الباحث القرآني

قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات﴾ الآية «من» شرطية وهو الظَّاهِرُ، ويجوز أن تكون موصولة، وقوله ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ إما جواب الشَّرط، وإمَّا خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و ﴿مِنكُمْ﴾ في محلِّ نصب على الحال من فاعل ﴿يَسْتَطِعْ﴾ وفي نصب ﴿طَوْلاً﴾ ثلاثة أوْجُهٍ: أظهرُهَا: أنَّه مفعول ب «يستطيع» وفي قوله «أنْ ينكح» على هذا ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّه في محلِّ نصبٍ ب «طولاً» على أنَّهُ مفعول بالمصدر المنون؛ لأنَّه مصدر؛ وطلت الشيء أي: نلتُهُ، والتَّقدير: ومن لم يستطع أنْ ينال نكاح المحصنات [المؤمنات] ، ومثله قول الفَرَزْدَقِ: [الكامل] 1784 - إنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ ... طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الأوْعَالاَ أي: طالت الأوْعَالُ فلم تَنْلها، وإعمالُ التصدر المنوَّن كثيثر قال الشَّاعِرُ: [الوافر] 1785 - بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ ... أزَلْنَا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ وقول الله تعالى ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا﴾ [البلد: 14، 15] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي. الثاني: ﴿أَن يَنكِحَ﴾ بدل من ﴿طَوْلاً﴾ بدل الشَّيْءِ من الشَّيْءِ؛ لأنَّ الطول هو القدرة، أو الفضل، والنِّكَاحُ قدرة وفضل. الثَّالثُ: أنَّهُ على حذف حرف الجَرِّ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم مَنْ قَدَّرَهُ ب «إلى» أي: طولاً إلى أن ينكح المُحْصَنَاتِ، ومنهم من قَدَّرَهُ باللامِ أي: لأن ينكح، وعلى هذين التَّقديرين، فالجارّ في محلِّ الصِّفَةِ لطولاً، فيتعلَّق بمحذوف، ثُمَّ لما حُذِفَ حرف الجرِّ فالخلاف المشهُورُ في محل «أن» أنصبٌ هو أم جرٌّ؟ . وقيل: اللامُ المقدّرة مع «أنْ» هي لام المفعول من أجله، أي: لأجل نِكاحِهنَّ. الوجه الثَّاني من نصب ﴿طَوْلاً﴾ : أن يكون مفعولاً له على حذف [مضاف] أي: ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا ف «ان ينكح» مفعول «يستطع» أي: ومن لم يستطع نكاح المُحْصَنَات لعدم الطُّوْلِ. الوجه الثالثُ: أن يكون مَنْصُوباً على المصدر. قال ابْنُ عَطيَّة: ويصحُّ أن يكون طَوْلاً نصباً على المَصْدَرِ، والعامِلُ فيه الاستطاعة [لأنَّهما بمعنى و ﴿أَن يَنكِحَ﴾ ، على هذا مفعول بالاستطاعة، أو] بالمصدر يعني أنَّ الطولَ هو الطاعة في المعنى، فَكَأنَّهُ قيل: ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطَّوْلُ: [الفضل ومنه] التطول وهو التَّفضل قال تعالى ﴿ذِي الطول﴾ [غافر: 3] ويقال: تطاولَ لهذا الشَّيءِ أي تناوله كما يقالُ: يد فلان مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطُّولِ الّذي هو ضدّ القصر؛ لأنَّهُ ذَا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة [كما أنه إذا كان قصيراً ففيه قصور ونقصان، فسمى الغنى طولاً لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر] كما أنَّ بالطول ينال ما لا ينال بالقصر. قال ابنُ عبَِّاس ومُجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ والسُّديُّ وابنُ زيدٍ، ومالكٌ: «الطَّول هو السَّعة، والغنى» قيل: