الباحث القرآني

في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان: الأوَّلُ: أنَّهُ تعالى لَمَّا بَيَّن الحكم في مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بَيَّنَ في هذه الآية كيفية تملك الأيتام المال بالإرث. الثَّاني: أنَّهُ لمَّا بين حكم الميراث مجملاً في قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون﴾ فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل. فصل اعلم أنَّ الوراثة كانت في الجاهليَّةِ بالذُّكورة والقوَة، وكانوا يورثون الرّجال دون النِّسَاء والصّبيان، فأبطل الله ذلك بقوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 7] الآية. وكانت أيضاً في الجاهليَّة وابتداء الإسلام بالمخالطة، قال تعالى: ﴿والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33] . ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72] فنسخ اللهُ ذلك كله بقوله: ﴿وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله﴾ [الأنفال: 75] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثَّلاثة: النّسب، أو النكاح، أو الولاء. وقيل: كانت الوراثة أيضاً بالتَّبنِّي، فإنَّ الرَّجل منهم كان يتبنَّى ابنَ غَيْره فَيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النَّسب فيرثه، وهو نوع من المعاهدة المتقدِّمَةِ، وكذلك بالمؤاخَاةِ. وقال بعض العلماء: لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم الله عليه فقوله: {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون} [النساء: 33] [ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة] والنصيحة وحسن المعاشرة. فصل: سبب نزول الآية روى عطاء قال: استشهد سعدُ بْنُ الرَّبِيع النَّقيب، وترك ابنتين وامرأة وأخاً، فأخذ الأخ المال كُلَّهُ، فأتت المرأةُ إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقالت: يا رسول اللهِ هاتان ابنتا سَعْدٍ، وإن سعداً قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السلام: «ارجعي فَلَعَلَّ اللهَ سَيَقْضِي [فيه] » ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل الله هذه الآية، فدعا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عمَّهما، وقال له: «أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقي فَهُوَ لَكَ» فهذا أوَّلُ ميراث قُسِّمَ في الإسلام. وقال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ: ننزل في أم كُحَّة امرأة أوس بْنِ ثَابتٍ وبناته. وروى جابر قال: جاء رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأنا مريض لا أعقِلُ فتوضّأ فَصَبَّ عَلَيَّ من وضوئه فقلتُ: يا رسول الله لمن المِيرَاثُ، وَإنَّمَا يرثُنِي كَلاَلَةٌ فنزلت آية الفرائض. فصل قال القَفَّالُ: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ أي: يقول لكم قولاً يوصلكم إلى إيفاءِ حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصَالُ يقال: وصى يصي إذا وَصَلَ، فإذا قيل: أوصاني، فمعناه: أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وَصَّى وهو على المبالغة. وقال الزَّجَّاج: معنى قوله هاهنا ﴿يُوصِيكُمُ﴾ أي: يَفْرِضُ عليكم؛ لأنَّ الوصية مِنَ الله إيجابٌ لقوله بعد نَصِّه على المحرمات ﴿ذلكم وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: 151] . وقرأ الحسن وأبي عبلة ﴿يُوصِيكُمُ﴾ بالتَّشديد، وقد تَقَدَّمَ أنَّ أوْصَى ووصَّى لغتان. قوله: ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾ قيل: ثَمَّ مضاف محذوف أي: في أولاد موتاكم. قالوا: لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخَاطِبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولاده، ويُفْرَضَ عليه ذلك. وقال بعضهم: إن قلنا إنَّ معنى ﴿يُوصِيكُمُ﴾ «يبين لكم» لم يحتج إلى هذا التقدير، وقَدَّر بَعْضُهُم قبل: ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾ مضافاً، أي: في شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم. قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ﴾ هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ ب «يوصي» ؛ لأنَّ المعنى: يَفْرِضُ لكم، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء، فإنَّهُ يُجْرٍي ما كان بمعنى القول مُجْراه في حكاية الجملِ، فالجملةُ في موضع نَصْب ب «يوصيكم» . وقال مَكِّيٌّ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ﴾ ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا. وقال الكِسَائِيُّ: «ارتفع» مثل «على حذف» أنَّ «تقديره: أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ، وبه قرأ ابن ابيب عبلة، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ، فَإنَّهُ قال: وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ . وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ﴾ لا بُدَّ من ضمير يعود على ﴿أَوْلاَدِكُمْ﴾ من هذه الجملة، فيحتمل أن يكون مجذوفاً أي: للذكر منهم نحو:» السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم» قاله الزمخشريُّ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك، والأصل: لذكرهم و «مثل» صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي: للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين. فإن قيل: لا يقال في اللُّغَةِ: أوصيك لكذا، فكيف قال هنا: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ ؟ . فالجوابُ: أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً، فلهذا قال بعد قوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ قولاً مستأنفاً وهو قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً﴾ [الفتح: 29] أي: قال لهم مغفرة؛ لأن الوعد قولٌ. فصل اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأوْلاَدِ؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولده أشدّ التّعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين. فحال الانفراد [ثلاثة] إمَّا أن يَكُونُوا ذكوراً وإناثاً، أو ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، فإنْ كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بَيَّنَ اللهُ تعالى حكمهم بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فبين تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين. قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ الضمير في «كُنَّ» يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله: ﴿في أَوْلاَدِكُمْ﴾ . فإنَّ التَّقدير: في أولادكم الذُّكور والإناث، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور، وفي قوله عليه السَّلام «ورب الشياطين ومن أضللن» لعوده على جماعة الإناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى [والأحرى] ، وهذا معنى قول أبي حيَّان: وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله «اللهم رب السموات ومن أضللن الأرضين وما أقللن» ذَكَر ذلك النحويون. وقيل: الضَّمير يعود على المتروكات أي: فإن كانت المتروكات، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبُو البقاء ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ: فإنْ كانت البنات أو المولودات. فإذا تقرر هذا ف «كُنَّ» كان واسمُها و «نسَاءٌ» خبرها، و «فوق اثنتين» ظرف في فائدةٌ، ألا ترى أنَّه لو قيل: «إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا» لم يَكُنْ فيه فائدةٌ. وأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين: أحدهما: أن يكون الضمير في «كُنَّ» ضميراً مبهماً، و «نساء» منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني: تمييزاً، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في «كَانَتْ» من قوله: {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً} على أنَّ «كن» تَامَّةٌ. والوجه الآخر: أن يكون «فوق اثنتين» خبراً ثانياً ل «كُنَّ» وَرَدَّهما عليه أبو حيّان: أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ «كانَ» ليْسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال ب «نعم» و «بئس» وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني، فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله «فإن كن نساء» لم يُفِدْ شيئاً؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ. قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قرأ الجمهور «ثلُثا» بضمِّ اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد. قال النَّحَّاسُ: من الثُّلث إلى العشر. وقرأ الحسن ونعيمُ بن ميسرةَ «ثُلْثا» و «الثُّلْثُ» و «النِّصْفُ» و «الرُّبْع» و «الثُّمْنُ» كلُّ ذلك بإسكان الوسط. وقال الزَّجَّاجُ: هي لغة واحدة، والسُّكونُ تخفيف. فصل بَيَّنَ في هذه الآية ما إذا كانوا إناثاً فقط، فقال: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾ ، إلا أنَّه تعالى لم يَبيِّن حُكْمَ الْبِنْتَين تصريحاً، واختلفوا فيه: فعن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال: الثُّلثان فرض الثلاث من البنات فصاعداً، وأمَّا فرض البنتين