الباحث القرآني

قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: هو منصوب بالمصدر أيضاً. والثاني: بمضاف مقدر أي بكَلاَم الملأ الأعلى إذْ؛ قال الزمخشري والضمير في «يَخْتَصِمُونَ» للملأ الأعلى هذا هو الظاهر، وقيل: لقُرَيْش أي يختصمون في الملأ الأعلى فبعضهم يقول: بنات الله، وبعضهم يقول غير ذلك فالتقدير إذْ يختصمون فيهم؛ (يعني) في شأنِ آدم، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] . فإن قيل: الملائكة لا يجوز أن يقال: إنهم اختصموا بسبب قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، والمخاصمة مع الله كفر. فالجواب: لا شك أنه جرى هناك سؤال وجواب وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة والمشابهة علة لجواز فلهذا السبب حسن إطلاق لفظ المخاصمة عليه، ولما أمر الله تعالى محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أن يذكر هذا الكلام على سبيل الرمز أمره أن يقول: ﴿إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ يعني أنا ما عرفت هذها لمخاصمة إلا بالوحي. قوله: ﴿إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ﴾ العامة على فتح همزة «أنَّما» وفيها وجهان: أحدهما: أنها مع ما في خبرها في محل رفع لقيامها مقام الفاعل أي ما يوحى إلَيَّ (إلا) الإنذار أو إلا كوني نذيراً مبيناً. والثاني: أنها في محل نصب أو جر بعْدَ إسقاط لام العلة والقائمة مقام الفاعل على هذا الجار والمجرور أيْ ما يوحى إليّ إلاّ للإنذار، أو لكوني نذيراً، ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل على هذا ضميراً يدل عليه السياق أي ما يوحى إليّ ذَلِكَ الشيءُ إلا للإنذار. وقرأ أبو جعفر الكسر؛ لأن الوحي قول، قاله البغوي. وهي القائمة مقام الفاعل على سبيل الحكاية كأنه قيل: ما يُوحَى إلَيَّ إلا هذه الجملة المتضمنة لهذا الإخْبار، وقال الزمخشري: (على) الحكاية أي إلا هذا القول وهو أنْ أولَ لكم إنَّمَا أَنَا نذيرٌ مبينٌ ولا أَدَّعِي شيئاً آخَرَ. قال أبو حيان: وفي تخريجه تعارض لأنه قال إلا هذا فظاهره الجملة التي هي «إنِما أنَا نذيرٌ مبين» ثم قال: وهو أن أقول لكم إني نذير، فالقائم مقام الفاعل هو أن أقوال لكم وإنِّي وما بعده في موضع نصب. وعلى قوله: «إلاّ هذا القول» يكون في موضع رفع فتَعَارَضَا. قال شهاب الدين: ولا تعارض البتة لأنه تفسير معنى في التقدير الثاني وفي الأول تفسير إعراب فلا تعارض. قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ يجوز أن يكون بدلاً من «إذْ» الأولى وأن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً قال الأول الزمخشري وأطلق، (و) أبو البقاء الثاني وأطلق وفصل أبو حيان فقال بدل من «إِذْ يضخْتَصِمُونَ» هذا إذا كانت الخصومة في شأن مَنْ يستخلف في الرض وعلى غيره من الأقوال يكون منصوباً «باذْكُرْ» انتهى قال شهاب الدين: وتِلْكَ الأقوال أن التَّخَاصُمَ إما بين الملأ الأعلى أو بين قريش وفي ما (إ) ذا كان المخاصمة خلاف. قوله: ﴿مِّن طِينٍ﴾ يجوز أن يتعلق بمحذوف صفة «لِبَشَراً» وأن يتعلق بنفس «خَالِق» . فصل اعلم أن المقصود من ذكر هذه القصة المنع من الحَسَد والكِبْر؛ لأن إبليس وقع فيما وقع فيه بسبب الحسد والكبر والكفار إنما نازعُوا محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بسبب الحَسَد والكبر فذكر الله تعالى هذه القصة ههنا ليصير سماعُها زادراً لهم عن هاتين الخَصْلَتَيْن المذمومتين، والمراد بالبشر ههنا: آدم عليه (الصلاة و) السلام -. قوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتمت خلقه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ فأضاف الروح