الباحث القرآني

قد تقدَّمَ الكلام على ﴿إِنَّمَا﴾ في أول البقرة [آية 11] وما قيل فيها. و «التوبة» ، مبتدأ وفي خبرها وجهان: أظهرهما: أنَّهُ «على الله» ، أي: إنَّمَا التَّوْبَةُ مستقرّة على فضل اللهِ، ويكون «للذين» متعلقاً بما تَعَلَّقَ به الخبر. وأجاز أبُو البقاء: عند ذِكْرِهِ هذا الوجه أن يكون «للذين» متعلقاً بمحذوف على أنه حال، قال: فعلى أن يكون ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء﴾ حالاً من الضّمير في الظّرف وهو «على الله» ، والعاملُ فيها الظّرفُ أو الاستقرار، أي: كائنةً لِلَّين، ولا يجوز أن يكون العاملُ في الحال «التوبة» ؛ لأنَّه قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بالخبر، وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةِ إليه. الثّاني: أن يكون الخبر «للذين» و «على الله» متعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من شيءٍ محذوف، والتقديرُ: إنما التَّوبة إذا كانت - أو إذْ كانت - على اللهِ للذين يعملونَ ف «إذا» و «إذ» معمولان ل «الذين» لأن الظَّرْف يتقَدَّمُ على عامله المعنوي و «كان» هذه هي التَّامَّة، وفاعلها هو صاحب الحالن ولا يجوز أن يكون ﴿عَلَى الله﴾ حالاً من الضَّمير المستتر في ﴿لِلَّذِينَ﴾ والعامل فيها ﴿لِلَّذِينَ﴾ لأنَّهُ عاملٌ معنويٌّ، والحال لا تتقدَّمُ على عاملها المعنوي، هذا ما قاله أبُو البقَاءِ وَنَظَّر هذه المسألة بقولهم: «هذا بُسْراً أطْيَبُ منه رُطَباً» يعني: أنَّ التَّقدير: إذا كان بُسْراً أطيبُ منه إذا كان رُطباً. وفي هذه المسألة أقْوَالٌ كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو حيان مضافين حُذفا من المبتدأ والخبر، فقال: التَّقدير: إنَّمَا قَبُولُ التوبة مترتب على [فضل] اللهِ ف «على» باقية على بابها يعني من الاستعلاء قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنْ يتعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من فاعل ﴿يَعْمَلُونَ﴾ ، ومعناها المصاحبة أي: يعملون السُّوء متلبسين بجهالةٍ، أي: مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، أي: ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وتَجَوُّزٌ. والثاني: أن يتعلق ب ﴿يَعْمَلُونَ﴾ على أنَّها باء السّببية. قال أبُو حيَّان: أي الحامل لهم على عمل السُّوء هو الجهالة، إذْ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حال عملها لم يُقْدِمُوا عليها كقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» لأنَّ العقل حينئذ يكون مغلوباً أو مَسْلُوباً. فصل لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال عنهما الإيذاء، وأخبر على الإطلاق أنّه توابٌ رحيمٌ، ذكر هنا وقت التّوبةة وشرطها بشرطين: أحدهما: قوله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ﴾ وفيه إشكالان: الإشكال الأوَّلُ: أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنَّهُ ذنب لم يستحق عقاباً؛ لأنَّ الخطأ مرفوع عن الأمَّةِ، فعلى هذا الَّذين يعملون السُّوء بجهالة لا حاجة بهم إلى التَّوبة. الإشكال الثَّاني: أن كلمة «إنَّمَا» للحصر، فظاهره يقتضي أن مَنْ أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع. فالجواب عن الأوَّلِ أنَّ اليهوديَّ اختار اليهوديَّة وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنَّهُ يستحقُّ العقاب عليها. والجوابُ عن الثَّاني: أنَّ من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخَفُّ ممَّنْ أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خَصَّ الأوَّل بوجوب قبول التّوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم، وأمَّا القسم الثَّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أن قبول التّوبة غير واجب على اللهِ تعالى. ومعنى الآية يحتمل وجهين: الأوَّلُ: أن قوله: ﴿عَلَى الله﴾ إعلام، فَإنَّهُ يجب على الله قبولها لزوم الكرم والفضل والإحسان وإخبار بأنَّه سيفعل ذلك. والثَّاني: إنَّما الهداية إلى التَّوْبَةِ والإعانة عليها على اللهِ في حقِّ من أتى بالذَّنب على سبيل الجهالة، ثمَّ تاب قريباً، وترك الإصرار، وأتى بالاستغفار. فصل قال الحسن: معنى الآية: التّوبة التي يقبلها اللهُ، فيكون «على» بمعنى عند، وقيل: من الله ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ﴾ . قال قتادةُ: أجمع أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنَّ ما عُصِيَ الله به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، ولك من عصى الله فهو جاهل. قال تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السلام -: ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين [فاستجاب لَهُ رَبُّهُ﴾ [يوسف: 33، 34] . وقال: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: 89] وقال لنوح - عليه السلام -: ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: 46] وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً﴾ [البقرة: 67] ﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [البقرة: 67] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي؛ لأنَّهُ لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار كأنَّنه لا علم له. وقال مجاهدٌ: المراد من الآية العمد. وقيل: أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلاَّ أنه يكون جاهلاً بقدر عقابه. وقيل: أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية إلاَّ أنَّهُ كان متمكناً من تحصيل العلم يكون اليهودية ذنباً ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النَّائم والسّاهي، فإنَّه لو أتى بالقبيح لكنَّه [ما كان متمكناً] من العلم بكونه قبيحاً. فصل استدلَّ القاضي بهذه الآية على أنَّهُ يجب على اللهِ عقلاً قبول التَّوْبَةِ؛ لأنَّ كلمة «عَلَى» للوجوب؛ ولأنَّا لو حملنا قوله: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله: ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ﴾ فرق؛ لأن