ويدعي أن فتحته للإِعراب، وإنما حذف التنوين لتخفيف ويَسْتَدِلُّ بالبيت المذكور وقد تقدم تحقيق هذا. الرابع: أن لات هذه ليست هي ليس فأبدلت السين تاء، وقد أبدل تمنها في مواضع قالواك النَّاتُ يريدون الناسَ ومنه سُتٌّ وأصله سُدْسٌ، وقال: 4242 - يَا قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي السَّعْلاَتِ ... عَمْرٌو بْنُ يَرْبُوع شِرار النَّاتِ لَيْسُوا بأخْيَارٍ وَلاَ أَليَاتِ ... وقرئ شاذاً: «قل أعوذُ بربِّ النّاتِ» إلى آخرها [الناس: 1 - 6] يريد شِرار الناسِ ولا أكياس فأبدل، ولما أبدل السين تاءً خاف من التباسها بحرف التمني فقلب الياء ألفاً فبقيت تاء «لات» وهو من الاكتفاء بحرف العلة، لأن حرف العلة لا يبدل ألفاً إلاّ بشرطٍ منها أن يتحركَ، وأن ينفتحَ ما قبله فيكون «حين مناص» خبرها والاسم محذوف على ما تقدم والعملُ هنا بحقِّ الأصالةِ لا الفرعيَّةِ. وقرأ عيسى بن عمر: ولاتِ حينِ مناص بكسر التاء وجر حين. وهي قارءة مشكلةٌ جداً، زعم الفراء أن لات يجر بها وأنشد: 4243 - وَلَتَنْدمُنَّ وَلاَتَ سَاعَةِ مَنْدَمِ ... وأنشد غيره: 4244 - طَلَبُوا صُلحَنَا وَلاَتَ أوان ... وقال الزمخشري: ومثله قول أبي زَبيد الطَّائِي: 4245 - طَلَبُوا صُلْحَنَا ... ... ... ... . ... البيت قال: فإن قلت: ما وجه الجر في أوانٍ» ؟ . قلت: شُبّه بإذْ في قَولِهِ: 4246 - وَأَنْتَ إِذْ صَحِيح ... في أنه زمان قطع عنه المضاف إليه وعوض منه التنوين لأن الأصل: وَلاَت أوانَ صلح. فإن قلت: فما تقول في «حِينَ مَنَاص» والمضاف إليه قائم؟ قلت: نزل قطع المضاف إليه من «مناص» لأن أصله حين مناصهم منزلة قطعه من «حين» لاتّحاد المضاف والمضاف إليه وجعل تنوينه عوضاً عن المضاف المحذوف، ثم بين الجهة لكونه مضافاً إلى غير متمكن انتهى. وخرجها أبو حيان على إضمار» من «والأصل ولات مِنْ حين ماص فحذفت» مِنْ «وبقي عملها نحو قولهم:» عَلَى كَمْ جذع بنيتَ بَيْتكَ «أي مِنْ جذعٍ في أصحِّ القولين وفيه قول آخر: بالإضافة مثل قوله: 4247 - ألاَ رَجُلٍ جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً ... أنشده بجرّ رجلٍ أي ألا مِن رجلٍ. 4248 - ... ... ... ... ... ... ... ... وقال أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيل إلى هِنْدِ قال: ويكون موضع (من حين مناص) رفعاً على أنه اسم لات بمعنى ليس، كما تقول: لَيْسَ مِنْ رَجُلِ قائماً والخبر محذوف، وهذا على قول سيبويه، (و) على أنه مبتدأ والخبر محذوف على قول الأخفش» ولات أوان «على حذف مضاف يعني أن (هـ) حذف المضاف وبقي المضاف إليه مجرواً على ما كان والأصل ولات حين أوان. وقدر هذا الوجه مكي بأنه كان ينبغي أن يقوم المضاف إليه مُقَامه في الإِعراب فيرفع. قال شهاب الدين: قد جاء بقاءُ المضاف إليه على جرِّه وهو قسمان قليلٌ وكثيرٌ: فالكثير أن يكون في اللفظ مثل المضاف نحو قوله: 4249 - أَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَءًا ... وَنَارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا أي وكل نار، والقليل أن لا يكون كقراءة من قرأ: «وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةِ» بجر الآخرة فليكن هذا منه. على أن المبرد رواه بالرفع على إقامته مُقَام المضاف، وقال الزجاج: الأصل ولات أواننا، فحذف المضاف إليه فوجب أن لا يعرف وكَسَرَهُ لالتقاء الساكني. وقال أبو حيان: وهذا هو الوجه الذي قرره الزمخشري أخذه من أبي إسحاق