والطَّوْلُ: الحرة، ومعناه: أنَّ من عنده حرَّة لا يجوز له نكاح [أمة] ، وإن عَدمَ السَّعَةَ، وخاف العَنَتَ؛ لأنَّه طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبِي حنيفَةَ [وبه قال الطَّبرِيُّ] . وقال أبُو يُوسفَ: الطَّوْلُ هو وجود الحرَّة تحته، وقيل: الطَّوْلُ هو التَّجلد والصبر كمن احبَّ أمةً، وهويها حتَّى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج [عليها] غيرها، فإنَّ له أن يتزوّج الأمَةَ إذا لم يملك مهرها، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال لِنِكَاحِ حرَّةٍ. وهذا قول قَتَادَةَ والنَّخَعِيِّ وعطاءٍ، وسفيان والثَّوْرِي نقله القُرْطُبِيُّ. فصل: [تفسير المراد بالمحصنات] والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر [لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر نكاح المحصنات، فلا بد أني يكون المراد بهن الحرائر] ؛ لأنه ذكرهن كالضّد الأمَاء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصَّاد أنَّهن أحصن بحريتهن عن أحوال الإمَاءِ فإنَّ الأمَةَ تكونُ خراجةً مُمْتهنَةً مُبْتَذِلَةً في الظَّاهِرِ، والحرةُ مصونة عن هذه القَضَايَا، وأمَّا على قراءة كسر الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهنَّ. فصل [في شرط نكاح الأمة] دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُ لا يجوزُ للحرِّ نكاحُ الأمَةِ إلاَّ بشرطين؛ وهما ألاَّ يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأنْ يخاف العَنَتَ، وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بْنُ دينَار، وإليه ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحْمَدُ، وجوّز أصحابُ الرَّأي للحر نكاح الأمَةِ. فإنْ قيل: أيُّ تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبّيْنَ نكاح الحرَّة الفقيرة. فَالجوابُ: أنَّ العادة كانت في الإماء التخفيف لاشتغالهن بخدمةِ السَّيِّد فظهر التَّفَاوُتُ. فصل [في حكم نكاح الأمة الكتابية] دلَّت الآيةُ على أنَّهُ لا يجوز للمُسْلِم نكاحُ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله: ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ولقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5] ولأن الأمَةَ الكافرةَ ناقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: نَقْصُ الرِّقِّ، ونَقْصُ الكُفْرِ، والولدُ تابع للأمِّ في الحريةِ والرق، فيتعلَّقُ الولدُ رقيقاً على مِلْكِ الكافِرِ وجوز أبُو حنيفة ذلك لعموم قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3] وقوله: ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32] وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وقوله: ﴿والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ [المائدة: 5] والمراد بهذا الإحصان العفّة. والجَوَابُ أنَِّ آيتنا خاصةٌ، والخاص مُقَدَّمٌ على العام؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرّ"، وَاتَّفَقُوا على أنَّهُ [لا] يجوزُ وطؤها بملك اليمين. انتهى. فصل [في شرط الإيمان] ظاهر قوله: «وَمَنْ لم يستطِع منكُم طولاً أن ينكح المُحصناتِ المُؤْمنِات فمِنْ ما ملكتْ أيمانكم من فتياتكم المؤمنات» يقتضي كون الإيمان معتبراً من الحرَّة فعلى هذا لو قدر على طول حرّة