الباحث القرآني

قوله - تعالى -: «فما لكم» : مبتدأ وخَبَر، و «في المنافقين» فيه ثلاثة أوجُه: أحدها: انه متعلِّقٌ بما تعلَّق الخَبَرُ، وهو «لكم» ، أي: أيُّ شَيْءٍ كائنٌ لكم - أو مُسْتَقِرٌّ لكم - في أمْر المُنَافِقِين. والثاني: أنه مُتَعَلِّق بمعنى فئتين، فإنَّه في قُوَّة «مال كم تفترقون في أمور المنافقين» فحُذِف المُضافُ، وأُقيم المُضَافُ إليه مقامه. والثالث: أنه مُتَعَلِّقٌ بمَحْذُوفٍ على أنه حالٌ من «فئتين» ؛ لأنه في الأصْل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مُفْترِقَتَيْن في المُنَافِقِين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها، انتصبَتْ حَالاً. وفي «فئتين» وجْهَان: أحدُهما: أنها حالٌ من الكافِ والميم في «لَكُم» ، والعَامِلُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «لَكُم» ؛ ومثله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: 49] وقد تقدَّم أنَّ هذه الحَالُ لازمةٌ؛ لأن الكلامَ لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البَصْرِيَِّين في كل ما جَاءَ من هذا التَّرْكِيب. والثاني - وهو مذهب الكوفيين -: أنه نَصْبٌ على خَبَر «كان» مُضْمَرةً، والتقدير: ما لَكُم في المُنَافِقِين كنتم فئتين، وأجَازوا: «ما لك الشاتم» أي: ما لك كُنْتَ الشَّاتِمَ، والبَصْرِيُّون لا يُجِيزُون ذلك؛ لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كَوْنِهِ حالاً التزامُ مَجِيئه في هذا التَّركِيب نَكِرةً، وهذا كما قالُوا في «ضَرْبِي زَيْداً قَائِماً» : إنَّ «قائماً» لا يجُوز نصبُه على خَبَر «كان» المُقَدَّرةِ، بل على الحَالِ؛ لالتزامِ تَنْكيره. وقد تقدَّم اشتِقَاقُ «الفِئَة» في البقرة. فصل قال قوم: نَزَلت في الذين تخَلَّفُوا يَوْمَ أحُد من المُنَافِقِين، وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167] . فاختلف أصْحَاب الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: فقالَتْ مَنْهُم فرقة: كَفَرُوا، وآخَرُون قالوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فنزلت الآية؛ وهو قول زَيْد بْنِ ثَابِت وطُعِن في هذا الوَجْهِ: بأن في نَسَقِ الآية ما يَقْدَحُ فيه وأنَّهم من أهْل مكَّة؛ وهو قوله: ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ . وقال مُجَاهِد: هم قَوْم خَرَجُوا إلى المَدِينَة، وأسْلَمُوا ثم ارْتَدُّوا، واسْتَأذَنُوا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إلى مَكَّة؛ ليأتوا بِبِضَائِع لَهُم يتَّجِرُون فيها، فَخَرَجُوا وأقَامُوا بمكَّة، فاختلف المسلمون فيهم: فقائل يَقُول: هم مُنَافِقُون، وقائل يَقُول: هُمْ مُؤْمِنُون. وقيل: نزلت في نَاسٍ من قُرَيْش قَدِمُوا المَدِينَةَ، وأسْلَمُوا ثم نَدِمُوا على ذلك، فَخَرَجُوا كهيئة المُتَنَزِّهِين حتى بَعُدوا عن المدينة، فكتَبُوا إلى رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: إنَّا عَلَى الَّذِي وافقْنَاك عليه من الإيمَانِ، ولَكِنَّا اجتوينا المدينة واشْتَقْنَا إلى أرْضِنا، ثم إنَّهُم خرجوا في تجارةٍ لَهُم نحو الشَّامِ فَبَلَغَ ذَلِك المُسْلِمِين، فقال بَعْضُهم: نخرج إليْهم فنقتلهم ونأخذ ما مَعَهُم؛ لأنَّهم رَغِبُوا عن دِيننَا، وقالت طَائِفة: كيف تَقْتُلون قوماً على دينكُم إن لَمْ يَذَرُوا دِيَارَهم، وكان هَذَا بِعَيْن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وهو سَاكِتٌ لا يَنْهَى واحداً من الفَرِيقَيْن؛ فنزلت الآية. وقيل: هم العرنيون: وقال ابْن زَيْد: نزلت في أهل الإفكِ، وقال ابن عبَّاسٍ وقتادة: هم قَوْمٌ أسْلَمُوا بمكَّة ثم لم يُهَاجِرُوا وكانُوا يُظَاهِرُون المُشْرِكين، فاختلف المُسْلِمُون فيهم وتشاجروا، فنزلت: «فما بالكم» يا معشر المؤمنين ﴿فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ أي: صرتم فيهم فئتين، ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: نكَّسَهُم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ وأحْكَامه من الذُّلِّ والصِّغَار والسَّبْي والقَتْل. قال الحسن: وإنما سَمَّاهم مُنَافِقِين وإن أظْهَرُوا الكُفْر؛ لأنهم وُصِفُوا بالصِّفَةِ التي كَانُوا عَلَيْهَا من قَبْل. قوله: ﴿والله أَرْكَسَهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيها وجهان: أظهرهما: أنها حالٌ، إمَّا من المُنَافِقِين - وهو الظَّاهِرُ -، وإمَّا من المُخَاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه أنكرَ عليهم اختلافهم في هؤلاء، والحالُ أنَّ الله قد ردَّهم إلى الكُفْر. والثاني: أنها مُسْتَأنفةٌ أخبر - تعالى - عنهم بذلك. و «بما كسبوا» مُتَعَلِّقٌ ب «أركسهم» والبَاءُ سَبَبِيَّة، أي: بسبب كَسْبِهِم، و «ما» مصدريَّةٌ أو بمعنى الَّذِي، والعائدُ مَحْذُوفٌ على الثَّانِي، لا على الأوَّلِ على الصَّحِيح. والإركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس، قال - عليه السلام - في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: «إنها ركس» . وقال أمَيَّة بن أبِي الصَّلت: [البسيط] 1856 - فَأرْكِسُوا في جَحِيمِ النَّارِ إنَّهُمُ ... كَانُوا عُصَاةً وَقَالُوا الإفْكَ وَالزَّورَا أي: رُدُّوا، وقال الرَّاغِب: «الرِّكْس والنِّكْس: الرَّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ؛ لأن النِّكْسَ: ما جُعِل أعلاه أسْفَله، والرِّكْسَ: ما صَارَ رَجِيعاً بعد أن كَانَ طعاماً» . وقال النَّضْر بن شميل والكَسَائي: الرَّكْس والنِّكْس: قلب الشَّيْء على رَأسِه، أو رَدِّ أوَّلِهِ على آخِره، والمَرْكُوس والمنكُوسُ وَاحِدٌ. وقيل: أرْكسه أوْبقَه، قال: [المتقارب] 1857 - بِشُؤْمِكَ أرْكَسْتَنِي فِي الخَنَا ... وأرْمَيْتَنِي بِضُرُوبٍ الْعَنَا وقيل: الإركاس: الإضلال، ومنه: [المتقارب] 1858 - وأرْكَسْتَنِي عَنْ طَرِيقِ الْهُدَى ... وصَيَّرتَنِي مَثَلاً لِلْعِدَى وقيل: هو التنكيسُ، ومنه: [الرمل] 1859 - رُكِّسُوا في فِتْنَةٍ مُظْلِمَةٍ ... كَسَوَادِ اللَّيْلِ يَتْلُوهَا فِتَنْ وارتكَس فُلانٌ في أمْر كَانَ، أي: نَجَا مِنْهُ والرُّوكُوسِيَّةُ: قوْمٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِين، والرَّاكِس: الثَّور وسْط البَيْدَر والثيران حوالَيه وقت الدياس. ويقال: أرْكس ورَكَّس بالتَّشْدِيد ورَكَّس بالتَّخْفِيف: ثلاث لُغَات بمعنى واحد، وارتكَس هو، أي: رجع. وقرأ عبد الله: «ركسهم» ثلاثياً، وقرئ «ركَّسهم - ركَّسوا» بالتشديد فيهما. وقال أبو البقاء: «وفيه لُغَةٌ أخرى:» ركسه الله «من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحَداً قرأ به» . قلت: قد تقدَّم أن عبد الله قَرَأ «والله ركسهم» من غير همز ولا تشديد [ونقل ابن الخطيب أنَّها قراءة أبيِّ أيْضاً] وكلام أبي البَقَاءِ مُخْلِّصٌ؛ فإنه إنما ادَّعى عَدَمَ العلمِ بأنَّها قِرَاءةٌ، لا عدمَ القراءة بها. قال الرَّاغب:: إلا أن «أركسه» أبلغُ من «ركسه» ؛ كما أنَّ أسْفَلَه أبلغُ من سُفْلَه «وفيه نظر. فصل قوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ قالت المُعْتزِلة: المُرَاد من قوله:» أضل الله» ليس أنَّه هو خلق الضَّلال فيه للوُجُوه المَشْهُورة؛ لأنه قال قبل هذه الآية: ﴿والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا﴾ فبيَّن - تعالى -[أنه] إنَّمَا رَدَّهُم وطَرَدَهُم بسبب كَسْبِهِم وفِعْلِهِم، وذلك يَنْفِي القَوْل بأنَّ ضلالَهُم حصل بِخَلْق الله، وعند هذا حَمَلُوا قوله: «ومن أضل [الله]» على وُجُوه: أحدُها: المُرَاد أنَّ الله حَكَم بضلالهم وكُفْرِهم؛ كما يُقَال: فلان يكفر فُلاناً ويضَلِّلُه، بمعنى: أنه حَكَم به وأخبر عنه. وثانيها: أن المَعْنَى: أتُريدون أن تَهْدُوا إلى الجَنَّةِ من أضَلَّه الله عن طريق الجَنَّةِ؛ وذلك لأنَّه - تعالى - يُضِلُّ الكُفَّار يوم القيامَة عن الاهْتِدَاء إلى طريق الجَنَّةِ. وثالثها: أن يُفَسَّر الإضْلال بمعنى الألْطَاف، وقد تقدَّم ضَعْفُ هذه الوُجُوه، ثُمَّ نقول: هَبْ أنَّها صحيحة، ولكِنَّه - تعالى - أخْبَر عن كُفْرِهِم وضلالِهِم، وأنَّهم لا يَدْخُلون الجَنَّة، فقد تَوَجَّه الإشْكَال؛ لأن انْقِلاب علم الله - تعالى - جهلا مُحَالٌ، والمُفْضِي إلى المُحَالِ مُحَالٌ، ويدل على أنَّ المُرَاد أنه - تعالى - أضَلَّهُم عن الدِّين - قوله - تعالى -: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ والمَعْنى: أنه - تعالى - لمَّا أضلَّهُم عن الإيمَانِ امتنع أن يجد المَخْلُوق سَبِيلاً إلى إدْخَالِه في الإيمَانِ. قوله - تعالى -: ﴿وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ﴾ الآية. يجوز في «لو» وجهان: أحدهما: أن تكون مصدريَّة. والثاني: أنها على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوُقُوعِ غيره. فعلى الأوَّل: تتقدَّر مع ما بعدها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول ل» ودوا «وحينئذٍ فلا جَوَابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكُم. وعلى الثاني: يكون مَفْعُولُ» وَدَّ «مَحْذُوفاً، وجوابُ» لو «أيْضاً محذوف؛ لدلالة المَعْنَى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كُفْرَكم، لو تَكْفُرون كما كَفَرُوا لسُرُّوا بذلك. و» كما كفروا» : نعتٌ لمَصْدِر محذوف، تقديره: كُفراً مثل كُفْرِهم، أو حالٌ من ضَمِير ذلك المَصْدر كما هو مَذْهَب سيبويْه. و «فتكونوا» : عطف على» تكفرون «والتقدير: وَدُّوا كفرَكُم، وكونكم مُسْتَوين معهم في شَرْعِهم؛ كقوله: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] ، أي: ودُّوا لو تُدْهنون، والفَاءُ عَاطِفَة. قال الزَّمَخشَريّ:» ولو نُصِب على جَوَاب التَّمَنِّي؛ لجاز «قال أبو حيَّان: فيه نظر: من حَيْث إن النَّصْبَ في جواب التَّمَنِّي إذا كان التَّمَنِّي بلفظ الفِعْل، يحتاج إلى سَمَاع من العَرَب، بل لو جَاءَ، لم تتحقَّقَ فيه الجَوابِيةُ، لأنَّ» ودَّ «التي بِمَعْنَى التمني، متعلِّقُها لا الذَّوَات، فإذا نُصِب الفِعْل بعد الفَاءِ، لم يَتَعَيَّنْ أن تكون فَاءَ جواب؛ لاحتمال أن يَكُون من بَابِ عَطْف المَصْدر المقدَّر على المَصْدَر المَلْفُوظ به، فيكون من بَابِ: [الوافر] 1860 - لَلًبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . . يعني: كَأنَّ المَصْدَر المَفْعُولَ ب» يود» ملْفُوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ ب «أن» والفِعْلِ، وإلاَّ فالمصْدرُ المَحْذُوفُ ليس مَلْفوظاً به، إلا بِهَذَا التَّأويلِ المذكُورِ، بل المَنْقُولُ أنَّ الفِعلَ ينْتَصِبُ على جَوَابِ التَّمنِّي، إذا كان بالحَرْفِ، نحو: «ليت» ، و «لو» و «ألا» إذا أشْرِبتا مَعْنَى التَّمنِّي. وفيما قاله أبُو حَيَّان نظر؛ لأن الزَّمَخْشَرِيَّ لم يَعْنِ ب «التمني» المفهوم من فِعْل الودادة، بل المَفْهُومَ من لفظ «لو» المُشعرةِ بالتمني، وقد جاء النَّصْب في جوابها؛ كقوله: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ﴾ [الشعراء: 102] ، وقد قدَّمْتُ تَحْقِيقَ هذه المَسْألَةِ، فظهر قول الزَّمَخْشَرِي من غير توقُّفٍ، و «سواء» : خبر «تكونون» وهو في الأصْل مَصْدرٌ واقعٌ مَوْقعَ اسْمِ الفَاعِلِ، بمعنى مُستوبن؛ ولذلِك وُحّد، نحو: «رجال عدل» . لمَّا اسْتَعْظَم قولهم: ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله﴾ على سَبِيل الإنْكَارِ عَقب ذِكْر الاسْتبعاد، بأن قال: إنَّهم بلغُوا في الكُفْر إلى أنَّهم يَتَمنُّون أن تَصِيرُوا أيُّها المُسْلِمُون كُفَّاراً، فلما بَلَغُوا في تعصُّبهم في الكُفْر إلى هذا الحَدّ، فكيف تَطْمَعُون في إيمانِهِم. ثم قال: ﴿فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حتى يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ مَعَكُم. قال عكرمة: هي هِجْرة أخرى والهِجْرة على ثَلاثَة أوْجُه: هجرة المُؤمنين في أوَّلِ الإسْلام، وهي قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: 8] وقوله: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 100] ونحوهما. وهجرة المؤمنين وهي الخُرُوجُ في سَبِيلِ اللهِ مع رسُول الله صَابِراً محتَسِباً، كما حكى هَهُنَا، مَنَعَ من مُوالاتهم حَتَّى يُهَاجِرُوا في سَبِيل الله. وهجرة سَائر المُؤمنين: وهي ما قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «المُهَاجِر من هجر مَا نَهَى الله عَنْه» . قال أبو بكر الرَّازِي: التقدير: حتى يُسْلِمُوا ويُهَاجِرُوا؛ لأن الهِجْرَة في سَبِيل الله لا تكون إلا بَعْد الإسْلاَم، فدلَّت الآيَةُ على إيجَاب الهِجْرة بعد الإسْلام، وأنَّهم وإن أسلَمُوا لَمْ يكُن بينَنَا وبَيْنَهم موالاةٌ إلا بَعْد الهِجْرَة؛ لقوله -[تعالى]-: ﴿مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: 72] وقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أنَا بَرِيءٌ من كل مُسْلِم أقَامَ بَيْن أظْهُر المُشْرِكِين» وهذا التَّكْلِيفُ إنَّما كان لازِماً حَيْث كانَت الهِجْرة وَاجِبَةٌ مَفْروضة، فلمَّا فتحت مَكَّة، نُسِخ ذلك، قال رسُول الله صلى الله يوم فتح مكة: «لا هِجْرَة [وَاجِبَة مَفْرُوضة] بعد الفَتْح، ولَكِنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ» . ورُوي عن الحَسَن: أن حُكْم الآيَة ثَابِتٌ [في كُلِّ] من أقَام في دَارِ الحَرْب. قال ابن الخَطِيب: الهِجْرَة تحصل تارةً بالانْتِقَالِ من جَارِ الكُفْرِ إلى دَارِ الإسْلام، وأخْرَى تَحْصُل بالانْتِقَال عن أعْمَال الكُفَّار إلى أعْمَال المُسْلِمين، قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «المُهَاجِر مَنْ هجر ما نَهَى اللهُ عَنْهُ» وقال المُحَقِّقُون: الهِجْرة في سَبِيل الله عِبَارة عن الهِجْرة عن تَرْك منهيَّاته وفِعْل مأموراته، والآية عامَّة في الكُلِّ، وقَيَّدَ الهجرة بِكَوْنِها في سَبِيلِ الله؛ لأنه رُبَّمَا كَانَت الهِجْرَة لِغَرض من أغْرَاض الدُّنْيا فلا تكُونُ مُعْتَبَرة. قال القُرْطُبِي: والهِجْرة أنْوَاع: منها الهِجْرة إلى المَدِينَة؛ لنُصرة النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الغَزَوات، وكانت هذه وَاجِبَة أوَّل الإسْلام، حتى قال: «لا هِجْرَة بعد الفَتْح» وكذلك هِجْرَة المُنَافِقِين مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وهجرة مَنْ أسْلم في دَارِ الحرب فإنها وَاجِبَة، وهجرة المسلم ما حَرَّم الله عَلَيْه] كما قال - عليه السلام -: «والمُهَاجِرُ مَنْ هَجَر مَا حَرَّم الله عليه» وهاتان الهِجْرَتان ثابتَتَان الآن، وهجرة أهل المَعَاصِي؛ ليرجعوا عمَّا هُم عليه تأدِيباً لهم، فلا يُكَلَّمُون ولا يُخَاطَبُون ولا يُخَالَطون حتى يَتُوبُوا؛ كما فعل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مع كَعْب وصاحِبَيْه. قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أي: فإن أعْرَضُوا عن التَّوْحيد والهجْرَة «فخذوهم» إذا قَدَرْتُم عليهم أسَارَى، ومنه يُقَال للأسِير: أخيذٌُ، ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَم ﴿وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ﴾ في هذه الحَالِ «ولياً» يتولى شَيْئاً من مُهماتكم «ولا نصيراً» لينصركم على أعْدَائِكُم، ثم استَثْنَى منهم وهو قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُونَكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ . قوله: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ : في هذه الاستثناء قولان: أظهرهما: أنه استثناء مُتَّصِلٌ، والمستثنى منه قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ في الأخذ والقتل لا في المُوالاة؛ لأن موالاة الكُفَّار والمنافقين لا يجوز بحال. والمُسْتَثْنَوْنَ على هذا قَوْمٌ كُفارٌ، ومَعْنَى الوَصْلَةِ هنا الوَصْلَةُ بالمُعَاهَدَةِ والمُهَادَنَةِ. وقال أبُو عبيد: «هو اتِّصَالُ النَّسَب» ، وغلَّطه النَّحَّاس بأن النَّسَب كان ثابتاً بين النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والصَّحابة، وبين المُشْرِكين، ومع ذلك لم يمنعهم ذلك من قتالهم. وقال ابن عبَّاس: يريد: ويلْجَئُون إلى قوم ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ أي: عهد، وهم الأسْلَميُّون، وذلك أنَّ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وادَعَ هِلال بن عُوَيْمر الأسْلَمِيّ عند خُرُوجه إلى مَكَّة، على ألاَّ يُعينَهُ ولا يُعين عليْه، ومن وَصَل إلى هِلالٍ من قَوْمهِ وغيرهم ولجأ إليه، فلهم من الجواز مثل ما لِهِلالٍ. وقال الضَّحَّاك عن ابن عبَّاسٍ: أراد بالقَوْم الَّذين بالقَوْم الَّذِين بَيْنكم وبَينهم ميثَاقٌ: بني بَكْرٍ بن زَيْد بن مَنَاة، وكانوا في الصُّلْح والهُدْنَة، وقال مُقَاتِل: هم خُزَاعَة. والقَوْل الثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبِي مُسْلم الأصْفَهَانِيِّ، واختيار الرَّاغب -. قال أبو مُسْلم: «لَمَّا أوجبَ اللهُ الهِجْرَةَ على كُلِّ مَنْ أسلم، استثنى مَنْ له عُذْرٌ فقال: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ﴾ وهم قوم قَصَدُوا الهِجْرَة إلى الرَّسُول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ونصرته، وكان [بينهم وبَيْنَه في الطَّريق كُفَّار يخافونهم، فَعَهِدُوا إلى كُفَّارٍ كان] بينهم وبين المُسْلمين عَهْدٌ، فأقاموا عَنْدَهُم إلى أنْ يُمْكِنهُمُ الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صَار إلى الرَّسُول وأصْحَابه؛ لأنه يخافُ اللهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكُفَّار أيضاً لأنهم أقاربُه؛ أو لأنه يَخَافُ على أولاده الذين هُمْ في أيديهم» ، فعلى هذا القَوْلِ يكون استثناءً مُنْقَطِعاً؛ لأن هؤلاء المُسْتَثنين لم يَدْخُلوا تحت قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ﴾ والمُسْتَثنوْن على هَذَا مُؤمِنُون. قوله: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ﴾ يجوز أن يكونَ جملةً من مُبْتَدَأ وخَبر في مَحَلِّ جرِّ صفة ل «قوم» ، ويجوز أن يكُونَ «بينكم» وحْدَه صفةً ل «قوم» ، فيكون في محلِّ جَرٍّ ويتعلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، و «ميثاق» على هذا رفعٌ بالفَاعِليَّة؛ لأنَّ الظَّرف اعتمد على مَوْصُوفٍ، وهذا الوَجْهُ أقربُ؛ لأنَّ الوَصْفَ بالمُفْرَدِ أصْلٌ للوصف بالجُمْلَة. قوله: «أو جاءوكم» فيه وجهان: أظهرهما: أنه عطف على الصِّلَة؛ كأنه قيل: أو إلا الذين جَاءُوكُم حَصِرَتْ صُدُورُهُم، فيكون التقدير: «إلا الذين يصلون بالمعاهدين، أو الذين حصرت صدورهم فليقاتلوكم» فيكون المُسْتَثْنَى صِنْفَيْن من النَّاس: أحدهما: واصلٌ إلى قومٍ مُعاهدين، والآخر مَنْ جَاءَ غَيْرَ مقاتِلٍ للمسلمين ولا لِقَوْمه. والثاني: أنه عضطْفٌ على صِفَةِ «قوم» وهي قوله: ﴿فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ واقتلوهم﴾ فقرَّر أنَّ كفَّهُم عن القِتَال أحدُ سَبَبَي اسْتِحقَاقِهم لنفي التعرُّض لهُم، وتَرْكِ الإيقاع بهم، فإن قُلْت: كلُّ واحد من الاتِّصالين له تأثيرٌ في صحة الاستِثْنَاء، واستحقاقِ تَرْكِ التَّعرضِ للاتصال بالمُعَاهدين والاتصال بالْكَافِّين، فهلا جَوَّزْت أن يَكُونَ العَطْفُ على صفةِ «قوم» ، ويكون قوله: «فإن اعتزلوكم» تقريراً لحكم اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطهم بهم، وجَرْيهم على سُنَنِهم؟ قلت: هو جَائِزٌ، ولكن الأوَّلَ أظهرُ وأجْرى على أٍلوب الكلام» . انتهى. وإنما كان أظهر لوجهين: أحدهما: من جِهَة الصِّنَاعة، والثاني: من جهة المَعْنَى. أمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ عطفَه على الصِّلة لكون النِّسْبَة فيه إسْنَادِيةً، وذلك أن المُسْتَثْنَى مُحَدَّثٌ عنه مَحْكُومٌ له، بخلاف حُكْم المُسْتَثْنَى منه، فإذا قدَّرْتَ العَطْفَ على الصَِّلَة، كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه، بِخِلاَف ما إذا عَطَفْتَه على الصِّفَة، فإنه يكونُ تَقْيِيداً في «قوم» الذين هم قيدٌ في الصِّلَةِ المُحَدَّثِ عن صَاحِبها، ومتى دار الأمْر بين أن تكُون النِّسْبَة إسْنَاديّة وبين أن تكون تقييدية، كان جَعْلها إسناديةً أوْلى لاسْتِقلالها. والثاني من جهة المَعْنَى: وذلك أنَّ العَطْفَ على الصِّلَةَ يؤدِّي أن سَبَبَ تَرْكِ التَّعرُّض لهم تَرْكُهُم القتالَ ونَهْيُهُم عنه، وهذا سَبَبٌ قريب، والعَطْفُ على الصِّفَة يؤدي إلى أنَّ سَبَبَ تركِ التعرُّضِ لهم، وصُولُهم إلى قَوْم كافِّين عن القِتَال، وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دَارَ الأمرُ بين سَبَبٍ قريب وآخر بعيدٍ، فاعْتِبَارُ القرِيبِ أوْلَى. والجمهورُ على إثبات «أو» ، وفي مُصْحَفِ أبَيٍّ: «جاءوكم» من غير «أوْ» ، وخَرَّجها الزَّمَخْشَرِيُّ على أحَدِ أرْبَعة أوْجُه: إمَّا البيان ل «يصلون» ، أو البَدَلِ منه، أو الصِّفة لقَوْم بعد صِفَة، أو الاستئنافِ. قال أبو حيان: «وهي وجوهٌ مُحْتَمَلَةٌ وفي بعضها ضعفٌ، وهو البيانُ والبدلُ؛ لأن البيانَ لا يَكُون في الأفْعَالِ؛ ولأن البدل لا يتأتَّى لكونه ليس إيَّاه، ولا بعضه، ولا مُشْتَمِلاً عليه» . انتهى، ويحتاج الجَوَابُ عنه [إلى] تأمُّلٍ ونظرٍ. قوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فيه سبعة أوجُه: أحدها: أنه لا مَحَلَّ لهذه الجُمْلَة، بل جِيءَ بها للدُّعاء عليهم بضيق صُدُورهم عن القَتَالِ، وهذا مَنْقثولٌ عن المُبَرِّد، إلاَّ أنَّ الفَارسِيَّ رضدَّ عيله بأنا مَأمُورون بأنْ نَدْعُوَ على الكُفَّارِ بإلقاءِ العَدَاوَة بينهم، فَنَقُولُ: «اللَّهُم أوْقِعِ العَدَاوَةَ بين الكُفَّار» لكن يكُونُ قوله: ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ نفياً لما اقْتَضَاهُ دعاءُ المُسْلِمين عليهم. وقد أجَابَ عن هذا الردِّ بعضُ النَّاس؛ فقال بن عضطِيَّة: «يُخَرَّجُ قولُ المُبَرِّد على أن الدُّعَاء عليهم بألاَّ يقاتلوا المُسْلِمِين تعجيزٌ لَهُم، والدعاءُ عَلَيْهم بألاَّ يقاتلوا قومهم تَحْقيرٌ لَهُمْ، أي: هُمْ أقلُّ وأحْقَرُ ومُسْتَغْنى عَنْهُم، كما تقول إذا أردت هذا المَعْنَى:» لا جعل الله فُلاناً عليَّ ولا مَعِي «بمعنى: أسْتَغْنِي عنه وأستَقِلُّ دونَه» . وأجاب غيرُه بأنَّه يجُوزَ أن يكونَ سُؤالاً لقومهم، على أنَّ قوله: «قومهم» قد يُحْتمل أن يُعَبَّر به عَمَّنْ لَيْسُوا منهم، [بل عن مُعاديهم «. الثاني: أنَّ» حصرت «حالٌ من فاعل» جاءوكم «وإذا وَقَعت الحَالُ فعلاً مَاضِياً ففيها] خلافٌ: هل يَحْتاج إلى اقْتِرانه ب» قَدْ «والراجِحُ عدمُ الاحْتِياج؛ لكثرة ما جاء منه، فَعَلى هذا لا تُضْمَرُ» قد «قَبْلَ» حصرت «، ومَنِ اشْتَرَط ذلك، قَدَّرها