الباحث القرآني

قوله - جل وعلا -: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ إلى آخر السورة لما تكَلَّم [في] أوَّل السُّورَة [في] أحْكَام الأمْوَالِ، خَتَمَها بذلِك الآخِرِ مشاكلاً للأوَّل، ووسَطُ السُّورةِ مُشْتَمِلٌ على المُنَاظَرَة مع الفرقِ المُخَالِفِين في الدِّينِ. قال المفسرون: نزلت في جابر بن عبد الله، قال: عَادَني رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وشرف وكرم وعظم] ، وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِل، فَتَوَضَّأ وصبَّ من وُضوئه عليَّ، فعَقَلْتُ، فَقُلْت: يا رسُول الله، لِمن المِيرَاثُ، إنَّهُما يَرِثُنَي كلالة، فنزلت ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ . ومعنى: يَسْتفتُونَك: يَسْتَخْبِرُونَك، قال البَرَاء بن عَازِب: هذه آخر آية نَزَلَتْ من القُرْآن. قال القرطبي: كذا قال في مُسْلم، وقيل أنزلَتْ في النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. قوله سبحانه وتعالى: ﴿فِي الكلالة﴾ : متعلق ب «يُفْتيكُم» ؛ على إعمال الثاني، وهو اختيار البصريّين، ولو أعْمَلَ الأولَ، لأضمرَ في الثاني، وله نظائرُ في القرآن: ﴿هَآؤُمُ اقرؤا كِتَابيَهْ﴾ [الحاقة: 19] . ﴿آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: 96] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله﴾ [المنافقون: 5] ﴿والذين كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾ [البقرة: 39] ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه في البقرة، وتقدَّم الكلام في اشتقاق الكلالة في أوَّل هذه السُّورة [النساء: 12] ، وقوله: ﴿إِن امرؤ﴾ كقوله: ﴿وَإِنِ امرأة﴾ [النساء: 128] . و «هَلَكَ» جملةٌ فعليةٌ في محلِّ رفع صفة ل «امْرُؤٌ» . و ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ جملةٌ في محلِّ رفعِ أيضاً صفةً ثانية، وأجاز أبو البقاء أن تكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، ولم يذكر غيره، ومنع الزمخشريُّ أن تكون حالاً، ولم يبيِّن العلةَ في ذلك، ولا بيَّن صاحب الحال أيضاً، هل هو «امْرُؤٌ» أو الضميرُ في «هَلَكَ» ؟ قال أبو حيان: «ومنع الزمخشريُّ أن يكون قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ جملةً حالية من الضمير في» هَلَكَ «، فقال: ومحلُّ ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الرفع على الصفةِ، لا النصبُ على الحال» . انتهى، قال شهاب الدين: والزمخشريُّ لم يَقُلْ كذلك، أي: لم يمنعْ كونها حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، بل منع حاليتها على العموم، كما هو ظاهر قوله، ويحتملُ أنه أراد منع حاليتها من «امْرُؤٌ» ؛ لأنه نكرةٌ، لكنَّ النَكرة هنا قد تخصَّصَتْ بالوصف، وبالجملةِ فالحالُ من النكرَةِ أقلُّ منه من المعرفة، والذي ينبغي امتناعُ حاليتها مطلقاً؛ كما هو ظاهر عبارته؛ وذلك أنَّ هذه الجملة المفسِّرة للفعل المحذوف لا موضعَ لها من الإعراب؛ فأشبهت الجمل المؤكِّدة، وأنت إذا أتبعت أو أخبرت، فإنما