الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ فقوله: «يسبحن» جملة حالية من «الجبال» وأتى بها هنا فعلاً مضارعاً دون اسم الفاعل فلم يقل مسبِّحات، دلالة على التجدد والحدوث شيئاً بعد شيء كقول الأعشى: 4261 - لَعَمْرِي لَقَدْ لاَحَتْ عُيُونٌ كَثِيرَةٌ ... إلَى ضَوْءٍ نَارٍ فِي بِقَاعِ تَحَرَّقُ أي تحرق شيئاً فشيئاً، ولو قال: مُحْرِقة لم يدل على هذا المعنى. فصل المعنى يسبحن بتسبيحه (و) في كيفية تسبيح الجبال وجوه: الأول: أن الله تعالى يخلق في جسم الجبل حياة وعقلاٌ وقُدرة ونُطقاً، فحينئذ يصير الجبل مسبحاً لله تعالى. الثاني: قال القفال: إن داود - عليه (الصلاة و) السلام - أوتي من شدة الصوت وحسنة ما كان له في الجبال دويٌّ حسن وما يصغي الطير (إليه) لحسنه فيكون دويّ الجبال وتصويت الطير معه وإصغاؤها إليه تسبيحاً، وروى محمد بن إسحاق أن الله تعالى لم يعط أحداً من خلقه مثل صوت داود حتى إنه كان إذا قرأ الزبور دنَتْ منه الوحوش حتى تؤخَذَ بأعْنَاقِهَا. الثالث: أن الله تعالى سخر الجبال حتى إنّها كانت تسير إلى حيث يريده داود فجعل ذلك السير تسبيحاً لأنه يدل على كمال قدة الله وحكمته. قوله: ﴿بالعشي والإشراق﴾ قال الكلبي غَدْوةً وعَشِيًّا والإشراق هو أن تشرق الشمسُ ويتناهى ضوؤها قال الزجاج: يقال شَرقَت الشمس (إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت، وقيل: هما بمعنًى. والأول أكثر تقول العرب شرقت الشمس) والماء يُشرق، وفسره ابن عباس بصلاة الضحى «قال ابن عباس كنت أمر به الآية لا أدري ما هي حتى حدثَتْنِي أمّ هانِئ بنت أبي طالب أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دخل عليها فدعا بوَضُوء فتوضأ ثمّ صلّى وقال يا أم هانئ: هذه صلاة الإشراق» وروى طاوس عن ابن عباس قال: هل تجدون ذكرَ صلاةِ الضحى في القرآن؟ قالوا: لا؛ فقرأ: «إنا سَخَّرْنَا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» قال: وكانت صلاة يصليها داود علي السلام وقال لم يزل في نفس شيء من صلاة الضحى حتى طلبتها فوجدتها في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . قوله: ﴿والطير مَحْشُورَةً﴾ العامة على نصبها عَطَفَ مفعولاً على مفعول، وحالاً على حال كقولك: ضربت زيداً مكتوفاً وعمراً مطلقاً وأتى بالحال اسماً لأنه لم يقصد أن الفعل وقع شيئاً فشيئاً لأن حشرها دفعة واحدة وأدلُّ على القدرة والحاشر الله تعالى. وقرأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ والجَحْدري برفعهما جعلاها مستقلة من مبتدأ وخبر. والمعنى وسخرنا الطير محشورةً، قال ابن عباس: كان داود إذا سبح جاءته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه واجتماعها إليه هو حشرها فيكون على هذا التقدير حاشرها هو الله تعالى. فإن قيل: كيف يصدر تسبيح الله عن الطير مع أنه لا عقل لها؟ فالجواب: أنه لا يبعد أن يخلق الله تعالى لها عقولاً حتى تعرف الله فتسبحه حنيئذ ويكون ذلك معجزة لداودَ قال الزمخشري قوله: ﴿مَحْشُورَةً﴾ في مقابلة: «يسبحن» إلا أنه ليس في الحشر ما كان في التسبيح من إرادة الدلالة على الحدوث شيئاً بعد شيء فلا جَرَمَ أتى به اسماً لا فعلاً، وذلك أنه لو قيل: وسخرنا الطير (محشورة) (يحشرن) على تقدير أن الحشر يوجد من حاشرها شيئاً بعد شيء والحاشر هو الله عزّ وجلّ خلفاً لأنه تعالى حشرهم جملةً واحدة. قوله: ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير لداود أي لأجل تسبيحه، فوضع أواب موضع مسبَح. وقيل: (إنَّ) الضمير في: «لَهُ» للباري تعالى والمراد كل من داود والجبال والطير مسبح ورجاع لله تعالى. قوله: ﴿وَشَدَدْنَا﴾ العامة على تخفيف شددنا أي قَوَّيْنَا كقوله: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 35] وابنُ أبي عَبْلَةَ والحسن «شَدَّدْنَا» بالتشديد وهي مبالغة كقراءة العامة، ومعنى الكلام قويناه بالحرس والجنود. قال ابن عباس: كان اشد ملوك الأرض سُلطاناً كان يحرس محرابه كل ليلة ستةٌ وثلاثون ألفَ رجلٍ. قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ فهي النبوة، وقيل: العلم والخير؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] وأما فصل الخطاب فقال بعض المفسرين: إن داود أول من قال في كلامه: أما بعد وقيل: المراد منه: معرفة الأمور التي بها يفصل بين الخصوم وهو طلب البينة واليمين. قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لأن فصل الخطاب عبارة عن كونه قادراً على التعبير على كل ما يخطر بالبال ويحضُر في الخيال بحيث لا يخلِط شيئاً بشي وبحيث يفصل كُلّ مقام عن ما يخالفه. هذا معنى عامّ يتناول فصل الخصومات ويتناول الدعوة إلى الدين الحق ويتناول جميع الأقسام والله أعلم. وروى ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل استعدى على رجلٍ من عظمائهم عند داود أن هذا غَصَبني بقراً فسَألَهُ (داود) فجَحَد فقال للآخر البينة فلم يكن له بينة فقال لهما داود: قوما حتى ينظر في أمركما فأوحى الله إلى داود من منامه أن يقتل الذي استعدى عليه فقال هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت فأوحى الله إليه ثانيةً فلم يفعل فأوحى الله إليه الثالثة أن يقتله أو تأتيه العقوبة، فأرسل داود إليه فقال إن الله أوحى إليَّ أن أقتلك؛ فقال: تقتلني بغير بينة، فقال داود نعم والله لأنفذنَّ أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال لا تعجل حتى أخبرك إني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكن اغتلت والد هذا فقتلته ولذلك أخذت فأمر به داود فقتل فاشتد هيبة داود عند ذلك في قلوب بني إسرائيل، واشتد به مُلْكه فذلك قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾ يعني النبوة والإصابة في الأمور و «فَضْلَ الْخِطَابِ» قال ابن عباس: بيان الكلام وقال ابن مسعود والحسن والكلبي ومقاتل: على الحكم بالقضاء، وقال علي بن أبي طالب: هو أن البينة على المدَّعِي واليمين على ما أنكر؛ لأن كلام الخصوم ينقطع وينقصل به، ويروى ذلك عن أبي بن كعب قال: فصل الخطاب الشهود والأيْمَان. وقال مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن الشعبي: فصل الخطاب هو قول الإنسان بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد إذا أراد الشروع في كلام آخر. قوله (تعالى) : ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم﴾ قد تقدم أن الخصم في الأصل مصدر فلذلك يصلح للمفرد والمذكر وضِدَّيْهِما، وقد يطاَبق، ومنه ﴿لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ﴾ [ص: 22] والمراد بالخصم هنا جمعٌ بدليل قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ دَخَلُواْ﴾ قال الزمخشري: وهو يقع للواحد والجمع كالضَّيْفِ، قال تعالى: ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المكرمين﴾ [الذاريات: 24] لأنه مصدر في أصله، يقال خَصَمَهُ يَخْصِمَهُ كما تقول: ضَافَهُ ضَيْفاً. فإن قلت: هذا جمع وقوله: خَصْمَان تثنية فكيف استقام ذلك؟ قلت: معنى خصمان فريقان خصمان، والدلي قراءة من قرأ: «بَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ» ونحوه قوله تعالى: ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا﴾ [الحج: 19] فإن قلت: فما تَصْنَعُ بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ وهو دليل على الاثنين؟ قلت: معناه أنّ التحاكم بين ملكين ولا يمنع أن يصحبهاما آخرون، فإن قلت: كيف سماهم جميعاً خَصْماً في قوله: «نَبَأُ الخَصْمِ وخَصْمَان» ؟ قلت: لما كان صحب كل واحد من المتحاكمين في صورة الخسم صحت التسمية به. قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ﴾ في العامل في «إذْ» أَوْجُهٌ: أحدهما: أنه معمول للنبأ إذا لم يرد به القصة. وإليه ذهب ابنُ عطية وأبو البقاء ومكِّيٌّ أي هل أتاك الخبر الواقع في وقت تَسَوُّرهم المحراب، وقد ردّ بعضهم هذا بأن النبأ الواقع في ذلك الوقت لا يصح إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وإن أريد بالنبأ القصة لم يكن ناصباً. قاله أبو حَيَّانَ. الثاني: أن العامل فيه «أَتَاكَ» وُردَّ بما رُدَّ به الأول وقد صرح الزَّمَخْشَريُّ بالرد على هذين الوجهين: فقال: «فإن قلت: بم انتصب إذ؟ قلت: لا يخلوا إما أن ينتصب» بأتَاكَ «أو» بالنَّبَأ «أو بمحذوف فلا يسوغ انتصابه بأَتَاك لأن إتيان النبأ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لا يقع إلا في عهده لا في عهد داودَ فلا يصح إتيانه رسولَ الله - صلى اله عليه وسلم - وإن أرادت بالنبأ القصة في نفسها لم يكن نصاباً، فبقي أن يكون منصوباً بمحذوف تقديره: وهَلْ أَيَاكَ نَبَأُ تَحَاكُمِ الخَصْمِ إذْ» فاختار أن يكون معمولاً لمحذوف. الرابع: أن ينتصب بالخصم؛ لما فيه من معنى الفِعْل. قوله: «إذْ دَخَلُوا» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من «إذ» الأُولَى. الثاني: أنه منصوب بتَسَوَّرُوا. ومعنى تسوروا عَلَوْ أَعْلَى السّور، وهو الحائط غير مهموز كقولك: تَسَنَّم البَغِيرَ أي بَلَغَ سَنَامَهُ. والضمير في «تَسَوَّرُوا» و «دَخَلُوا» راجع على الخصم، أنه جمع في المعنى على ما تقدم، (أو على أنه مثنًّى والمثنى جمع في المعنى وتقدم) تحقيقه. قوله: ﴿خَصْمَانِ﴾ خبر مبتدأ مضمر أي نَحْنُ خَصْمَانِ ولذلك جاء بقوله: ﴿بَعْضُنَا﴾ ، ومن قرأ «بعضهم» بالغيبة يجوز أن يقدره كذلك ويكون قد راعى لقظ: خَصْمَان، ويجوز أن يقدرهم خَصْمَان ليتطابق وروي عن الكسائي خِصْمَانِ بكسر الخَاء وقد تقدم أنه قرأها كذلك في الحَجِّ. قوله: ﴿بغى بَعْضُنَا﴾ جملة يجوز أن تكون مفسِّرة لحالهم، وأن تكون خبراً ثانياً. فإن قيل: كيف قالا: بغى بعضنا على بعض وهما مَلَكَان - على قول بعضهم - والملكان لا يبغيان؟ قيل: معناه أرأيت خَصْمَيْن بَغَى أحَدُهُما على الآخر، وهذا من مَعَارِيضِ الكلام لا على تحقيق البغي من أحدهما. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ﴾ العامة على ضم التاء وسكون الشين، وضم الطاء الأولى من (أ) شْطَطَ يُشْطِطُ إشْطَطاً إذا تجاوز الحق قال أبو عبيدة: شَطَطْتُ في الحكم وأَشْطَطْتُ إذا جُرْت؛ فهو مما اتفق فيه فَعَلَ وأَفْعَلَ، وإنما فكَّهُ على أحد الجائزين كقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 217] وقد تقدم تحقيقه. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن أبي عبلة تَشطُطْ بفتح التاء وضم الطاء من «شَطّ» بمعنى «أَشَطَّ» كما تقدم. وقرأ قتادة: تُشِطّ من «أَشَطَّ رباعياً إلا أنه أدغم وهو أحد الجائزين كقراءة من قرأ» مَنْ يَرْتَدَّ منْكُمْ «وعنه أيضاً تُشَطِّطْ» بفتح الشين وكسر الطاء مشددة من شَطَّط يشطِّطُ. شَطَّتِ الدَّارُ وأَطَّتْ إذا بَعُدَتْ وَاهْدِنَا إلَى سَوَاء الصِّرَاطِ «أَرْشِدْنَا إلى طريق الصواب فقال لهما داود: تَكَلَّمَا فقال أحدهما:» إنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً «يعني امرأة» وَلِيَ نعْجَةٌ وَاحِدَةٌ «أي امرأة واحدة. قوله: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ﴾ العامة على كسر التاء وهي اللغة الفاشية، وزيد بن عليّ والحسنُ بفتحها وهي لُغَيَّةٌ لبعض تميم، وكثر في كلامهم الكناية بها عن المرأة قال ابن عَوْن: 4262 - أَنَا أَبُوهُنَّ ثَلاَثٌ هُنَّةْ رَابِعَةٌ فِي الْبَيْتِ صُغْرَاهُنَّهْ ... وَنَعْجَتِي خَمْساً تُوَفِّيهُنَّهْ وقال آخر: 4263 - هُمَا نَعْجَتَانِ مِنْ نِعَاجِ تِبَالَةَ ... لَدَى جُؤْذُرَيْنِ أَوْ كَبَعْضِ دُمَة هَكِرْ قال الحسين: بن الفضل: هذا تعريض للتنبيه والتفهيم لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي كقولهم: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْراً، أو اشْتَرَى بَكْرٌ دَاراً. ولا ضَرْب هناك ولا شِرَاء. قال الزمخشري: «أخِي» بدل من «هذا» وقر عبد الله: «تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَة أُنْثَى» وهذا تأكيد كقوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: 51] وقال الليث: النَّعْجَةُ الأنثى من الضأن والبقر الوحشي والشاة والجمع النِّعَاجُ. قوله: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ قال ابن عباس أعْطِنِيها، وقال مجاهد: انزل لي عنها. وحقيقة ضُمَّها إلَيَّ واجْعَلْنِي كافلا، وهو الذي يعولُها ويُنْفق عليها، والمعنى: طلقها لأتزوج إياها. قوله: ﴿وَعَزَّنِي﴾ أي غَلَبَنِي، قال: 4264 - قَطَاةٌ عَزَّهَا شَرَاكٌ فَبَاتَتْ ... تُجَاذِبُهُ وَقَدْ عَلِقَ الْجَنَاحُ يقال: عَزَّهُ يَعُزُّهُ بضم العين. وتقدم تحقيقه في يس عند قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] . وقرأ طلحةُ وأبو حيوةَ: «وَعَزَنِي» بالتخفيف قال ابن جنِّي: حذف الزاي الواحد تخفيفاً كما قال الشاعر: 4265 - ... ... ... ... ... ..... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ يريد أحْسَسْنَ فحذف. وتروى هذه قراءةً عن عاصم. وقرأ عبد الله والحسن وأبو وائل ومسروق والضحاك وَعَازَّنِي بألف مع تشديد الزاي أي غَالَبَنِي. قوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ مصدر مضاف لمفعوله. والفاعل محذوف أي بأَنْ سَأَلَكَ نَعْجَتَكَ، وضمّن السؤال معنى الإضافة والانضمام أي بإضافة نعجتك على سبل السؤال ولذلك عدي (بإلى) . فصل قال ابن الخطيب: للناس في هذه القصة ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذه القصة دلت على صدور الكبيرة عنه. وثانيها: دلالتها على الصغيرة. وثالثها: لا تدل على كبيرة ولا على صغيرة، فأما القول الأول فقالوا: إن داودَ أحبًَّ امرأة «أُوريَا» فاحتال في قتل زوجها ثم تزوج بها ثم أرسل الله (تعالى) ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة تشبه واقعته (وعرضا تلك الواقعة عليه) فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنباً ثم تنبيه لذك فاشتغل بالتوبة. وقال ابن الخطب: والذي أدين به وأذهبُ إليه أنّ ذلك باطلٌ لوجوهٍ: الأول: أن هذه الحكاية لا تناسب داودَ لأنها لو نُسبت إلى أفْسَقِ النَّاس وأشدهم فجوراً لانتفى منها، والذي نقل هذه القصة لو نسب إلى مثل العمل لبالغ في تنزيه نفسه وروعاً ولعن من نسبه إليها فكيف يليق بالعاقل نسبة المعصية إليه؟ ﴿. الثاني: أن حاصل القصة يرجع إلى أمرين إلى السعي وقتل رجل مسلم بغير حق وإلى الطمع في زوجته أما الأول فأمر منكر؛ قال - عليه (الصلاة و) السلام: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ مُسْلِمٍ ولَوْ بشَرِّ كَلمَةٍ جَاءَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أيسٌ مِن رَحمةِ اللَّهِ» وأما الثاني فمنكر عظيم، قال - عليه (صلاة و) السلام -: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» وإن «أوريا» لم يسلم من داود لا في روحه ولا في منكوحه. الثالث: أن الله تعالى وصل داودَ بصفات تنافي كونه - عليه (الصلاة و) السلام - موصوفاً بهذا الفعل المنكر فالصفة الأول أنه تعالى أمر محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (في) أن يقتدي بداود في المصابرة مع المكاره فلو قيل إنَّ داود لم يصبر على مخالفة النفس بل سعى في إراقة دم مسلم لغرض شهوته فكيف يليق بأحد الحاكمين أن يأمر محمداً أفضل الرسل بأن يقتدي بداود في الصبر على طاعة الله؟﴾ . وأما الصفة الثانية فإنه وصفه بكونه عبداً له، وقد بينا أن المقصود من هذا الوصف بيان كون ذلك الموصف كاملاً في وصف العبودية أما في القيام بأداء الطاعات والاحتراز عن المحضورات، فلو قلنا: إن داود اشتغل بتلك الأعمال الباطلة فحينئذ ما كان داود كاملاً إلاَّ في طعة الهوى والشهوة. وأما الصفة الثالثة وهي قوله: ﴿ذَا الأيد﴾ [ص: 17] أي ذا القوة ولا شك أن المراد منه القوة في الدين لأن القوة في غير الدين كانت موجودة في ملوك الكفار، ولا معنى للقوة في الدين إلا القوة الكاملة في أداء الواجبات والاجتناب عن المحضورات، وأي قولة لمن لم يملك نفسه عن القتل والرغبة في زوجة المسلم؟ ﴿الصفة الرابعة: كونه أوَّاباً كثيرَ الرجوع إلى الله تعالى فكيف يليق هذا بمن قلبه مشغوفٌ بالقتل والفجور؟﴾ الصفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أفترى أنه سخرت له الجبال ليتخذوا سبيله إلى القتل والفجور؟ ﴿الصفة السادسة: قوله تعالى: {والطير مَحْشُورَةً﴾ قيل: إنه كان محرَّماً عليه صيد شيءْ من الطير فكيف يعقل أن يكون الطير آمناً منه ولا يجوز أمن الرجل المسلم على زوجته ومنكوحه الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ ومحال أن يكون المراد أنه تعالى: شد ملكه بأسباب الدنيا بل المراد بأنا ملكناه تقوى الدين وأسباب سعادة الآخرة، أو المراد تشديد ملكه في الدين والدنيا ومن لايملك نفسه عن القتل والفجور كيف يليق به ذلك؟} الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة وَفَصْلَ الخطاب﴾ (والحكمة اسم جامع لك ما ينبغي علماً وعملاً فكيف يجوز أن يقال: إِنَّا آتَيْنَاهُ) الحكمة وفصل الخطاب مع إصراره على ما يستنكف عنه الشيطان من مُزاَحَمَة أخصِّ أصحابه في الروح والمنكوح؟! فهذه الصات التي وصف بها قبل شحر القصَّة. وأما الصفات المذكورة بعد ذكر القصة فأولها قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهذا الكلام إنما يناسب لو دلت القصة المتقدمة (على قوته في طاعة الله أما لو كانت القصة المتقدمة) دالة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ لائقاً. وثانيها: قوله تعالى: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ وهذا يدل على كذب تلك القصة من وجوه: الأول: أن الملك الكبير إذا حُكِي عن عبده أنه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فعند فراغه من شرح قصته على الناس يقبح منه أن يقول عقيبة أيها العبد إنّي فوضت إليك خلافتي ونبوتي لأن ذكر تلك القبائح والأفعال المنكرة يناسب الزجر والحجر فأما جعله نائباً وخليفة لنفسه فذلك مما (لا) يليق البتة. الثاني: أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذل الوصف فلما حكمى الله تعالى عنه تلك الواقعة القبيحة، ثم قال بعده: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أشعر هذا (الوصف) بأن الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعل المنكرة. ومعلوم أن هذا فاسد أما لوك ذكرنا أن تلك القصة كانت على وجه يدل على براءة ساحته عن المعاصي والذنوب وعلى شدّة مصابرته في طاعة الله تعالى فحينئذ يناسب أن يذكر عقيبه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ فثبت أن الذي نختاره أولى. الثالث: أنه لما كان مقدمة الآية دالة على محد داود - عليه (الصلاة و) السلام - وتعظيمه ومؤخرتها أيضاً دالة على ذلك فلو كانت الواسطة دالة على المقابح والمعايب لجرى مَجْرى أن يقال: فلان عظيم الدردة عالي المرتبة في طاعة الله تعالى يقتل ويزني ويسرق وقد جعله اللخ خليفة له في أرضه وصوب أحكامه فكما أن هذا الكلام مما لا يليق بالعاقل فكذا ههنا ومن المعلوم أن ذكر العشق والسعي في القتل من أعظم أبواب العيوب. ورابعها: أن