الباحث القرآني

(قوله) : ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ العبد﴾ المخصوص بالمدح محذوف أي نعم العبد سليمانُ، وقيل: داود؛ لأنه وصفه بهذا المعنى وقد تقدم حيث قال: ﴿ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17] والأول أظهر لأنه هو المسوق للحديث عنه، وقرئ: بكسر العين وهي الأصل كقوله: 4268 - ... ... ... ... ... ... ... نِعْمَ السَّاعُونَ فِي القَوْمِ في القوم الشُّطُر فصل قوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ يدل على أنه كان نعم العبد لأنه كان أواباً؛ أي كثير الرجوع إلى الله في أكثر أوقاته ومهماته. قوله: ﴿إِذْ عُرِضَ﴾ في ناصبه أوجهٌ: أحدها: «نِعْمَ» : وهو أضعفها؛ لأنه لا يتقيد مدحه بوَقْتٍ، (و) لِعدم تصرف «نِعْمَ» قال ابن الخطيب: التقدير نعم العبد إذْ كَانَ من أعماله أنَّه فَعَلَ كَذَا. الثاني: «أواب» وفيه تقييد وصفه بذلك بهذا الوقت. والثالث: اذكر مقدّراً، وهو أسلمها. والعَشِيُّ من العصر إلى آخر النهار. والصَّافِنَاتُ جمع صَافن، وفيه خلاف بين أهل اللغة فقال الزجاج: هو الذي يقف على إحدى يديه ويقف على طرف سنبكه، وقد يفعل ذلك بإحدى رجليه قال وعي علامة الفراهة وأنشد: 4269 - أَلِفَ الصُّفُونَ فَلاَ يَزَالُ كَأَنَّهُ ... مِمّا يَقُومُ عَلَى الثُّلاثِ كَسِيرا وقيل: هو الذي يجمع بين يديه ويسويهما، وأما الذي يقف على سنبكه فاسمه المُخِيم، قاله أبو عبيدة. وقيل: هو القائم مطلقاً أي سواء كان من الخيل، أو من غيرها، قاله القُتَبِيّ واستدل (بحديث) وبقوله عليه (الصلاة و) السلام «مَنْ سَرَّهُ أنْ يَقُومَ النَّاسُ لَهُ صُفُوناً فَلْيَتَبوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّار» أي يديمون له القيام. وحكاه قطرب أيضاً وجاء في الحديث «قُمْنَا صُفُوناً» أي صافِّين أقدامَنا، وقيل: هو القيام مطلقاً سواء وقفت على طرف سنبك أم لا، قال الفراء: على هذا رأيت أشعارَ العرب، وقال النابغة: 4270 - لَنَا قُبًّةٌ مَضْرُوبَةٌ بِفنَائِهَا ... عِتَاقُ المَهَارَى والجِيَادُ الصَّوَافِنُ والجياد إما من الجَوْدَة، يقال: جَادَا الفرسُ يَجودُ جَوْدَةً وجُودَةً بالفتح والضم فهو جَوَاد، للذكر والأنثى. والجمع جِيَادٌ وأجْوَادٌ، وأَجاوِيدُ، وقيل: جمع لِجَوْد بالفتح كثَوْبٍ وثِيَاب. وقيل: جمع جَيِّد. وإِما م الجِيدِ وهو العُنُق، والمعنى: طويلة الأعناق الأجياد. وهو دال على فراهَتِها. قوله: ﴿حُبَّ الخير﴾ فيه أوجه: أحدها: هو مفعول أحببت لأنه بمعنى آثرت، و «عن» على هذا بمعنى «عَلَى» أي على ذكر ربِّي، لأنه روي أن عرض الخيل حتى شغلته عن صلاة العصر أول الوقت حتى غَربت الشَّمْسُ. وقال أبو حيان - وكأنه منقول عن الفراء - إنّه ضمن «أَحْبَبْتُ» معنى آثرتُ، حيث نصب «حب الخير» مفعولاً (به) وفيه نظر؛ لأنه متعد بنفسه وإنما يحتاج إلى التضمين وإن لم يكن مُتَعَدِّياً. الثاني: أن «حب» مصدر على حذف الزوائدة ولاناصب له «أَحْبَبْتُ» . الثالث: أنه مصدر تشبيهي أي حُبًّا مِثْلَ حُبِّ الخَيْر. الرابع: أنه قيل: ضمن معنى أنبت فلذلك تعدى بعَنْ. الخامس: أن أحببت بمعنى لَزمْتُ. قال ابن الخطيب: إن الإنسان قد يحب (شيئاً ولكنه يجب أن) لا يحبه كالمريض الذي يشتهي في مرضه فأما من أحب شيئاً وأحب أن يحبه فذلك غاية المحبة، فقوله: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ أي أحببت حبير للخير. السادس: أن أحببت من أَحَبَّ البعيرُ إذا سقط وَبَرَكَ من الإعياء، والمعنى قعدت