كتابيَّة، ولم يقدر على طول أمةٍ مسلمةٍ فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوّج بالأمةِ، وأكثرُ العُلماء على أنَّ ذكر الإيمان نذب في الحرائرِ، ولا فرق بين [الأمة] المؤمنة والكتابيَّة في كثرة المؤمنة وقلتها. فصل في التَّحذيرِ من نكاح الأمَاءِ وجوهٌ منها: - الولد ينبع الأمِّ في الحريَّة والرِّق فيصير الولد رقيقاً. قال عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أي حُرٍّ تَزوَّجَ بأمَةٍ، فقد رَقّ نِصْفُهُ، يعني: يصير وَلَدُهُ رقيقاً. وقال سعيدُ بْنُ جُبير: ما نكاح الأمة من الزِّنَا إلا قريب، قال الله تعالى: ﴿مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي عنْ نِكَاحِ الإمَاءِ. ومنها أنَّ الأمَةَ تكون قد تعوّدت الخروجَ، والبروزَ والمخالطةَ للرِّجَالِ وصارت في غاية الوقَاحةِ، ورُبَّمَا تَعَوَّدَت الفجورَ. ومنها أن حقّ المولى عليهم أعظم من حقِّ الزَّوْجِ، ولا تخلص للزَّوْج كخلوص الحُرَّةِ، وربَّما احتاج الزَّوْجُ إليها جداً، ولا يجد إليها سبيلاً [لحبس السيّد لها] . ومنها أنَّ المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمَةِ يُوجِبُ طلاقها تصير مطلَّقَة شاء الزَّوْجُ أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يُسَافِر المولى بها وبولدها، وذلك من أعْظَمِ المَضَارّ. ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تَقْدِرُ على هبته لِزوجهَا، ولا إبرائه بخلاف الحرَّةِ، فلهذه الوجوه لم يُؤْذَنْ في نِكَاحِ الأمةِ إلا على سبيل الرُّخصةِ. وروى أبُو هريرة قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول [الحرائر] صلاح البيت والإماء هلاك البيت أو قال فساد «فساد البيت» ذكره القرطبي. قوله: «فممّا» الفاء قد تقدّم أنَّها إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدة في الخَبَرِ على حَسْبِ القولين في «من» وفي هذه الآية سبعة أوْجُهٍ: أحدها: أنَّها متعلّقة بفعل مقدّر بعد الفاء تقديرُهُ: فينكحُ مِمَّا ملكت أيمانكم و «ما» على هذا موصولة بمعنى الذي أي: نوع الّذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدّر محذوفٌ تقديرهُ: فَيَنْكِحُ امرأة، أو أمَةً مما ملكته أيمانكم؛ ف «مِمَّا» في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لذلك المفعولِ المحذُوفِ و «من» للتَّبعيضِ، نحو: أكلتُ مِنَ الرَّغيفِ، و ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ في محلِّ نصب على الحال من الضَّمير المقدّر في «ملكت» العائد على [ «مَا» ] الموصولة و ﴿المؤمنات﴾ صفة لفتياتكم. الثَّاني: أن تكون «مِنْ» زائدة و «ما» هي المفعولة بذلك الفعل المقدَّر أي: فلينكح ما ملكته أيمانكم. الثَّالثُ: أنَّ «مِنْ» في ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ﴾ زائدة و ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾ هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّرِ أي: فلينكح فتياتكم، و «مما ملكت» متعلق بنفس الفعل و «من» لابتداء الغاية، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من «فتياتكم» قدم عليها و «من» للتَّبعيضِ. الرَّابعُ: أن مفعول «فلينكح» [هو المؤمنات أي: فلينكح] المؤمنات الفتيات و «مما ملكت» على ما تقدَّم في الوجْهِ قبله و «من فتياتكم» حال من ذلك العائد المحذوف. الخامِسُ: أنَّ مما في محَلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره: فالمنكوحَةُ مِمَّا ملكت [أيمانكم] . السَّادس: أن «ما» في «مِمَّا» مصدريَّةٌ أي: فلينكح من ملك أيمانكم، ولا بدَّ أن يكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعولِ نحو: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] ليصحّ [وقوع] النكاح [عليه] . السَّابعُ: وهو أغبرها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراًَ وأنَّ التقدير: ومنْ لَمْ يستطعْ منكمْ [طولاً] أنْ ينكحَ المُحْصنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم فاعل ذلك [الفعل] المقدّر، فعلى هذا يكون قوله ﴿والله أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾ معترضاً بين ذلك الفعل المقدَّر وفاعله، ومثل هذا لا ينبغي أن يقال. فصل قال ابن عباس: يُريدُ بقوله ﴿فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم﴾ أي: فليتزوّج جاريةَ أخيه، فإنَّ الإنسانَ لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه، والفتيات المملوكات جمع فتاةٍ تقُولُ العربُ للأمة: فتاة، وللعبد: فتى، قال عليه السلامَ: «لا يَقُولَنَّ أحدكُم عَبْدِي، ولا أمَتِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ فَتَاي وفَتَاتِي» ويقالُ للجارية الحديثة: فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى فَتَاة. قوله: «والله أعلم بإيمانكم» جملة من مبتدأ وخبر جيء بها بعد قوله ﴿مِّن فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ لتفيد أنَّ الإيمان الظَّاهر كافٍ في نكاحِ الأمَةِ المؤمنة ظاهراً ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها يقيناً، فإنَّ ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى، وفيه تأنيس أيضاً بنكاح الإماءِ، فإنَّهم كانوا يفرون من ذلك. قال الزَّجَّاجُ: «المعنى: احملوا فتياتكم على ظاهر الإيمانِ، واللهُ أعلمُ بالسَّرائِرِ» . قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبر أيضاً، جيء بهذه الجملة أيضاً تأنيساً بنكاح الأمة [كما تقدَّم، والمعنى: أنَّ بعضكم من جنس بعض في النَّسب والدين، فلا يدفع الحر عن نكاح الأمَّةِ، عند الحاجة إليه، وما أحسن قول أمير المؤمنين عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه] : [البسيط] 1786 - والنَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثيلِ أَكْفَاءُ ... أبوهُمُ آدَمٌ والأمُّ حَوَّاءُ والحكمَةُ في ذِكْرِ هذه الكَلِمَةِ أنَّ العَرَبَ كانوا يَتفاخَرُونَ بالأنْسَابِ، فأخبر تعالى أن ذلك لا يلتفت إليه؛ لأنَّ الإيمان أعظم الفضائل، وإذا حصل الاشتراك فيه فلا يلتفت إلى ما وراء ذلك. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71] وقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] وكان أهلُ الجاهليّة يضعون من أين الهجين فذكر تعالى هذه الكلمة زجراً لهم من أخلاق أهل الجاهليَّةِ. قوله «بإذن أهلهن» متعلق ب «انكحوهنّ» وقدّر بعضهم مضافاً محذوفاً أي: بإذنِ أهل ولايتهن، وأهل ولاية نكاحهن هم المُلاَّك. * فصل في نكاح الأمة بإذن سيدها اتَّفَقُوا على أنَّ نكاحَ الأمَةِ بدون إذن سيِّدهَا باطلٌ بهذه الآية فإنها تقتضي كون الإذن شرطاً في جواز النِّكاحِ، وإن لم يكن النكاح واجباً كقوله عليه [الصَّلاة