الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أي سَتَمُوتُ «وإنهم مَيِّتُون» أي سيموتون. قال الفراء والكسائي: المَيِّتُ - بالتشديد - من لم يَمُتْ وسَيَمُوت والمَيْتُ - بالتخفيف - مَنْ فَارٌقَهُ الروحُ ولذلك لم يخفف ههنا. والعامة على مَيّت وميّتون، وقراءة ابن مُحَيْصِنٍ وابن أبي عبلة واليماني: مَائِتٌ ومَائِتُونَ، وهي صفة مشعرة بحدوثها دون مَيّت، وقد تقدم أَنه لا خلاف بين القراء في تَثْقِيل مثْلِ هذا. فصل والمراد أن هؤلاء الأقوام وإن لم يلتفتوا إلى هذه الدلائل القاهرة لأجل الحسد فلا تبال يا محمد بهذا فإنك ستموت وهم أيضاً يموتون «ثُمَّ إنَّكُمْ» تحشرون يوم القيامة وتختصمون عند الله تعالى والعادل الحق بينكم فيوصل إلى كل أحد حقه وحينئذ يتميز المحق من المبطل. ثم إنه تعالى بين نوعاً آخر من قابئح أفعالهم وهم أنهم يكذبون ويضمون إليه أنهم يذكبون القائل المحق أما كذبهم فهو أنهم أثبتوا لله ولداً وشركاء، وأما تكذيبهم الصادق فلأنهم يكذبون (القائل المحق) محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بعد قيام الدلائل القاطعة على كونه صادقاً في ادِّعاء النُّبُوة، ثم أردفه بالوعيد فقال: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ أي منزل ومقام للكافرين، وهذا استفهام بمعنى التقرير. ولما ذكر (الله) من افترى على الله الكذب أو كذب بالحق ذكر مقابلهُ وهو الذي جاء بالصِّدْق وصدَّق به، وقوله: ﴿والذي جَآءَ بالصدق﴾ لفظ مفرد، ومعناه جَمْع لأنه أريد به الجنسُ، وقيل: لأنه قصد به الجزاء وما كان كذلك كثر فيه وقوع: «الذي موقع» الذين «ولذلك رُوعِيَ معناه فجمع في قوله: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾ كما روعي معنى» مَنْ «في قوله: ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ فإن» الكافرين «ظاهرةٌ واقعٌ مَوْقع المضمر؛ إذ الأصل مَثْوّى لَهُمْ وقيل: بل الأصل: والذين جاء بالصدق فحذفت النون تخفيفاً كقوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة: 69] وهذا وَهَم؛ إذٍ لو قصد ذلك لجاء بعده ضمير الجمع فكان يقال: والِّذِي جَاءُوا، كقوله: ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة: 69] ويدل عليه أن نون التثنية إذا حذفت عاد الضمير مثنًّى كقوله: 4300 - أَبَنِي كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذَا ... قَتَلاَ الْمُلُوكَ وَفَكَّكَا الأَغْلاَلاَ ولَجَاء كقوله: 4301 -[و] إنَّ الِّذِي حَانَتْ بِفلْجٍ دَمَاؤُهُمْ ... هُمُ القَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ وقرأ عبد الله: «والَّذِي جَاءُوا بالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ» وقد تقدم تحقيق نظير الآية في أوائل البقرة وغيرها: وقيل: «الذي» صفة لموصوف محذوف بمعنى الجمع تقديره والفريق أو الفوج، ولذلك قال: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾ وقيل: المراد لذي واحد بعينه وهو محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ولكن لما كان المراد هو وأتباعه ذلك فجمع واحد فقال: ﴿أولئك هُمُ﴾ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: 49] قاله الزمخشري، وعبارته: هو رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أرد به إياهُ وَمَنْ تَبِعَهُ كما أراد بموسى إياهُ وَقَوْمَهُ، وناقشه أبو حيان في إيقاعِ الضمير