الباحث القرآني

كما رَغَّب في مُقَاتَلة الكُفَّار، ذكر بَعْدَهَا ما يتعلَّق بالمُحَارَبَة، ولا شَكَّ أنَّه قد يَتَّفِقُ أن يرمي الرَّجُلُ رجُلاً يَظُنُّه كافراً حَرْبِيَّا فيقْتُلهُ، ثم يتبين أنَّه مُسْلِمٌ، فذكر الله - تعالى - حكْم هَذِهِ الوَاقِعَة. قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن﴾ . قد تقدَّم الكلام في نَظِير هذا التَّركيب عند قوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: 114] . وقوله: ﴿إِلاَّ خَطَئاً﴾ فيه أرْبَعة أوجُه: أحدُها: أنه اسْتثنَاء منقَطِع - وهو قولُ الجُمْهُور - إنْ أُريد بالنَّفِي معناه، ولا يجُوزُ أن يكُون مُتَّصِلاً، إذ يصير المَعْنَى: إلا خَطَأ فله قَتْلُه. والثاني: أنه مُتصلٌ إنْ أُريد بالنَّفْي التحريمُ، ويَصِير المَعْنَى: إلا خطأ بأن عَرَفَه أنَّه كَافر فَقَتَله، ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استِثْنَاء مُفَرَّغ، ثم في نَصْبِه ثلاثة احْتِمَالاتٍ: الأوَّل: أنه مَفْعُول له، أي: ما يَنْبَغِي له أن يَقْتُلَه [لعلَّه من الأحْوَالِ، إلا في حَالِ الخَطَأَ. الثالث: أنه نَعْتُ مَصْدَرٍ محذُوف، أي: إلا قَتْلاً خَطَأ، ذكر هذه الاحْتِمَالات الزَّمَخْشَرِيُّ. الرابع: من الأوْجه: أن تكون «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمُؤمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤمِنَاً عَمْداً ولا خَطَا، ذكره بعضُ أهْلِ العِلمُ، حكى أبُو عُبَيْدة عن يُونُس قال: سألتُ رُؤبة بن العَجَّاج عن هَذِهِ الآيَةِ، فقال: «ليس أنْ يَقْتُلَهُ عَمْداً ولا خَطَا» فأقام «إلاَّ» مقامَ الوَاوِ؛ وهو كقول الشَّاعِر: [الوافر] 1862 - وَكُلُّ أخٍ مُفَارِقُهُ أخُوهُ ... لَعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الْفَرْقَدَانِ إلا أن الفَرَّاء ردَّ هَذا القَوْلَ؛ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استِثْنَاءٌ آخر، فيكونُ الثَّانِي عطفاً عليه: كقوله: [البسيط] 1863 - مَا بِالمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيفَةِ إلاَّ دَارُ مَرْوَانَا وهذا رأي الفراء، وأمَّا غَيْرُه، فيزعم أنَّ «إلا» تكون عَاطِفَة بمعنى الوَاو من غَيْر شَرْطِ، وقد تقدَّم تَحْقِيقُ هذا في قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: 150] . وقرأ الجُمْهُور: «خطأ» مهموزاً بوزْنِ «نبأ» ، والزهري: «خَطَا» بوزن «عَصَا» ، وفيها تخريجان: أحدُهُمَا: أنه حَذَفَ لام الكَلِمَة تَخْفِيفاً بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التَّنْوين؛ فَحُذِفَت لالتِقَاء السَّاكِنَيْن، كما يُفْعَل ذلك بِسَائِر المَقْصُور، والحسن قرأ: «خَطَاءً» بوزن «سَمَاء» . فصل ذكر المُفسِّرون في سَبَبِ النَّزُول وُجُوهاً: أحدها: روى عُرْوَة بن الزُّبَيْر: أن حُذِيْفَة بن اليَمَان قَاتَل مع النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَوْمَ أُحُد فأخْطَأ المُسْلِمَون، وظَنُّوا أن أبَاهُ اليَمَان وَاحداً من الكُفَّار، فضَرَبُوه بأسْيَافِهم، وحُذَيْفَة يَقُول: إنَّه أبي، فلم يَفْهَمُوا قولَه إلا بعد أنْ قَتَلُوه، فقال حُذَيْفة: يَغْفِر الله لكم وهو أرحم الرَّاحمين، فلما سَمِعَ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ذلك، أزْدَاد وَقْع حُذَيْفَة عِنْدَه، فَنَزَلَت هَذِه الآية. وثانيها: أن أبا الدَّرْدَاءِ كان في سَرِيَّة، فَعدل إلى شَعْبٍ لحاجة [فوجد] رجُلاً في غَنَم لَهُ، فحمل [عليه] بالسَّيْف، فقال الرَّجُل لا إله إلا الله، فقتلَه وسَاقَ غَنَمَهُ، ثم وَجَد في نَفْسِه شَيْئاَ فذكر الوَاقِعة للرَّسُول - عليه الصَّلاة والسلام - فقال النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «هَلاَّ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه» وندم