بعض القائلين ذكر في هذه الآية أن داود - عليه (الصلاة و) السلام - تمنى أن يحصل له في الدين كلا حصل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية مثلَ ما حصل للخيل من الإلقاء في النار، وحل للذبيح من الذبح وحصل ليعقوبَ من الشدائد الموجبة لكثرة الثواب فأوحى الله إليه إنما وجدوا تلك الدرجات لأنهم لما ابتلوا صبروا فعند ذلك سأل داود عليه (الصلاة و) السلام الابتلاء فأوحى الله إليه إنك مبتلي في يوم كذا فبالغ في الاحتراز، ثم وَقَعَت الواقعة فنقول: إن حكايتهم تدلّ على أن الله تعالى يبتليه بالبلاء الذي يزيد في منقبته ويكمل مراتب إخلاصه، فالسعي في قتل النفس (بغير الحق) والإفراط في العشق كيف يليق بهذه الحالة بحيث إن الحكاية التي ذكروها يناقص أولُها آخرَها. وخامسها: أن داود عليه (الصلاة و) السلام (تمنَّى أن يحصل له في الدين كما بحل للأنبياء المتقدمين من المنازل العالية) قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ استثنى الذين آمنوا من البغي. فلو قلنا: إنه كان موصوفاً بالبغي لزم أن يقال: إنه حكم بعدم الإيمان على نفسه وذلك باطل. وسادسها: حضرت في مجلس وفيه بعض أكابر المسلمين وكان يريد أن يتعصب لتقرير ذلك القول الفاسد والقصة الخبيثة لسبب اقتضى ذلك فقلت له: لا شك أن داود عليه (الصلاة و) السلام كان من أكابر الأنبياء والرسل وقال الله: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] ومن مدحه الله (تعالى بمثل) هذا المدح العظيم لم يجز لنا أن نبالغ في المطعن فيه وأيضاً فتبقدير أنه ما كان من الأنبياء فلا شك أنه كان مسلماً؛ وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - «لاَ تَذْكُرُوا مَوْتَاكُمْ إِلاَّ بِخَيْر» ثم على تقدير أنَّا لا نلتفت إلى شيء من هده الدلائل إلاَّ أَنَّا نقول: إنَّ من المعلوم بالضرورة أن بتقدير أن تكون القصة التي ذكرتموها في حقه صحيحةً فإن روياتها وذكرها لا يوجب شيئاً مِنَ الثواب، لأن إشاعة الفاحشة إن لم توجب العقاب فلا أقل من ألاَّ توجب الثواب. وأما بتقدير أن تكون هذه القصة باطلة فاسدة فإن ذكرها مستحق به أعظم العقاب، والواقعة التي هذا شأنها وصفتها فإنَّ صريح العقل يوجب السكوت عنها فثبت أن الحق ما ذهبنا إليه، وأن شرح تلك القصة محرم محظور، فلما سمع ذلك الملك الشديد هذا الكلام سكت ولم يذكر شيئاً. السابع: أن ذكر هذه القصة وذكر قصة يوسف - عليه (الصلاة و) السلام - يقتضي إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. الثامن: لو سعى داودُ في قتل ذلك الرجل دخل تحت قوله: «مَنْ سَعَى فِي دَمِ المرىءٍ مُسْلِم وَلَوْ بِشَكْرِ كَلِمَةٍ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» . وأيضاً لو فعل ذلك لكان ظالماً وكان يدخل تحت قوله: ﴿أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [هود: 18] . التاسع: عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالب قال: مَنْ حَدَّثَكُمْ بحَدِيث دَاودَ عَلَى مَاتَرْويه القُصَّاصُ فاجلدوه مائةً وسينَ (جَلْدةً) وهو حّد الفِرية على الأنبياء، وما يقوي هذا انَّهُمْ لما قالوا: إن المغيرة بنَ شعبة زنى وشهد ثلاثةٌ من عدول الصحابة وأما الرابع فإنه لم يقل: إني رأيت ذلك بعيني فإن عمر بن الخطاب كذب أولئك الثلاثة وجلد كل واحد منهم ثمانين جلدة لأجل أنهم قذفوا، فإذا كان الحال في واحد من آحاد الصحابة كذلك فكيف الحال مع داود عليه (الصلاة و) السلام؟ {مع أنه كان من كابر الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام -. العاشر: رُوي أن بعضهم ذكر هذه القصة على ما في كتاب الله، ثم قال: فما بنبغي أن يزاد عليها وإن كنت الواقعة على ما ذكرت ثم إنه تعالى لم يذكرها لسَتْر تلك الواقعة على داود عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ فلا يجوز للعاقل أن يسعى في هتك ستر ستره الله ألف سنة أو أقل أو أكثر فقال عمر: سماعي هذا الكلام أحب إلي ما طلعت عليه الشمسُ. فثبت بهذه الوجوه التي ذكرناها أن القصة التي ذكروها باطلة فاسدة فإن قال قائل: إن كثيراً من أكابر المحدثين المفسرين ذكروا هذه القصة فكيف الحال فيها؟