فهو النّصف؛ لهذه الآية؛ لأنَّ لفظة «إن» في اللُّغة للاشتراط، وذلك يدلُّ على أن أخذ الثُّلثي مشروطاً بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعداً. والجواب من وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾ فجعل حصول النّصف مشروطاً بكونها واحدةً، وذلك ينفي حصول النّصف نصيباً للبنتين وقد جعل النّصف نصيبَ البنتين، فهذا لازم لَهُ. الثَّاني: لا نُسَلِّمُ أنَّ كلمة «إن» تَدُلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لأنَّهُ لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين؛ لأن الإجماع دَلًّ على أنَّ نَصِيبَ البنتين إمَّا النِّصْفُ، وإمَّا الثُّلثان، وبتقدير أن تكون كلمة «إن» للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أنَّ القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلاً ولأنَّهُ تعالى قال: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] وقال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101] ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات. الثَّالث: أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير: فإن كُنَّ نِسَاءً اثنتين فما فَوْقَهُمَا فلهن الثُّلثان. وَأمَّا سَائِرُ الأمَّةِ، فأجمعوا على أنَّ فرض البنتين الثلثان. قال أبو مسلم الأصفهاني: عرفناه من قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب الذكر مثل حظ الأنثيين، ونصيبُ الذكر هاهنا الثُّلثان وجل لا محالةَ أن يكون نصيب البنتين الثلثين. وقال أبو بكر الرَّازي: إذا مات وخلف ابناً وبنتاً فهاهنا نصيب البنتِ الثّلث لقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ فإذا كان نصيب البنت مع الولد الذّكر هو الثُّلث، فأن يكون نصيبها مع ولد آخر أنثى هو الثلث كان أولى؛ لأنَّ الذكر أقوى من الأنْثَى، وإذا كان حظ البنتين أزيد من حظ الواحدة، وَجَبَ أن يكون ذلك هو الثُّلثان؛ لأنَّهُ لا قائل بالفرق، وأيضاً فلما ذكرنا من سبب النُّزول أنه عليه السلاَّم أعطى بنتي سعد بن الرَّبيع الثّلثين، ولأنَّه تعالى ذكر في هذه الآية حكم الواحدة من البنات وحكم الثلاث فما فوقهن، ولم يذكر حكم البنتين، وقال في ميراث الأخوات ﴿إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَآ وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 176] فذكر ميراث الأخت والأختين، ولم يذكر ميراث الكثير فصار كل واحدة من هاتين الآيتين مُجْمَلاً من وجه ومبيناً من وجه، فنقول: لما كان نصيبُ الأخوات الكثيرة على ذلك؛ لأنَّ البنت لَمَّا كانت أشد اتِّصالاً بالميت؛ امتنع جعل الأضعف زائداً على الأقْوَى. وأما القسم الثَّالِثُ: وهو أن يكون الأولاد ذكوراً فقط، فللواحد المنفرد أخذ المال كلّه، لقوله تعالى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ ثم قال في البنات ﴿وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف﴾ فلزم من مجموع الآيتين أن نصيب الابن المنفرد جميع المال، وقال عليه السَّلام: «ما أبْقَتِ السِّهَامُ فللأوْلَى عَصَبةٍ ذَكَرٍ» وَإذَا أخَذَ كل ما يبقى بعد السِّهَام، وجب أن يأخذ الكلَّ إذا لم يكن سهام. فإن قيل: حظُّ الأنثيين الثُّلثان فقوله ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يقتضي أن يكون حظُّ الذَكر مطلقاً هو الثُّلث، وذلك ينفي أن يأخذ المال كله. فالجوابُ: أنَّ المراد منه حال الاجتماع لا حال الانفراد؛ لأن قوله ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ يقتضي حصول الأولاد، وقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يقتضي حصول الذكر والأنثى هناك، هذا كلُّهَ إذا كان ابناً واحداً فقط، فلو كان أكثر من واحد تشاركوا في جهة الاستحقاق؛ ولا رجحان، فوجب قسم المال بينهم بالسَّويَّةِ، والله أعلم. فإن قيل: إنَّ المرأة أكثر عجزاً من الرجل، وأقل اقتداراً من الرَّجُل لعجزها عن الخروج والبروز، فإنَّ زوجها وأقاربها يمنعونها من ذلك، ولنقصان عقلها وكثرة اختداعها واغترارها، وإذا ثبت أنَّ عجزها أكمل، وجب أن يكون نصيبها من الميراث أكثر، فإن لم يكن أكثر فلا أقل من المساواة، فما الحكمة في أنَّه تعالى جعل نصيبها نصف نصيب الرجل؟ . فالجواب: لأن خرج المرأة أقل، لأن زوجها ينفق عليها وخرج الرَّجل أكثر، لأنَّهُ هو المنفق على زوجته ومن كان خرجه أكثر فهو إلى المال أحوج؛ ولأنَّ الرَّجُلَ أكملُ حالاً من المرأة في الخلقةِ وفي العقل والمناصب الدينيَّة، مثل صلاحية القضاء والإمامة، وأيضاً شهادة المرأة نِصْفُ شهادة الرَّجُلِ، ومن كان كذلك؛ وجب أن يكون الإنعام إليه أكثر؛ ولأنَّ المرأة قليلةُ العقل كثيرةُ الشَّهْوَةِ، فإذا انضاف إليها المال الكثير عظم الفسادُ، ولهذا قال الشَّاعرُ: [الرجز] 1764 - إنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابِ وَالْجِدْه ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهُ وروي أنَّ جعفر الصادق سُئِلَ عن هذه الآية فقال: «إنَّ حواء أخذت حفنة من الحنطة وأكلتها وأخذت حفنة أخرى وخبأتها ثم أخذت حفنة أخرى ودفعتها إلى آدم، فلما جعلت نصيبها ضعف نصيب الرجل أقلب الله الأمر عليها فجعل نصيب المرأة نصفَ نصيب الرَّجل» . فإن قيل: لِمَ لم يَقُل للأنثيين مثل حظ الذَّكر، أو للأنقى مثلاً حظ الذَّكر؟ فالجواب أنَّه لمَّا كان الذَّكر أفضل من الأنثى قدَّمَ ذِكْرَهُ على كر الأنثى كما جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى، ولأنَّ قوله ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ يدلُّ على فضل الذكر بالمطابقة، وعلى نقص الأنثى بالالتزام، ولو قال كما ذكرتم لَدَلَّ على نقص الأنثى بالمطابقة وفضل الذَّكر بالالتزام، فرجح الطرف الأوَّل تنبيهاً على أنَّ السَّعي في تشهير الفضائل يجب أن يكون راجحاً على السعي في تشهير الرَّذائل، ولهذا قال ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] فذكر الإحسان مرتين والإساءة مرَّة واحدة، وأيضاً فلأنهم كانوا يورثون دون الإناث، وهو سبب نزول الآية، فقيل: كفى للذكر أن جعل نصيبه ضعف نصيب الأنثى فلا ينبغي أن يطمع في حِرْمَانِ الأنْثَى بالكليَّةِ. فإن قيل: قوله: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً﴾ جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة فما فائدة قوله: ﴿فَوْقَ اثنتين﴾ ؟ . فالجواب: للتأكيد كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً﴾ [النساء: 10] وقوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [النحل: 51] . فصل اسم الولد يقع على ولد الصّلب حقيقة، وهل يستعمل في ولد الابن حقيقة أو مجازاً؟ خلاف. فإن قلنا: إنَّهُ مجاز، فنقول: ثَبتَ في أصول الفقه أنَّ اللَّفظ الواحد لا يجوز أن يستعمل دفعةً واحدةً في حقيقته وفي مجازه معاً، فحينئذ يمتنع أنْ يكون المراد بقوله ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ ولد الصّلب، وولد الابن معاً، ويُدْفَعُ هذا الإشكال بأن يقال: إنَّا لا نَسْتَفِيدُ حُكْمَ ولد الابن من هذه الآية، [بل] من دليل آخر، وذلك أن أولاد الابن لا يرثون إلا عند عدم الولد، وإذا لم يستغرق ولد الصّلب كلِّ الميراث، وإن ثبت أنَّه حقيقة فيهما فيكون مشتركاً بينهما فيعود الإشكال، لإنَّه ثبت أنَّهُ لا يجوزُ استعمال اللَّفظ المشترك لإفادة معينية معاً، بل الوَاجِبُ أنَّ اللفظ يكون متواطئاً فيهما كالحيوان بالنِّسبةِ إلى الإنسان، والفرص، [والذي] يدلّ على صحَّةِ ذلك قوله ﴿وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ﴾ [النساء: 23] وأجمعوا على أنه يدخل فيه ابن الصّلب، وأولاد الابن، فعلمنا أنَّ لفظ الابن يتواطأ بالنسبة إلى ولد الصّلب وولد الابن والجدّات. وقد وقع ذلك في قوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [البقرة: 133] والأظهر أنَّهُ ليس على سبيل الحقيقة، فإن الصَّحَابَةِ اتَّفقوا على أنه ليس للجدّ حكم مذكور في القرآن، ولو كان اسم الأب يتناول الجد لما صحَّ ذلك. فصل قالوا إن عموم قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ﴾ مخصوص بأربع صور: أحدها: لا يتوارث الحرّ والعبد. وثانيها: أنه إذا قتل مورثه عمداً لا يرث. وثالثها: اختلاف الدّين. ورابعها: أنَّ الأنبياء عليهم السَّلام لا يورثون، وروي أنَّ فاطمة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لما طلبت الميراث ومنعوها، احتجَّوا عليها بقوله عليه السلام: «نَحْنُ مَعَاشِرَ الأنْبِيَاء لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَة» فعند هذا أشارت إلى أن عموم القرآن لا يجوز تخصيصه بخير الواحد. وقوله: «وإن كانت واحدة» قرأ نافع «وَاحِدَةٌ» رفعاً على أن «كَانَ» تامة أي: وإن وُجِدَتْ واحدةٌ، والباقون «واحدة» نصباً على أن «كَانَ» ناقصة واسمُها مستتر فيها يعودُ على الوارثة أو المتروكة و «واحدة» نَصْبٌ على خبر «كان» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الزَّمَخشريَّ أجاز أن يكون في «كان» ضمير مبهمٌ مفسَّر بالمنصوبِ بعد. وقرأ السُّلمي: «النُّصف» بضم النون، وهي قراءةُ عليِّ وزيد بن ثابت - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - وقد تقدَّم شيء من ذلك في البقرة في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237] ويعني: كون البنت الواحدة لها النّصف؛ لأن الابن الواحد له جميع المال إذا انفرد، فكذلك البنت إذا انفردت لها نصف ما للذكر إذا انفرد؛ لأنَّ الذَّكر له مثل حظ الأنثيين. قوله: ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس﴾ . ﴿السدس﴾ مبتدأ و ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ خبرٌ مقدَّمٌ، و ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ بدل من ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ ، وهذا نص الزمخشريِّ فإنَّه قال: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ بدل من ﴿وَلأَبَوَيْهِ﴾ بتكرير العامل، وفائدة هذا البدل أنَّهُ لو قيل: «ولأبويه السدس» لكان ظاهرةُ اشتراكهما فيه، ولو قيل: «لأبويه السدسان» لأوْهَمَ قِسْمَةَ السدسين عليهما بالسويةِ وعلى خلافهما. فإن قُلْتَ: فهلا قيل: «ولكل واحد من أبويه السدس» وأيُّ فائدةٍ في ذكر الأبوين أولا ثم في الإبدال منهما؟ . قلت: لأنًّ في الإبدال والتفصيل بَعْدَ الإجمال تأكيداً وتشديداً كالذي تراه في الجمع بين المفسَّر والتفسير. و ﴿السدس﴾ مبتدأ، وخبره ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ والبدلُ متوسط بينهما للبيان. انتهى. ونَاقَشَهُ أبو حيان فِي جَعْلِهِ ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ الخبر دون قوله: ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ قال: «لأنه ينبغي أن يكون البدل هو الخبر دونَ المبدل منه» يعني: أنَّ البدل هو المعتمد عليه، والمبدل منه صار في حكم المُطَّرح، ونَظَّره بقولك: «إنَّ زيداً عينهُ حسنةٌ» فكما أنَّ «حَسَنَةٌ» خبر عن «عينه» دون «زيد» في حكم المُطَّرح فكذلك هذا، ونَظَّره أيضاً بقولك: [أبواك لكل واحد منهما يصنع كذا ف «يصنع» خبر عن كل واحد منهما. ولو قلت: «أبواك كُلُّ واحدٍ منهما يصنع كذا» لَمْ يَجُزْ. وفي هذه المناقشة نَظَرٌ، لأنه إذا قيل لك: ما مَحَلُّ لأبويه من الإعراب؟ تُضطر إلى أن تقول: في مَحَلِّ رفع خبراً مقدماً، ولكنه نقل نسبة الخيريّة إلى ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ دون ﴿لأَبَوَيْهِ﴾ قال: وقال بعضهم: ﴿السدس﴾ رفع بالابتداء، و ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ﴾ الخبرُ و ﴿لِكُلِّ﴾ بَدَلٌ من الأبوين، و «منهما» نعت لواحد، وهذا البدلُ هو بدلُ بعضِ من كُلِّ، ولذلك أتَى معه بالضَّمير، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ بدلُ شيءٍ من شيْءٍ وهما لعين واحدةٍ لجوازِ أبواك يَصْنعان كذا وامتناع أبواك كل وتجد منهما يصنعان كذا، بل تقول: يصنع. انتهى. والضَّمير في «لأبويه» عائد على ما عاد عليه الضَّمير في «ترك» ، وهو الميتُ المدلولُ عليه بقوة الكلام، والتثنية في «أبويه» من التَّغليب، والأصل: لأبيه وأمه وَإِنَّما غَلَّبَ المذكر على المؤنث كقولهم: «القمران، والعمران» وهي تثنية لا تنقاس. فصل إذا كان مع الأبوين ولد أو أكثر كان لِكُلِّ واحد منهما السُّدس وسوى اللهُ بين الأب والأمّ في هذا الموضع؛ لأنَّ الأبَ وإن كان يستوجب التفضيل لما كان ينفقه على الابن، وبنصرته له والذب عنه صغيراً، فالأم أيضاً حملته كُرهاً ووضعته كُرْهاً؛ وكان بطنها له وعاءً، وثديها له سقاء، وحِجْرُهَا له فناء فتكافأت الحجتان، فلذلك سوَّى بينهما، فإن كانت بنتاً واحدةً وبنت ابن فللبنت النصف وللأمِّ السُّدس وللأب ما بقي، وهو الثلثُ [نصف بفرضه، وهو السُّدس] وباقيه بالتَّعصيب فإن قيل: حقُّ الأبوين على الإنسان أعظمُ من حقِّ ولده عليه، لأنَّ الله تعالى قرن طاعته بطاعتهما فما الحِكْمَةُ في جَعْلِ نصيب الأولادِ أكبر؟ . فالجواب: أن الوالدين ما بقي من عمرهما إلاّ القليل، فكان احتياجهما إلى المال قَلِيلاً، وأمَّا الأولاد فهم في زمن الصِّبا، فكان احتياجهم إلى المال أكثر [فظهر الفرق] . قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث﴾ قرأ الجمهور ﴿فَلأُمِّهِ﴾ وقوله: ﴿في أُمِّ الكتاب﴾ [الزخرف: 4] . وقوله: ﴿حتى يَبْعَثَ في أُمِّهَا﴾ في القصص [آية: 59] . وقوله: ﴿مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النحل: 78] . وقوله: ﴿أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النور: 61] و ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: 32] بضم الهمزة من «أمّ» وهو الأصلُ. وقرأ حمزة والكسائيُّ جميعَ ذلك بكسر الهمزة. وانفرد حمزة بزيادة كسر الميم من «إمِّهات» فإنَّهُ لا خلاف في ضَمِّها. أمَّا وجهُ قراءة الجمهور فظاهرٌ، لأنَّهُ الأصل كما تَقَدَّمَ. وَأمَّا قراءة حمزة والكسائي بكسر الهمزة فقالوا: لمناسبة الكسرة أو الياء