أبُو الدَّرْدَاءِ، فنزلت الآية. ثالثها: عيَّاش بن أبي رَبِيعَة المَخْزُومِيَّ، وكان أخَاً أبِي جَهْل من أمّه: أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بمكة قبل الهجرة فأسلم ثم خاف أن يُظهر إسلامَه لأهله فخرج هارباً إلى المدينة، وتحصّن في أطم من آطامِها، فجزعت أمه لذلك جزعاً شديداً وقالت لابنها الحارث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه: والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى تأتوني به، فخرجا في طلبه وخرج معهما الحارث بن زيد بن أبي أنيسة حتى أتوا المدينة، فأتوا عياشاَ وهو في الأطم، قالا له: إنزل فإنّ أمك لم يُؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت ألاّ تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى ترجع إليها ولك عهد الله علينا أن لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له جزع أمه وأوثقوا له بالله نزل إليهم فأخرجوه من المدينة ثم أوثقوه بنسعةٍ فجلده كل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به إلى أمّه فلما أتاها قالت: والله لا أُحِلّكَ من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به، ثم تركوه موثقاً مطروحاً في الشمس ما شاء الله فأعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحارث بن زيد فقال: يا عياش أهذا الذي كنت عليه فوالله لئن كان هُدى لقد تركت الهدى، ولئن كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من مقالته، وقال: والله لا ألقاك خالياً أبداً إلا قتلتك، ثم إن عياشاً ألم بعد ذلك وهاجر ثم أسلم الحارث بن زيد بعده وهاجر إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وقال: يا رسول الله قد كان من أمري وأمر الحارث ما قد علمت، وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته فنزلت الآية. فصل تفسير قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ قوله: ﴿وَمَا كَانَ [لِمُؤْمِنٍ﴾ ] قيل: معناه: ما كانَ لَهُ فيما أتاه من رَبَّه وعهد إلَيْه، وقيل: ما كَانَ لَهُ في شَيْءٍ من الأزمِنة ذلك، والمَقْصُود: بَيَان أنّ حُرْمَة القَتْل كانت ثَابِتَة من أوَّل زمان التَّكْلِيف. وقوله: «إلا خطأ» فعلى القَوْل بأنَّهُ مُتَّصِلٌ؛ ذكروا وُجُوهاً: أحدها: أن هذا الاستِثْنَاء مَعْنَاه: أن الإنْسَان يُؤاخذ عن القَتْل، إلا إذا كان القَتْل قتْل خَطَأ، فإنَّه لا يُؤاخَذُ به. وثانيها: أنه استْثْنَاء صَحِيحٌ على ظاهر اللِّفْظِ، والمعنى: ليس لِمُؤمِنٍ أن يَقْتُل مُؤمِناً ألْبَتَّةَ إلا عند الخَطَأ، وهو ما إذا رأى عليه شِعَار الكُفَّار، أو وَجَدهُ في عَسْكَرِهِم فظنه مُشْرِكاً. فَحيِنئذٍ يَجُوز قَتلُه. ثالثها: أن في الكَلاَم تَقْدِيماً وتأخِيراً، والتقدير: ومَا كَانَ لِمُؤمِن أن يَقْتُل مُؤمِناً إلا خَطَأ؛ كقوله - تعالى -: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] أي: وما كان الله ليتَّخِذَ من وَلَدٍ؛ لأنَّه - تعالى - لا يُحَرِّم عليه شَيْءٌ، إنَّما يُنْفَى عنه ما لا يَلِيقُ بِهِ. قال القُرْطُبِي: قوله: ﴿وَمَا كَانَ﴾ لَيْس على النَّفِي، وإنَّما هو على التَّحْرِيم والنَّهِي؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله﴾ [الأحزاب: 53] ولو كانت على النَّفِي، لما وُجِد مُؤمِنٌ قَتل مُؤمِناً [قط] ؛ لأن ما نفاه الله لا يجُوز وُجُودهُ؛ كقوله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: 60] ، معناه: ما كُنْتُم لِتُنْبِتُوا؛ لأنه - تعالى - لم يُحرَّم عليهْم أنْ يُنْبِتُوا الشجر، إنما نَفَى عَنْهُمْ أن يمكنهم إنْبَاتُهَا، فإنه - تعالى - هو القَادشرُ على إنْبَاتِ الشَّجَرِ. ورابعها: أن وجْه الإشْكَال في اتِّصَال هذا الاستِثْنَاء أن يُقَال: الاستثناء من النَّفْي إثْبات، وهذا