هنا. والثالث: أنَّ» حصرت «صفةٌ لحَالٍ محذوفةٍ، تقديرُه: أو جاءُوكم قوماً حَصِرَتْ صُدُورُهُم رجالاً حصرت صُدُورهم، فنصب لأنَّه صفة مَوْصُوف مَنْصُوب على الحال، إلاَّ أنه حذف المَوْصُوف المنْتَصب على الحَالِ، وأقيمت صِفته مَقَامَه وسَمَّاها أبو البقاء حالاً مُوَطِّئَة، وهَذَا الوجُه يُعْزَى للمُبرِّد أيضاً. الرابع: أن يَكُون في مَحَلِّ جَرِّ صفةً لِقَوْم بعد صِفَة، و» أو جاءوكم «مُعْتَرِضٌ. قال أبُو البَقَاءِ: يَدُلُّ عليه قِرَاءةُ مَنْ أسْقَط» أو «وهو أبَيٌّ، كذا نَقَلَهُ عنه أبو حيَّان والذي في إعْرَابِه إسقاطُ» أو جاءُوكم «جميعه، وهذا نَصُّه قال:» أحَدُهُما: هو جَرٌّ صِفَةً لقومِ، وما بَيْنَهُمَا صفة أيضاً، و «جاءوكم» هذا نَصُّه، وهو أوفق لهذا الوَجْهِ. الخامس: أن يكون بدلاً من «جاءوكم» بدلَ اشْتِمَال؛ لأن المَجِيء مشتمِلٌ على الحَصْر وغيره، نَقَلَه أبو حيان عن أبي البقاء أيضاً. السادس: أنه حبرٌ بعد خَبَر، وهذه عِبَارة الزَّجَّاج، يعني: أنها جملة مُسْتَأنفَة، أخْبر بها عن ضِيق صُدُورِ هَؤلاَء عن القِتَال بعد الإخْبَار عَنْهُم بما تَقَدَّم. قال انب عطية بعد حِكَاية قولِ الزَّجَّاج: «يُفَرَّق بين الحَالِ وبين خَبَرٍ مستأنفٍ في قولك:» جاء زَيْد رَكِبَ الفَرَسَ» أنك إذا أرَدْتَ الحَالَ بقولك: «ركب الفَرَس» قدَّرْتَ «قد» ، وإن أرَدْت خَبَراً بعد خَبَر، لم تَحْتَجْ إلى تقدِيرها» . السَّابع: أنه جَوَاب شَرْطِ مُقَدَّر، تقديره: إن جاءُوكُن حصرت [صدورهم] ، وهو رأي الجُرجَانِيِّ، وفيه ضَعْفٌ؛ لعدم لدَّلاَلة على ذَلِك. وقرأ الجُمْهُور: «حصرت» فعلاً ماضياً، وقرأ الحَسَن، وقتادة، ويعقوب: «حصرة» نَصْباً على الحَالِ بوزن «نبقة» ، وهي تؤيِّد كونَ «حصرت» حالاً، ونقلها المَهْدَوِي عن عَاصِمٍ في رواية حَفْص، ورُوي عن الحَسَن أيضاً: «حصرات» و «حاصرات» . وهاتان القراءتان تَحْتَمِلان أن تكُونَ «حصرات» و «حاصرات» نَصْباً على الحال، أو جَرّاً على الصِّفَة ل «قوم» ؛ لأنَّ جَمْع المُؤنَّث السَّالمِ يستوي جَرُّه ونَصْبُه، إلا أنَّ فيهما ضَعْفاً؛ من حيث إنَّ الوَصْفَ الرَّافع لظاهرٍ الفَصيحُ فيه أن يُوَحد كالفِعْلِ، أو يُجمَعَ جَمْعَ تَكْسِير ويَقِلُّ جمعُه تَصْحِيحاً، تقول: مررت بِقومٍ ذاهب جَوَاريهم، أو قيام جواريهم، ويَقِلُّ: «قائِمَاتٍ جَوَاريهم» . وقرئ: «حصرةٌ» بالرفع على أنه خَبَر مُقَدَّم، و «صدورهم» مبتدأ، والجُمءلَة حال أيضاً. وقال أبو البقاء: «وإن كان قد قُرِئ:» حصرة» بالرَّفْع، فعلى أنَّه خَبَر، و «صدورهم» ، مُبْتَدأ، والجُمْلَةٌُ حال» . قوله: «أن يقاتلوكم» أصلُه: عن أنْ: فلمَّا حُذِف حَرْف الجَرِّ، جرى الخِلاف المَشْهُور، أهي في مَحَلِّ جَرٍّ أو نَصْب؟ والحَصْرُ: الضِّيق، وأصلُه في المكان، ثم تُوُسِّع فيه [فأطْلِق على حَصْر القَوْل: وهو الضيق في الكلام على المُتَكلِّم والحصر: المكتوم] قال: [الكامل] 1861 - وَلَقَدْ تَسَقَّطَنِي الْوُشَاةُ فَصَادَفُوا ... حَصِراً بِسِرَِّكِ يَا أمَيْمُ ضَنينا فصل اخْتَلَفُوا في الَّذِين اسْتَثْنَاهُم الله - تعالى -: فقال الجُمْهُور [هم] من الكُفَّار والمَعْنَى: أنه - تعالى - أوجَبَ قتل الكَافِر، إلاَّ إذا كان مُعَاهِداً أوْ تَارِكاً للقِتَال، فإنَّه لا يَجُوز قَتْلَهم، وعلى هذا التَّقْدِير فالقول بالنَّسْخ لازم؛ لأنَّ الكافر وإن تَرَكَ القِتَال؛ فإنه يَجُوز قَتْله. وقال أبُو مُسْلم الأصْفَهَاني: هم قوم من المُؤمِنين، وذكر ما تقدَّم عنه في كَوْن الاستِثْنَاءِ مُنْقَطِعاً. قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ﴾ التَّسْليط في اللغة مأخوذ من السَّلاطة؛ وهي الحدَّة، والمقصود: أنَّ الله تعالى منَّ على المُسْلِمين بِكَفِّ بَأسِ المُعَاهِدِين. قال [بعض] المفسِّرين: معنى الآية: أن القَوْم الَّذين جَاءوكُم بنو مُدْلج، كانوا عَاهَدُوا ألاَّ يُقَاتِلُوا المُسْلِمين، وعاهَدُوا قُرَيْشاً ألاَّ يقاتِلُوهم وحصرَت: ضاقَتَ صُدُورُهُم، ﴿أَن يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ أي: عن قتالِكُم للعَهْد الذي بَيْنَكُم، ﴿أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ﴾ يعني: مَنْ أمِنَ منهُم، ويجُوز أن يكُون مَعْنَاه: أنَّهم لا يُقَاتِلُونَكُم مع قَوْمِهِم، يعني: قُرَيشاً قد ضاقَتَ صُدُورُهم لِذَلِك. وقال بَعْضُهم: «أو» الوَاوِ؛ كأنه قال: إلى قَومٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم مِيثَاقٌ، جاءُوكُم حصرت صُدورُهم عن قَتَالِكُم والقشتَال مَعَكُم وهم - قَومُ هلالٍ - الأسْلميُّون وبنو بكر، نهى الله - سُبْحَانَهُ - عن قتل هؤلاء المُرْتَدِّين إذا اتَّصَلُوا بأهل عَهْدٍ للمُؤمِنين؛ لأن من انْضَمَّ إلى قَوْمٍ ذَوي عَهْد فله حُكْمهم في حَقْن الدَّمِ. فصل المَعْنَى: أن ضيق صدورهم عن قِتَالِكُم؛ إنَّما هو لأن الله - تعالى - قَذَفَ الرُّعْب في قُلُوبِهِم، ولو أنه - تعالى - قَوَّى قُلُوبَهُم على قِتَال المُسْلِمِين، لتَسَلَّطُوا عليهم، وهذا يدُلُّ على أنَّه لا يَصِحُّ من الله تَسْلِيط الكَافِر على المُؤمِن وتَقْويته [عَلَيْه] . وأجاب المُعْتَزِلَةُ بوجهين: الأول: قال الجُبَّائِي: قد بينَّا أنَّ الَّذِين اسْتَثْنَاهُم الله - تعالى - قومٌ مؤمِنُون لا كَافِرُون، وعلى هذا فَمَعْنَى الآيَة: ولو شَاءَ الله لَسَلَّطهم عليكم بِتَقْوية [قُلُوبِهِم] ليدْفَعُوا عن أنْفُسِهِم، إن أقدمتم على مُقَاتَلتِهِم على سَبيل الظُّلْمِ. الثَّاني: قال الكَلْبِي: إنه - تعالى - أخبر أنَّه لو شاء لَفَعَل، وهذا لا يُفِيدُ إلاَّ أنه - تعالى - قَادِرٌ على الظُّلْم، وهذا مَذْهَبُنَا، إلا أنَّا نقول: إنه - تعالى - لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ. قوله: «فلقاتلوكم» اللام جَوَاب «لو» على التَّكْرِيرِ أو البَدَلِيَّة، تقديره: ولَوْ شَاءَ الله لِسَلَّطَهُم عليكم، ولو شَاءَ الله لَقَاتَلُوكُم. وقال ابن عطيّة: هي لامُ المُحَاذَاة والازْدِوَاجِ بِمَثَابَة الأولَى، لو لم تَكن الأولى كنت تقول: «لقاتلوكم» . وهي تَسْمِيةٌ غريبة، وقد سَبَقَهُ إليها مَكِّي، والجُمْهُور على: « فلقاتلوكم» من المُفاعَلة. ومُجَاهِد، وجماعة: «فلقتَّلوكم» ثُلاثياً، والحَسَن والجَحْدَري: «فلقتَّلوكم» بالتَّشديد. قوله: «فإن اعتزلوكم» أي: فإن لم يتعرضوا لكم لقتالكم، وألْقُوا إليْكُم السَّلَم، أي: الانقياد والاستسلام وقرأ الجَحْدَرِي: «السَّلْمَ» بفتح السِّين وسُكُون اللام، وقرأ الحسن بِكَسْر السِّين وسكون اللام ﴿فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ أي: طريقاً بالقَتْل والقِتَالِ. [قوله: ﴿لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ «لكم» متعلِّق ب «جعل» ، و «سبيلاً» مَفْعُولُ «جعل» ، و «عليهم» حالٌ من «سبيلا» ؛ لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، ويجُوز أن تكونَ «جعل» بمعنى «صير» ، فيكون «سبيلا» مَفْعُولاً أوّلَ، و «عليهم» مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّم] . قال بعضهم: هذه الآية منْسُوخة بآية السَّيْف، وهي قوله: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: 5] ، وقال آخرون: إنَّها غير مَنْسُوخة، أمَّا الَّذِين حملوا الاسْتِثْنَاء على المُسْلِمين، فهو ظاهِرٌ على قولهم، وأمَّا الذين حَمَلُوه على الكَافِرِين؛ فقال الأصَمُّ: إذا حَمَلْنَا الآية على المُعَاهدين، فَكَيْفَ يمكن أن يُقَال إنها مَنْسُوخَةٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.