قوله هذا أيضاً إخبار عن الوقوع، [فإذا جعلنا الأوَّلَ إخباراً عن الوجوب، والثَّاني إخباراً عن الوقوع] ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار. والجوابُ أنَّ القول بالوجوب على الله تعالى باطلٌ لوجوه: الأوَّلُ: أنَّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك، فهذه الملازمة إمَّا ان تكون ممتنعة الثبوت في حقِّ اللهِ تعالى أو غير ممتنعة الثُّبُوتِ في حقِّه، والأوَّلُ باطلٌ، لأنَّ ترك الواجب لما كان مستلزماً هذا الذّم محال الثّبوت في حقِّ اللهِ تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقِّ الله تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثُّبوت، فحينئذ يكون الله تعالى موجباً بالذَّاتِ لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل، وإنْ كان استحقاق الذَّمِّ غير ممتنع الحصول في حقِّ اللهِ تعالى، فكلُّ ما كان ممكناً لا يلزم من فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أنَّ القول بالوجوب على اللهِ تعالى محال. وثانيها: أنَّ قادرية العبد بالنِّسبة إلى فعل التَّوْبَةِ وتركها إمَّا أن يكون على السَّويَّةِ، أوْ لا، فإن كان على السَّويَّةِ لم يترجح فعل التَّوبة على تركها إلا بمرجِّح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع، وإن حدث علىلا العبد عاد التّقسيم، وإن حدث عن الله تعالى فحينئذٍ إنَّما أقبل العبد على التَّوبة بمعونة الله وتقويته، فتكون تلك العقوبة إنْعَاماً مَنَ اللهِ تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أنْ ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنَّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على الله القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للترّك وللفعل، فيكون القول بالوجوب أظْهَرُ بطلاناً. ثالثها: التّوبة عبارة عن النَّدم على ما مضى، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلاَّ افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم، وهذا العزم بمحض تخليق الله تعالى، وفعل الله لا يوجب على الله فعلاً آخر فكان القولُ بالوُجُوبِ باطِلاً. ورابعها: أنَّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللهِ تعالى وفعل الله تعالى، لصار فعل العبد مؤثّراً في ذات الله تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقولُهُ عاقل. والجوابُ عن حجتهم: أنَّ الله تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين، وإذا وعد اللهُ بشيء، وكان الخلفُ في وعده مُحالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة ﴿عَلَى﴾ وبهذا يظهر الفرق بين قوله ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ وبين قوله ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِم﴾ . فإن قيل: لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر الله تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألاَّ يكون فاعلاً مختاراً. فالجوابُ: أنَّ الإخبارِ عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الإيقاع، وأمَّا قولكم بأن وقوع التَّوبة من حيثُ إنَّهَا هي مؤثرة في وجوب القبول على الله وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق. قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فأولئك﴾ فهذا هو الشّرطُ الثّاني. قال السدي والكلبي: القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته. وقال عكرمة: قبل الموت. وقيل: قبل أنْ يحيط السّوء بحسناته فيحبطها. وقال الضَّحَّاكُ: قبل مُعَاينة ملك الموت. قوله: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن تكون «من» لابتداء الغاية، أي: تبتدئ التَّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلاّ يقع في الإصْرارِ، وهذا إنَّما يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون «من» لابتداء الغاية في الزَّمَانِ، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنَّه لو تاب من زمان بعيدٍ لم يدخل في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبُولِ التّوبة على اللهِ المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن قال فيهم ﴿عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 102] . والثاني: أنَّهَا للتّبعيض أي: بعض زمانٍ قريب يعني أي جُزْء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه، فهو تائبٌ من قريب. وعلى الوجهين ف «مِنْ» متعلقة ب «يتوبون» ، و «قريب» صِفَةٌ لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلاَّ أنَّ حّذْفَ هذا الموصوف وإقَامةَ هذه الصفةِ مُقَامة ليس بقياسٍ، إذ لا يَنْقَاسُ الحَذْفُ إلاَّ في صور. منها أن تكون الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد، كالأبْطَحِ والأبرق، أو كانت خاصةً بجنس الموصوف، نحو: مررت بكاتبٍ، أو تقدَّم ذِكْرُ موصوفها، نحو: اسقني ماءً ولَوْ بَارِداً، وما نحن فيه ليس شيئاً من ذلك. وفي قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾ إعلامٌ بِسَعَةِ عَفْوِهِ، حيثُ أتى بحرف التّراخي والفاء في قوله: ﴿فأولئك﴾ مُؤْذِنَةٌ بتَسَبُّبِ قَبُولِ الله تَوبتهم إذا تابوا من قريب، وضَمَّنَ ﴿يَتُوبُونَ﴾ معنى يَعْطِفُ فلذلك [عَدَّى] ب «على» . وأما قوله: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله﴾ فَراعَى المضاف المحذوف، إذا التّقدير: إنَّما قبولُ التَّوبَةِ على اللهِ، كذا قال الشَّيخ وفيه نَظَرٌ. فصل معنى قوله: ﴿فأولئك يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ﴾ يعني أنّ العبد الَّذي هذا شأنه إذا أتى بالتَّوبة قبلها منه، فالمراد بالأوَّل التّوفيق إلى التوبة، وبالثَّاني قبول التّوبة. وقوله: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: أنَّهُ إنَّما أتى بتلك المعصية لاستيلاء الشّهوة والغضب والجهالة عليه «حكيماً» بأن العبد لما كان من صفته ذلك إنَّه تاب عنها من قريب فإنه يقبل توبته.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.