يَقْتَضِي الإطْلاق في قَتْل المُؤمِن في بَعْضِ الأحْوالِ، وذلك محَالٌ؛ لأن ذلِكَ الإشْكَال إنَّما يَلْزَمُ إذا سَلَّمْنا أنَّ الاستثناء من النَّفْيِ إثْبَات، وذلك مُخْتَلف فيه بين الأصُوليِّين، والصَّحيحُ أنَّهُ لا يَقْتَضِيه؛ لأن الاستِثْنَاء يَقْتَضِي نَفْيَ الحُكْمِ عن المُسْتَثْنَى، لا صَرْف المحكوم عليه، لا بالنَّفْيِ ولا بإثْبَات، وحينئذ يَنْدَفِع الإشْكَال، وممَّا يَدُلُّ على أنَّ الاستثناء في المَنْفِيِّ ليس بإثْبَاتٍ، قوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «لا صَلاَةَ إلاَّ بطَهُورٍ ولا نِكَاحَ إلاَّ بولِيِّ» ويقال: لا مُلْكَ إلا بالرِّجَالِ، ولا رِجَال إلاَّ بالمَالِ، والاستثناء في هذه الصور لا يُفيد أن يكون الحُكْم المُسْتَثْنَى من النَّفْي إثْبَاتاً. وخامسها: قال أبُو هَاشِم: وتقدير الآيَة: وما كان لِمُؤمِنٍ أنْ يَقْتُل مُؤمِناً [إلاَّ] أن يَكُون خَطَأ، فإنَّه لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه مُؤمناً، وهذا بِنَاء على أصْلِهِم، وهو أنَّ الفَاسِق عند المُعْتَزِلةِ لَيْسَ بمُؤمِن، وهو أصْلٌ [فاسدٌ] وباطل. وإن قُلنا: إنه استِثْنَاء مُنْقطعٌ، فهو لمعنى لكن، ونظائره كثيرة، قال - تعالى -: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ [النساء: 29] . وقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم﴾ [النجم: 32] وقال: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ [الواقعة: 25، 26] . فصل قال القُرْطُبِي: ذهب دَاوُد إلى وُجُوب القِصَاصَ بين الحُرِّ والعِبْد، في النَّفْس وفي الأعْضَاءِ، لقوله - تعالى -: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45] إلى قوله: ﴿والجروح قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] ولقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «المُؤمِنُون تتكَافَأ دِمَاؤُهُم» ولم يفرق بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدِ. قال أبُو حنِيفَة [وأصْحَابُه] : لا قِصَاص بين الأحْرَار والعَبِيد إلا [في] النَّفْسِ، فيُقتل الحُرُّ بالعَبْدِ كما يقتل العَبْدُ بالْحُرِّ، ولا قِصَاص بينهما في الجِرَاح والأعْضَاء، وأجمع العُلَمَاءُ على أنَّ قوله - تعالى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ لأنَّه لم يَدْخُل فيه العَبِيدُ، وإنما أريد به: الأحْرار؛ فكذلك قوله - عليه السلام: - «المُؤمِنُون تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُم» أريد به الأحْرَار خَاصَّة، والجُمْهُور على ذلك، وإذا لم يَكُن قِصَاصٌ بين العَبيد والأحْرار فيما دُونَ النَّفْسِ، فالنفس أحْرَى بذلك، وقد مَضَى هذا في البَقَرَةِ. قوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ «خطأ» إما مَنْصُوب على المَصْدَر، أي: قتلاً خطأ، وإما على [أنَّه] مصدرٌ في مَوْضِع [الحال] أي ذا خَطَأٍ أو خاطئاً والفَاء في قوله: «فتحرير» جوابُ الشَّرْطِ، أو زائِدَةٌ في الخَبَر إن كَانَت «من» بمعنى الَّذِي، وارتِفَاعُ «تحرير» : إمَّا على الفَاعِليَّةِ، أي: فيجبُ عليْه تَحْرِير، وإمَّا على الابتدائِيَّة، والخبر مَحْذُوف أي: فعليه تحرير أو بالعكس، أي: فالوَاجِبُ تَحْرِيرُ، والتحرير عبارةٌ عن جَعْلِهِ حُرَّا والحُرُّ هو الخَالِصُ، ولما كان الإنْسَان في أصْلِ الخلقة خُلِقَ لِيَكُون مالكاً للأشْيَاءِ، لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29] فكونه مَمْلُوكاً صفة تُكَدَّر مقتضى الإنْسَانِيَّة، فسميت إزالة المُلْكِ تَحْرِيراً، أي: تخليصاً لذلك الإنْسَان عما يُكَدِّر إنْسَانيَّتَهُ، والرَّقبة عبارَةٌ عن النَّسَمَة في قولهم: «فُلان يَمْلِك كَذَا رَأساً من الرَّقِيق» . والدِّيَةُ في الأصْلِ مَصْدر، ثم أطلَقَ على المالِ المَأخُوذ في القتل، ولذلك قال: ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ ، والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الأعٍيَان، تقول: وَدَى يَدِي دِيَةً ووَدْياً، كوشَى يَشِي شِيَةٌ، فحذفت فَاءُ الكَلِمَة، ونَظِيرُه في الصَّحيح اللام: «زِنة» و «عِدة» ، و «إلى أهله» متعلَّق ب «مسلمة» تقول: سَلَّمت إليه كَذَا، ويجُوز أن يكون صِفَةً ل «مسلمة» وفيه ضَعْفٌ. فصل الخلاف في القصاص للقتل العمد معنى [الآية] فِعلية رقبة مُؤمِنَة كَفَّارة وَدِية كَامِلَة ﴿مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ أي: إلأى أهْل القتيل الذين يَرِثُونه، «إلا أن [يصدقوا» . أي:] يتصدَّقُوا بالدِّيَة فيَعفوا ويَتْرُكُوا الدِّيَة، واختلفوا في قتل العمد: فقال أبو حنيفة: لا يُوجِب الكَفَّارة؛ لهذه الآيَة فقال: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير [» رقبة» ] شرط لوجوب الكَفَّارةِ كونه خطأ، وعند انتفاء الشَّرْط لا يَحْصل المَشْرُوط. وقال الشَّافِعِيُّ: تجب الكفَّارة؛ لما رَوَى واثِلة بن الأسْقَع، قال: أتَيا رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في صَاحِب لَنَا أوجب النَّار بالقَتْلِ، فقال: أعْتِقُوا عنه يَعْتِقُ الله بِكُلِّ عُضْوٍ منه عَضْواً منه [من النَّار] ولأن الكَفَّارة في قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ والإحْرَام، يستوي فيه العَامِدُ والخَاطِئُ [إلا] في الإثْمِ فَكَذَا في قَتْل المُؤمِنِ. فصل قال ابن عبَّاس، والحَسَن، والشَّعْبي، والنَّخْعِي: لا تجزئ الدِّيَة إلا إذا صًام وصَلَّى، لأنه وَصَفَها بالإيمَانِ، والإيمانً: إمَّا التَّصْديقُ، وإمَّا العَمَلُ، وإمَّا المجْمُوع والكل فائِت عن الصَّبي. وقال الشَّافِعِي ومالك والأوزاعِي وأبُو حنيفة: يُجْزئ الصَّبِي إذا كَانَ أحَد أبويه مُسْلِماً، لأنَّ قوله: «ومن قتل مؤمناً [خطأ] » يَدْخُل فِيه الصَّغير فَكَذَا قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ يدخل فيه الصَّغيرُ. فصل قال أبو بَكْر الأصم: وجمهور الخَوَارج: الدِّيَة واجبةٌ على القَاتِلِ لوجُوهٍ: الأوَّل: لأنَّ قوله: «فتحرير رقبة» والمراد: إيجَابُها على القَاتِل لا عَلَى غَيْره بالإجْمَاعٍ فكذا الدِّيَّة؛ لأن اللَّفْظَ في الموضعَيْن وَاحِدٌ. الثاني: أن الجِنَايَة إنَّما صَدَرت مِنْهُ، والضَّمَان لا يَجِبُ إلاَّ على المُتْلِفِ، أقصى ما في البَاب أنَّ هذا الفِعْل صَدَر عنه على سَبيل الخَطَأ، والفِعْل الخَطَأ في قِيم المُتْلَفَاتِ وأروش الجنايَاتِ، قائم مقام العَمْد، وتلك لا تَجِب إلا على المُتْلِف فكذا هَهُنَا. الثالث: أن العَاقِلَة لم يصْدر عَنْهم خيانة، فلا يَجبُ عليْهم شَيْء؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: 164] وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ [البقرة: 286] «ورُوِيَ أنَّ أبا رَمْثه دَخَل على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ومَعَهُ ابْنُه، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - من هذا؟ فقال ابْني، فقال:» إنَّه لا يَجِنِي عَلَيْك ولا تَجْنِي عليه» ومَعْلُوم أنَّه ليس المَقْصُود الإخْبَار عن نَفْسِ الجِنَايَة، إنَّما المَقْصُود: بيان [أن] أثر جَنَايتكَ [لا] يَتَعَدَّى إلى وَلَدِكَ وبالعكس. الرابع: إن النُّصُوص تدلُّ على أن مالَ الإنْسَان مَعْصُوم [وأنه] لا سبيل لأحَدٍ أن يأخُذَه منه، قال - تعال -: ﴿لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [النساء: 29] . وقال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «كُلُّ امْرِئ أحَقُّ بِكَسْبِه» وقال: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقال: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس» تركنا