الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، وفي جوابه وجهان: أحدهما: أنه قوله: ﴿فانكحوا﴾ وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ﴾ أخذوا يَتحرّجونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم: إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا ما طاب لكم من [النساء مثنى وثلاث ورباع من] الأجنبيات أي: اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي: في نكاح يتامى النساء. فإن قيل: «فواحدة» جواب لقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً﴾ فكيف يكون جواباً للأول؛ فالجواب: أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر. وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر: [الطويل] 1737 - فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ أي: أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: 229] . قوله: ﴿أَلاَّ تُقْسِطُواْ﴾ إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي: «مِنْ أن لا» ففيها الخلاف المشهور أي: في محل نصب [أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت: «فَإنْ حَذَرْتم» فهي في محل نصب] فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة. وقرا الجمهور: «تقسطوا» بضم التاء، من أقْسَط: إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ: وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي: العدل. وقرأ إبراهيم النخعي: ويحيى بن وثَّاب بفتحها من «قسط» وفيها تأويلان: أحدهما: أن «قَسَطَ» بمعنى «جار» ، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى «أقسط» أي: أزال القسط وهو الجور، و «لا» على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾ [الحديد: 29] . والثاني: حكي الزجاج أن «قسط» الثلاثي يستعمل استعمال «أقسط» الرباعي، فعلى هذا تكون «لا» غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة. قالوا: قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا «قسط» على بناء ظلم وجار وغلب. وقال الراغب: «القِسْط» أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال: قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: 15] . [وقال تعالى: ﴿وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين﴾ [الحجرات: 9] . وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له: ما تقول فيَّ؟ قال: «قَاسِطٌ عادِلٌ» فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج: ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: 15] . المادة من قوله: ﴿قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: 18] . قوله: ﴿مَا طَابَ﴾ في «ما» هذه أوجه: أحدها: أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن «ما» تكون للعاقل، وهي مسألة مشهورة، وذلك أن «ما» و «من» وهما يتعاقبان، قال تعالى: ﴿والسمآء وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: 5] وقال: ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: 3] وقال ﴿فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ﴾ [النور: 45] . وحكى أبو عمرو بن العلاء: سبحان من سبح الرعد بحمده. وقال بعضهم: نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله: ﴿إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 6] . قال بعضهم: وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول: هي لصفات من يعقل. وبعضهم يقول: لنوع من يعقل كأنه قيل: النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً. الثاني: أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي: انكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً. الثالث: أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره: فانحكوا [الطَّيِّبَ. وقال أبو حيان: والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا] النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر. الرابع: أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير: فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم. إذا تقرر هذا، فإن قلنا: إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت «ما» مفعولاً ب «انكحوا» ويكون «من النساء» فيه وجهان: أحدهما: أنها لبيان الجنس المبهم في «ما» عند مَنْ يثبت لها ذلك. والثاني: أنها تبعيضية، أي: بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من «ما طاب» وإن قلنا: إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان كان مفعول «فانكحوا» قوله «من النساء» نحو قولك: أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي: شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل. فإن قيل: لِمَ لا يجعل على هذا «مثنى» وما بعدها هو مفعول «فانكحوا» أي: فانكحوا هذا العدد؟ فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل. وقرأ ابن أبي عبلة «مَنْ طَابَ» وهو يرجحُ كون «ما» بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء، وهذا ليس بمبني للمفعول؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة وهي قراءة حمزة. فصل اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال: قلت لعائشة: ما معنى قول الله تعالى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ . فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلاَّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى﴾ فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعد هذه الآية فيهن، فانزل اللهُ تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النسآء قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء [اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ . وقيل: لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو اكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم: إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي. وقيل: لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل: إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد. وقال عكرمة: هو الرجل عنده النسوة ويكون عند الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق مال اليتامى عليهن، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى﴾ عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم [نكاح] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس. فصل قال الواحدي والزمخشري: قوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23] . قال ابن الخطيب: وهذا فيه نظر؛ لأن قوله: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة، وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً. قوله «مَثْنَى» منصوب على الحال من «طَابَ» وجعله أبو البَقاء حالاً من «النساء» فأجاز هو وابن عطية أن يكون بدلاً من «ما» وهذان الوجهان [ضعيفان] . أمَّا الأول: فلأنَّ الْمُحْدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله ﴿النسآء﴾ كالتبيين. وأما الثاني: فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل. واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع؟ قولان: وقول الكوفيين وأبي إسحاق: جوازه. والمسموع [من ذلك] أحد عشر لفظاً: أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلاَثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبَع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر. واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب: أحدها: مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر. فإذا قلت: جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك: جاءوا واحداً واحداً وثلاثةً ثَلاثَةً، ولا يُرادُ بالمعدولِ عنه التوكيد، إنما يُرادُ به