عن ذكر ربي فيكون «حب الخير» على هذا مفعولاً من أجله، والمراد بقوله: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ قيل: عن صلاة العصر، وقيل: عن كتاب ربي وهو التوراة، لأن إرتباط الخيل كما أنه في القرآن ممدوحٌ فكذلك في التوراة ممدوح وقوله ﴿ذِكْرِ رَبِّي﴾ يجوز أن يكون مضافاً للمفعول أي عن أن أذكر ربي، وأن يكون مضافاً للفاعل أي عن ذكر بي ربي والمراد بالخير: الخيل والعرب تعاقبت بين الراء واللام (تقول) : خَتَلْتُ الرجلَ وختَرْتُه أي خَدَعْتُه، وسميت الخيلُ (خيراً) لأنه معقود بواصيها الخَيْر الأجرُ والمَغْنم. قوله: ﴿حتى تَوَارَتْ﴾ في الفاعل وجهان: أحدهما: هو: «الصّافنات» ، والمعنى: حتى دخلت إصْطَبْلاَتِها فتوارتْ وغابت. والثاني: أنه: «الشمس» أضمرت لدلالة السياق عليها، وقيل: لدلالة «العَشِيِّ» عليها فإنها تشعر بها، وقيل: يدل عليها الإشراق في قصة داودَ وما أبْعَدَهُ. قوله: ﴿رُدُّوهَا﴾ هذا الضمير للصّافنات، وقيل: للشمس وهو غريب جدًّا قال ابن الخطيب: وهذا بعيد لوجوه: منها: أن الصَّافِنَات مذكورة بالتصريح، والشمس غير مذكورة وعود الضمير إلى المذكور أولى من عوده إلى المقدَّر، ومنها: أنه لو اشتغل بالخيل حتى غربت الشمس وفاتت صلاة العصر كان ذلك ذنباً عظيماً ومن كان هذا حاله فطريقهُ التّضرع والبكاء والمبالغة في إظهار التوبة فإما أن يقول على سبيل العَظَمَة لربِّ العالمين مثل هذه الكلمة العارية عن كل جهات الأدب عقيب ذلك الجُرْم العظيم (فهذا) لا يصدر عن أبعد الناس عن الخير فكيف يجوز إسناده للرسول المطهر المكرم ومنها أن القادر على تحريك الأفلاك والكواكب هو الله تعالى فكان يجب أن يقول رُدَّها عليَّ، ولا يقول: ردوها عليَّ لأن هذا اللفظ مشعر بأعظم أنواع الاستعلاء فيكف يليق بهذا اللفظ رعاية التعظيم؟ ومنها: أن الشمس لو رجعت بعد الغروب لصار ذلم مشاهداً لأهل الدنيا ولو كان كذلك لوفرت الدواعي على نقهل وحيث لم ينقل علِمْنَا فَسَادَهُ. قوله: ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾ نصب «مسحاً» بفعل مقدر، هو خبر طفق أي (ف) طفق يَمْسَحُ مَسْحاً، لأن خبر هذه الأفعال لا يكون إلا مضارعاً في الأمر العام وقال أبو البقاء - وبه بدأ -: مصدر في موضع الحال وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن «طَفِقَ» لا بدّ لها من خَبَرٍ. وقرأ زيد بن علي: مِسَاحاً بزنة قِتَال، والباء في «بالسوق» مزيدة مثلها في قوله: ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6] وحكى سيبويه: مَسَحْتُ رَأْسَهُ وبرأسِهِ بمعنى واحدٍ. ويجوز أن تكون للإلصاق كما تقدم، وتقدم همز السوق وعدمه في النمل. وجعل الفارسيُّ الهمز ضعيفاً وليس كما قال لما تقدم من الأدلة. وقرأ زيد بن عليّ (أيضاً) «بالسَّاقِ» مُفْرَداً اكتفاءً بالواحد لعدم اللَّبْسِ كقوله: 4271 - ... ... ... ... ... . ... وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ وقوله: 4272 - ... ... ... ... ... ... ... كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكم تَعفُّوا وقوله: 4273 - ... ... ... ... ... ... . ... فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينَا قال الزمخشري: فإن قلت: بِمَ اتَّصل قوله «ردوها علي» ؟ قلت: بمحذوف تقديره قال ردوها فأضمر وأضمر ما هو جواب له كأنّ قائلاً قال: فماذا قال سليمان؟ لنه موضع متقض للسؤال اقتضاءاً ظاهراً. قال أبو حيان: وهذا لا يحتاج إليه لأن هذه الجملة مندرجة تحت حكاية القول وهو: «فَقَال: إنِّي أَحْبَبْتُ» . فصل قال المفسرون: إنه - عليه (الصلاة و) السلام - لما فاتته صلاة العصر لاشتغاله بالنظر إلى تلك الخيل استردها وعقر سوقها وأعناقها تقرباً إلَى الله تعالى، وبقي منها مائة، فالخيل التي في أيدي الناس اليوم، من نسل تلك المائة، قال الحسن: فلما عقر الخيل، أبدله الله - عزّ وجلّ - خيرايً منها وأوسع وهي الريح تجري بأمره كيفْ شاء. قال ابن الخطيب: وهذا عندي بعيد لوجوه: الأول: أنه لو كان مسح السوق والأعناق قطعا لكان معنى فامسحوا برؤوسكم أي اقطعوها وهذا لا يقوله عاقل، بل لو قيل: مسح رأسه بالسيف فربما فهم منه ضرب العُنُق، أما إذا لم يُذْكَر لفظ السيف لم يفهم منه البتة من المسح العقر والذبح. الثاني: أن القائلين بهذا القول جمعوا على سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أنواعاً من الأفعال المذمومة. فأولها: ترك الصلاة. وثانيها: أنه استولي عليه الاشتغل بحُبِّ الدنيا حيث نَسِيّ الصلاة وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: « (حُبُّ) الدُّنْيَا رَأسُ كُلِّ خَطيئَةٍ» . وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة. ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ وهذه كلمة لا يقولها الرجل الحَصِيف إلا مع الخادم الخسيس. وخامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل من سوقها وأعناقها وقد «نَهَى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ _ عن ذبح الحيوان إلا لمأكله» ، وهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - مع أن لفظ القرآن لم يدلّ على شيء منها. وخلاصتها: أن هذه القصص إنما ذكرها الله تعالى عقيب قوله: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ [ص: 16] وأن الكفار لما لبلغوا في السفاهة إلى هذا الحد قال الله عزّ وجلّ لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على سفاهتهم، واذكر عبدنا داود، ثم ذكر عقيبه قصّةَ سليمان فكان التقدير أنه تعالى قال لمحمد - عليه (الصلاة و) السلام -: يا محمد اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا سليمان. وهذا الكلام إنما يليق إذا قلنا: إن سليمان عليه ( الصلاة و) السلام - أتى في هذه القصة بالأعمال الفاضلة والأخلاق الحميدة وصبر على طاعة الله تعالى وأعرض عن الشهوات واللذات، فلو كان المقصود من قصة سليمان في هذا الموضع أنه أقدم على الكبائر العظيمة والذنوب لم يكن ذكر هذه القصة لائقاً. والصواب أن نقوله: إن رِبَاط الخيل كان مندوباً إليه في دينهم كما هو في دين محمد عليه (الصلاة و) السلام؛ ثم إنَّ سليمانَ - عليه (الصلاة و) السلام - احتاج إلى الغزو فجلس وأمَرَ بإحْضَارِ الخَيْل وأمر بإجرائها، وذكر أني لا أجريها لأجل الدنيا ونصيب النفس وإنما حبها لأمر الله وطلب تقوية دينه وهو المراد من قوله: ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ ثم إنه - عليه السلام - أمر بإجرائها وسيَّرها حتى توارت بالحجاب أي غابت عن بصره، ثم إنه أمر الرابضين بأن يردوها فردوا تلك الخيل إليه فلما عادت إليه طَفِقَ يَمْسَحُ سُوقَها وأعناقها والغرض من ذلك أمور: الأول: تشريفاً لها وإبانة لعزتها لكونها من أعظم الأعوان في دفع العدو. الثاني: أنه أراد أن يظهر أنه في ضبط السياسة والملك يَتَّضِعُ إلى حيث يباشر أكثر الأمور بنفسه. الثالث: أنه كان أعلم بأحوال الخيل ومراميها وعيوبها فكان يمسحها ويمسح سوقها وأعناقها حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض فهذا التفسير هو الذي ينطبق عليه لفظ القرآن ولا يلزم منه نسبة شيء من تلك المنكرات إلى سليمان عليه - (الصلاة و) السلام - والعَجَبُ منهم كيف قَبِلُوا هذه الوجوه السخيفة مع أن العقل والنقل يردها وليس لهم في إثباتها شبهة فضلاً عن حجة؟ فإن قيل: فالجمهور فسروا الآية بتلك الوجوه. فالجواب: أن نقول لفظ الآية لا يدل على شيء من تلك الوجوه التي يذكرونها لما ذكرنا، وأيضاً فإن الدلائل الكثيرة قامت على عصمة الأنبياء - عليهم (الصلاة و) السلام - ولم يدل على صحة هذه الحكايات دليل قاطع، ورواية الآحاد لا تصلح معارضة للدلائل القوية فكيف الحكايات عن أقوام لا نلتفت إلى أقوالهم؟ والذي ذهبنا إليه قولُ الزهري وابن كيسان. قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ قال بعض المفسرين: إن سليمان - عليه (الصلاة و) السلام بلغهُ خبرُ مدينة في البحر يقال لها: صيد، فخرج إليها بجنوده فأخذها وقتل ملكها وأخذ بنتاً له اسمها: «جرادة» من أحسن الناس وجهاً فاصطفاها لنفسه وأسلمت فأحبَّها فكانت تبكي على أبيها، فأمر سليمان الشيطان فمثل هلا صورة أبيها فكستها مثل كسوته وكانت تذهب إلى تلك الصورة بُكْرةً وعَشِيًّا مع جواريها يَسْجُدُ (و) نَ لها فأخبر «آصف» سليمان بذلك فكسر الصورة وعاقب المرأة وخرج وحده إلى فلاة ففرش الرّماد وجلس عليه تائباً لله تعالى، وكانت له أم ولد يُقال لها: الأمينة إذا دخل للطهارة أو لإصابة امرأة وضع خاتمة عندها وكان ملكه فيه موضعه عندها يوماً فأتاها الشيطان صاحب البحر واسمه صخر على صورة «سليمان» وقال لها يا أمينة: خاتمي فناولته الخاتم فَتَختَّم به وجلس على كرسي سليمان فعكفت عليه الطير والجن والإنس وتغيرت هيئة سليمان فأتى الأمينة لطلب الخاتم فأنكرته فعل أن الخطيبئة قد أدرتكته فكان يدور على البيوت يتكفف، وإذا قال: أنا سليمان حَثَوا عليه التراب وسَبُّوه، وأخذ ينقل السمك للسَّماكين فيعطونه كل يوم سمكتين فمكث على هذه الحالة أربعين يوماً عدد ما عبد الوثن في بيته فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم الشيطان وسأل آصف نساء سليمان فقُلْن: ما يدع امرأة (منا) في دمها ولا تغتسل من جنابة، وقيل: (بل) نفذ حكمه في كل شيء إلا فيهن، ثم طار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة، ووقعت السمكة في يد سليمان فبقر بطنها فإذا هو بالخاتم فتختم به ووقع ساجداً لله تعالى ورجع إليه ملكه وأخذ ذلك الشيطان فحبسه في صخرة ألقاها في البحر. وقيل: إن تلك المرأة لما أقدمت على عبادة تلك الصوةر افتتن سليمان فكان يسقط الخاتم من يده ولا يتماسك فيها فقال له آصف إنك لمفتون بذنبك فتُبْ إلى الله تعالى. وقيل: إن سليمان قال لبعض الشياطين: كيف تفتنون الناس: فقال: أرني خاتَمَكَ أُخْبِرْك، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر، وذهب ملكه وقعد هذا الشيطان على كرسيه ثم ذكر الحكاية إلى آخرها فقالوا: المراد من قوله: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أن الله تعالة ابتلاه، وقوله: ﴿وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ عقوبة له. قال ابن الخطيب: واستبعد أهل التحقيق هذا الكلام من وجوه: الأول: أن الشيطان لو قدر على أن يتشبه في الصورة والخلقة بالأنبياء فحينئذ لا يبقى اعتماد على شيء من ذلك فلعل هؤلاء الذين رآهم الناس على صورة محمد وعيسى وموسى - عليهم (الصلاة و) السلام) - ما كانوا أولئك بل كانوا شياطين تشبهوا بهم في الصورة لأجل الإغواء والإضلال وذلك يبطل الدين بالكلية. الثاني: أن الشيطان لو قدر أن يعامل نبي الله سليمان بمثل هذه المعاملة لوجب أن يقدر على مثلها مع جميع العلماء والزهاد وحينئذ يجب أن يقلتهم ويمزق تَصَانِيفَهُمْ، ويُخَرِّب دِيَارَهُم، ولما بطل ذلك في حق آحاد العلماء فلأن يبطل في حق أكابر الأنبياء أولَى. الثالث: كيف يليق بحكمة الله وإحسانه أن يسلط الشيطان على أزواج سليمان؟ (ولا شك أنه قبيح. الرابع: لو قلنا: إن سليمان أذن لتلك المرأة في عبادت (ها) تلك الصورة فهذا كفر منه) وإن لم يأذن فيه البتة فالذنب على تلك المرأة فكيف يؤاخذ الله سليمان بفعل لم يصدر منه؟ وأما أهل التحقيق فذكروا وجوهاً: الأول: أن فتنة سليمان أنه وُلِدَ له ابنٌ فقال الشيطان إن عاش صار ملكاً مثل أبيه فسبيلنا أن نقتله فعلم سليمان ذلك فكان يربيه في السحاب فبينما هو يشتغل بمهماته إذ لقي ذلك (الولد) ميتاً على كرسيه فتنبه على خطيئته في أنه لم يَثِقْ ويتوكلْ على الله فاستغفر ربه وتاب. الثاني: روي عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال: «قَالَ سُلَيْمَانُ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأةً كُلُّ امْرَأةٍ تَأتِي بِفَارسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَم يَقُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَطَافَ عَلَيْهنّ فَلَمْ تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشقّ رَدل والذي نفسي بِيَدِهِ لو قال إن شاء الله تعالى لَجَاهَدوا في سبيل الله فُرْسَاناً أجْمَعِينَ» فذَلك قولهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ وذلك لشدة المرض. والعرب تقول في الضعيف: «إنه لَحْمٌ على وَضَم وجسمٌ بلاَ رُوح» «ثُمَّ أَنَاب» أي رَجَعَ إلى حال الصحة. فاللفظ يحتمل لهذه الوجوه ولا حاجة إلى حمله على تلك الوجوه الركيكة. الثالث: لا يبعد أيضاً أن يقال: إنه ابْتَلاه الله تعالى بتسليط خوفٍ أو وقوع بلاء تَوَقَّعه من بعض الجهات حتى صار بسبب قوة ذلك الخوف كالجَسَدِ الضعيف الخفي على ذلك الكرسي. ثم إن الله تعالة أزال عنه ذلك الخوف وأعاده إلى ما كان عليه من القوة وطيب القلب. قوله: ﴿جَسَداً﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه مفعول به لأَلْقَيْنَا. والثاني: أنه حال، وصاحبها إما سُلَيْمَانُ لأنه يروى أنه مَرِضَ حتى صار كالجَسَد الذي لا رُوحَ فيه، وإما ولده، قالهما أبو البقاء ولكن «جَسَدٌ» جامد فلا بدّ من تأويله بمشتق أي ضعيفاً أو فارغاً. قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اغفر لِي﴾ تمسك به من حَمَلَ الكلام المتقدم على صدور الزَّلَّة لأنه لولا تقدم الذنب لما طلب المغفرة ويمكن أن يجاب: بأن الإنسان لا ينفك عن ترك الأفضل والأولى وحينئذ يحتاج إلى طلب المغفرة لأن حسان الأبرار سيئات المقربين ولأنه أبداً في مقام هَضْم النفس وإظهار الذِّلَّة والخضوع كما قال - عليه (الصلاة و) السلام -: «إنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» مع انه غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي﴾ دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مُهِمّ الدين على مُهِمّ الدينا لأن سليمان طلب المغفرة أولاً ثم طلب المملكة بعده، ثم دلت الآية أيضاً على أن طلب المغفرة من الله تعالى سبب لافتتاح أبواب الخيرات في الدنيا لأن سليمان طلب المغفرة أولاً، ثم توسل به إلى طلب المملكة ونوح - عليه (الصلاة