إلى نفسه وذلك يدل على أنه جوهر شريف علويّ قدسيّن والفاء في قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ يدل على أنه كما تم (نفخ) الروح في الجَسَد توجه أمر الله عليهم بالسجود. وقد تقدم الكلام في الملائكة المأمورين بالسجود (و) هل هم ملائكة الأرض أو يدخل فيه ملائكة السموات مثل جبريل وميكائيل والروح الأعظم المذكور في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: 38] وقال بعض الصوفية: الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هم القوى النَّباتيّة والحيوانية والحسيّة والحركيّة فإنها في بدن الإنسان خوادم النفس الناطقة، وإبليس الذي لم يسجد هو القوى الوهمية التي هي المنازعة لجوهر العقل. قوله: ﴿كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ تأكيدان. وقال الزمخشري «كل» للإحَاطَةِ و «أجْمَعُونَ» للاجْتماع، فأفادا معاً أنهم سدوا عن آخرهم ما بقي منهم ملك إى سجد وأنهم سدوا جميعاً في وقت واحد غير متفرّقين. وقد تقدم الكلام معه في ذلك في سورة الحِجرِ. قوله: ﴿أَن تَسْجُدَ﴾ قد يستدل به من رى أن «لا» في «أنْ لا تَسْجُدَ» في السورة الأخرى زائدة، حيث سقطت هنا والقصة واحدة. وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ قد يستدل به من يرى جواز وقوع «ما» على العاقل؛ لأن المراد به آدم، وقيل: لا دليل فيه لأنه كان فَخَّاراً غير جسم حسَّاسٍ فأشير إليه في تلك الحالة. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا الخطاب إنما كان بعد نَفْخ الرُّوح فيه لقوله: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر: 29] فلما امتنع من السجود قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقيل: ما مصدرية غير مارد فيكون واقعاً موقع المفعول به أي لمخْلُوقي. وقرأ الجّحْدريّ «لَمَّا» بتشديد الميم وفتح اللام وهي «لَمَّا» الظرفية عند الفارسيِّ، وحرف وجوب لوجوب عند سيبَويْهِ، والمسجود له على هذا غير مذكور؛ أي ما منعك من السجود لَمَّا خلقتُ أي حين خلقتُ لمن مرتك بالسجود له. قرئ: «بِيدَيِّ» بكسر الياء كقراءة حمزة: ﴿بِمُصْرِخِكُمْ﴾ [إبراهيم: 22] وتقدم ما فيها وقرى: بِيَدِي بالإفراد. قوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ قرأ العامة بهمزة الاستفهام، وهو استفهام توبيخ وإنكار، و «أم» متصلة هنا، وهذا قول جمهور النَّحْويِّينَ ونقله ابنُ عطيةَ عن بعض النحويين أنا لا تكون معادلة للألف مع اختلاف الفعلين وإنما تكون معادلة إذا دخلتا على فعل واحد كقولك: أَقَامَ زَيْدٌ أَمْ عَمْرٌو، وأزيدٌ قَامَ أمْ عمرٌو، وإذا اختلفت الفعلان كهذه الآية فليست معادلةً وهذا الذي حكاه عن بعض النحاة مذهب فاسد بل جمهور النحاة على خلافه. قال سيبويه: وتقول: أَضَرَبْتَ زيداً أمْ قَتَلْتَهُ، فالبداءَةُ هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحَدِهما لا تدري أيُّهما كان، ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت: أيّ ذلك كان انتهى، فعادل بها الألف مع اختلاف الفعلين، وقرأ جماعة منهم ابنُ كَثيرٍ - وليست مشهورةً عنه - اسْتكْبَرْتَ بألف الوصل؛ فاحتملت وجهين: أحدهما: أن يكون الاستفهام مراداً يدل عليه «أم» كقوله: 4282 - ... ... ... ... ... ..... بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أَمْ بِثَمانِ وقوله: 4283 - تَرَوَّحُ مِنَ الحَيِّ أَمْ تَبْتَكِرُ..... ... ... ... ... ... فتتفق القراءتان في المعنى، واحتمل أن يكون خبراً محضاً، وعلى هذا «فأم» منقطعة لعدم شرطها. فصل المعنى استكبرت الآن أم كنت من المتكبرين أبداً أي من القوم الذين يتكبرون فتكبرت عن السجود لكونك منهم