و] السلام: «مَنْ أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ معلُومٍ ووَزْنٍ مَعْلُومٍ إلَى أجَلٍ مَعلُوم» فالسلم ليس بواجب، ولكنَّهُ إذا اختار أن يُسْلِمَ فعليه استيفاء هذه الشَّرائط، ولأنَّ الأمَّةَ ملك للسيِّد، وبالتّزوج تبطل عليه أكْثَرُ منافعها؛ فوجب ألاّ يجوز ذلك إلا بإذنِهِ، وأمَّا العبد فلقوله عليه السَّلامُ: «إذَا تَزَوَّجَ العَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ السيّد فهو عاهِرٌ» . * فصل في اشتراط إذن الولي في النكاح استدلُّوا بهذه الآية على أنَّه لا يصحُّ نِكَاحُ الحرَّة البالغة العاقلة إلاَّ بإذن الولي، قالوا: لأنَّ الضَّمِيرَ في قوله ﴿فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ عائد إلى الإماءِ والأمة ذات موصوفة بالرِّق، وصفة الرِّقِّ صفة زَائِلَةٌ لا تتناول الإشارة بتلك الصّفة، إلا تَرى أنَّهُ لَوْ حلف لا يَتكلَّمُ مع هذا الشاب فصار شيخاً ثم تَكَلَّمَ معه حَنَثَ؛ فثبت أن الإشارة إلى الذَّاتِ الموصوفة بصفَةٍ، عرضية زائلة باقية بعد زوال تلك الصِّفةِ العرضية، وإذَا كان كذلك، فوجب أن تكون الإشَارَة إلى الإمَاءِ باقيةً بعد زَوَالِ الرِّقِّ، وحصول صفة الحريّة لهنّ، وإذا ثبت أنَّ ذلك في الصُّورَةِ الباقية؛ وجب ثبوته في سائر الصُّورِ، لأنَّهُ لا قائل بالفرق. قال الرازيُّ: هذه الآية ترد على الشافعيِّ، فإنَّهُ يقول: لا عِبَارَةَ للمرأة في النِّكاح، فإذا ملكت المرأةُ جارية وكلتْ مَنْ يزوجها، واللهُ تعالى شرط إذن أهلهنّ مطلقاً فقد ترك [الظاهر] والجوابُ من وُجُوهٍ: الأوَّلُ: المرادُ بالإذن الرِّضَا ولا بدَّ مِنْهُ. الثَّاني: أنَّ المرادَ بأهلهنّ من يقدر على نكاحهن، فإن كانت امرأةً فموْلاَهَا. الثَّالِثُ: أنَّ الأهْلَ يتناولُ الذكورَ والإناثَ، لكنَّهُ عام والأدلَّةُ الدَّالَّةُ على المرأة لا تنكح نفسها خاصّة، والخاصُّ مقدَّمٌ وفي الحديثِ: «العَاهِر هي التي تنكِحُ نَفْسَهَا» ولذا كانت مسلوبةَ العبارة في [حقّ] نفسها، فهي في حقّ مملوكها أولى. قوله تعالى «فآتوهن أجورهن» قال بعضهم: هو المهر، قال: والمُرادَ به مهر المثل لقوله تعالى: ﴿بالمعروف﴾ وهذا إنَّمّا ينطلق فيما كان مبنياً على الاجتهاد وغالب الظنِّ في المعتاد والمتعارف كقوله: «وعلى الوارث مثل ذلك» ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ [البقرة: 233] . وقال القاضي: «المرادُ من [الأجُورِ:] النَّفَقةُ عليهنّ قال: لأنَّ المهر مقدّر، فلا معنى لاشتراط المعروف فيه، فكأنَّهُ تعالى بيَّن أنَّ كونها أمَةً لا يقدحُ في وُجُوبِ نفقتها، وكفايتها كما في حقّ الحرة، وأكثر المفسَِّرينَ حملوا قوله: ﴿بالمعروف﴾ على تَرْكِ المطْلِ، والتَّأخيرِ عند المطالبة على العَادَةِ الجميلَةِ. * فصل في من المستحق لقبض مهر الأمة؟ نقل أبُو بكرٍ الرَّازِي في أحكام القرآن عن بعض أصْحَابِ مالكٍ، أنَّ الأمة هي المستحقّة لقبض مهرها بهذه الآيةِ. والجوابُ من وُجوهٍ: أحدُهَا: أنَّا إذا حملنا [قوله] الأجور على النَّفَقَةِ، زال تمسكهم. وثانيها: إنَّمَا أضاف إيتاء المهور إليهن، لأنَّهُ ثمن بعضهم، وليس في قوله» وآتوهن» ما يوجب كون المَهْرِ ملكاً لهنَّ. وثالِثُهَا: ثبت أنَّهَا تقتضي كَوْنَ المَهْرِ ملكاً لهُنَّ، ولكنَّهُ عليه السلامُ قال: «العَبْدُ وَمَا فِي يَدِهِ [ملِكٌ] لمولاهُ» وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] فنفى الملك عنه. ورابعهَا: أنَّ عِوَضٌ عن منافِع البُضْعِ، وهي مملوكةٌ للسيِّدِ. قوله: «بالمعروف» فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أنَّه متعلِّق ب ﴿وَآتُوهُنَّ﴾ أي: آتوهن مهورهن بالمعروف. الثَّاني: أنَّهُ حالٌ من أجورهن أي: ملتبسات بالمعروف، يعني: غير ممطولة. الثالِثُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بقوله ﴿فانكحوهن﴾ أي: فانكحوهن بالمعروف [بإذن أهلهن ومهر مثلهن، والإشهاد عليه، وهذا هو المعروفُ] وقيل: في الكلامِ حذف تقديره: وآتوهنَّ أجورهن بإذن أهلهنَّ فحذف من الثَّاني لدلالة الأوَّلِ عليه، نحو ﴿والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات﴾ [الأحزاب: 35] . أي الذاكرات الله. وقيل: ثُمَّ مُضَاف مقدر أي: وآتوا مواليهن أجورهن؛ لأنَّ الأمة لا يسلّم لها شيءٌ من المهر. قوله تعالى ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ حالان من مفعول ﴿فَآتُوهُنَّ﴾ ومحصنات على هذا، بمعنى مزوجات. وقيل: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾ حال من مفعول ﴿فانكحوهن﴾ ، ومحصنات على هذا بمعنى عفائف، أو مسلمات، والمعنى: فانكحوهن حال كونهن محصنات لا حال سفاحهن واتِّخَاذِهِنَّ للأخدان، وقد تقدم أن «محصنات» بكسر الصَّاد وفتحها وما معناها، وأن ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ حال مؤكدة. و ﴿وَلاَ مُتَّخِذَات﴾ عطف على الحال قبله، والأخدان مفعول بمتخذات، لأنَّهُ اسم فاعل، وأخدان جمع «خِدْن» كعِدْل وأعْدَال. والخِدْنُ: الصَّاحب. قال أبو زيد: الأخدانُ: الأصدقاء على الفاحشة، واحدهُمْ خِدْنٌ وخدين وهو الّذي يخادنك، ورجل خُدْنَةٌ: إذا اتَّخَذَ أخداناً أي: أصحاباً وقد تقدَّمَ أنَّ المُسَافح هو المجاهر بالزِّنَا، ومتخذ الأخْدَان هو المستتر [به] ، وكان الزِّنَا في الجاهليَّة منقسماً إلى هذين القسمين، ولم يحكموا على ذاتِ الخدن بكونها زانية. قوله: «فإذا أحصن» قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضمّ الهمزة وكسر الصَّادِ على البِنَاءِ للمفعول والباقون بفتحها على البنَاءِ للفاعل، فمعنى الأوَّلِ أحصن بالتزويج فالمحصن بهن هو الزوجَ، هكذا قاله ابنُ عباسٍ، وسعيدُ بْنُ جُبيرٍ والحَسَنُ ومُجاهِد. ومعنى الثَّانية: «وأحصن فروجهن أو أزواجهن» . وقال عُمَرُ وابنُ مسعودٍ والشعبيُّ والنخعيُّ والسديُّ: أسلمن. وطعنوا في هذا الوجه بِأنَّهُ تعالى وصف الإماء بالإيمان في قوله ﴿فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ ويبعد أن يقال: فتياتكم المؤمنات، ثم يقال: فإذا آمن فإن حالهن كذا وكذا، ويمكن جوابه بأنَّهُ تعالى حكم حكمين: الأوَّلُ: حال نكاح الأمَاءِ فاعتبر الإيمان فيه بقوله: ﴿فَتَيَاتِكُمُ المؤمنات﴾ . والثَّاني: ما يجبُ عليهنَّ عند إقدامهن على الفاحشَةِ، فذكر [حال] إيمانهنَّ أيضاً في هذا الحكم وهو قوله تعالى ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ . قوله: «فإن أتين بفاحشة فعليهن» الفاء في «فإنْ» جواب «إذَا» وفي «فعليهن» جواب «إن» فالشَّرط الثَّاني وجوابه مترتِّبٌ على وجود الأوَّلِ، ونظيره: إن أُكلت فإن ضربت عمراً فأنت حرٌّ، لا يُعتق حتى يأكل أولاً، ثم يضرب عمراً ثانياً ولو أسقطت الفاء الدّاخلة على «إن» في مثل هذا التّركيب