تريدُ ذلك الاسم المتقدِّم في الجملة المؤكِّدة السابقة، لا ذلك الاسم المُكَرَّرَ في الجملة الثانية التي جاءت تأكيداً؛ لأن الجملة الأولى هي المقصودة بالحديث، فإذا قلت: «ضَرَبْتُ زَيْداً، ضربْتُ زَيْداً الفَاضِل» ، ف «الفَاضِل» صفةُ «زَيْداً» الأوَّلِ؛ لأنه في الجملة المؤكدة المقصودُ بالإخبار، ولا يضُرُّ الفصلُ بين النعتِ والمنعوت بجملة التأكيد، فهذا المعنى يَنْفِي كونها حالاً من الضمير في «هَلَكَ» ، وأما ما ينفي كونها حالاً من «امْرؤٌ» فلما ذكرته لك من قلَّةِ مجيء الحال من النكرةِ في الجملة، وفي هذه الآية على ما اختارُوهُ من كون «لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ» صفة - دليلٌ على الفصْلِ بين النعت والمنعوت بالجملة المفسرة للمحذوف في باب الاشتغال، ونظيرُه: «إنْ رَجُلٌ قام عَاقِلٌ فأكْرِمْهُ» ف «عَاقِلٌ» صفةٌ ل «رَجُلٌ» فُصِل بينهما ب «قَامَ» المفسِّر ل «قام» المفسَّر. فصل قال القُرطبيُّ: معنى قوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي: ليس لَهُ ولدٌ ولا وَالِدٌ، فاكْتَفَى بِذْكِرِ أحدهما. قال الجُرْجَانِيُّ: لفظ الولد يَنْطَلِقُ على الوالدِ والموْلُود، فالوالدُ يُسَمَّى والداً؛ لأنه وَلد، والمَوْلُود يسَمَّى ولداً؛ لأنه [وُلد] ؛ كالذُّرِّيَّة [فإنَّهَا من ذَرَأ] ثم تُطْلَقُ على الولد، وعلى الوَالِدِ؛ قال - تعالى -: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون﴾ [يس: 41] وقوله - سبحانه -: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ ؛ كقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ، والفاء في «فَلَهَا» جوابُ «إنْ» . * فصل في تقييدات ثلاثة ذكرها الرازي في الآية قال ابن الخطيب: ظَاهِرُ هذه الآية فِيهِ تَقْيِيداتٌ ثلاثة: الأول: أن ظاهرهَا يَقْتَضِي أن الأخْتَ إنَّما تأخُذ النِّصْفَ عند عدم الولد فأما عند وجود الولد، فإنها لا تأخذ النصف، وليس الأمر كذلك بل شرط كون الأخت تأخذ النصف ألاَّ يكون للميت ولد ابن، وهذا لا يرد على ظاهر الآية؛ لأن المقصُودَ من الآيَةِ بيانُ أصْحَاب الفُرُوضِ ومُسْتَحقِّيها، وفي هذه الصُّورَة إنما تأخذ النِّصْف بالتعصيب لا بكونه مَفْروضاً أصالة، بل لِكَوْنه ما بَقِي بدليل أنه لو كان معها بنتان، فإن لها الثلث الباقي بعد فرض البنتين. الثاني: ظاهر الآية يَقْتَضِي أنَّه إذا لم يَكُن للميت ولد ولا والِدٌ؛ لأن الأخْت لا ترثُ مع الوالِدِ بالإجْمَاعِ، وهذا لا يرد - أيضاً - على ظاهرِ الآية في الكلالةِ، وشَرطُها عدم الولدِ والوَالِد. الثالث: أن قوله: «وله أخت» المراد منه الأخت من الأبَوَيْن، ومن الأبِ؛ لأن الأخْتَ من الأم، والأخَ من الأمِّ قد بَيَّن الله حُكْمَه في أوَّل السُّورَة. وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَآ﴾ لا محلَّ لهذه الجملة من الإعراب؛ لاستئنافها، وهي دالةٌ على جواب الشرط، وليست جواباً؛ خلافاً للكوفيِّين وأبي زيد، وقال أبو البقاء: «وقد سدَّتْ هذه الجملةُ مَسَدَّ جواب الشرط» ، يريد أنها دالةٌ كما تقدَّم، وهذا كما يقول النحاة: إذا اجتمع شرطٌ وقسم، أُجِيبَ سابقهما، وجعل ذلك الجوابُ سادّاً مسدَّ جواب الآخر، والضَّميران من قوله: «وهو يَرِثُهَا» عائدان على لفظ امرئ وأخت دون معناهما، فهو من باب قوله: [الطويل] 1911 - وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ ... وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ وقولهم: «عنْدي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ» ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: 11] ، وإنما احتيج إلى ذلك؛ لأنَّ الحيةَ لا تُورثُ، والهالكَ لا يرثُ، فالمعنى: وامْرَأ آخَرَ غيرَ الهَالِكِ يَرِثُ أختاً له أخْرَى. فصل المعنى: إن الأخَ يَسْتغْرِق ميراث الأخْتِ، إن لم يكُن للأخْتِ ولدٌ، فإن كان لها ابْنٌ، فلا شيء للأخ، وإن كان ولدُهَا أنْثَى، فللأخِ ما فضُل عن فَرْضِ البَنَاتِ، وهذا في الأخ للأبَوَيْنِ أو [الأخِ] للأب، فأما الأخ للأمِّ؛ فإنه [لا يَسْتَغْرِقُ الميراثَ، ويَسْقُط بالوَلَدِ] . قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ الألف في «كَانَتَا» فيها أقوال: أحدهما: أنها تعود على الأختين يدلُّ على ذلك قوله: «ولَهُ أختٌ» ، أي: فإن كانت الأختان اثنتين، وقد جَرَتْ عادةُ النحويّين أن يسألوا هنا سؤالاً، وهو أنَّ الخبر لا بُدَّ أن يفيد ما لا يفيدُهُ المبتدأ، وإلاَّ لم يكنْ كلاماً، ولذلك منعُوا: «سيِّدُ الجَارِيَةِ مالِكُهَا» ؛ لأن الخبر لم يَزِدْ على ما أفاده المبتدأ، والخبرُ هنا دَلَّ على عدد ذلك العدد مستفادٌ من الألف في «كَانَتَا» ، وقد أجابوا عن ذلك بأجْوبَةٍ منها: ما ذكره أبو الحسن الأخْفشُ وهو أنَّ قوله «اثْنَتَيْن» يدلُّ على مجرَّد الاثْنَيْنيَّة من غير تقييدٍ بصغير أو كبير أو غير ذلك من الأوصاف، يعني أن الثُّلثين يستحقَّان بمجرَّد هذا العدد من غير اعتبار قيدٍ آخر؛ فصار الكلام بذلك مُفِيداً، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ الألفَ في «كَانَتَا» تدلُّ أيضاً على مجرَّد الاثْنينيَّة من غير قيد بصغير أو كبير أو غيرهما من الأوصاف، فقد رجع الأمرُ إلى أنَّ الخبر لم يُفِدْ غير ما أفادَهُ المبتدأ، ومنها: ما ذكرَهُ مكي عن الأخْفَشِ أيضاً، وتبعه الزمخشريُّ وغيره؛ وهو الحَمْلُ على معنى «مَنْ» ، وتقريرُه ما ذكره الزمخشريُّ؛ قال رَحِمَهُ اللَّهُ: «فإن قلت: إلى مَنْ يرجعُ ضميرُ التثنية والجمع في قوله:» فإنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ، وإنْ كَانُوا إخْوة» ؟ قلتُ: أصلُه: فإن كان مَنْ يَرِثُ بالأخوَّة اثْنتين، وإن كان من يرثُ بالأخوَّة ذكوراً وإناثاً، وإنما قيل: «فإنْ كَانَتَا، وإن كَانُوا» كما قيل: «مَنْ كَانَتْ أمَّكَ» ، فكما أنَّث ضمير» مَنْ «لمكان تأنيث الخبر كذلك ثَنَّى وجمع ضميرَ مَنْ يرث في» كَانَتَا» و «كَانُوا» ؛ لمكانِ تثنية الخبر وجمعه» ، وهو جوابٌ حسن. إلا أن أبا حيان اعترضَهُ، فقال: «هذا تخريجٌ لا يَصِحُّ، وليس نظيرَ» مَنْ كانَتْ أمَّكَ» ؛ لأنه قد صَرَّح ب «مَنْ» ، ولها