تكرار العدد لقولهم: علمته الحساب باباً باباً. والثاني: مذهب الفراء، وهو العدل والتعريف بنية الألف واللام ولذلك يمتنع إضافتها عنده لتقدير الألف واللام، وامتنع ظهور الألف واللام عنده لأنها في نِيَّة الإضافة. الثالث: مذهب أبي إسحاق: وهو عدلها عن عدد مكرر وعدلها عن التأنيث. والرابع: نَقَلَهُ الأخفش عن بعضهم، أنه تكرار العدل، وذلك أنه عَدَلَ عن لفظ اثنين اثنين، وعن معناه؛ لأنه قد لا يستعمل في موضع تستعمل فيه الأعداد في المعدولة بقوله: جاءني اثنان وثلاثة، ولا تقول: «جاءني مَثْنَى وثلاث» حتى يتقدم قبله جمع؛ لأن هذا الباب جعل بياناً لترتيب الفعل، فإذا قلت: «جَاءَ الْقَوْمُ مَثْنَى» ، أَفَادَ أنَّ مجيئهم وقع من اثنين اثنين، بخلاف غير المعدولة، فَإنَّها تفيد الإخبار عن مقدارِ المعدودِ دُونَ غيره؛ فقد بان بما ذكرنا اختلافهما في المعنى فلذلك جاز أن تقوم العِلَّةُ مَقَامَ العلتين لإيجابهما حكمين مختلفين - انتهى. وقال الزمخشري: «إنَّمَا منعت الصرف لما فيها من العَدْلَيْن؛ عدلها من صيغتها، وعدلها عن تكررها، وهن نكرات يُعَرَّفْنَ بلام التعريف، يقال: فلان ينكح المثْنَى والثلاث» . قال أبو حيان: «ما ذهب إليه من امتناعها لذلك لا اعلم أحداً قاله، بل المذهب فيه أربعة» ذكرها كما تقدم، وقد يقال: إنَّ هذا هو المذهب الرابع وعبَّر عن العدل في المعنى بعدلها عن تكررها وناقشه [أبو حيان] أيضاً في مثاله بقوله: ينكح المثنى من وجهين: أحدهما: دخول «أل» عليها، قال: «وهذا لم يذهب إليه أحد بَلْ لَمْ تُسْتَعْمَلْ في لسان العرب إلاَّ نكرات» الثاني: أنه أولاها العوامل، ولا تلي العوامل بل يتقدمها شيء يلي العوامل، ولا تقع إلا أخباراً كقوله عليه السلام: «صلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» أو أحوالاً كهذه الآية الكريمة أو صفات نحو قوله تعالى: ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] وقوله: [الطويل] 1738 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ وقد وقعت إضافتها قليلاً كقوله: [الطويل] 1739 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... بِمَثْنَى الزُّقَاقِ المُتْرَعَاتِ وَبِالجُزُرْ وقد استدلَّ بعضهم على إيلائها العَوَامل على قِلَّةٍ بقوله: [الوافر] 1740 - ضَرَبْتُ خُمَاسَ ضَرْبَةَ عَبْشَمِيٍّ ... أذارُ سُدَاس ألاَّ يَسْتَقِيمَا ويمكن تأويله على حذف المفعول لفهم المعنى تقديره: ضربتهم خماس. ومن أحكام هذه الألفاظ ألا تؤنث بالتاءِ، لا تقول: «مثناة» ولا «ثُلاثة» بل تَجْرِي على المذكر والمؤنث جَرَياناً واحداً. وقرأ النخعي وابن وثّاب «ورُبَعَ» من غير ألف، وزاد الزمخشري عن النخعي: «وثُلَثَ» أيضاً، وغيره عنه «ثُنَى» مقصوراً من «ثُناء» حَذَفوا الألف من ذلك كله تحقيقاً، كما حذفها الآخر في قوله: [الرجز] 1741 - ... ... ... ... ... ... ... ... يريد بارداً وَصلَّياناً بَرِدَا فصل معنى قوله: «مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ» أي اثنين وثلاثاً وأربعاً أربعاً، والواو بمعنى «أو» للتخيير كقوله تعالى: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى﴾ [سبأ: 46] وقوله: {أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز لأحد أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، وكانت الزيادة من خصائص النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. فصل ذهبَ أكْثرُ الفقهاء إلى أن قوله تعالى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ لا يتناول العبد؛ لأن الخطاب إنما يتناول إنساناً متى طلب امرأة قَدِرَ على نكاحها، والعبد ليس كذلك؛ لأنه لا يتمكن من النكاح إلا بإذن مولاه لقوله تعالى: ﴿عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] ، فَيَنْفِي كونه مستقلاًّ بالنكاح. وقال عليه السلام: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِرٌ» . وقال مالك: يجوز للعبد أن يتزوج أربعاً لظاهر الآية. وأجيب