الّتي قبل الهمزة، فكسرت الهمزةُ إتباعاً لما قَبْلَها، ولاستثقالهم الخروج من كَسْرِ أو شبه إلى ضم. قال الزَّجَّاجُ: وليس في كلام العرب «فِعُل» بكسر الفاء وضمِّ العين، فلا جَرَمَ جُعِلَتْ الضمةُ كسرةً، ولذلك إذا ابتدآ بالهمزة ضَمَّاها لزوال الكسر أو الياء، وأمَّا كسر حمزة الميم من «إمَّهات» في المواضع المذكورة فللإتْبَاع، أتبعَ حركة الميم لحركةِ الهمزةِ، فكسرةُ الميم تَبَعُ التَّبَع، ولذلك إذا ابتدأ بها ضم الهمزة وفتح الميم؛ لما تقدَّمَ من زوال موجب ذلك. وكَسْرُ همزة «أم» بعد الكسرة أو الياء حكاه سببويْهِ لُغَةً عن العرب، ونَسَبَها الكِسائِي والفرَّاء إلى «هوازن» و «هذيل» . فصل ذكر ها هنا أنَّ الأبوين إذا لم يكن معهما وَارِثٌ غَيرُهُمَا، فإنَّ الأم تأخذ الثُّلث، ويأخذ الأبُ ما بقي وهو الثُّلثان، وإذا ثبت أنَّهُ يأخذُ الباقي بالتَّعْصِيبِ، وجب أن يأخذ المال كُلَّهُ إذا انفرد؛ لأنَّ هذا شأن التَّعصيب، فإن كان مع الأبوين أحد الزَّوجين، فذهب أكثر الصَّحَابة إلى أنَّ الزَّوْجَ يأخذ فَرْضَهُ، ثم تأخذ الأم ثُلْثَ ما بقي، ويأخذ الأب ما بقي. وقال ابن عباس: يأخذ الزوج فَرْضَهُ، وتأخذ الأم الثلث كاملاً، ويأخذ الأب ما بقي. وقال: لا أجد في كتاب اللهِ - تعالى - ثلث ما بقي. وعن ابن سيرينَ أنَّهُ وافق ابن عبَّاس في الزَّوْجَة والأبوين، وخَالَفَهُ في الزَّوْجِ والأبوين، لأنَّهُ يُفْضِي إلى أن يكون للأنثى مثل حَظِّ الذكرين. وَأمَّا الزَّوْجَةُ، فلا يفضي إلى ذلك. وحجَّةُ الجمهور أنَّ قاعدة الميراث متى اجتمع ذكر وأنثى من جنس واحد، كان للذَّكَرِ مثل حَظِّ الأنثيين، كالأبوين مع البنت، والأخ مع الأخت، وابن الابن مع بنت الابن، والأم مع الأب كذلك إذا لم يكن للميِّتِ وارث سواهما كما تَقَدَّمَ. وإن كان كذلك، فإنَّ الزَّوْجَ يأخذ نصيبه، ويقسَّمُ الباقي بين الأبوين للذَّكر مثل حظ الأنثيين؛ ولأن الزَّوج يأخذ نصيبه بحكم عَقْدِ النِّكَاحِ لا بحكم القرابة، فأشبه الوصيَّة في قسمة الباقي. وأيضاً فإنَّ الزَّوْجَ إذا أخذ النصف، فلو دفعنا ثلث جميع المال للأم والسدس إلى الأب، يلزم منه أن يكون للأنثى مثل حظِّ الذكرين، وهذا خلاف قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ . قوله: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس﴾ . «إخوة» أعم من أن يكونوا ذكورا أو إناثاً، أو بعضهم ذكورا وبعضهم إناثاً، ويكون هذا من باب التغليب، وزعم قومٌ أن الإخوة خاصٌّ بالذُّكور، وأنَّ الأخوات لا يَحْجُبْنَ الأم من الثُّلثِ إلى السُّدس، فقالوا: لأن «إخوة» جمع «أخ» ، والجمهور على أنَّ الإخوة وإن كانوا بلفظ الجمع يقعون على الاثنين، فيحجب الأخوان أيضاً الأم من الثُّلث إلى السُّدس خلافاً لابن عبَّاسٍ، فإنَّهُ لا يحجبُ بهما والظاهر معه. روي أنَّ ابن عباس قال لعثمان بِمَ صار الأخوان يَرُدّان الأم من الثُّلث إلى السُّدس، وَإنَّمَا قال الله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ والأخوان في لِسان قومك ليس بإخوة؟ فقال عثمان: لا أستطيعُ أنْ أرُدَّ قضاءً قُضِيَ به قبلي، ومضى في الأمصار. وهذه المسألة مبنيَّةٌ على أنَّ أقل الجمع ثلاثة، والموجب لذلك هو القياس يخص هذه المسألة بأنَّ الأختين ميراثهما ميراث الثَّلاث، كما أنَّ ميراث البنتين مثل ميراث الثلاثة فكذلك نصيبُ الأختين من الأمِّ مثل نصيب الثلاثة، وإذا كان كذلك؛ وجب أن يَحْصُلَ الحَجْبُ بالأختين، وإذا وجب الحَجْبُ بالأختين لزم ثبوته في الأخوين؛ لأنَّهُ لا قَائِلَ بالفرق [فهذا أحسن ما يمكن أن يقال في هذا الموضع وفيه إشكال لأن] إجراء القياس في التقديرات صعب لأنَّهُ غير معقول، فيمونُ ذلك مجرَّدُ تشبيه من غير جامعٍ. فالجوابُ أن يقال: لا يُتَمَسَّكُ به على طريقة القياس بل على طريقة الاستقراء، لأنَّ الكثرة أمارة العموم. فصل [والأخوة] إذا حجبوا الأم من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ، فلا يرثون مع الأب شيئاً [ألبتة] بل يأخذ الأب باقي المال، وهو خمسة أسْدَاسٍ، سدس بالفرض، والباقي بالتَّعصيب، وقال ابن عبَّاسٍ: الإخوة يأخذون السُّدُسَ الذي حجبوا الأم عنه، وما بقي فللأب، وحجته الاستقراء دَلَّ على أن مَنْ لا يرث لا يحجب، فهؤلاء الإخوة لما حجبوا وجب أن يرثوا، وهذا يختص بالإخوة للأم إذا اجتمعوا مع الأبوين فإنَّهُمْ يحجبون الأم من الثُّلث إلى السُّدس، ولا يرثون شيئاً؛ لأن الأب يسقطهم. قوله: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ متعلقٌ بما تقدمه من قسمة المواريث كُلِّهَا لا بما يليه وحده، كأنَّهُ قيل: قسمةُ هذه الأنصباء من بعد وصية قاله الزَّمَخْشَرِيُّ، يعني أنه متعلِّقٌ بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ وما بعده. والثاني: قاله أبُو حيَّان أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: يَسْتَحِقُّون ذلك كما فُصِّلَ من بعد وصية. [والثالث: أنَّهُ حال من السُّدس، تقديره: مستحقاً من بعد وصيَّة] ، والعاملُ الظرفُ قاله أبُو البَقَاءِ، وَجَوَّزَ فيه وَجْهاً آخر، قال: [ويجوزُ أن يكون ظرفاً] أي: يستقر لهم ذلك بعد إخراج الوصيّةِ، ولا بُدَّ من تقدير حذف المضاف لأنَّ الوصيَّةَ هنا المالُ المُوصَى به، وقد تكون «الوصيَّةُ» مَصْدراً مثل «الفريضة» ، وهذان الوجهان لا يَظْهَرُ لهما وَجْهٌ. وقوله: والعاملُ الظَّرف، يعني بالظَّرف: الجارَّ والمجرور في قوله تعالى: ﴿فَلأُمِّهِ السدس﴾ فإنه شبيه بالظرفية، وعمل في الحال لما تضمنه من الفعل لوقوعه خبراً، و «يوصي» فعل مضارع المرادُ به المضمر، أي: وصية أوْصَى بها و «بها» متعلق به، والجملة في محلِّ جَرِّ صفةً ل «وصية» . وقرأ ابنُ كثير وابنُ عامرٍ وأبُو بكرٍ «يُوصَى» مبنيّاً للمفعول في الموضعين، ووافقهم حفص في الأخير، والباقون مبنياً للفاعل. وقُرِئَ شاذاً «يُوصَّى» بالتشديد مبنياً للمفعول، ف «بها» في قراءة البناء للفاعل في مَحَلِّ نصب، وفي قراءة البناء للمفعول في مَحَلِّ رفعٍ لقيامه مقامَ الفاعل. قوله: «أو دين» ، «أو» هنا لأحدِ الشيئين، قال أبو البقاء: «وَلا تَدُلُّ على ترتيب، إذْ لا فرقَ بين قولك:» جاءني زيد أو عمرو» ، وبين قولك: «جاءني عمرو أو زيد» ؛ لأنَّ» أو «لأحد الشيئين، والواحدُ لا ترتيب فيه، وبهذا يفسد قولُ مَنْ قَالَ:» من بعد دين أو وصية «وإنَّمَا يَقَعُ الترتيبُ فيما إذا اجتمعا، فَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الوصيَّةِ» . وقال الزَّمخشريُّ: «فإنْ قُلْتَ: فما معنى أو؟ قلت: معناها الإباحةُ، وأنَّهُ إن كان أحدهما، أو كلاهما قُدِّمَ على قِسْمَةِ الميراثِ، كقولك:» جالس الحسنَ أو ابن سيرين «، فإن قلت: لم قُدِّمَتِ الوصيّة على الدَّيْنِ والدَّيْنُ مُقَدَّمٌ عليها في الشَّريعةِ؟ . قلت: لما كانت الوصيّةُ مُشْبهَةً للميراثِ في كونِها مَأخوذةً مِنْ غير عوضٍ، كان إخراجُها مِمَّا يَشُقُّ على الورَثةِ، بخلاف الدَّيْن، فإن نفوسهم مطمئنَّةٌ إلى أدائه، فلذلك قُدِّمَتْ على الدَّيْنِ بَعْثاً على وجوبها، والمسارعة إلى إخراجها مع الدَّيْنِ، ولذلك جيءَ بكلمةِ» أو «للتَّسْوِيَةِ بينهما في الوجوب» . وقال ابن الخَطِيبِ: إنَّ كلمة «أو» إذا دخلت على النفي صارت في معنى الواو، كقوله: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] وقوله: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحوايآ أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: 146] فكانت «أو» هاهنا بمعنى الواو، وكذلك قوله تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ لما كان في معنى الاستثناء صار كأنه قال: إلاّ أن يكون هناك وَصِية أوْ دين فيكون المراد بعدهما جميعاً. قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ مبتدأ، و ﴿لاَ تَدْرُونَ﴾ وما في حَيِّزه في محلِّ الرفع خبراً له. و ﴿أَيُّهُمْ﴾ فيه وجهان: أشهرهُمَا: [عند المعربين] أني كونَ ﴿أَيُّهُمْ﴾ مبتدأ وهو اسم استفهام، و «أقربُ» خَبَرُهُ، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محلِّ نصب ب «تدرون» ؛ لأنَّهَا من أفْعَالِ القُلُوبِ، فَعَلَّقَها اسمُ الاستفهامِ عَنْ أنْ تَعْمَلَ في لفظه؛ لأنَّ الاستفهامَ لا يعْمَلُ فيه ما قبله في غير الاستثبات. والثَّاني: أنَّهُ يجوزُ أن يكون ﴿أَيُّهُمْ﴾ موصولةً بمعنى ﴿الَّذِي﴾ و ﴿والأقربون﴾ خبرُ مبتدأ مضمر، وهو عائدُ الموصولِ، وجازَ حذفه؛ لأنه يجوز ذلك مع «أي» مطلقاً: أي: أطالت الصِّلَةُ أم لم تَطُل، والتَّقدير: أيُّهم هو أقربُ، وهذا الموصول وَصِلَتُهُ في محلِّ نصب على أنَّهُ مفعول به، نَصَبَه ﴿تَدْرُونَ﴾ ، وإنَّمَا بُنِيَ لوجودِ شَرْطَي البناء، وهما: أنْ تُضافَ «أي» لفظاً، وَأنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِهَا، وصارت الآيةٌ نظيرَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69] ، فصار التقدير: لا تدرون الذي هو أقربُ. قال أبو حيَّان: «ولم أرهم ذكروه» ، يعني هذا الوجه، ولا مانع منه لا من جهة المعنى، ولا من جهة الصِّنَاعة. فعلى القول الأوَّلِ تكونُ الجملةُ سَادَّةً مَسَدَّ المفعولين، ولا حاجة إلى تقدير حذف. وعلى الثَّاني يكونُ الموصولُ في محلِّ نصبٍ مَفْعُلاً أوَّلَ، ويكون الثَّاني محذوفاً، وبعدم الاحتياج إلى حَذْفِ المفعول الثَّاني، يترجَّحُ الوجه الأوَّلُ. ثم