هذه النُّصُوص في الأشْيَاءِ الَّتِي عرفنا بنصّ القُرْآن كَوْنَها مُوجِبَة لجوازِ الأخذ كالذَّكَوَات، وأخذ الضَّمَانات، وأمّا الدِّيَة على العَاقِلَة، فالمُعْتَمَد فيه عَلَى خَبَرِ الواحِدِ، وتَخْصِيصُ عُمُوم القُرْآنِ بخير الوَاحِدِ لا يجُوزُ؛ لأن القُرآن مَعْلُوم وخبر الوَاحِدِ مَظْنَون، ولا يَجُوزُ تقديم المَظْنُونِ على المَعْلُومِ؛ ولأن هذا خَبَر وأحِدٍ وَرَدَ فيما تَعُمُّ به البَلْوَى؛ ولأنَّه خبر وَاحِدٍ ورد على مُخَالَفَةِ أصُولِ الشَّرِعةِ فوجب رَدُّه، واحتجَّ الفُقَهَاءِ بما «رُوِيَ [عن] المُغيرةِ أنَّ امْرَأة ضَرَبَتْ بَطْنَ امْرَأةٍ، فالقَت جَنباً ميّتاً، فَقَضَ رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على عَاقِلَة الضَّارِبَة بالغِرَّة، فقام حَمْل بن مَالِك فقال: كَيْفَ نَدِي من لا شَرِبَ ولا أكَل، ولا صَاحَ ولا اسْتَهَلَّ، ومثل ذَلِكَ يُطِل، فقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: هذا من سَجْع الجاهلية» . وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - فقُضِيَ عَلَى عَليَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - بأن يعقل عن مَوْلَى صَفية بنت عَبْد المُطَّلِب حين جَنَى موْلاَهَا، وعَلِيٌّ كان ابْن أخِي صَفِيَّة وقضى للزُّبَيْر بمِيِيراثِهَا، وهذا يَدلُلُّ على أنَّ الدِّيَة إنَّما تِجِبُ عَلَى العَاقِلَة. فصل مذهب الفُقَهَاء أنَّ دِيَة المرأة نِصْف دِيَة الرَّجُل، وقال الأصَمُّ وابن عَطِيّة: ديتُها مِثْلُ دِيَةِ الرَّجُل، واحْتَجَّ الفقهاء بأن عَليَّا، وعُمَر، وابن مَسْعُود قَضَوْا بذلك؛ ولأن المرأة في المِيراث والشَّهَادَةِ على النِّصْفِ من الرَّجُلِ، فكذلك في الدِّيَة، واستدل الأصَمُّ بهذه الآيَة قوله - تعالى -: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ وأجْمَعُوا على أنَّ هذه الآية دَخَلَ فيها حُكْم الرَّجُل والمرأة فوجب أن يكون الحُكْم ثَابِتاً فِيَها بالسويّة. قوله: ﴿إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع. والثاني: أنه متصلٌ. قال الزمخشري: «فإن قُلْتَ: بِمَ تَعَلَّق» أن تصدقوا «وما مَحَلُّه؟ قلت: تَعَلَّق ب» عليه «أو ب» مسلمة «كأنه قِيلَ: وتَجِبُ عليه الديَّة أو يًسَلِّمُهَا إلا حِين يتصدَّقُون عليه، ومَحَلُّها النَّصْب على الظَّرْف، بتقدير حذف الزَّمَانِ، كقولهم:» اجلس ما دام زَيْدٌ جالِساً» ، ويجُوز أن يكُون حَالاً من «أهله» بِمَعْنَى إلا مُتصدِّقين» . وخطَّأه أبو حيَّان في هذين التَّخْرِيجين. أما الأوّل: فلأنَّ النَّحْويَّين نَصُّوا على مَنْع قِيَام «أنْ» وما بعدها مقامَ الظَّرْف، وأنَّ ذلك ما تَخْتَصُّ به «ما» المَصْدَرِيّةُ، لو قلت: «آتيك أن يَصِيحَ الدِّيكُ» أي: وقت صِيَاحه، لم يَجُز. وأما الثَّانِي: فنصَّ سِيبوَيْه على مَنْعِه أيضاً، قال في قَوْلِ العرب: «أنْت الرَّجُل أن تُنَازِلُ، أو أنْ تُخَاصِم» أي: أنْتَ الرَّجُل نزالاً ومُخَاصَمَة: «إنَّ انْتِصَابِ هذا انْتِصَابُ المَفْعُول من أجْلِه، لأنَّ المُسْتَقْبَل لا يَكُون حالاً» فكونُه مُنْقَطعاً هو الصَّوابُ. وقال أبو البَقَاءِ: «وقيل: هو مُتَّصِلٌ، والمَعْنَى: فعليه دِيَةٌ في كُلِّ حَالٍ، إلا في حال التَّصَدُّق عَلَيْه بِهَا» . والجُمْهُور على «يصدقوا» بتشديد الصَّاد، والأصل: يتصدَّقوا، فأدْغمت التَّاء في الصَّاد، ونُقِل عن أبيِّ هذا الأصل قِرَاءةٌ، وقرأ أبو عمرو في رِوَاية عَبْد الوَارِثِ - وتُعْزى للحَسَن وأبي عَبْد الرَّحْمَن: - «تصدقوا» بِتَاءِ الخِطَاب، والأصل: تتصَدَّقُوا بتَاءَيْن، فأدغمت الثَّانِية، وقُرئ: «تَصْدُقوا» بتاء الخِطَاب وتَخْفِيف الصَّاد، وهي كالَّتِي قَبْلَها، إلا أنَّ تَخْفِيفَ هذه بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْن: الأولَى