} فالجواب الحقيقي: أنه لما وقع التعارض بين الدلائل القاطعة وبين خبر (كل) واحد من أخبار الآحاد كان الرجوع إلى الدلائل القاطعة أولى. وأيضاً فالأصل براءة الذمة، وأيضاً فلما تعارض ذكر التَّحرُّم والتحليل كان جانب التحريم أولى، وأيضاً طريقة الاحتياط توجب ترجيحَ قولِنَا، وأيضاً فنحن نعلم بالضرورة أن بتقدير (وقوع) هذا الواقعة لا يقول لنا الله يوم القيامة لِمَ لَمْ تَسعَوْا في تشهير هذه الواقعة أما بتقدير كونها باطلة فإنه يوجب أن لا تجوزَ الشهادة بها، وأيضاً كل المفسرين لم يتفقوا على هذا القول، بل الأكثرون والمحققون يردونه ويحكمون عليه بالكذب، وإذا تعارضت أقوال المفسرين والمحدِّثين تساقطت وبَقِيَ الرجوع فيه إلا الدلائل التي ذكرناها. الاحتمال الثاني أن نحمل هذه القصة على حُصُول الصغيرة لا على حصول الكبيرة وذلك من وجوه: الأول: أن هذه المرأة خطبها «أوريا» فأجابوه، ثم خطبها داود فآثره أهلها فكان ذنبه أن خَطبَ على خطبته أخيه المؤمن مع كثرة نسائه. الثاني: قالوا إنه وقع بصره عليها فمال قلبه إليها وليس له في هذا ذنب ألْبَتَّةَ، أما وقوع بصره عليها من غير قصد بذنب، وأما حصول الميل عقيب النظر فليس أيضاً ذنباً، لأن الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلفاً به بل لما اتفق أنه قتل زوجها لأجل أنه طمع في أن يتزوج بتلك المرأة فَحَصَلت بسبب هذا المعنى وهو أنه لم يشق عليه قتل ذلك الرجل. والثالث: أنه كان أهل زمان داود عليه (الصلاة و) السلام يسأل بعضهم بعضاَ أن يطلق زوجته حتى تزوجها وكانت عادتها مألوفة مفهومة في هذا المعنى فاتفق أن عين داود (عليه السلام) وقعت على تلك المرأة فأحبها فسألوه النزول فاستحيا أن يرده ففعل وهي أم سليمان فقيل له هذا وإن كان جائزاً في ظاهر الشريعة إلا أنه لا يليق بك فإنَّ حسناتِ الأبرار سيئات المقربين. فهذه وجوه ثلاثة لو حملنا هذه القصة على واحد منها لم يلزم في حَقِّ داود عليه (الصلاة و) السلام إلا ترك الأفضل، والأولى. الاحتمال الثالث: أن تحمل هذه القصة على وجه لا يلزم منه إيجاب كبيرة ولا صغيرة لداود عليه (الصلاة و) السلام بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء به وهو أنه نقول: روي أنَّ جماعة من الأعداء طمعواأن يقتلوا داود - عليه (الصلاة و) السلام - وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بطاعة ربه، فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم وتسوَّرُوا المحراب فلما دخلوا عليه وجدوا عنده أقواماً يمنعهم منه فخافوا ووضعوا كذباً يحتج به في إلحاق الذنب بداود عليه (الصلاة و) السلام إلا ألفاظ أربعة: أحدهما: قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ وثانيها: قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً﴾ . وثالثها: ﴿وَأَنَابَ﴾ . ورابعها: قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ثم نقول: هذه الألفاظ لا يدل شيء منها على ما ذكروه من وجه: الأول: أنهم لما دخلوا عليه لطلب قتله بهذه الطريق وعلم داود عليه السلام دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم أي أنه مال إلى الصَّفْح والتجاوز عنهم طلباً لمرضاة الله تعالى فكانت هي الفتنة لأنها جاريةٌ مَجْرَى الابتلاء والامتحان ثم إنَّه استغفر به مما هَمَّ به من الانتقام منهم وتاب عن ذلك الهمِّ وَأَنَابَ فغفر له ذلك القدر من الهمِّ والعزم. الثاني: أنه وإن غلب على ظنه أنهم دخلوا عليه ليقتلوه إلا أنه ندم على ذلك الظن وقال: لَمَّا لَمْ تقم دلالة ولا أمارة على أن الأمر كذلك فَلَبِئْسَ ما عَمِلْتُ حيث ظننت فيهم هذا الظن الرديء فكان هذا هو المراد من قوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ثم إنه استغفر ربه وأناب منه فغفر الله له ذلك. الثالث: دخولهم عليه كان فتنة لداود - عليه (الصلاة و) السلام - إلا أنه عليه (الصلاة و) السلام استغفر لذلك العازم على قتلهم كقوله في حق محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [محمد: 19] فداود (عليه السلام) استغفر لهم، وأناب أي رجع إلى الله تعالى في طلب المغفرة لذلك الرجل الداخل القاصد القتل، وقوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي فَغَفَرْنَا ذلك الذنب لأجل احترام داود وتعظيمه كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إن معناه: إن الله يغفر لك ولأجلك ما تقدم من ذَنْب أمّتك. الرابع: أنه عاتب داود عليه السلام عن زلَّة صدرت منه لكن لا نسلم أن تلك الزلة وقعت بسبب المرأة ولِم لا يجوز أن يقال: إن تلك الزلة إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الخصم الثاني لأنه لما قال: «لقد ظلمت بسؤال نعجتك» حكم عليه بكونه ظالماً بمجرد دعوة الخصم بلا بينة فيكون هذا الحكم مخالفاً للصواب. فعند هذا اشتغل بالاستغفار والتوبة إلا أن هذا من باب ترك الأفضل والأولى فثبت بهذه البيانات أنا إِذَا حَمَلْنَا هذه الآيات على هذا الوجه فإنه لا يلزم إسناد شيءٍ من الذنوب إلى دَاودَ - عليه (الصلاة و) السلام - بل ذلك يوجب إسناد أعظم الطَّاعَاتِ إليه. ثم نقول: وحمل الآية عليه أولى لوجوه: الأول: أن الأصل في حال المسلم البعد عن المناهي لا سيما وهو رجل من أكابر الأنبياء والرسل. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أنه تعالى قال في أول الآية لمحمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) : «اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ» فإن قوم محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لما أظهروا السفاهة حيث قالوا: إنه ساحرٌ كذاب، واستهزأوا به حيث قالوا: ربَّنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب، فقال تعالى في أول الآية: اصبر على ما يقولون يا محمد وعلى سفاهتهم وتحمل ولا تظهر الغضب واذكر عبدنا داود فهذا الذكر إنما يحسن إذا كان داود عليه السلام قد صبر على أذاهم وتحمل سفاهتهم وحَلِمَ ولم يظهر الطيش والغضب وهذا المعنى إنما يحصل إذا حملنا الآية على ما ذكرناه. أما إذا حملنا الآية على ما ذكروه صار الكلام متناقضاً. الرابع: أن تلك الرواية إنما تتمشى إذا قلنا: إن الخَصْمَيْن كانا ملكين وإذا كانا ملكين ولم يكن بينهما مخاصمة ولم يبغ أحدُهما على الآخر كان قولهما: «خَصْمَان بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» كذب فهذه الرواية لا تتم إلا بشيئين. أحدهما: إسناد الكذب إلى الملائكة. والثاني: إسناد أفحش القبائح إلى رجل كبير من أكابر الأنبياء وأما إذا حملنا الآية على ما ذكرنا استغنينا عن إسناد الكذب إلى الملائكة وعن إسناد القبيح إلى الأنبياء، فكان قولنا أولى. فصل قال المفسرون قوله: وَعَزَّني (في الخِطَاب) اي قهرني وغلبني «في الخطاب» أي في القول. قال الضحاك يقول: إن تكلم كان أفصحَ مني، وإن حارب كان أبطشَ مني وحقيقة المعنى أن الغلبة كانت له فضعفي في يده وإن كان الحق معي فقال داود: «لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلَى نِعَاجِهِ» أي بسؤاله نعجتك ليضمها إلى نعاجه. فإن قيل: كيف قال: لقد ظلمك بسؤال نعجتك ولم يكن سمع قوله صاحبه؟! . فالجواب: قيل: إن معناه إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك، قال ابن إسحاق: لما فرغ الخصم الأول من كلامه نظر داود إلى الخصم الذي لم يتكلم وقال: «لَئِنْ صَدَقَ لَقَدْ ظَلَمَهُ» . وقال ابن الأنباري: لما ادعى أحد الخَصْمَيْن) اعترف الثاني فحكم داود عليه ولم يذكر الله ذلك الاعتراف لدلالة الكلام عليه وقيل التقدير: إن الخَصْمَ الذي هذا شأنه قد ظلمك ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغيا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ . قال الليث: خَلِيطُ الرَّجُلِ مُخَالِطُهُ، وقال الزجاج: الخلطاء: الشركاء. فإن قيل: لم خص الخلطاء ببغي بعضهم على بعض مع أن غير الخلطاء يفعلون ذلك؟ فالجواب: أن المخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة لأنها إذا اختلطا اطلع كل واحد منهما على أحوال الآخر فكل ما يملكه من الأشياء النفسية إذا اطلع عليه عظمت رغبته فيه فيُفْضِي ذلك إلى زيادة المخاصمة والمنازعة فلهذا خص داود - عليه (الصلاو ة) السلام الخلطاء بزيادة البغير والعُدْوَان ثم استثنى عن هذا الحكم الذين آمنوا وعملوا الصلحات لأن مخالطة هؤلاء لا تكون لأجل الدين. وهذا استثناء متصل من قوله: ﴿بَعْضهم﴾ . قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ خبر مقدم و «ما» مزيدة للتعظيم و «هم» مبتدأ. قال الزمخشري: و «ما» في قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ للإبهام وفيه تعجب من قتلهم قال: فإن أرادت أن تتحقق فائدتها وموقعها فاطرحها من قول امرئ القيس: 4266 - وَحَدِيثٍ مَا عَلَى قَصْرِهِ ... وانظر هل بقي لها معنى قط؟ «وَظَنَّ داوُد أَنَّمَا فَتَنَّاهُ» أي امتحناه، قرأ العامة فتَنَّاهُ بالتخفيف وإسناده إلى الضمير المتكلم المعظِّم نفسه، وعمر بن الخطاب والحسن وأبو رجاء فَتَّنَاه بتشديد التاء. وهي مبالغة وقرأ الضحاك: أَفْتَنَّاهُ يقال: فَتَنَهُ وأَفْتَنَهُ أي حَمَلَهُ على الفِتْنَةِ ومنه: 4267 - لَئِنْ فَتَنَتْنِي لَهيَ بِالأَمْسِ أَفْتَنَتْ..... ... ... ... ... ... ... ... وقرأ قتادة وأبو عمرو - في رواية فَتَنَّاهُ بالتخفيف وَفتَّنَّاه بالتشديد، والألف ضمير الخصمين، و «راكعاً» حال مقدرة، قال أبو البقاء، وفيه نظر لظهور المُقَارنةِ. فصل قال المفسرون: إن الظن ههنا بمعنى العلم؛ لأن داودَ عليه (الصلاة و) السلام لما قضى بينهما نظر أحَدُهُمَا إلى صاحبه فضحك، ثم صَعَد إلى السماء قبل وجهه فعل داود أنَّ الله ابْتَلاَهُ بذلك فثبت أن داود علم بذلك. وإنما جاز حمل لفظ الظن على العلم، لأن العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهةً عظيمةم والمشهابهة علة لجواز المجاز قال ابن الخطيب: هذا الكلام إنما يلزم إذا قلنا الخصمان كانا ملكين إما إذا لم يُقَلْ ذلك لا يلزمنا حمل الظن على العمل بل لقائل أن يقول: إنه لمَّا غَلَب على ظنه حصول الابتلاء من الله تعالى اشتغل بالاستغفار