فأجاب إبليس بقوله: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ فبين كونه خيراً منه بأن أصله من النار، وأصل آدم من الطين، والنار أشرق من الطين، والدليل على أن النَّارَ أفضلُ من الطين أن الأجرام الفَلَكِيَّة أفضلُ من الأجرام العُنْصُريَّة، والنار أقرب العاصر من الفَلَك والأرض أبعدها عنه، فوجب كونُ النار أفضلَ من الأرض وأيضاً فالنار خليفة الشمس والقمر في إضاءة العالم عند غيبتهما، والشمس والقمر أشرف من الأرض فخليفتهما في الإضاءة أفضل من الأرض وأيضاً فالكيفية الفاعلة الأصلية غما الحرارة أو البرودة والحرارة أفضل من البرودة لأن الحَرارة تناسب الحياة والبرودة تناسب الموت، وأيضاً فالنار لطيفة، والأرض كثيفة، واللطافة أشرف من الكثافة وأيضاً فالنار مشرقة والأرض مظلمة، والنور خير من الظلمة، وأيضاً فالنار خفيفة تشبه الروح، والأرض كثيفة تشبه الجسد، والروح أفضل من الجسد فالنار أفضل من الأرض، وذهب آخرون إلى تفضيل الأرض على النار، وقالوا: إن الأرض أمينٌ مُصلح فإذا أوْدَعْتَهُ حبَّةً ردَّها إليك شجرةً مثمرةً، والنار خائنٌ مفسد كُلَّ ما سلمته إليه وأيضاً فالنار بمنزلة الخادم لِمَا في الأرض إن احتيج إليها استُدْعِيَتْ استدعَاء الخادم وإن استغني عنها طردت وأيضاً والأرض مستولية على النار فإنها تطفئ النار وأيضا فإن استدلال إبليس بكون أصله خيراً من أصله فهو استدلال فاسدلأن أصل الرماد وأصل البساتين المزهرة والأشجار المثمرة هو الطين، ومعلوم بالضرورة أن الأشجار المثمرة خير من الرماد وأيضاً (هب) أن اعتبار هذه الجهة يوجب الفَضيلة إلا ان هذا يمكن أن يعارَض بجهةٍ أخرى فوجب الرُّجْحَانُ مثل إنسان نَسِيب عارٍ عن كل الفضائل فإنّ نَسَبَهُ يوجب رُجْحَانَهُ إلا أن من لا يكون نسيباً قد يكونُ كثيرَ العلم والزهد فيكون أفضل من النّسيب بدرجات لا حدّ لها فكذبت مقدمة إبليس. فإن قيل: هب أن إبليس أخطأ في هذا القياس لكنه كيف لزمخ الكفر في تلك المخالفة؟ وتقرير هذا السؤال من وجوه: الأول: أن قوله: «اسْجُدُوا» أمرٌ والأمر لا يقتضي الوجوب بل النَّدْبَ، ومخالفة الندب لا تقضي العصْيَانَ فضلاً عن الكفر، (وأيضاً فالذين يقولون: إن الأمر للوجوب فهم لا ينكورن كونه محتملاً للندب احتمالاً ظاهراً ومع قيام الاحتمال الظاهر كيف يلزم العصيان فضلاً عن الكفر؟ ﴿) . الثاني: هب أنها للوجوب إلاّ أنَّ إبليس ما كان من الملائكة فالأمر (بالسدود) لآدم لا يدخل فيه إبليس. الثالث: هب أنه تناوله إلا أن تخصيص العام بالقياس جائز فجاز أن يخصص نفسه من عموم ذلك الأمر بالقياس. الرابع: هب أنه لم يسجد مع علمه بأنه كان مأموراً به إلا أن هذا القدر يوجب العِصْيَانَ ولا يوجب الكفر فكيف لزمه الكفر؟﴾ . فالجواب: هب أن صيغة الأمر لا تدل على الوجوب ولكن يجوز أن ينضم إليها من القراءن ما يدل على الوجوب وههنا حصلت تلك القرائن وهي قوله تعالى: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ ، فلما أتى إبليس بقياسه الفاسد ودل ذلك على أنه إنما ذكر القياس ليتوسل به إلى القَدْح في أمر الله وتكليفه وذلك يوجب الكفر. وإذا عرفتَ هذا فنقول: إن إبليس لما ذكر هذا القياس الفاسد قال تعالى: ﴿فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ وقد ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الحكم معلَّلاً بذلك الوصف، وههنا الحكم بكونه رجمياً ورد عيبَ ما حكمى عنه أنه خصص النص بالقياس فهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس يوجب هذا الحكم. قوله: «مِنْهَا» أي من الجنة أو من الخِلْقَة لأنه كان حَسَناً فرَجَعَ قبيحاً؛ وكان نُورَانِيًّا فعاد مُظْلِماً. وقيل: من السَّمَوَاتِ وقال هنا لَعْنَتِي وفي غيرها اللَّعنة، وهما وإن كانا في اللفظ عامًّا وخاصًّا إلا أنهما من حيث المعنى عامًّان بطريق اللازم لأن من كانت عليه لعنة الله كانت عليه لعنة كل أحدٍ لا مَحَالَةَ، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] وباقي الجملة تقدم نظيرُها؟ قوله: «الرَّجِيم» المرجوم والرَّجم ههنا عبارة عن الطَّرْد؛ لأن الظاهر أن من طُرِدَ فقد يرمى بالحجارة وهو الرجم فلما كان الرجم من لوازم الطرد جعل الرجم كناية عن الطرد. فإن قيل: الطرد هو اللَّعن، فلو جملنا قوله: «رَجيمٌ» (على الطرد) لكان قوله بعد ذلك: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتيا﴾ تَكْرَاراً. فالجواب: من وجهين: الأول: أنّا نحمل الرجم على الطرد من الجنة من السموات ونحمل اللعن على الطرد من رحمة الله. الثاني: أنا نحمل الرجم على الطرد ونحمل قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي إلى يَوْمِ الدين﴾ على أنه الطرد إلى يوم القيامة فيكون على هذا فيه فائدة زائدة ولا يكون تكراراً، وقيل: المراد بالرجم كون الشياطين مرجومين بالشهب. فإن قيل: كلمة «إلى» لانتهاء الغاية فقوله: ﴿إلى يَوْمِ الدين﴾ يقتضي انقطاع تلك اللعنة عند مجيء يوم الدين وأجاب الزمخشري بأن اللغنة باقية عليه في الدنيا فإذا جاء يوم القيامة حصل مع اللعنة أنواع من العذاب فتصير اللعنة مع حصرها منفية واعمل أنَّ إبليس لما صار مغلوباً قال: «فَانْظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» ، قيل: إنما طلب الإنظار إلى يوم القيامة لأجل أن يتخلص من الموت لأنه إذا أُنظر إلى يوم البعث لم يَمُت قبل يوم البعث وعند مجيء البعث لا يموت فحينئذ يتخلص من الموت فقال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ أي إنك من المنظرين إلى يوم يعلمه الله ولا يعلمه أحد سواه فقال إبليس: «فَبِعِزَّتِكَ» وهو قسم بعزة الله وسلطانه لأُغْوِيَنَّهُم أَجْمَعِينَط فههنا أضاف الإغواء إلى نفسه على مذهب القَدَرِيَّة، وقال مرة أخرى: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي فأضاف الإغواء إلى الله على ما هو مذهبُ الجَبْرية. ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ قيل: إن غرض إبلس من هذا الاستثناء أن لا يقع في كلامه الكذب لأنه لو لم يذكر هذا الاستثناء او أدعى أنه يغوي الكل لظهر كذبه حين يعجز عن إغواء عباد الله المخلصين وعند هذا يقال: إن الكذب شيء يستنكفُ منه إبليس فكيف يليق بالمسلم (الإقدام عليه) ؟ وهذا يدل على أن إبليس لا يُغْوي عباد الله المخلصين، وقد قال الله تعالى في صفة يُوسُفَ عليه (الصلاة و) السلام -: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين﴾ [يوسف: 24] فتحصل من مجموع الآيتين أن إبليس ما أغوى يوسفَ عليه السلام فدل على كذب المَانَوِيَّة فيما نسبوه إلى يوسف - عليه (الصلا و) السلام - من القبائح. قوله: ﴿فالحق والحق﴾ قرأهما العامة منصوبيين، وفي نصب الأول أوجه: أحدها: أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب كقوله: 4284 - فَذَاكَ أَمَانَةَ اللَّهِ الثَّرِيدُ ... وقوله: لأَمْلأَن (جَهَنَّمَ) جواب القسم، قال أبو البقاء: إِلاَّ أَنَّ سِيبَوَيْهِ يدفعه لأنه لا يجوز حذف حرف القسم إِلاَّ مع اسم الله ويلكون قوله: ﴿والحق أَقُولُ﴾ معترضاً بين القسم وجوابه قال الزمخشري: كأنه قيل: ولا أقولُ إلاَّ الحَقَّ يعني أن تقديم المفعول أفاد الحصر. والمراد بالحق إما الباري تعالى كقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾ [النور: 25] وإمّا نقيض الباطل. والثاني: أنه منصوب على الإغراء أي الزّمُوا الحَقَّ. والثالث: أنه مصدر