المنفصل موقع المتصل، قال: وإصلاحه أن يقول: وأراده به كما أرادهُ بموسى وقومه، قال شهاب الدين: ولا مناقشة لأنه مع تقديم «به» و «بموسى» لغرض من الأغراض استحال اتِّصال الضمير، وهذا كالبحث في قَوِلِهِ تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: 131] وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: 1] وهو أن بعض الناس زعم أنه يجوز الانفصال مع القدرة على الاتصال. وتقدم الجواب بقريب مما ذكرنا هَهنا، وتقدم بيان حكمة التقديم ثمة. وقول الزمخشري إن الضمير في «لعلهُمْ يَهْتَدُونَ» لموسى وقومه فيه نظر بل الظاهر خصوص الضمير بقومه دونه لأنهم هم المطلوب منهم الهداية، وأما موسى - عليه (الصلاة و) السلام - فمهتدٍ ثابتٌ على الهداية وقال الزمخشري أيضاً: ويجوز أن يريد: والفوج أو الفريقَ الذي جاء بالصدق وصدق به وهم الرسول الذي جاء بالصدق وصاحبته الذين صدقوا به قال أبو حيان: وفيه توزيع للصّلة، والفوجُ هو الموصول فهو كقولك: «جَاءَ الفَريقُ الَّذي شَرف وشرف» والأظهر عدم التوزيع بل المعطوف على الصلة صلة لمن له الصلة الأولى. وقرأ أبو صَالِح وعكرمةُ بنُ سُلَيْمَانَ ومحمد بن جَحَادَةَ مخففاً بمعنى صدق فيه ولم يغيره بل أداه من غير تحريف، وقُرِئَ: «وَصُدِّقَ بِهِ» مشدِّداً مبنياً للمفعول. فصل المعنى فمن أظلم ممن كذب على الله فزعم أن له ولداً وشريكاً وكذَّب بالصِّدْق بالقرآن، أو بمحمد إذْ جَاءَهُ، ثم قال ﴿والذي جَآءَ بالصدق﴾ قال ابن عباس: والَّذِي جاء بالصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وصَدَّق به محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تلقّاه بالقبول، وقال أبو العالية والكلبي: والذي جاء بالصدق: رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وصدق به: أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وقال قتادة: والذي جاء بالصدق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وصدق به: هم المؤمنون لقوله: ﴿أولائك هُمُ المؤمنون﴾ [الأنفال: 4] وقال عطاء والذي جاء بالصدق: الأنبياء وصدق به: الأتباع وحنيئذ يكون «الَّذي» بمعنى «الَّذِينَ» كقوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] وقال الحسن: هم المؤمنون صدقوا به في الدينا وجاءوا به في الآخرة، ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾ وهذا لايفيد العبدية بمعنى الجهة والمكان بل بمعنى الإخلاص، كقوله: ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ﴾ [القمر: 55] . ثم قال: ﴿جَزَآءُ المحسنين﴾ قالت المعتزلة: وهذا يدل على أن الأجر مستحق لهم على إحسانهم في العبادة. قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ الله﴾ في تعلق الجار وجهان: أحدهما: أنها متعلقة بمحذوف أي يَسَّرَ لهم ذلك ليُكَفَّر. والثاني: أن تتعلق بنفس الْمُحْسِنِينَ كأنه قيل: الذين أحسنوا ليُكَفّر أي لأجل التكفير. قوله: ﴿أَسْوَأَ الذي﴾ الظاهر أنه أفعل تفضيل، وبه قرأ العامة وقيل: ليست للتفضيل بل بمعنى سيءَ الذي عملوا كقولهم: «الأشَجُّ والنَّاقِصُ أَعدلاَ بَنِي مَرْوانَ» أي عَادِلاَهُمْ ويدل عليه قراءة ابن كثير - في رواية -: أَسْوَاءَ بألف بين الواو والهَمْزَة بزنة أعماله جمع سُوءٍ، وكذا قرأ في: «حم» السَّجْدَةِ. فصل قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على حصول الثواب على أكمل