الباحث القرآني

في كيفيَّة النَّظْمِ وجهانِ: أحدهما: أنه - تعالى - لمَّا فَضَح المُنَافِقِين وهَتَك سِتْرَهُم، وكان هَتْكُ السِّتْر غَيْرَ لائقٍ بالرَّحِيم الكريم، ذكر - تعالى - ما يَجْري مَجْرَى العُذْرِ من ذَلِك؛ فقال: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ يعني: لا يُحبُّ إظهارَ الفَضَائِحِ، إلاَّ في حقِّ من عَظُمَ ضَرَرُه وكَثُر كَيْدُه ومَكْرُه، فَعِنْد ذلك يَجُوز إظْهَار فَضَائِحِه؛ ولهذا قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «اذْكُرُوا الفَاسِقَ بِمَا فِيهِ كَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» والمُنافِقُون قد كَثُر كيْدهُم ومَكْرهُم وظُلْمهُم، وضَرَرهُم على المُسْلمِين؛ فلهذا ذَكَر اللَّه فَضَائِحَهُم وكَشَفَ أسْرَارَهُم. وثانيهما: أنَّه - تعالى - قال في الآية الأولى: أن المُنافِقِين إذا تَابُوا وأخْلَصُوا، صارُوا من المُؤمنين، فيُحْتَمَلُ أن يتُوبَ بَعْضُهم ويُخْلصَ تَوْبَته، ثم لا يَسْلمُ من التَّغير والذَّمِّ من بَعْضِ المُسْلِمِين؛ بسبب ما صَدَر عَنْهُ في المَاضِي من النِّفَاقِ، فبين - تعالى - في هذه الآية أنَّه لا يُحِبُّ الجَهْرَ بالسُّوءِ مِنَ القول، إلا مَنْ ظَلَم نَفْسَه وأقَامَ على نِفَاقِهِ، فإنه لا يُكْرَه. قوله: «بالسُّوء» متعلق ب «الجَهْر» ، وهو مصدر معرف ب «أل» استدلَّ به الفارسيُّ على جواز إعمالِ المصدر المعرَّف ب «أل» . قيل: ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ الظرفَ والجارَّ يعمل فيهما روائحُ الأفعال، وفاعل هذا المصدر محذوفٌ، أي: الجَهْر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَّردُ حذفُه في صُورٍ منها المصْدرُ، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فعلٍ مبنيٍّ للمفعول على خلافٍ في ذلك، فيكون الجارُّ بعده في محلِّ رفعٍ لقيامه مقام الفاعل؛ لأنك لو قلْتَ: لا يحبُّ الله أن يُجْهَرَ بالسوء، كان «بِالسُّوءِ» قائماً مقام الفاعل، ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به، و «مِنَ القَوْلِ» حال من «السُّوء» . قوله: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ في هذا الاستثناء قولان: أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل، فقيل: هو مستثنى من «أحَد» المقدَّرِ الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون «مَنْ» في محلِّ نصبٍ على أصل الاستثناء، أو رفعٍ على البدل من «أحَد» ، وهو المختار، ولو صُرِّح به، لقيل: لا يُحِبُّ الله أنْ يَجْهَرُ أحَدٌ بالسُّوء إلا المَظْلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء وغيرُهما، قال أبو حيان: «وهذا مذهبُ الفراء، أجاز في» مَا قَامَ إلاَّ زيدٌ «أن يكون» زَيْد «بدلاً من» أحَد «، وأمَّا على مذهب الجمهور، فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العاملُ، فيكون مرفوعاً على الفاعليَّة بالمصدر، وحسَّن ذلك كونُ الجَهْر في حيِّز النفي، كأنه قيل: لا يَجْهَرُ بالسُّوءِ من القولِ إلا المظلومُ» انتهى، والفرقُ ظاهرٌ بين مذهب الفراء وبين هذه