و) السلام - قال: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السمآء عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح10 - 12] وقال لمحمد عليه (الصلاة و) السلام: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقبة للتقوى﴾ [طه: 132] . فإن قيل: قول سليمان - عليه (الصلاة و) السلام -: «هَبْ لِي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي» مشعر بالحسد. فالجواب: أن القائلين بأن الشيطان استولى على مملكته قالوا معناه هو: أن يعطيه الله ملكاً لا يقدر الشيطان على أن يقوم فيه مقامه ألبتة، وأما المنكرون فأجوابوا بوجوه: الأول: أن المُلْكَ هو القدرة فكان المراد أقدرنِي على أشياء لا يقدر عليها غيري ألبتة ليصير اقتداري عليها معجزة تدل على صحة نُبُوتي ورسالتي ويدل على صحة هذا قوله تعالى عقيبه: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ فكون الريح جارية بأمره قدرة عجيبة وملك دال على صحة نبوته لا يقدر أحد على معارضته. الثاني: أنه - عليه (الصلاة و) السلام لما مرض ثم عاد إلى الصحة عرف أن خيرات الدنيا صائرة إلى التغيرات فسأل ربه ملكاً لا يمكن أن ينتقل عنّي إلى غيري. الثالث: أنَّ الاحتراز عن طيبات الدنيا مع القدرة عليها أشق من الاحتراز عنها حالَ عَدَمِ القدرة فكأنه قال: يا إلهي أعطني مملكةً فائقةً على ممالك البشر بالكلية حتى أحْتَرِزَ عنها مع القدرة عليها ليصير (ثوابي) أكمل وأفضلَ. الرابع: سأل ذلك ليكون علماً على قبول توبته حيث أجاب الله دعاءه ورد عليه مُلْكَهُ وزاده فيه. قوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً﴾ لَيّنة أي رخوة لَيّنة، وهي من الرخاوة والريحُ إذا كانت لينة لا تزعزع (ولا تمتنع عليه إذا كانت طيبة) . فإن قيل: قد قال في آية أخرى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ [الأنبياء: 81] . فالجواب: من وجهين: الأول: لا منافاة بين الآيتين فإن المراد أن تلك الريح كانت في قوة الرِّيح العاصفة إلا أنها لما أمرت بأمره كانت لذيذة طيبة وكانت رُخَاء. الثاني: أن تلك الريح كانت لينة مرة وعاصفة أخرى فلا منافاة بين الآيتين. قوله: ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ ظرف ل «تَجْرِي» أو لسَخَّرْنَا «و» أَصَابَ» أراد بلغة حِمْيَرَ. وقيل: بلغة هَجَر وحكى الأصمعي عن العرب أنهم يقولون: أصاب الصواب فأخطأ الجواب. وروي أن رجلين خرجا يقصدان» رُؤْبَةَ «ليسألاه عن هذا الحرف فقال لهما: أين تصيبان فعرفاها وقالا هذه بغيتنا، وأنشد الثعلبيُّ على ذلك: 4274 - أَصَابَ الْجَوَابَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ ... فَأَخْطَا الْجَوَابَ لَدَى الْمَفْصَلِ أي أراد الجواب ويقال:» أصَابَ اللَّهُ بكَ خَيْراً» أي أراد بك وقيل: الهمزة في أصاب للتعدية من (أَ) صَابَ يَصُوبُ أي نزل، قال: 4275 - ... ... ... ... ... ..... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ والمفعول محذوف أي أصاب جنوده أي حيث وَجَّهَهُمْ وَجَعَلهُمْ يَصُوبُونَ صَوْبَ المطر، و «الشياطين» نسقٌ على «الريح» و «كل بناء» بدل من «الشياطين» كانوا يبنون له ما شاء من الأبنية. روي أن سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أمر الجانَّ فبنت له إصْطَخْرَ، فكانت فيها قرار مملكة النزل قيدماً، وبنت هل الجان أيضاً «تَدْمُر» وبين المقدس وباب جبرون وباب البريد الذين بدمشق على أحد الأقوال، وبنوا له ثلاثة قصور باليمن غدان وشالخين ويبنون