أو الثَّانِية على خِلاف في ذلك، وتَخْفيف الأولَى بالإدْغَام. قوله [- تعالى -] : ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ لما ذكر أوَّلاً أنَّ قتل المُؤمِن خَطَأ [فيه] تحرِيرُ رَقَبَة، وتَسْلِيم الديَّة، ذكر هُنَا أنَّ من قَتَل خَطَأ من قَوْم عَدُوٍّ لنا فَعَلَيْه تَحْرِير الرقبة، وسَكَت عن الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قَوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثَاقٌ، وجَبت الدِّيَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة، ثم ذَكَر بعده إنْ كان من قًوْمٍ بَيْنَكُم وبَيْنَهُم ميثاقٌ، وجَبت الدِّبَةُ، فالسُّكُوت عن إيجَاب الدِّيَة هنا وإيجَابُها فِيمَا [قبل هذه الآية] وفيما بعد يدُلُّ على أنَّ الدِّيَة غير وَاجِبَة في هَذِه الصُّورَة، وإذا ثبت هذا، فَنَقُولُ: قوله - تعالى -: ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ إمَّا أن يَكُون المُرادُ مِنْهُ كَوْن هذا المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْب، أو كَوْنه ذا نَسَبٍ منْهُم. والثاني بَاطِلٌ؛ لانعقاد الإجْمَاع على أن المُسْلِمَ السَّاكن في دَارِ الإسْلام، وجَميع أقارِبِه كُفَّار، فإذا قُتِلَ خَطَأ، وجبت الدِّيَة في قَتْلِه، فتعيَّن الأوَّل، وهو كَوْن المَقْتُولِ خَطأ من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ وَهُو مُؤمِنٌ، فتجب [فيه] كَفَّارة بلا دِيَة. قال الشَّافِعِي: كما دَلَّت هذه الآيَةُ على هَذَا المَعْنَى، فالقياس يُقَوِّيه فأمَّا أنَّه لا تَجِبُ الدِّية، فلأنَّا لو أوْجَبْنا الدِّيَة في قَتْل المُسْلِم السَّاكِن في دَارِ الحَرْب، لاحْتَاج مَنْ يريدُ غَزْوَ دَارِ الحَرْب، إلى أنْ يَبْحَث عَنْ كُلِّ أحدٍ أنه هَلْ هُوَ من المُسْلِمِيِن أمْ لا، وذَلِكَ مما يَصْعب وَيشقُّ، فيفضي إلى اْحترازِ النَّاسِ عن الغَزْوِ، فالأوْلَى سُقُوط الدِّيَة عن قاتِله؛ لأنَّه الذي أهْدَرَ دَمَ نَفْسِه باخْتِيَار السُّكْنَى في دَارِ الحَرْب، وأمَّا الكَفَّارة فإنَّها حَقُّ الله - تعالى -؛ لأنَّه قَتَل إنْسَاناً مُؤمِناً مُواظِبَاً على عِبَادة الله - تعالى -، وقيل: المُرادُ منه: إذا كان المَقْتُولُ مُسْلِماً في دَارِ الإسلامِ، وهو من نَسَبِ قوم كفارٍ، [وأقاربه] في دار الحرب - حرب المسلمين - ففيه الكَفَّارةُ بِلا دِيَة [لأهله] ، وكان الحَارِثُ بن زَيْد من قوم كُفَّار حربٍ للمسلمين، وكان فيه تَحْرِير رَقَبة، ولم يَكُن فيه دِيّة؛ لأنَّه لم يَكُن بين قَوْمِه وبَيْن المُسْلِمِين عَهْد. قوله: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ فيه قولان: أحدهما: أن المُرادَ مِنْه: المُسْلِم؛ لأنَّه - تعالى - ذكر أوّلاً حال المُسْلِم القَاتِل خَطَأ، ثم ذكر حال المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ إذا كان بَيْنَ أهْل الحَرْب، ثم ذكر حال المُسْلِم [المَقْتُول خَطَأ] إذا كان بين أهْلِ العهد وأهْل الذِّمَّة، ويؤكَّدُه قوله: «وإن كان» فلا بُدَّ من إسْنادِه إلى شَيْء تقدَّم ذِكْرُه وهو المُؤمِنُ المَنْقُول خَطَأ. الثاني: أن المُرَاد منه: الذمي أو المُعاهد، وهؤلاء طَعَنُوا في القَوْل الأوَّل من وُجُوه: أحدها: أن المُسْلِم المَقْتُول خَطَأ سواءٌ كَانَ من أهْل الحَرْب أو من أهل الذِّمَّة، فهو دَاخِلٌ تحت قوله: «ومن قتل مؤمناً خطأ فتحرير رقبة [مؤمنة] ودية مسلمة إلى أهله» فلو كان المُراد من هذه الآية هو المُؤمِن المَقْتُول من سُكَّان دَارِ الحَرْبِ، فإنه - تعالى - إنما أعَادَهُ لبَيَانِ أنَّه لا تَجِبُ الدِّيَة في قَتْلِه، فأمَّا هَهُنَا فَقَدْ أوْجَبَ الدِّيَة والكَفَّارة، فلو كان المُرادُ هو المُؤمِن، لكان تِكْرَاراً من غير فَائِدَةٍ، وأنه لا يجُوزُ. ثانيها: لو كان المُرادُ ما