بأن قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مختص بالأحرار؛ لأن العبد لا ملك له، وبقوله تعالى: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: 4] والعبد لا يأكل ما طابت عنه نفس امرأته من المهر، بل يكون لسيده. قال مالك: إذا ورد عمومان مستقلان فدخول التقييد في الآخر لا يوجب دخوله في السابق. وأجيب بأن هذه الخطابات وردت متوالية على نسق واحد، فلما ذكر في بعضها الأحرار علم أن الكل كذلك. فصل ذهبت طائفة فقالوا: يجوز التزويج بأيّ عدد شاء، واحتجوا بالقرآن والخبر، أمَّا القرآن فتمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ إطلاق في جميع الأعداد، بدليل أنه لا عدد إلاّ ويصح استثناؤه منه. وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل. الثاني: أن قوله: «مثنى وثلاث ورباع» لا يصلح مخصصاً لذلك العموم؛ لأن تخصيص بعض الأعداد يدخل على رفع الحرج؛ والحجر مطلقاً، فإن الإنسانَ إذا قال لولده: افعل ما شئت، اذهب إلى السوق وإلى المدرسة، وإلى البستان، لم يكن تنصيصاً للإذن بتلك الأشْيَاء المذكورة فقط، بل يكون ذلك إذناً في المذكور، وغيره، هكذا هنا. الثالث: أن الواو للجمع المطلق، فقوله تعالى: ﴿مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ لا يدخل هذا المجموع، وهو تسعة، بل يفيد ثمانية عشر؛ لأن قوله مثنى ليس عبارة عن اثنين فقط، بل عن اثنين اثنين، وكذا البقية. وأما الخبر فمن وجهين: الأول: أنه ثبت بالتواتر أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ مات عن تسع، وأمرنا الله باتباعه بقوله تعالى: ﴿فاتبعوه﴾ [الأنعام: 153] وأقل [مراتب] الأمر الإباحة. الثاني: أن التزويج بأكثر من أربع طريقة عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، فيكون سنةً له. وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «النِّكَاحُ سُنَّتِي وَسُنَّةُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وهذا يقتضي الذم لمن ترك التزويج بأكثر من أربع، فلا أقل من أن يثبت أصل الجواز. أجاب القدماء بما رُوِيَ أن غَيْلاَنَ أسلم وتحته عشر نسوة فقال له عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «أمْسِكْ أربعاً وَفَارِقْ بَاقِيهنَّ» وهذا ضعيف من وجهين: الول: أن هذا نسخ للقرآن بخبر الواحد، وذلك لا يجوز. الثاني: أن هذه واقعة حال، فلعله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ إنَّما أمره بإرسال أربع ومفارقة البواقي؛ لأن الجمع بين الأربع وبين البواقي غير جائز، إمَّا لنسب أو رضاع، أو اختلاف دين محرم، وإذا قام الاحتمال فلا يمكن نسخ القرآن إلا بمثله. واستدلوا أيضاً بإجماع فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز الزيادة على الربع، وهذا أيضاً فيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الإجْمَاعَ لا يُنْسَخُ به فكيف يقال: الإجماع نسخ هذه الآية؟ الثاني: أن هؤلاء الذين قالوا بجواز الزيادة على الأربع من جملة فقهاء الأمصار، والإجماع لا ينعقد مع مخالفة الواحد والاثنين. وأجيب عن الأول بأن الإجماع يكشف عن حصول الناسخ في زمن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وعن الثاني أن هذا المخالف من أهل البدعة، فلا عبرة بمخالفته. فإن قيل: إذا كان المر على ما قلتم فكان الأولى أن يقال: «مثنى او ثلاث أو رباع» فلم جاء بواو العطف [دون «أو» ] . فالجواب: أنه لو جاء بالعطف ب «أو» لكان يقتضي أنه يجوز ذلك إلا أحد هذه الأقسام، وألاَّ يجوز لهم أن يجمعوا بين هذه الأقسام، بمعنى أن بعضهم يأتي بالتثنية، وبعضهم بالتثليث، والفريق الثالث بالتربيع، فلما ذكره بحرف الواو أفاد ذلك أنه يجوز لكل طائفة أن يختاروا قسماً من هذه الأقسام، ونظيره أن يقال للجماعة: اقتسموا هذا المال وهو ألف، درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، ولطائفة ثالثة أن يأخذوا أربعة أربعة، فكذا ها هنا في ترك «أو» وذكر الواو. فصل قال مالك