ومدينة صنعاء. قوله: «وغواص» نسق على «بناء» أي يغوصون له فيستخرجون اللؤلؤ. وألا بصيغة المبالغة لأنه في معرض الامتنان. قوله: ﴿وَآخَرِينَ﴾ عطف على «كُلَّ» فهو داخل في حكم البدل وتقدم شرح «مُقَرَّنِينَ في الأصْفَادِ» آخِرَ سورة إبراهيم. فصل قال ابن الخطيب: دلت هذه الآية على أن الشياطين لها قولة عظيمة قدروا بها على بناء تلك الأبنية العطيمة التي لا يقدر عليها البَشَر، وقدروا على الغوص في البحار واستخراد الآلئ وقيدهم سليمان - عليه (الصلاة و) السلام -. ولقائل أن يوقل: هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهُم كثيفةً أو لطيفةً؛ فإن كانت كثيفة وجب أن يراهم من كان شديد الحاسّة؛ إذْ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجْسادهم فليَجُزْ أن تكون بحضرتنا جبال عالية وأصوات هائلة ولا نراها ولا نسمعها وذلك وذلك دخول في السَّفْسَطَةِ وإن كانت أجسادهم لطيفةً فمثل ها يمتنع أن يكون موصوفاً بالقوة الشديدة، ويلزم أيضاً أن تتفرق أجسادُهُمْ وأن تَتَمزَّق بالرِّياح العاصفة القوية وأن يموتوا (في الحال) وذلك يمنع وصفهم بالقوة وأيضاً فالجِنّ والشياطين وإن كانوا موصوفين بهذه القوة والشدة فِلَمَ لا يقتلون العُلَمَاء والزُّهَّاد في زماننا هذا ولِمَ لا يُخَرِّبُون ديار الناس مع أن المسلمين يبالغون في إظهار لعنتهم وعدواتهم وحيث لم يحس بشَيْءٍ مِنْ ذلكَ عَلِمْنَا أن القولَ بإثبات الجنِّ ضعيفٌ. قال ابن الخطيب: واعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسادهم كثيفة مع أنا لا نراهم وأيضاً لا يبعد أن تكون أجسادهم لطيفة بمعنى عدم الكون ولكنها صُلبة بمعنى أنها لا تقل التفرق. وأما الجُبَّائيّ فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام، وزعم أن الناس كانوا يشاهدونَهُمْ في زمن سُلَيْمَان - عليه (الصلاة و) السلام - ثم إنه لما توفي سليمان - عليه (الصلاة و) السلام - أمات الله أولئك الجنَّ والشياطين وخلق أنواعاً أخر من الجن والشياطين تكون أجسادهم في غاية الرّقَّة، ولا يكون لهم شيء من القوة، والموجود في زماننا من الجن والشياطين ليس إلا من هذا الجنس - والله أعلم -. قوله : ﴿هذا عَطَآؤُنَا﴾ أي قلنا له: هذَا عَطاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ، قال ابن عباس: أعطِ من شئت وامنع من شئت. قوله: «بغير حساب» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلق «بعَطَاؤُنَا» أي أعطيناك بغَيْر حساب ولا تقدير. وهو دلالة على كثرة الإعطاء. الثاني: أنه حال من «عَطَاؤُنَا» أي في حال كونه غَيْر مُحَاسَبٍ عليه لأن جَمٌّ كثيرٌ يعسر عَلى الحُسَّابَ ضَبطُهُ. الثالث: أنه متعلق «بامْنُنْ» أو «أَمْسِكْ» ، ويجوز أن يكون حالاً من فاعلهما أي غير محاسَبٍ عليه. فصل قال المفسرون: معناه لا حرج عليك فيما أعطيت وفيما (أَ) مْسَكْتَ، قال الحسن: ما أنعم الله على أحد نعمة إلا عليه تبعة إلا سليمان، فإنه (إنْ) أعْطى أجر إن لم يعط لم يكن عليه تبعة. وقال مقاتل: هذا في أمر الشياطين عين خل من شئت منهم وأمْسِكْ من شئت (منهم) في وثَاقِك لا تبعة عليك فيما تتعطاه. قوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ نسقاً على اسم «إنَّ» هو «لَزُلْفَى» وقرأ الحسنُ وابنُ أبي عَبْلَةَ برفعه على الابتداء، وخبره مضمر، لدلالة ما تقدم عليه، ويقفان على (لَزُلْفَى) ويَبْتدَئانِ ب «حُسْنَ مَآب» ؛ أي وحسن مآب له أيضاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.