لفظٌ ومعنًى، فمن أنَّث، راعى المعنى؛ لأن التقدير: أيةُ أمٍّ كانَتْ أمكَ» ومدلولُ الخبر في هذا مخالفٌ لمدلولِ الاسمِ؛ بخلافِ الآية؛ فإن المدلولَيْنِ واحد، ولم يؤنِّث في «مَنْ كَانَتْ أمكَ» ؛ لتأنيث الخبر، إنما أنَّث لمعنى «مَنْ» ؛ إذ أراد بها مؤنَّثاً؛ ألا ترى أنك تقول: «مَنْ قَامَتْ» ، فتؤنث مراعاة للمعنَى؛ إذ أردْتَ السؤال عن مؤنَّث، ولا خبر هنا؛ فيؤنَّثَ «قَامَتْ» لأجله» . انتهى. قال شهاب الدين: وهذا تحاملٌ منه على عادته، والزمخشريُّ وغيره لم يُنْكِرُوا أنه لم يُصَرِّحُ في الآية بلفظ «مَنْ» ؛ حتَّى يُفَرِّقَ لهم بهذا الفرقِ الغامِضِ، وهذا التخريجُ المذكورُ هو القولُ الثاني في الألف. والظاهرُ أنَّ الضمير في «كَانَتَا» عائدٌ على الوَارِثَتَيْنِ، و «اثْنَتَيْنِ» خبرُه، و «لَهُ» صفةٌ محذوفة بها حصلتِ المغايرةُ بين الاسْم والخبر، والتقديرُ: فإن كانت الوارثَتَانِ اثنتَيْن من الأخَوَاتِ، وهذا جوابٌ حسنٌ، وحذفُ الصفةِ لفهمِ المعنى غيرُ مُنْكَرٍ، وإن كان أقلَّ من عكْسه، ويجوز أن يكون خبرُ» كَانَ «محذوفاً، والألفُ تعودُ على الأختين المدْلُولِ عليهما بقوله:» وَلَهُ أُخْتٌ» ؛ كما تقدَّم ذكره عن الأخفش وغيره؛ وحينئذٍ يكونُ قوله: «اثْنَتَيْن» حالاً مؤكِّدة، والتقديرُ: وإنْ كانت الأختانِ له، فحذفَ «لَهُ» ، لدلالةِ قوله: «وَلَهُ أُخْتٌ» عليه. فهذه أربعةُ أقوال. فصل أرادَ اثْنَتَيْن فَصَاعِداً، وهو أنَّ من مَاتَ له أخواتٌ فَلَهُنَّ الثُلُثَانِ. قوله تعالى: ﴿وَإِن كانوا﴾ في هذا الضمير ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عائد على معنى» مَنْ «المقدرة، تقديرُه:» فإنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ إخْوَة» ؛ كما تقدَّم تقريره عن الزمخشريِّ وغيره. الثاني: أنه يعود على الإخْوَة، ويكون قد أفاد الخبر بالتفصيل؛ فإنَّ الإخوة يشمل الذُّكُورَ والإنَاث، وإن كان ظاهراً في الذكور خاصَّة، فقد أفاد الخبر ما لم يُفِدْه الاسم، وإن عاد على الوارث، فقد أفاد ما لم يُفِدْه الاسم إفادةً واضحةً، وهذا هو الوجهُ الثالثُ، وقوله: «فَلِلذَّكَرِ» ، أي: منهم، فحُذِفَ لدلالةِ المعنَى عليه. فصل هذه الآيةُ دَالَّةٌ على أنّ الأخْتَ المَذْكُورة لَيْسَت هي الأخْت للأمِّ. رُوِي أن الصِّديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال في خُطْبَتهِ: ألا إنّ الآية الَّتِي أنْزَلَهَا الله - تعالى - في سُورة النِّسَاء في الفَرَائِض؛ فأولها: في الوَلَدِ والوَالِدِ، وثانيها: في الزَّوْج والزَّوْجَة والإخْوَة من الأمِّ، والآية التي ختم بها السُّورة في الإخْوَة والأخَوَاتِ، والآيَةُ التي خَتَم بها في سُورة الأنْفَالِ أنْزَلَها في أولي الأرْحَامِ. قوله - تعالى -: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أظهرها: أن مفعول البيان محذوفٌ، و «أن تَضِلُّوا» مفعولٌ من أجله؛ على حذفِ مضاف، تقديره: يُبَيِّنُ اللَّهُ أمْرَ الكلالةِ كراهة أنْ تَضِلُّوا فيها، أي: في حُكْمِهَا، وهذا تقديرُ المبرِّد. والثاني - قول