والشافعيُّ: - رحمهما الله تعالى - «إذا تزوج خامسة وعنده أربع عليه الحد إن كان عالماً» . وقال الزُّهْرِيُّ: «يرجم إذا كان عالماً، وإذا كان جاهلاً عليه أدنى الحدين، الذي هو الجلد وهو مهرها، ويفرِّق بينهما ولا يجتمعان أبداً» . وقال النُّعْمَانُ: «لا حدّ عيه في شيء من ذلك» . وقالت طائفة: «يحدُّ في ذات المحرم، ولا يحدّ في غير ذلك من النكاح، مثل أن يتزوج مجوسية، أو خمساً في عقد، أو تزوّج معتدة، أو بغير شهود، أو [تزوج] أمة بغير إذن مولاها» . قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ شرط، إذا أنتج من الآيتين هذه وقوله: ﴿وَلَن تستطيعوا﴾ [النساء: 129] ما أنتج [من] الدلالة اقتضى أنه لا يجوز أن يتزوّج غير واحدة، أو يتسرَّى بما ملكت يمينه، ويبقى الفصل بجملة الاعتراض لا فائدة له، بَلْ يكون لغواً على زعمه. والجمهور على نصب «فواحدة» بإضمار فعل أي: فانكحوا واحدة وطؤوا ما ملكت أيمانكم، وإنما قدّرنا ناصباً آخر لملك اليمين؛ لأن النكاح لا يقع في ملك اليمين، إلا أن يريد به الوطء في هذا، والتزويج في الأول، فيلزم استعمال المشترك في معنيين أو الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكلاهما مقول به، وهذا قريب من قوله: [الرجز] 1742 - عَلَفْتُهَا تِبْنَاً وَمَاءً بَارِدَاً..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وبابه. وقرأ الحسن وأبو جعفر: «فواحدةٌ» بالرفع، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: الرفع بالابتداء، وسوَّغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على فاء الجزاء، والخبر محذوف أي: فواحدة كافية. الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف أي فالمقنع واحدة. الثالث: أنه فاعل بفعل مقدّر أي: يكفي واحدة. و «أو» على بابها من كونها للإباحة أو التخيير. و «ما ملكت» كهي [في قوله] : «مَا طَابَ» [فإن قيل: المالك هو نفسه لا يمينه، فلِمَ] أضاف المِلْك لليمين [فالجواب] لأنها محل المحاسن، وبها تُتَلَقَّى رايات المجد. وروي عن أبي عمرو: «فما ملكت أيمانكم» ، والمعنى: إن لم يعدل في عِشْرَةِ واحدة فما ملكت يمينه. وقرأ ابن أبي عبلة «أو من ملكت أيمانكم» . ومعنى الآية: إن خفتم ألا تعدلوا بين هذه الأعداد كما خفتم ترك العدل فيما فوقها فاكتفوا بزوجة واحدة، أو بالمملوكة. قوله: «ذلك أدنى» مبتدأ وخبر، و «ذلك» إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسرِّي. و «أدنى» أفعل تفضيل من دنا يدنو أي: قرُب إلى عدم العول. قال أبو العباس المقرئ: «ورد لفظ أدنى في القرآن على وجهين: الأول: بمعنى أحرى قال تعالى: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ . والثاني: بمعنى» دون «قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61] يعني الرديء بالجيد» . قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ في محل نصب أو جرٍّ على الخلاف المشهور في «أن» بعد حذف حرف الجر، وفي ذلك الحرف المحذوف ثلاثة أوجه: أحدها: «إلى» أي: أدنى إلى ألا تعولوا. والثاني: «اللام» والتقدير: أدنى لئلا تعولوا. والثالث: وقدّره الزمخشريُّ من ألا تميلوا؛ لأن أفعل التفضيل يجري مجرى فعله، فما تعدى به فعله [تعدى] هو به، وأدنى من «دنا» و «دنا» يتعدى ب «إلى» و «اللام» ، و «من» تقول: دنوت إليه، وله، ومنه. وقرأ الجمهور: «تعولوا» من عال يعول إذا مال وجار، والمصدر العول والعيالة، وعال الحاكم أي: جار. حكي أن أعرابياً حكم عليه حاكم فقال له: أتعول عليَّ. وقال أبو طالب في النبي عليه السلام [الطويل] 1743 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... لَهُ حَاكِمٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ عَائِلِ وروي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مرفوعاً عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله: ﴿ذلك أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ﴾ [النساء: 3] قال: «لاَ تَجُورُوا» . وفي رواية أخرى «ألا تميلوا» . قال الواحدي رَحِمَهُ اللَّهُ: «كلا اللفظين مرويّ؛ وعال الرجل عيالَهُ يَعُولهم إذا مانَهُمْ من المؤونة ومنه أبْدَأ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بمَنْ تَعُول» . وحكى ابن العرابي: عال الرجل يعول: كثر عياله، وَعَالَ يِعِيلُ افتقر وصار له عائلة، والحاصل أن «عال» يكون لازماً ومتعدياً، فاللازم يكون بمعنى: مال وجار، والمتعدي ومنه «عال الميزان» . قال أبو طالب: [الطويل] 1744 - بِمِيزانِ قِسْطٍ لا يَغِلُّ شَعِيرَةً ... وَوَزَّان صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ وعالت الفريضة إذا زارت سهامها، ومعنى كثر عياله، وبمعنى تفاقم الأمر، والمضارع من هذا كله يَعُولُ، وعال الرجل افتقر، وعالَ في الأرض: ذهب فيها، والمضارع من هذين يَعِيل، والمتعدي يكون بمعنى أثقل، وبمعنى مانَ من المؤونة، وبمعنى غَلَبَ ومنه «عيل صبري» ، ومضارع هذا كله يَعُول، وبمعنى أعجز، تقول: أعجزني الأمرُ، ومضارع هذا يَعيل، والمصدر «عَيْل» و «مَعِيل» ، فقد تلخص من هذا أن «عال» اللازم يكون تارة من ذوات الواو، وتارة من ذوات الياء، باختلاف المعنى، وكذلك عال المتعدي أيضاً. ومنه: [الطويل] 1745 - وَوَزَّانُ صِدْقٍ وَزْنُهُ غَيْرُ عَائِلِ ... وفسَّر الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ ﴿تَعُولُواْ﴾ بمعنى يكثر عيالُكُم. وردَّ هذا القول جماعة كأبي بكر بن داود الرازي والزجاج وصاحب النظم. قال الرازي: «هذا غلط من جهة المعنى واللفظ، أما المعنى فللإباحة السراري صح أنه مظنة كثرة العيال كالتزويج، وأما اللفظ؛ فلأن مادة عال بمعنى كثر عياله من ذوات الياء؛ لأنه من العَيْلَةِ، وأما عال بمعنى» جار «فمن ذوات الواو، واختلفت المادتان، وأيضاً فقد خالف المفسرين» . وقال صاحبُ النظم: قال أولاً «ألاَّ تعدلوا» فوجب أن يكون ضده الجور. وأجيب عن الأول وهو أنَّ التَّسْتَرِي أيضاً يكثر معه العيال، مع أنه مباح ممنوع؛ لأن الأمة ليست كالزوجة؛ لأنه يعزل عنها بغير إذنها، ويؤجرها ويأخذ أجرتها ينفقها عليه وعلى أولاده وعليها. قال الزمخشري: «وجههُ أن يُجْعَلَ من قولك: عَالَ الرجلُ عياله يعولهم كقولك: مانَهم يُمُونهم أي: أنْفَقَ عليهم؛ لأن من كثر عياله لَزِمَهُ أن يَعُولهم، وفي ذلك ما يصعب عليه المحافظة من كسب الحلال والأخذ من طيب الرزق» ثم أثنى على الشافعي ثناءً جميلاً، وقال: ولكن للعلماء طُرق وأساليبُ، فسلك في تفسير هذه الآية مسلك الكنايات، انتهى. وأما قولُهم: «خالف المفسرين» فليس بصحيح، بل قاله زيد بن أسلم وابن زيد. واما قولهم: «اختلفت المادتان» فليس بصحيح أيضاً؛ لأنه قد تقدَّم حكايةُ ابن الأعرابي عن العرب: عال الرجل يعول كثر عياله، وحكاها الْكِسَائِيُّ أيضاً قال: يقالُ: عالَ الرَّجل يَعُولُ، وأعال يعيل كثر عياله. قال أبو حاتم: كان الشَّافِعِيُّ أعْلَمَ بلسانِ العرب مشنَّا، ولعلّه لغة، ويقال: هي لغة «حمير» ونقلها أيضاً الدَّوْرِيُّ المقرِئُ لغةً عِنْ حِمْيَرَ وأنشد [الوافر] : 1746 - وَإنَّ الْموتَ يأخُذُ كُلَّ حَيٍّ ... بِلاَ شَكٍّ وَإنْ أمْشِي وَعَالا أمشى: كثرت ماشيته، وعَالَ كَثُرَ عياله، ولا حجَّةَ في هذا؛ لاحتمال أن يكون «عال» من ذَوَاتِ الياء، وهم لا يُنْكِرُونَ أنَّ «عال» يكون بمعنى كثر عياله، ورُوِيَ عنه أيضاً أنَّهُ فَسَّرَ تعولوا بمعنى تفتقروا، ولا يُريدُ به أنَّ «تعولوا» وتعيلوا بمعنى، بل قصد الكِنَايَة أيضاً؛ لأن كثرةَ العيالِ سَبَبٌ للفقر. وقرأ طلحة: «تَعيلوا» بفتح تاء المضارعة من عال يعيل افتقر قال: [الوافر] 1747 - فَمَا يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وقرأ طاوس: «تُعيلوا» بضمها من أعَالَ: كثر عياله، وهي تُعَضَّدُ تفسير الشَّافعيِّ المتقدِّم من حيث المعنى. وقال الرَّاغبُ: عَالَهُ، وَغَالَهُ يتقاربان، لكن الغَوْلَ: فيما يُهلك والعَوْل فيما يُثْقِلُ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.