مؤكد لمضْمُونِ قَوْلِهِ: «لأَمْلأَنَّ» قال الفَّرَاء: هو على معنى قولك: حَقًّا لآتَينَّكَ، ووجود الألف واللام وطرحهما سواء (أي لأملأن جهنم حقاً) انتهى. وهذا لا يتمشّى مع قول البصريين، فإن شرط نصب المصدر المؤكد لمضمون الجملة أن يكون بعد جملة ابتدائية جزءاها معرفتان جَامِدان وجوز ابن العِلْجِ أن يكون الخبر نكرة، وأيضاً فإن المصدر المؤكد لا يجوز تقديمه على الجملة المؤكدة هو لمضمونها؛ وهذا قد تقدم. وأما الثاني فمنصوب «بأَقُولُ» بعده، والجملة معترضة كما تقدم، وجوز الزمخشري أن يكون منصوباً على التكرير بمعنى (أنَّ) الأولَ والثانيَ كليهما منصوبان بأقُولُ وسيأتي إيضاح ذلِك في عبارته وقرأ عاصمٌ وحمزة برفع الأول ونصب الثاني، فرفع الأول من أوجه: أحدهما: أنه مبتدأ وخبره مضمر تقديره فالحق مِنِّي أو فالحَقُّ أَنَا. والثاني: أنه مبتدأ خيره «لأَمْلأَنَّ» ، قاله ابن عطية، قال: لأن المعنى إني أمْلأُ. قال أبو حيان: وهذا ليس بشيء؛ لأن «لأَمْلأَنَّ» جوابُ قسم ويجب أن يكون جملة فلا تَتَقَدَّرُ بمفرد، وأيضاً ليس مصدراً مقدراً بحرف مصدريّ والفعل حتى ينحل إليهما وَلِكنَّهُ لما صحَّ إِسناد ما قدر إلى المبتدأ حكم أنَّه خبرٌ عنه. قال شهاب الدين: وتأويل ابن عطية صحيحٌ من حيث المعنى لا من حيثُ الصناعةُ. الثالث: أنه مبتدأ خبره مضمر تقديره فالحَقُّ قَسَمِي و «لأَمْلأَنَّ» جواب القسم، كقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72] ولكن حذف الخبر هنا ليس بواجب لأنه ليس نصاً في اليمين، بخلاف «لعمرك» ومثله قول امرئ القيس: 4285 - فَقُلْتُ يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي وأما نصب الثاني فبالفعل بعده، أي وأنا أقولُ الحقَّ وقرأ ابنُ عَبَّاس ومجاهدٌ والأعمشُ برفعهما، فرفع الأول على ما تقدم، ورفع الثاني بالابتداء وخبره الجملة بعده، والعائدُ محذوفٌ كقوله تعالى في قراءة ابن عارم: «وَكُلٌّ وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى» وقوله أبي النَّحْمِ: 4286 - قَدْ أَصْبَحَتْ أُمُّ الخِيَارِ تَدَّعِي ... عَلَيَّ ذَنْباً كُلُّهُ لَمْ أَصْنَعِ ويجوز أن يرتفع على التكرير عند الزمخشري وسيأتي، وقرأ الحسن وعيسى بجرِّهما وتخريجهما على أن الأول مجرور بواو القسم مقدرة فَوَالحَقِّ و «الحَقّ» عطف عليه كقولك: وَاللَّهِ وَاللَّهِ لأَقُومَنّ «، و» أَقُولُ «اعتراضٌ بين القسم وجوابه ويجوز أن يكون مجرواً على الحكاية وهو منصوب المحلّ» بأقولُ «قال الزمخشريّ: ومجرورين - أي وَقُرِئَا مَجْرُورَيْنِ - على أن الأول مقسم به قد أضمِر حرف قسمه كقولك:» (و) اللَّهِ لأَفْعَلَنّ والحَقِّ أقولُ» أي ولا أقولُ إلاّ الحقَّ على حكاية لفظ المقسم به ومعناه التوكيد والتشديد، وهذا الوجه جائز في المرفوع والمنصوب أيضاً وهو جهٌ دقيقٌ حسنٌ انتهى. يعني أنه أعمل القول في قوله: «وَالحَقّ» على سبيل الحكاية فيكون منصوباً بأقول سواء نُصب أو رُفِعَ أو جر كأنه قيل: وأقول هذا اللفظ المتقدم مقيداً بما لفظ به أولاً. فصل معنى لأملأن جهنم منك أي من جنْسِكَ وهم الشياطين وممَّن تبعك منهم من ذرية آدم. قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ فيه وجهان: أظهرهما: أنه توكيد للضمير في «منك» ولمن عطف عليه في قوله «ومَّنْ تَبِعَكَ» والمعنى لأملأن جهنم من (المَتْبُوعينَ والتابعين لا أترك منهم أحداً، وجيء بأجمعين دون كلن وقد تقدم أن الأكثر خلافُهُ وجوز الزمخشري أن يكون تأكيداً للضمير في «مِنْهُمْ» خاصة، فقدر: لأملأن جهنَّم من) الشياطين وممن تبعهم من جميع الناس لا تفاوت في ذلك بين ناسٍ وناسٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.