الوجوه، وقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ﴾ يدل على سقوط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ومعنى تكفيرها أي يسترها عليهم بالمغفرة ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون وقال مقاتل: يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم ولا يجزيهم بالمَسَاوِئِ، قال ابن الخطيب: واعلم أن مقاتلاً كان شيخ المُرْجِئَة وهم الذين يقولون: لا يضرّ شيءٌ من المعاصي مع الإيمان كما لا ينفع شيءٌ من الطاعات مع الكفر. واحتج بهذه الآية فقال: إنها تدلُّ على أن من صدق الأنبياء والرسل فإنه تعالى يكفر عنهم أسوأ الذي عملوا ولا يجوز حمل هذا الأسوأ على الكفر السابق لأن ظاهر الآية أن التكليِيف إنما حصل في حال وصفهم بالتَّقْوَى، (وهو التقوى) من الشرك وإذا كان كذلك وجب أن يكون المراد منه الكبائر التي أيتي بها بعد الإيمان فتكون هذه الآية تَنْصِيصاً على أنه تعالى يكفر عنهم بعد إيمانهم (أَسْوأَ) ما يأتون به وذلك هو الكبائر. قوله: ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ العامة على توحيد «عَبْده» ، والأَخَوَانِ عِبَادَهُ جمعاً، وهم الأنبياء وأتباعهم، وقرئ «بِكَافِي عِبَادِهِ» بالإضافة ويُكَافِي مضارع كافي عِبَادَهُ نُصب على المفعول به. ثم المفاعلة هنا تحتمل أن تكون معنى «فَعَلَ» نحو: يُجَازِي بمعنى يَجْزِي وبني على لفظ المفاعلة لما تقدم من أن بناء المفاعلة يشعر بالمبالغة لأنه للمغالبة، ويحتمل أن يكون أصله يُكافيءُ بالهمز من المكافأة بمعنى يَجْزِيهم فخففت الهمزة وهذا استفهام تقرير. قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ يجوز أن يكون حالاً؛ إذ المعنى أليس (اللَّهُ) كَافِيكَ حالَ تخويفهم إياك بكَذَا كأَنَّ المعنى أنه كافِيهِ في كل حال حتى في هذِهِ الحال، ويجوز أن تكونَ مستأنفةً. فصل من قرأ بكافٍ عَبْدَهُ يعني محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ومن قرأ عباده يعني الأنبياء عليهم (الصلاة و) السلام قَصَدَهُمْ قومُهُمْ بالسوء كما قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ} [غافر: 5] وكفاهم اللَّهُ شَرَّ من عاداهم. وقيل: المراد أن الله تعالى كفى نوحاً - عليه (الصلاة و) السلام - وإبراهيم النار ويونس ما دفع فهو سبحانه وتعالى كافيك يا محمد كما كفى هؤلاء الرسل قبلك. وقوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ﴾ وذلك أن قريشاً خوفوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مُعَادَاةَ الأوثانِ وقالوا: لَتَكُفَّنَّ عن شتم آلهتنا أو ليُصِبَّنَّكَ منهم خَبَلٌ أو جنونٌ، فأنزل الله هذه الآية. ولما شرح الوعد والوعيد والترغيب ختم الكلام بخاتمة هي المفصل الحق فقال: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾ أي هذه الدلائل والبينات لا تنفع إلا إذا خص الله العبد بالهداية والتوفيق، ثم قال: ﴿أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام﴾ وهذا تهديدٌ للكُفَّار. فصل احتج أهل السنة بهذه الآية على مسألة خلق الأعمال لأن قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ﴾ صريح في ذلك، وتمسك المعتزلة بقوله أليس الله بعزيز ذِي انتقام ولو كان الخَالق للفكر فيهم هو الله تعالى لكان الانتقام والتهديد غير لائق. والله أعلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.