الآية؛ فإن النحويِّين إنما لم يَرَوْا بمذهب الفراءِ، قالوا: لأن المحذوف صار نَسْياً مَنْسِيًّا، وأما فاعل المصْدر هنا، فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً، فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعل المقدَّر أن يكونوا تابعين لمذْهَب الفرَّاء؛ لما ظهر من الفرق، وقيل: هو مستثنى مفرَّغٌ، فتكون «مَنْ» في محلِّ رفع بالفاعلية؛ كما تقدَّم في كلام أبي حيان، والتفريغُ لا يكون إلا في نفي أو شبهه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهْرُ متعلَّقاً للحُبِّ الواقعِ في حيِّز النفْي ساغ ذلك، وقيل: هو مستثنىً من الجَهْر؛ على حذف مضافٍ، تقديرُه: إلا جَهْرَ من ظُلِمَ، فهذه ثلاثة أوجه على تقدير كونه متَّصِلاً، تحصَّل منها في محل «مَنْ» أربعةُ أوجه: الرفع من وجهين، وهما البدلُ من «أحَد» المقدَّر، أو الفاعليَّة؛ على كونه مفرَّغاً، والنصبُ؛ على أصلِ الاستثناء من «أحد» المقدَّر، أو من الجهر؛ على حَذْفِ مضاف. والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه: لكنْ مَنْ ظُلِمَ له أن ينتصفَ من ظالمه بما يوازِي ظُلامته، فتكون «مَنْ» في محلِّ نصب فقط على الاستثناء المنقطع. والجمهورُ على ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ مبنياً للمفعول قال القرطبي: ويجوز إسْكان اللاَّم، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عبَّاس وابن عمر وابن جبير والضحاك وزيد بن أسلم والحسن: «ظَلَمَ» مبنيًّا للفاعل، وهو استثناء منقطعٌ، فهو في محلِّ نصب على أصْل الاستثناء المنقطع، واختلفتْ عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصلُ ذلك يرجعُ إلى أحد تقديرات ثلاثة: إمَّا أن يكون راجعاً إلى [الجملة الأولى؛ كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يُحِبُّهُ، فهو يَفعلُهُ، وإما أنْ يكون راجعاً] إلى فاعل الجَهْر، أي: لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ أحدٌ بالسُّوء [لأحَدٍ] ، لكن الظالِمَ يَجْهَرُ به، [وإمَّا أن يُجْهَرَ بالسُّوء لأحدٍ، لكن الظَّالِمَ يُجْهَرُ لَهُ به] ، أي: يُذكر ما فيه من المساوئ في وجهه، لعلَّه أن يرتدع، وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحلِّ على الانقطاع هو الصحيحُ، وأجاز ابن عطية والزمخشريُّ أن يكون في محلِّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركهما. فقال ابن عطية: «وإعرابُ» مَنْ «يحتملُ في بعض هذه التأويلاتِ النَّصْبَ، ويحتملُ الرفع على البدل من» أحَد «المقدَّر» يعني أحداً المقدَّر في المصدر؛ كما تقدَّم تحقيقه. وقال الزمخشريُّ: ويجوز أن يكون «مَنْ» مرفوعاً؛ كأنه قيل: لا يحبُّ اللَّهُ الجهرَ بالسُّوء إلا الظالِمُ، على لغةِ من يقولُ: «مَا جَاءَنِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرو» بمعنى: ما جَاءني إلاَّ عَمْرو «بمعنى: ما جَاءني إلاَّ عَمرٌو، ومنه ﴿لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾ [النمل: 65] ، ورد أبو حيان عليهما فقال:» وما ذكره - يعني ابن عطية - من جواز الرفع على البدل لا