ذكَرْتُم لما كانَت الدِّيَة مُسَلَّمَة إلى أهله؛ لأنَّ أهْلَه كُفَّار لا يَرِثُونَهُ. ثالثها: أن قوله: [ «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» ] يقتضي أن يكُونوُا مِنْ ذلك القَوْم في الوَصْفِ الذي وقع التَّنْصيص عليه، وهو حُصُول المِيثاقِ بَيْنَهُمَا، فإن كَوْنَه منهم مُجْمَل، لا يَدْرِي أنَّه مِنْهُم في أيَّ الأمُور، وإذا حَمَلنَاه على كَوْنِهِ مُعَاهداً، [وجب أن يكون مُعَاهداً أو ذمِّيّاً] مثلهم، ويمكن أن يُجَابَ عن هَذِه الأوجه: أمَّا الأوَّل: فلأن الله - تعالى - ذكر حُكْم المُؤمِن المَقْتُول خَطَأ السَّاكِن في دَارِ الحَرْبِ، وبيَّن أنَّ أهْلَ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، وذكر القِسْم الثَّانِي، وهو المُؤمِنُ المَقْتُول خَطَأ السَّاكن بين أهْلِ الذِّمَّة، وبيَّن وُجُوب الدِّيَة، والكَفَّارة في قَتْلِه، والغَرَضُ منه: إظْهَار الفرق بَيْنَهُ وبين القِسْم الذي قَبْلَه. والجَوَابُ عن الثَّاني: أن أهْلَه هم المُسْلِمُون الَّذِين تُصْرف الدية إليهم. وأما الثالث: فإن كَلِمَة «من» صَارَت مُفَسرة في الآيَة السَّابِقة؛ بمعنى «في» ، يعن: في قوم عَدُوٍّ لكم، فكذا هَهُنَا، وفائِدَة هذا البَحْث تَظْهَر في مَسْألة شرعِيّة، وهي أنَّ أبَا حَنِيفَة يرى أنَّ دِيَة الذِّمِّي مثل ديَة المُسْلِم. وقال الشافعي: دية اليَهُودِيّ والنَّصْرَاني ثُلْث دِيَة المجوسي، وقال غيره: نِصْف دِيَة المُسْلِم. واحتج أبُو حَنيفَة بقوله: «وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق» والمرادُ به: الذِّمِّي، ثم قال: «فدية» فأوْجَبَ فيهم تمام الدِّيَة. وجَوَابُه: أن نَقُول: هذه الآية نَزَلَت في المُؤمِنِين كما بَيَّنَّا فَسَقط استدلاَلُه، وبتقدير أن تَكُونَ نَزَلَت في أهْل الذِّمَّة، فإنما وَجَبَ [فيها] مسمَّى دِيَة، ولكن لم يُبَيِّن مِقْدَارَها، فلم قُلْتُم بأنَّ الدِّية التي أوجَبَها في حَقِّ المُسْلِمِ، بل لِكُلِّ دَيةٍ مقدارٌ مُعَيَّن، فإن الدِّية هي المالُ المأخوذ الَّذي يؤدِّى في مقابَلَةِ النَّفْسِ. فإن قيل: لِمَ قدَّم تَحْرِير الرَّقَبَة على الدِّيَة في الأولى، وهَهُنا عَكَسَ؟ الجواب: أن الوَاوَ لا تُفِيد الترْكيب، فتصيرُ كَقَوْله: ﴿وادخلوا الباب سُجَّداً [وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ ] [البقرة: 58] ، وفي آية أخرى، ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّداً﴾ [الأعراف: 161] . فصل والكفَّارة تكُون بإعْتَاق رَقَبَةٍ مؤمِنةٍ سواء كان المَقْتُول مُسْلِماً أو مُعاهِداً، رجلاً أو امْرأةً، حرًّا كان أو عَبْداً، وتكُون في مَالِ القاتِل. قوله - تعالى -: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ . قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ مفعولُه مَحْذُوفٌ: أي: فَمَنْ لم يَجِدْ رَقَبة، وهي بِمَعْنَى وجدان الضَّالِّ، فلذلك تَعَدَّتْ لِوَاحِدٍ، وقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ ارتفاعه على أحَدِ الأوْجه المذكُورة في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقد مَرَّ، أي: فعليه صِيَامُ، أو: فيجبُ عليه صِيَامُ، أو فواجبه صِيَام. قال أبُو البَقَاءِ، ويجُوزُ في غَيْر القُرْآنِ النَّصْبُ على «فليصم صوم شهرين» . وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاسْتِعمَال المعروفَ في ذَلِكَ أنْ يُقَالَ: «صمت شهرين ويومين» ، ولا يَقولون: صُمْتُ صومَ - ولا صِيَامَ - شَهْرَين. فصل إذا كان وَاجِداً للرقبة، أو قادراً على تَحْصِلَها بِثَمَنِها، فاضِلاً عن نَفَقَتِه ونَفَقَة عِيَاله وحاجته من مَسْكَنٍ ونحوه، فعليه الإعْتَاق، ولا يَجُوز له الصَّوْم، أو نَوَى صَوْماً أخَر، وجب عليه الاستِئْنَاف، فإن أفْطَرَ بعُذْرٍ مُرَخَّصٍ، أو سَفَرٍ، أو حيض: فقال النَّخْعِيُّ، والشافعي في أظهر قَوْليه: يَنْقَطِع التَّتابُع، وعليه الاستِئْنَاف. وقال سعيد بن المسيَّب، والحَسَن، والشَّعْبِي: لا يَنْقَطِع، ولو حَاضَت المَرْأة، لم ينقطع التَّتَابُع، لأنَّه لا يُمْكِنُ الاحتِرَازُ عنه؛ قال مَسْروقُ: فإن الصَّوْم بدلٌ من مَجْمُوع الكَفَّارَةِ والدِّيَة. فصل: فيما إذا عجز عن الصوم هل يطعم؟ إذا عَجَز عن الصَّوْم هل يُطْعِم ستِّين مِسْكِيناً فيه قولان: أحدهما: يطعم كالظِّهَار. والثاني: لا؛ لأن المُشَرِّع لم يذكر له بَدَلاً. أحدها: أنه مَفْعُول من أجْلِه، تقديره: شَرَعَ ذلك توبةً منه. قال أبو البَقَاءِ: ولا يجُوز أن يَكُون العَامِل: «صوم» إلا على حَذْف مُضَافٍ، أي: لوقوعِ تَوْبَة [من الله] أو لحُصُول توبة [من الله] . يعني: أنه إنما احْتَاج إلى تَقْدِير ذلك المُضَافِ، ولم يقل إن العَامِل هو الصِّيَام؛ لأنه اختلَّ شَرْطٌ من شروطِ نَصْبه؛ لأنَّ فاعلَ الصِّيَام غيرُ فاعل التَّوبَة. الثاني: أنها مَنْصُوبةٌ على المَصْدَر أي: رجُوعاً منه إلى التَّسْهِيل، حيث نَقَلكم من الأثْقَلِ إلى الأخَفِّ، أو توبة مِنْه، أي: قَبُولاً منه، مِنْ تاب عَلَيْه، إذا قبل تَوْبَته، فالتقدير: تابَ عليكم تَوْبَةً [مِنْه] . الثالث: أنها مَنْصُوبةٌ على الحَالِ، ولكن على حَذْفِ مُضَافٍ، تقديره: فَعَليه كذا حالَ كَوْنِهِ صَاحِبَ توبةٍ، ولا يجُوز ذلك من غَيْر تَقْدِير هذا المضاف؛ لأنك لو قُلْتَ: «فعليه صِيَامُ شهريْنِ تَائِباً من الله» لم يَجُزْ، و «من الله» في مَحَلِّ نَصْب؛ لأنه صِفَةٌ ل «توبة» فيتعلَّقُ بمحْذُوف. فإن قيل: الخَطَأ لا يَكُون مَعْصِية، فما مَعْنَى قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ . فالجواب من وجوه: الأول: أنَّ فيه نَوْعاً من التَّقْصِير، فإنَّ الظَّاهِر أنَّه لو بَالَغ في الاحْتِيَاطِ والاسْتِكْشَافِ لما تعذر عليه الفعل، ألا تَرَى أن من قَتَل مُسْلِماً يظنه حَرْبيَّا، فلو بالغ في الاستكشافِ، فالظَّاهر أنَّه لَمْ يقَعْ فيه، ومن رمى صَيْداً فأصَاب إنْسَاناً، فلو احتاطَ ولم يَرْمِ إلاَّ في مَوْضع يَقْطَع بأنه ليس هُناك إنْسَان، فإنَّه لا يقع في تلك الواقعة؛ فقوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ تنبيه على أنه كَانَ مُقَصِّراً في ترك الاحْتِيَاطِ. وثانيها: أن قوله: ﴿تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ راجعٌ إلى أنَّه - تعالى - أذِن لهُ في إقَامة الصَّوم مقامَ الإعْتَاقِ عند العَجْزِ عنه؛ لأن الله - تعالى - إذا تَابَ على المُذْنِبِ، فقد خَفَّفَ عَنْه، فلما كان التَّخْفِيف من لَوَازِم التَّوْبَة، أطلف لَفْظَ «التوبة» لإرادة التَّخْفِيف؛ إطلاقاً لاسْمِ المَلْزُوم على اللاَّزِم. وثالثها: أن المُؤمِن إذا اتَّفق له مِثْل هذا الخَطِأ، فإنه يَنْدَم ويتمنَّى ألاَّ يكون ذلك ممَّا وقَع، فسمَّى الله ذلك النَّدم والتَّمنِّي تَوْبَة. ثم قال - تعالى -: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً﴾ بأنَّه لن يقْصِد «خطأ» لما حَكَم بِهِ عَلَيْه، ولم يؤاخِذُهُ بذلك الفَعْل الخَطَأ، فإن الحَكْمَة تقتضي ألاّ يُؤاخذ الإنْسَان إلا بما يَتَعَمَّد. قال أهل السُّنَّة: أفعال الله - تعالى - غير معلَّلَةٍ برعاية المَصَالِحِ، ومعنى كونه «حكيماً» : كونه عَالِماً بعواقِبِ الأمُور. قال المعتزلة: هذا باطِلٌ؛ لأنه - تعالى - عطف الحَكيم على العَلِيم، فَلَو كان الحَكِيم هو العَليم، لكان عَطْفَاً للشَّيْء على نَفْسِه، وهو مُحَالٌ. الجواب: أن كل موضع في القُرْآن [ورد فيه] الحكِيم معْطُوفاً على العَلِيم - كان المُراد من الحَكِيم: كونه مُحْكَماً في الفِعْل، فالإتقان، والإحْكَام، عائدٌ إلى كيفيَّة الفعلِ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.