والإنابة. قوله: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ أي سأل الغفران من ربه، ثم ههنا وجهان إن قلنا: إنه صدرت منه زَلَّة حمل هذا الاستغفار عليها وإن لم يُقَلء به قلنا فيه وجوه: الأول: أن القوم لما دخولا عليه قاصدين قتله وإنه كان سلطاناً شديدَ القهر عظيمَ القوة مع القدرة الشديدة على الانتقام ومع محصول الفزغ في قلبه عفا عنهم ولم يقل لهم شيئاً قَرُب الأمر من أن يدخل قبله شي من العُجْب فاستغر ربَّه من تلك الحالة وأناب إلى الله، واعترف بأن إقدامه على ذلك الخير ما كان إلا بتوفيق الله فغفر له وتجاوز عنه بسبب طَرَيَانِ ذلك الخاطر. الثاني: لعله هَمَّ بإيذاء القوم، ثم قال: إنه لم يدل دليل قاطع على أن هؤلاء قصدوا الشر فعفا عنهم ثم استغفر من ذلك الهم. الثالث: لعل القوم تابوا إلى الله تعالى وطَلَبُوا منه أن يستغفر الله (لهم) ولأجل أن يَقْبَلَ توبتهم فاستغفر وتضرع إلى الله فغفر له توبتهم بسبب شفاعته ودعائه. وهه كلها وجوهٌ محتلمة ظاهرةٌ، والقرآن مملوء من أمثال هذه الوجوه، وإذا كان الفظ محتملاً لما ذكرناه ولم يقم دليل قطعي ولا ظني على التزام ما ذكروه من المنكرات فما الذي دل عليه التزامه والقول به؟ ويؤد ما ذكرنا أنه تعالى ختم هذه القصة بقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ ومثل هذه الخاتمة إنما يحصل في حقّ من صدر عن امتثال الأوامر في الخدمة والطاعة وتحمل أنواعاً من الشدائد في الموافقة والانقياد. قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ الظاهر أنه مفعول «غَفَرْنا» وجوز أبو البقاء فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي الأمرُ ذلِك ولا حاجة إلى هذا والمشهور أَنَّ الاستغفار إنما كان بسبب قصة النَّعْجَة، والنِّعاج، وقيل: بسبب أنه حَكَمَ لأحد الخصمين قبل أن يسمع كلام الثاني، وذلك غير جائز. قوله: ﴿ياداوود إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرض﴾ أي تدبر أمور العباد بأمرنا، واعلم أنه لما تمم الكلام في شرح الفقصة أردفها ببيان أن الله تعالى فوض إلى داودَ خلافةَ الأرض وهذا من أقوى الدلائل على فساد القول المشهور في القصة لأن من البعيد جداً أن يوصف الرجل بكونه ساعياً في سفك دماء المسلمين رغبة ف انتزاع أزواجهم منهم، ثم يذكر عقيبه أن الله فوَّضَ خلافة الأرض إليه. ثم في تفسير كونه خليفة وجهان: الأول: جلعناك تَخْلُفُ من تقدمك من الأنبياء في الدعاء إلى الله تعالى وفي سياسة الناس لأن خليفة الرجل من يخلفُه وذلك إنما يعقل في حق من يصح عليه الغيبة، وذلك على الله محال. الثاني: إنا جعلناك ممكناً في الناس نافذ الحكم فيهم. فبهذا التأويل يسمى خليفة، ومنه يقال خليفة الله في الرض وحاصله أن خليفة الرجل يكون نافذَ الحكم في رَعيته، وحيقية الخلافة ممتنعة في حق الله تعالى فلما امتنعت الحقيقة جعلت اللفظة (مفيدةً) للزوم نفاذ لك الحكم في تلك الحقيقة. قوله: ﴿فاحكم بَيْنَ الناس بالحق﴾ أي بالعدل لأن الأحكام إذا كانت مطابقةً للشريعة الحقيقة الإلهية انتظمت مصالح العالم واتسعت أبواب الخيرات، وإذا كانت الأحكام على وَفق الأهوية وتحصيل مقاصد الأنفس أقضى إلى تخريب العالم ووقوع الهَرَج والمَرَج في الخلق وذلك يُفْضي إلى هلاك ذلك الحاكم ولهذا قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله﴾ ، لأن متابعة الهوى توجب الضلال عن سبيل الله، والضلال عن سبيل الله يوجب سوء العذاب. قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه منصوب في جواب النهي. الثاني: أنه عطف على «لاَ تَتَّبعْ» فهو مجزومٌ وإنما فتحت اللام لالتقاء الساكنين. وهو ونهي عن كل واحدة على حدته والأول فيه النهي عن الجمع بينهما وقد يترجح الثاني لهذا المعنى، وقد تقدم تقرير ذلك في البقرة في قوله ﴿وَتَكْتُمُواْ الحق﴾ [البقرة: 42] . وفاعل «فيضلك» يجوز أن يكون الهَوَى، ويجوز أن يكون ضميرَ المصدر المفهوم من الفعل أي فيضلك إتِّبَاعُ الهوى. قوله: ﴿إِنَّ الذين يَضِلُّونَ﴾ قرأ العامة بتفح ياء يضلون. وقرأ ابن عباس والحَسَنُ وأبو حيوةَ بضمها أي يُضِلونَ الناس وهي مستلزمة للقراءة الأولى فإنه لا يُضل غيره إلا ضَالٌّ بخلاف العكس. قوله: ﴿بِمَا نَسُواْ﴾ ما مصدرية والجار يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لهم» و «لَهُمْ عَذَابٌ» يجوز أن يكون جملة خبراً ل «إنَّ» ويجوز أن يكون الخبر وحده الجار، و «عَذَابٌ» فاعل به وهو الأحس لقربه من المفرد. فصل قيل: معناه بما تركوا الإيمان بيوم الحساب. وقال الزجاج: بتركهم العمل ذلك اليوم، وقال عكرمة والسدي: في الآية تقديم وتأخير تقديره لهم عذاب شديد يَوْم الحساب بما نسوا أي تركوا القضاء بالعدل.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.