يَصِحُّ؛ وذلك أن المنقطع قسمان: قسمٌ يتوجَّه إليه العامل؛ نحو: «ما فِيهَا أحَدٌ إلاَّ حِمَارٌ» فهذا فيه لغتان: لغة الحجاز وجوبُ النصب، ولغةُ تميم جوازُ البدل، وإن لم يتوجه عليه العامل، وجب نصبُه عند الجميع؛ نحو: «المالُ ما زَادَ إلاَّ النَّقْصَ» ، أي: لكن حصل له النقصُ، ولا يجوز فيه البدل؛ لأنك لو وجهت إليه العامل، لم يصحَّ» ، قال: والآيةُ من هذا القسم؛ لأنك لو قلت: «لا يُحِبُّ اللَّهُ أن يَجْهَرَ بالسُّوءِ إلا الظالمُ» - فتسلطُ «يَجْهَر» على «الظَّالِمَ» [فتسليط يجهر على الظالم يصح] . قال: «وهذا الذي جَوَّزه - يعني الزمخشريَّ - لا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يكون الفاعلُ لَغْواً، ولا يمكنُ أن يكون الظالمُ بدلاً من» الله «، ولا» عَمْرو «بدلاً من» زَيْد» ؛ لأنَّ البدلَ في هذا البابِ يَرْجِع إلى بدل بعضٍ من كلٍّ حقيقة؛ نحو: «مَا قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيدٌ» ، أو مجازاً؛ نحو: «مَا فِيهَا أحدٌ إلاَّ حِمَارٌ» ، والآيةُ لا يجوز فيها البدلُ حقيقةً، ولا مجازاً، وكذا المثالُ المذكور؛ لأن الله تعالى عَلَمٌ، وكذا زيدٌ، فلا عموم فيهما؛ ليتوَهَّمَ دخولُ شيءٍ فيهما فيُستثنى، وأمَّا ما يجوزُ فيه البدلُ من الاستثناء المنقطع؛ فلأنَّ ما قبله عامٌّ يُتوهَّم دخولُه فيه، فيُبْدلُ ما قبله مجازاً، وأمَّا قوله على لغة من يقول: «مَا جَاءنِي زَيْدٌ إلا عمرٌو» ، فلا نعلم هذه لغة إلا في كتاب سيبويه، بعد أن أنشد أبياتاً في الاستثناء المنقطع آخرها: [الطويل] 1898 - عَشِيَّةَ مَا تُغْنِي الرِّمَاحُ مَكَانَهَا ... ولا النَّبْلُ إلاَّ المَشْرِفِيُّ المُصَمِّمُ [ما نصُّه:] » وهذا يُقَوِّي: «ما أتَانِي زَيْدٌ إلا عَمرٌو، ومَا أعانهُ إخْوَانكُم إلاَّ إخْوانُه» ؛ لأنها معارفُ ليست الأسماء الآخرة بها ولا بعضها «ولم يصرِّح، ولا لَوَّحَ أن» مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو «من كلام العرب، قال من شرح كلام سيبويه: فهذا يُقَوِّي» مَا أتَانِي زَيْدٌ إلا عمرٌو» ، أي: ينبغي أن يَثْبُتَ هذا من كلام العرب؛ لأن النبل معرفةٌ ليس بالمشرفيِّ، كما أن زيداً ليس بعمرو، كما أنَّ إخوة زيدٍ ليسوا إخوتَكَ، قال أبو حيان: «وليس» مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو» نظير البيت؛ لأنَّه قد يُتَخَيَّلُ عمومٌ في البيت؛ إذ المعنى: لا يُغْنِي السلاح، وأمَّا «زَيْد» فلا يتوهَّم فيه عمومٌ؛ على أنه لو ورد من كلامهم: «مَا أتَانِي زَيدٌ إلاَّ عمرٌو» ، لأمكن أن يصحَّ على «مَا أتَانِي زَيدٌ ولا غَيرُهُ إلاَّ عمرٌو» ، فحذف المعطوفُ؛ لدلالة الاستثناء عليه، أمَّا أن يكون على إلغاء الفاعل، أو على كون «عَمْرو» بدلاً من «زَيْد» ، فإنه لا يجوز، وأمَّا الآية فليست ممَّا ذكر؛ لأنه يحتمل أن تكون «مَنْ» مفعولاً بها، و «الغَيْبَ» بدلٌ منها بدلُ اشتمال، والتقديرُ: لا يعلم غيب من في السماوات والأرض إلاَّ اللَّهُ، أي: سِرَّهُمْ وعلانيتَهُمْ لا يَعْلَمُهُم إلا الله، ولو سُلِّم أن «مَنْ» مرفوعةُ المحلِّ، فيتخيلَّ فيها عمومٌ، فيُبدل منها «الله» مجازاً؛ كأنه قيل: لا يعلمُ المَوْجُودُونَ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ، أو يكونُ على سبيل المجازِ في الظرفيَّة بالنسبة إلى الله تعالى؛ إذ جاء ذلك عنه في القرآن والسنة نحو: ﴿وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [الأنعام: 3] ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله﴾ [الزخرف: 84] ، قال «أيْنَ الله» قالت: «فِي السَّماءِ» ، ومن كلام العرب: «لا وَذُو في السَّمَاءِ بَيْتُهُ» يعنون اللَّه، وإذ احتملت الآيةُ هذه الوجوه، لم يتعيَّنْ حملُها على ما ذكره «انتهى ما رَدَّ به عليهما. [وقال شهاب الدين:] أمَّا ردُّه على ابن عطية، فواضحٌ، وأمَّا ردُّه على الزمخشريِّ، ففي بعضه نَظَرٌ، أما قوله:» لا نعلمُهَا لغة إلا في كتاب سيبويه «، فكفى به دليلاً على صحة استعمال مثله، ولذلك شَرَح الشُّرَّاحُ لكتاب سيبويه هذا الكلام؛ بأنه قياسُ كلام العرب لما أنشد من الأبيات، وأمَّا تأويله» مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عمرٌو «ب» مَأ أتَانِي ولا غَيْرُهُ» ، فلا يتعيَّنُ ما قاله، وتصحيحُ الاستثناء فيه أنَّ قول القائل: «مَا أتَانِي زَيْدٌ» قد يوهِمُ أن عمراً ايضاً لم يَجِئْهُ، فنفى هذا التوهُّمَ، وهذا القدْر كافٍ في الاستثناء المنقطع، ولو كان تأويلُ» مَا أتَانِي زَيْدٌ إلاَّ عَمْرٌو «على ما قال، لم يكن استثناءً منقطعاً بل متصلاً، وقد اتفق النحويُّون على أن ذلك من المنقطِعِ، وأمَّا تأويلُ الآية بما ذكره، فالتجوُّزُ في ذلك أمرٌ خَطِرٌ، فلا ينبغي أن يُقْدَمَ على مِثْله. فصل قال المفسرون: معنى ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء﴾ : القَوْل القَبِيح، ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ فيجوز للمَظْلُوم أن يُخْبِر عن ظُلْمِ الظَّالِمِ، وأن يَدْعُو عليه؛ قال -[تعالى]-: ﴿وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: 41] . قال الحسن دُعَاؤه عليه أن يقول:» اللهُمَّ أعِنِّي عليه، اللَّهُمَّ استَخْرِج حَقِّي [اللهم حُل بَيْنِي وبَيْن ما يُرِيد ونحوه من الدعاء] . وقيل: إن شُتم جَازَ أن يَشْتُمَ بمثلِهِ، ولا يَزِيد عَلَيْه. قال ابن عبَّاس وقتادة: لا يُحِبُّ الله رفْعَ الصَّوْتِ بما يَسُوء غيْرَه، إلا المَظْلُوم فإنَّ له أنْ يَرْفَع صوْتَهُ بالدُّعَاءِ على ظَالمِهِ. وقال مُجَاهِد: إلا أنْ يَجْهَرَ بِظُلْمِ ظالِمِه لَهُ. وقال الأصَمُّ: لا يَجُوزُ إظهَار الأحْوَال المستُورَة؛ لأن ذَلِكَ يصير سَبَباً لِوُقُوع النَّاسِ في الغيبَةِ؛ ووُقُوع ذلك الإنْسَان في الرِّيبَةِ، ولكن من ظَلَمَ فيجوز إظْهَارُ ظُلْمِهِ؛ بأن يُذْكَر أنَّه سَرَق أوْ غَصَب. وقيل: نزلت في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - «فإنَّ رَجُلاً شَتَمَهُ، فسَكَت مِرَاراً ثُمّ رَدّ عليه، فقام النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فقال أبُو بَكْر: شَتَمَنِي وأنت جَالِسٌ، فلَّما رَدَدْتُ عليه قُمْتَ. قال: إن ملكاً كان يَرُدُّ عَنْك، فلما رَدَدْتَ [عليه] ذهَبَ المَلَكُ وجاء الشَّيْطَانُ، فلم أجْلِسْ عند مَجِيء الشَّيْطَانِ» ، فنزلَت الآية. وقيل: نَزَلَتْ في الضيفِ؛ روى عُقْبَة بن عَامِرٍ قال: «قُلْنَا يا رسُول الله: إنك تَبْعَثُنا فَنَنْزِلُ على قومٍ لا يُقرُونا فما تَرَى؟ فقال النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:» إن نَزَلْتُمْ بِقَومٍ فأمَرُوا لَكُم بما ينْبَغِي للضَّيْفِ، فاقْبَلُوهُ، فإنْ لَمْ يَفْعَلُوا، فَخُذُوا مِنْهُم حَقَّ الضَّيْف الذي يَنْبَغِي لَهُم» . وقيل: معنى الآيةِ إلا من أكْرِهَ [على] أنْ يَجْهَر بسُوءٍ من القولِ كُفْراً كان أو نحوه، فذلك مُبَاحٌ فالآيَةُ على ذَلِك في الإكْرَاه. قال قُطْرب: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ يريد: المُكْرَه؛ لأنه مَظْلُومٌ، قال: ويجُوز أنْ يكون المَعْنَى إلا من ظُلِمَ على البَدَلِ؛ كأنه قال: لا يُحِبُّ الله إلا مَنْ ظُلِمَ، أي: لا يُحِبُّ الظَّالِمَ؛ كأنه يقُول: يُحِبُّ من ظُلِم [أي: يَأجُرُ من ظُلِمَ] ، والتقدير على هذا القَوْلِ: لا يُحِبُّ الله ذَا الجَهْرِ بالسُّوءِ إلا مَنْ ظُلِمَ على البَدَلِ. قال القُرْطُبِيُّ: وظاهر الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ للمَظْلُومِ أن يَنْتَصِر من ظَالمِهِ ولكن مع اقْتِصَادٍ إن كان مُؤمِناً، كما قال الحسن، فأمَّا أن يُقَابِلَ القَذْفَ بالقذف ونحوه فلا، وإن كان كَافِراً فأرْسِلْ لِسَانَك وادْعُ بِمَا شِئْتَ؛ كما فعل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حيث قال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأتَكَ على مُضَر، واجْعَلْهَا عَلَيْهِم سنين كَسِني يُوسُف» . فصل: لا يحب الله الجهر بالسوء ولا غير الجهر قال العُلَمَاء: إنه - تعالى - لا يُحِبُّ الجَهْرَ بالسُّوءِ من القَوْلِ ولا غَيْر الجَهْر، وإنما ذكر هذا الوصف؛ لأن كيفيَّة الواقِعَة أوْجَبَتْ ذلك؛ كقوله - تعالى -: ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ﴾ [النساء: 94] والتَّبَيُّن واجِبٌ في الظَّعْنِ والإقَامَة، فكذا هَهُنَا. فصل شبهة المعتزلة وردها قالت المعتزلةُ: دلت الآيةُ على أنَّهُ لا يُرِيدُ من عِبَادِهِ فِعْلَ القَبَائِحِ ولا يَخْلُقُها؛ لأن مَحَبَّة الله عِبَارةٌ عن إرادته، فلما قال: ﴿لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء مِنَ القول﴾ . علمنا أنه لا يُرِيدُ ذلك، وأيْضاً لو كَانَ خَالِقاً لأفْعَالِ العِبَادِ، لكان مُرِيداً لَهَا؛ ولو كان مُريداً لَهَا، لكان قَدْ أحَبَّ إيجَادَ الجَهْرِ بالسُّوءِ من القَوْلِ، وهو خِلاَفُ الآيَةِ. والجواب: المَحبَّة عِبَارَةٌ عن إعْطَاء الثَّوَابِ على القَوْلِ، وعلى هذا يَصِحُّ أن يُقال: إنَّه - تعالى - أرادَهُ ولكِنَّهُ ما أحَبَّهُ. ثم قال: ﴿وَكَانَ الله سَمِيعاً عَلِيماً﴾ وهو تَحْذِيرٌ من التَّعَدِّي في الجَهْرِ المأذُونِ فيه، يعني: فَلْيتَّقِ اللَّه ولا يَقُل إلاَّ الحقَّ، فإنه سَمِيعٌ لما تقوله، عليم بما تُضْمِرُه، وقيل: سَمِيعٌ لِدُعَاءِ المَظْلُوم، عَلِيمٌ بعِقَابِ الظَّالِمِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.