يعني الوجه الأول وهو قوله ولات أوان صلح. هذا ما يتعلق بجر» حين «وأما كسرة لاَتِ فعلى أصل التقاء الساكينن كحِين إلا أنه لا يعرف تاء تأنيث إلاّ مفتوحةً وقرأ عيس أيضاً بكسر التاء فقط ونصب حين كالعامة. وقرأ ايضاً ولات حينُ بالرفع. مناص بالفتح وهذه قراءة مشكلة جداً لا تبعد عن الغلط من راويها عن عيسى فإنه بمكان من العِلم المانع له من مثل هذه القراءة. وقد خرجها أبو الضل الرازي في لوامحه على التقديم والتأخير وأن» حين» أُجْرِيَ مُجْرَى «قَبْلُ وبَعْدُ» في بنائه على الضم عند قطعه عن الإضافة بجامع ما بينه وبينها من الظرفية الزمانية و «مناص» اسمها مبين على الفتح فصل بينه وبينها بحين المقطوع عن الإضافة والأصل: ولات مَنَاصَ حينُ كذا، ثم حذفت المضاف إليه حين وبني على الضم وقدم فاصلاً بين لات واسمها قال: وقد يجوز أن يكون لذلك معنى لا أعرفه وقد ريو في تار لات الفَتْحُ والكسرُ والضمُّ. (قوله) : ﴿فَنَادَواْ﴾ لا مفعول له لأن الأصل فَعَلُوا النداء من غير قصد منادًى وقال الكلبي: كانوا إذا قاتلوا فاضطربوا نادى بعضهم لبعض مناص أي عليكم بالفراء فلما أتاهم العذاب قالوا مناص فقال الله لهم: وَلاَت حِينَ مناص قال القشيري فعلى هذا يكون التقدير نفادوا فحذف لدلالة ما بعده (عليه) . قال شهاب الدين: فيكون قد حذف المنادى وهو بعضاً وما ينادون به وهو «مناص» أي نادوا بعضهم بهذا اللفظ وقال الجُرْجَانيّ: أي فنادوا حين لا مناص أي ساعة لا مَنْجَى ولا فَوْتَ، فلما قدم «لا» وأخر «حين» اقتضى ذلك الواو كما يقتضي الحال إذا جعل ابتداءً وخبراً مثل ما تقول: جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم نقول: جاء وهُوَ رَاكبٌ، «فحين» طفرف لقوله: ﴿فَنَادَواْ﴾ (وقال أبو حيان: وكون أصْل هذه الجملة فنادوا حين لا مناص وأن حين ظرف لقوله) : فنادوا دعوى أعجمية في نظم القرآن والمعنى على نظمه في غاية الوضوح قال شهاب الدين: الجُرْجَانيّ لا يعني أن «حين» ظرف «لِنَادَوْا» في التركيب الذي عليه القرآن الآن إنما يعني بذلك في أصل المعنى والتركيب كما شبه ذلك بقوله: «جَاءَ زَيْدٌ راكباً، ثم جَاءَ زَيْدٌ وَهُو راكبٌ» «فراكباً» في التركيب الأول حال وفي الثاني خبراً مبتدأ حين كان (في الأصل) ظرف للنداء، ثم صار خبر «لات» أو اسمها على حَسبِ الخلاف المتقدم. و «المَنَاص» مَفْعَلٌ من نَاصَ يَنُوصُ أي هرَبَ فهو مصدر يقال نَاصَهُ يَنُوصُهُ إذا فَاَهُ فهو متعدٍّ، ونَاصَ يَنُوصُ أي تأخر، ومنه نَاصَ عن قِرْنِهِ أي تأخر عنه جبناً. قاله الفراء وأنشد قَوْلَ امْرئِ القيسل: [من الطويل] 4250 - أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى إِنْ نأَتْكَ تَنُوصُ ... فَتَقْصُرَ عَنْهَا حِقْبَةً وتَنُوصُ قال أبو جعفر النحاس: نَاصَ يَنُوصُ إذا تقدم فيكون من الأضْدَاد، واسْتَنَاص طلب المَنَاصَ، قال حارثة بن بدر: 4251 - غَمْرُ الجِرَاءِ إِذَا قَصَرْتُ عِنَانَهُ ... بِيدي اسْتَنَاصَ وَرَامَ جَرْيَ المِسْحَلِ ويقال: نَاصَ إلى كَذَا يَنُوصُ نَوْصاً إذَا التَجأ إليه. قال بعضهم المناص المَنْجَى والغَوْثُ، يقال نَاصَهُ ينُوصُهُ إذا أغاثه قال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطربوا في الحب قال بعضهم لبعض مناص أي اهربوا وخُذُوا حذْرَكم، فلما نزل بهم العذاب ببدر، وقالوا مناص فانزل الله تعالى: ولات حين مناص أي ليس حين هذا القول.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.