الكسائي والفراء وغيرهما من الكوفيين -: أنَّ «لا» محذوفةٌ بعد «أنْ» ، والتقدير: لئلاَّ تَضِلُّوا، قالوا: وحذفُ «لا» شائعٌ ذائعٌ؛ كقوله: [الوافر] 1912 - رَأيْنَا مَا رَأى البُصَراءُ فِيهَا ... فَآلَيْنَا عَلَيْهَا أنْ تُبَاعَا أي: ألاَّ تُبَاعَ، وقال أبو إسحاق الزَّجاج: «هو مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] أي: لئلا تَزُولا، وقال أبو عبيد:» رَوَيْتُ للكسائيِّ حديث ابن عُمَر وهو: «لا يَدْعُونَّ أحدُكُمْ على وَلَدِهِ أن وَافَقَ مِنَ الله إجَابَة» فاستحسنه، أي: لئلاَّ يوافق. قال النَّحَّاس: المعنى عند أبي عُبَيْد: لئلا يُوافِق من اللَّه إجابة، وهذا القَوْلُ عند البصريِّين خطأ؛ لأنهم لا يُجِيزُون إضْمَار «لا» ، والمعنى عندهُم: يبيِّن الله لَكُم كرَاهَة أنْ تَضِلُّوا، ثم حذف؛ كما قال: ﴿ [واسأل القرية] ﴾ [يوسف: 82] ، وكذا معنى الحديث، أي كَراهَة أن يُوافِقَ من اللَّه إجَابَة. ورجَّح الفارسيُّ قول المبرِّد؛ بأنَّ حذفَ المضاف أشيعُ من حذف «لا» النافية. الثالث: أنه مفعول «يُبَيِّنُ» ، والمعنى: يبيِّن الله لكُمُ الضلالة، فتجتنبونَها؛ لأنه إذا بيَّن الشر اجتُنِبَ، وإذا بيَّن الخيرَ ارتُكِب. فصل اعلم أن في هذه السُّورَة [الشَّرِيفَة] لَطِيفَة عَجِيبة، وهي أن أوَّلَها مشتمل على بيان كمال قُدْرَة الله - تعالى -؛ لقوله: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: 1] وهذا دَالٌّ على سِعَة القُدْرَة، وآخِرَهَا مُشْتَمِلٌ على بيان كَمَالِ العِلْمِ، وهو قوله تعالى: ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهذا الوَصْفَان؛ أعني: العِلْم والقُدْرَة بهما تثبت الرُّبُوبِيَّة والإلهِيَّة والجلال والعِزَّة، وبهما يَجب على العَبْد أن يكُون مُطِيعاً للأوامر والنَّواهِي، مُنقَاداً للتَّكَالِيف. رُوِي عن البَرَاء [بن عَازِب] قال: آخِرُ سُورَة [نَزَلت] كَامِلَة ﴿بَرَآءَةٌ مِّنَ الله﴾ [التوبة: 1] وآخر آية نزلت، آخر سُورة النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ . وروي [عن] ابن عباس؛ [أنَّ] آخِر آية نزلت آية الرِّبَا، وآخر سُورة نزلت: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: 1] . ورُوي بعدمَا نَزَلَتْ سُورة «النصْر» عاشَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بَعْدَهَا سِتَّة أشْهُر، ثم نَزَلَتْ في طَرِيق حجَّة الوداع: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ فسمِّيت آية الصَّيْف، لأنها نَزَلَتْ في الصَّيْف، ثم نَزَلَتْ وهو وَاقِفٌ بعَرَفَات: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي [وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً] ﴾ [المائدة: 3] ، فعاش بَعْدَها إحْدَى وعِشْرِين يوماً. عن أبيٍّ قال: قال رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ النِّساء فَكَأنَّمَا تَصَدَّقَ على كلِّ مَنْ وَرِثَ مِيرَاثاً، وأعْطِي مِنَ الأجْرِ كَمَنِ اشْتَرى مُحرّراً، وبَرِئ مِنَ الشِّرْك، وَكَانَ في مَشِيئةَ اللَّهِ - تعالى - مِنَ الَّذِين يَتَجَاوَزُ عَنْهُمْ» . سورة المائدة مدنية كلها إلا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [الآية: 3] فإنها نزلت ب " عرفات ". قال القرطبي: روي أنها نزلت منصرف الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من " الحديبية ". وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: لما رجع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من " الحديبية " قال: يا علي، أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة، ونعمت الفائدة. قال ابن العربي: هذا حديث موضوع [لا يحل لمسلم اعتقاده] أما إنا نقول: سورة المائدة، ونعمت الفائدة، فلا نؤثره عن أحد، ولكنه كلام حسن. وقال ابن عطية: وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وروي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أنه] قال: " سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب ". ومن هذه السورة ما نزل في حجة الوداع، ومنها ما أنزل عام الفتح، وهو قوله: ﴿ولا يجرمنكم شنئان قوم﴾ [الآية: 2] ، وكل ما أنزل من القرآن بعد الهجرة فهو مدني، سواء نزل ب " المدينة " أو في سفر. والمكي [هو] ما نزل قبل الهجرة، وهي مائة وعشرون آية وألفان وثمانمائة وأربع كلمات، وإحدى عشر ألف وتسعمائة وثلاثون حرفا. روي عن أبي ميسرة، قال: المائدة آخر ما نزل، ليس فيها منسوخ. قال أبو ميسرة: أنزل الله تعالى في هذه السورة ثمانية عشر حكما، لم ينزلها في غيرها، [وهي] قوله سبحانه: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع﴾ ، ﴿وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام﴾ ، ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ ، ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ ، ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ . وتمام الطهر في قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾ ، ﴿والسارق والسارقة﴾ و ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ إلى قوله: ﴿عزيز ذو انتقام﴾ الآية، و ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾ [وقوله تعالى: ﴿شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾ قال القرطبي: وفريضة تاسعة عشرة وهي قوله عز وجل:] ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة﴾ ليس للأذان ذكر في القرآن إلا في هذه السورة. أما ما جاء في سورة " الجمعة " مخصوص بالجمعة، وهو في هذه السورة عام في جميع الصلاة. روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [أنه] قرأ [سورة] المائدة في حجة الوداع، وقال: " يا أيها الناس، إن سورة المائدة من آخر ما نزل، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها ". وقال الشعبي: لم ينسخ من هذه السورة غير قوله: ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد﴾ الآية. وقال بعضهم: نسخ منها: " وآخران من غيركم ". بسم الله الرحمن الرحيم
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.