انعكس الحكم، ولزم أن يَضْرب أولاً ثُمَّ يأكل ثانياً، وهذا يُعْرف من قواعد النَّحْوِ، وهو أن الشَّرْطَ الثَّاني يُجْعل حالاً، فيجب التَّلبُّسُ به أولاً. قوله: «من العذاب» متعلق بمحذوف؛ لأنَّهُ حال من الضَّميرِ المستكن في صلة «ما» وهو «على» ، فالعامل فيها معنوي، وهو في الحقيقة ما تعلَّقَ به هذا الجر، ولا يجوز أن يكون حالاً من «ما» المجرورة بإضافة «نصف» إليها؛ لأنَّ الحال لا بدَّ أن يعمل فيها [ما يعمل] في صاحبها [إن] و «نصفُ» هو العامل في صاحبها الخفض بالإضافة، ولكنه لا يعمل في الحال، لأنَّهُ [ليس] من السماء العاملة إلا أنَّ بعضهم يرى أنَّهُ إذا كان جزءاً من المضاف جاز ذلك فيه، والنصفُ جزء فيجوز ذلك. فصل في الآية إشكال، وهو أنَّ المحصنات في قوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات﴾ إمَّا أن يكون المرادُ منه الحرائِر المتزوّجات، أو الحرائر الأبكار، والسَّبَبُ في إطلاق اسم المحصنات عليهن حريتهن، والأول مُشْكِلٌ؛ لأن الواجبَ على الحرائر المتزوجات في الزِّنَا الرَّجم، فهذا يقتضي أن يجب في زِنَا الإماء نصفُ الرَّجْمِ وذلك باطل. والثَّاني وهو أن يكون المراد الحرائر الأبكار، فنصف ما عليهنَّ خمسون جَلْدَةً وهذا القدر واجب في زنَا الأمَةِ، سواء كانت مُحْصَنَةً أو لم تكن، فحينئذ يكون هذا الحكمُ معلقاً بمجرَّدِ صُدُورِ الزِّنَا عنهنَّ، وظاهر الآية يقتضي كونه معلقاً بمجموع الأمرين: الإحصان والزِّنا، لأنَّ قوله ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ شرط بعد شرط. فيقتضي كون الحكم مشروطاً بهما نصاً. فالجوابُ أن يُخْتارَ القسم الثَّاني، وقوله: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ﴾ ليس المرادُ منه جعل هذا الإحْصَانِ شرطاً لأن يجب في زَنَاهَا خمسُونَ جَلْدَةً، بل المعنى أنَّ حدَّ الزِّنَا يغلظ عند التَّزوُّجِ فهذه إذَا زَنَتْ، وقد تزوَّجت فحدُّهَا خمسون جلدة، لا يزيد عليه فبأن يكون قبل التَّزوُّجِ هذا القدر [أيضاً] أولى، وهذا مما يَجْرِِي [فيه مجرى] المفهوم بالنَّصِّ لأنَّهُ لما خفف الحدَّ لمكان الرّق عند حصول ما يُوجبُ التَّغليظَ فبأن يجب هذا القدر عندما لا يوجد المغلظ أولى، وذهب بعضهم إلى أنَّهُ لا جلد على من لم يتزوّج من المماليك إذَا زَنَا لقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات مِنَ العذاب﴾ وهذا مرويٌّ عن ابن عباسٍ وبه قال طاووس. ومعنى الإحصان عند الآخرين الإسلامُ، وإن كان المرادُ منه التزويج، فليس المراد منه أنَّ التزويج شرط لوجوب الحدّ عليه، بل المرادُ منه التّنبيه على أنَّ الممْلُوكَ إذا كان محصناً بالتَّزويج؛ فلا رجم عليه، إنَّمَا حده الجلد بخلاف الحر، فحدُّ الأمةِ ثابت بهذه الآية، وبيان أنَّه الجلد قوله عليه السلامُ «إذا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا ولا يُثْرِبْ عليْهَا، ثُمَّ إن زَنَتْ الثَّالِثَةُ؛ فَلْيَبِعْها وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعِرٍ» . * فصل في من يقيم الحد على الإماء؟ اختلفوا فيمن يقيمُ الحدَّ على العَبْدِ والأمَةِ إذَا زَنَيَا، قال بن شهاب: مضت السُّنَّةُ أن يَحُدَّ العَبْدَ والأمَةَ أهلُوهُم في الزِّنَا، إلاَّ أنْ يُرْفَع أمرُهُمْ إلى السَّلطان، فليس لأحَدٍ أن يفتات عليه قوله عليه السلامُ «إذَا زَنَتْ أمَةُ أحدكُمْ فليَجْلِدْهَا مِنْهُمْ، ومَنْ لَمْ يُحْصَن» . قال مَالِكٌ: يَحُدَّ المولى عبده في الزِّنَا وشرب الخمر، والقَذْفِ إذا شهد عنده الشُّهُودُ، ولا يقطعُهُ في السَّرقَةِ إلاَّ الإمام. وقال أبُو حنيفةَ: «لا يقيمُ الحُدُودَ عليهم إلاَّ السُّلْطَان» . فصل متى يحد الأمة السلطان؟ قال القُرطبيُّ: إذَا زنتِ الأمَةُ ثُمَّ عُتِقَتْ قَبْلَ أن يحدَّها سيِّدُهَا لم يحدَّهَا إلا السُّلْطَان، فإنْ زَنَتْ ثم تزوَّجَتْ لم يكُنْ لسيِّدِهَا أن يجلدَهَا لحقِّ الزَّوْجِ؛ إذ قد يَضُرُّهُ ذلك، إذَا لم يكن الزَّوْجُ ملكاً للسَّيِّدِ، فلو كان ملكاً للسَّيِّدِ؛ جازَ ذلك لأن حقَّهُمَا حَقُّهُ. فصل إذا أقرَّ العَبْدُ بالزِّنَا، وأنْكَرَهُ المولى فالحدُّ يجبُ على العبد لإقرارِهِ، ولا يلتفت لإنكار السَّيِّد، فلو عفا السَّيِّدُ عن عَبْدِهِ، أو أمته إذا زَنَيَا، فقال الحَسَنُ: له أن يغفر وقال غيرُهُ: لا ينفَعُهُ إلاَّ إقامَةُ الحدِّ، كما لا يسع السُّلطانَ أنْ يعفو عن حدٍّ إذا عَلِمَهُ. قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ﴾ «ذلك» : مبتدأ ولمن خشِيَ: جارٌّ ومجرورٌ [خبره] ، والمشارُ إليه ب «ذلك» إلى نكاح الأمة المؤمنة لمنْ عَدِمَ الطَّوْلَ، والعَنَتُ في الأصْلِ انكسارُ العَظْمِ بعد الجَبْرِ؛ فاستعير لكلٍّ مَشَقَّةٍ. قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] أي: لشدَّدَ الأمرَ عليكم، وأُريدَ بِهِ به هُنَا ما يجرُّ إليه الزِّنَا منَ العذاب الدُّنْيَوِيِّ، والأخرويِّ. وقال بعضُ المفسِّرينَ: إنَّ الشَّبق الشَّديدَ في حقِّ النساء قد يؤدِّي إلى اختناق الرَّحم، وأمَّا في حقِّ الرِّجالِ فقد يردي إلى أوجاعِ الوركين والظهر والأوَّل هو اللائِقُ ببيان القرآن. و «منكم» حالٌ من الضَّميرِ في «خشيِ» أي: في حال كَوْنِهِ مِنْكُمْ، ويجوزُ أن تكون «من» للبيان. قوله: ﴿وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . مبتدأ وخبر لتأوله بالمصدَرِ وهو كقوله ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ [البقرة: 237] والمعنى وأنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعفِّفينَ خيرٌ لكم لما بَيَّنَا من المفاسدِ الحاصلة في هذا النَّكَاحِ. قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «الحَرَائِرُ صَلاَحُ البَيْتِ، والإمَاءُ هَلاَكُهُ» . وقال الشاعر: 1787 - وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِهِ قَهْرَمَانَةٌ ... فَذلِكَ بَيْتٌ لا أبَالَكَ ضَائِعُ وقال الآخر: [الطويل] 1788 - إذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَنْزِلِ المَرْءِ حُرَّةٌ ... تُدَبِّرُهُ ضَاعَتْ مَصَالِحُ دَارِهِ فصل مذهب أبي حنيفة وأحمد: أنَّ الاشتغال بالنِّكاح أفضل من الاشتغال بالنَّافلة، فإن قالوا بهذا سواء كان نكاح حرَّةٍ أو نكاح أمةٍ فهذه الآية نصَّ في بطلان قولهم، وإن قالوا: إنَّا لا نرجِّح نكاح الأمة على النَّافلة، فحينئذٍ يسقط استدلالهم. ثم قال: ﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذا كالمؤكّد لما ذكره؛ لأنَّ الأولى ترك هذا النِّكاح يعني أنَّهُ وإنْ حصل ما يقتضي المَنْعَ من هذا النِّكَاحِ إلا أنَّهُ تعالى أباحه لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرَّحْمَةِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.