هذه الجملةُ، أعني قوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾ لا محلَّ لها من الإعراب، لأنَّها جملة اعتراضية. قال الزمخشريُّ، بعد ان حَكَى في معانيها أقوالاً اختار منها الأوَّلَ: لأنَّ هذه الجملةَ اعتراضيّة، ومن حقِّ الاعتراض أن يؤكِّد ما اعْتَرَضَ بينه وبين ما يناسِبُه. يعني بالاعتراض: أنَّهَا واقعةٌ بين قصة المواريث، إلاَّ أنَّ هذا الاعتراض غيرُ مرادِ النحويين، لأنَّهُمْ لا يَعْنُون بالاعتراضِ في اصْطِلاحِهِمْ إلاَّ ما كان بين شيئين مُتَلاَزِمَيْنِ كالاعتراض بين المبتدأ وخبره، والشرط وجزائه والقَسَمِ وجوابه، والصِّلَةِ وموصولها. * فصل في معاني ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ﴾ ذكر الزَّمخشريُّ في معانيها أقوالاً: أحدها: - وهو الذي اختاره - أن جَعْلَها متعلَِّقة بالوصيَّة، فقال: ثم أكَّدَ ذلك - يعني الاهتمام بالوصيَّة - ورَغَّبَ فيه بقوله: ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ﴾ أي: لا تدرون مَنْ أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يَمُوتون، أمَنْ أوْصَى منهم أم مَنْ لم يوص، يعني: أنَّ مَنْ أوصى ببعض ماله فعرَّضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً وأحضر جدوى ممن ترك الوصية فوفَّر عليكم عَرَضَ الدُّنيا، وجعل ثَوَابَ الآخرة أقرب وأحضر من عَرَضِ الدُّنيا ذهاباً إلى حقيقة الأمر؛ لأنَّ عَرَضَ الدُّنيا، وإن كان قريباً عَاجِلاً في الصُّورَةِ إلاَّ أنَّهُ بَاقٍ، وفي الحقيقة الأقربُ الأدنى. وقيل: إنَّ الله - تعالى - لما ذكر أنصباء الأولاد، وأنصباء الأبوين، وكانت العقول لا تدرك معاني تلك التَّقديرات، فربَّما خطر ببال الإنسان أنَّ القسمةَ لو وقعت على غير هذا الوَجْهِ كانتْ أنفع له وأصلح لا سيما وقد كانت قسمة المواريث عند العرب على غير هذا الوَجْه فأزال اللهُ - تعالى - هذه الشُّبْهَة بأن قال: إنَّ عقولكم لا تحيط بمصالحكم، فَرُبَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ صالح لكم، وهو عين المضرة، وربَّمَا اعتقدتم في شيء أنَّهُ مَضَرَّة، ويكون عين المصلحة، وأمَّا الإله الرَّحيم فهو يعلمُ مغيبات الأمور وعواقبها، وكَأنَّهُ قال: اتركوا تقديرات المواريث بالمقادير التي تستحسنها عقولكم وانقادوا للمقادير التي قَدَّرَهَا اللهُ تعالى عليكم بقوله ﴿آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ إشارة إلى ترك ما يميل الطبعُ إليه من قسمة المواريث. قوله: ﴿فَرِيضَةً مِّنَ الله﴾ إشارة إلى وجوب الانقياد إلى المقادير الشَّرعيَّة. وقال ابن عباس: «لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً» أي: أطوعهم الله - عزَّ وجلَّ - من الآباء والأبناء أرفع درجة يوم القيامة [والله تعالى يُشَفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإذا كان الوالد أرفع درجة يوم القيامة في الجنة رفع إليه ولده وإن كان الولد أرفع درجة] رفع إليه والده لتقر بذلك أعينهم. قوله: ﴿نَفْعاً﴾ نُصِبَ على التَّمييز من «أقرب» ، وهو منقول من الفاعلية، واجب النَّصب؛ لأنَّهُ متى وقع تمييزٌ بَعْدَ «أفْعَلِ» التفضيل، فَإن صَحَّ أنْ يُصَاغَ منها مُسْندٌ إلى ذلك التمييز على جهةِ الفاعليَّة وجل النَّصب كهذه الآية، إذْ يَصِحُّ أن يُقَالَ: أيُّهم أقْرَبُ لكم نَفْعُهُ، وإن لم يَصحّ ذلك وجب جَرُّه نحو: «زيد أحسن فقيه» بخلاف «زيد أحسن فقهاً» ، وهذه قاعدة مفيدة و «لكم» متعلق ب «أقرب» . قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ فيها ثلاثة أوجه: أظهرها: أنَّها مصدرٌ مؤكد لمضمون الجملة السَّابقة من الوصية؛ لأن معنى « يوصيكم» : فَرَضَ عليكم ذلك، فصار المعنى: «يوصيكم الله وصية فرض» ، فهو مصدر على غير الصَّدْرِ. والثاني: أنَّها مصدر [منصوبٌ بفعل] محذوف من لفظها. قال أبو البَقَاء: و ﴿فَرِيضَةً﴾ مصدر لفعل محذوف، أي: فرض اللهُ ذلك فريضة. والثالث: قاله مَكيٌّ وغيره: أنَّهَا حال؛ لأنَّها ليست مصدراً، وكلامُ الزمخشريُّ محتمل للوجهين الأوَّلَيْن، فإنَّهُ قال: «فريضة» نصبت نَصْبَ المصدر المؤكد، أي: «فرض الله ذلك فرضاً» . ثم قال: «إن الله كان عليماً» أي: بأمور العباد «حكيما» بنصب الأحكام. فإن قيل: لِمَ قال كان عليماً حكيماً مع أنَّهُ لم يزل كذلك؟ . فالجوابُ قال الخليلُ: الخبرُ عن الله تعالى بهذه الألفاظ، كالخبر بالحال والاستقبال؛ لأنَّهُ تعالى مُنَزَّهٌ عن الدخول تحت الزمان. قال سيبويه: القومُ لما شاهدوا علماً وحكمةً وفضلاً وإحساناً تعجبوا، فقيل لهم: إنَّ اللهَ كذلك، ولم يزل موصوفاً بهذه الصفات.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.