الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله﴾ الآيات. اعلم أنه تعالى عادَ إلى ذَمِّ الذين يجادلون في آيات الله، أي في إنكار آيات الله ودفعها والتكذيب بها، فعَجَّبَ تعالى منهم بقوله: ﴿أنى يُصْرَفُونَ﴾ ؟ كيف صُرِفُوا عن دين الحق وهذا كما يقول الرجل لمن لا يسمع نصحه: إلى أين يُذْهَبُ بك؟! تعجباً من غفلته. قوله: «الذين كذبوا» ، يجوز فيه أوجه، أن يكون بدلاً من الموصول قبله، أو بياناً له أو نعتاً أو خبر مبتدأ محذوف، أو منصوباً على الذم، وعلى هذه الأوجه، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ جملة مستأنفة، سيقت للتهديد. ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ودخول الفاء فيه واضح. فصل المعنى هم الذي كذبوا بالكتاب أي بالقرآن وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب؛ قيل: هم المشركون. وعن محمد بن سِيرِين وجماعة: أنها نزلت في القَدَرِيَّة. قوله: ﴿إِذِ الأغلال﴾ فيه سؤال، هو أن «سوفَ» للاستقبال، و «إِذْ» للماضي، فقوله: ﴿فسوف يعلمون إذ الأغلال في أعناقهم﴾ مثل قولك: سَوْفَ أَصُمُ أَمْسِ، والجواب: جوزوا في «إذ» هذه أن تكمون بمعنى «إذا» ؛ لأن العامل فيها محقق الاستقابل وهو فسوف يعلمون. قالوا: وكما تقع «إذَا» موضع إِذْ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: 11] كذلك تقع إِذْ مَوْقِعَهَا. وقد مضى نَحْوٌ من هذا في البقرة عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب﴾ [البقرة: 165] قالوا: والذي حسن هذا تيقن وقوع الفعل، فأخرج في صورة الماضي. قال شهاب الدين: ولا حاجة إلى إخْراج «إِذْ: عن موضوعها؛ بل هي باقية على دَلاَلتِهَا على المعنى، وهي منصوبة بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ نصب المفعول به، أي فسوف يعلمون يوم القيامة وقت الأغلال في أعناقهم أيْ وقتَ سببِ الأغلال، وهي المعاصي التي كانوا يفعلونها في الدنيا، كأنه قيل: سيعرفون وقت معاصيهم التي تَجْعَلُ الأغلال في أعناقهم وهو وجه واضح غاية ما فيه التصرفُ في إذ يجعلها. وهو وجه واضح غاية في ما فيه التصرف في إذ يجعلها مفعولاً بها. ولا يضر ذلك، فإن المعربين غالب أوقاتهم يقولون: منصوب» باذْكُرْ «مقُقَدَّراً، أو لا يكون حينئذ إلا مفعولاً به لاستحالة عمل المستقبل في الزمن الماضي. وجوز أن يكون منصوباً باذْكُرْ مقدراً، أي اذكر لهم وَقْتَ الإِغلال؛ ليخالفوا ويَنْزَجِرُوا، فهذه ثلاثة أوجه خيرها أوسطها. قوله:» والسَّلاَسِلُ» العامة على رفعها، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه معطوف على الأغْلاَلِ. وأخبر عن النوعين بالجار، فالجال في نية التأخير والتقدير: إذ الأَغْلاَلُ والسَّلاَسِلُ في أعنقاهم. الثاني: أنه مبتدأ، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول عليه. الثالث: أنه مبتدأ أيضاً، وخبره الجملة من قوله: «يُسْحَبُونَ» ولا بُدَّ مِن ذكر ضمير يعود عليه منها، والتقدير: والسلاسل يُسْحَبُونَ بِهَا، حذف لِقُوَّة الدَّلالةِ عليه. «فَيُسْحَبُونَ» مرفوع المحل على هذا الوجه. وأما الوجهيه المقتدمين فيجوز فيه النصب على الحال من الضمير المنويّ في الجار، ويجوز أن يكون مستأنفاً. وقرأ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مسعُودٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيِّ وابْنُ وَثَّابٍ، والحسن في اختياره «والسَّلاَسِلَ» نصباً يَسْحَبُونَ بفتح الياء، مبنياً للفاعل، فيكون السلاسل مفعولاً مقدماً، ويكون قد عطف جملة فعلية على جملة اسمية. قال ابن عباس في معنى هذه القراءة: إذا كانوا يَجُرُّونَهَا فهو أشد عليهم يكلفون ذلك ولا يطيقونه. وقرأ ابن عباس وجماعة «والسَّلاَسِل» بالجر يُسْحَبُونَ مبنياً للمفعول وفيها ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: الحمل على المعنى وتقديره إِذْ أَعْنَاقُهُم في الأغلالِ والسلاسلٍ فلما كان معنى الكلام على ذلك حمل عليه في العطف. قال الزمخري: ووجه إنه لو قيل: «إِذْ أَعْنَاقُهُمْ في الأغلال مكان قوله: إِذ الأَغْلاَلُ في أعناقهم» لكان صحيحاً مستقيماً، فلما كانتا عبارتين مُعْتَقِبَتَيْنِ، حمل قوله: «والسلاسل» (عليه) على العبارة الأخرى. ونظيره: 4347 - مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحينَ عَشِيرةً ... وَلاَ نَاعِبٍ إلاَّ بِبَيْنٍ غُرَابُهَا كأنه قيل: بمصليحن. وقرىء: بالسَّلاَسلِ. وقال ابن عطية: تقديره: إذا أعناقهم في الأغعلال والسلاسلِ فعطف على المراد من لكلام لا على ترتيب اللفظ؛ إذ ترتيبه فيه قل، وهو على حد قول العرب: أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ فِي رَأْسِي. وفي مصحف أًُبيِّ: وفي السلاسِل يَسْحَبُونها. قال أبو حيان بعد قول ابن عطية والزمخشري المتقدم: ويمسى هذا العطف على التوهم، إلا أن قولهم: إدخال حرف الجر على مصلحين أقرب من تغيير تركيب الجملة بأسرها، والقراءة من تغيير تركيب الجملة السابقة بأسرها، ونظير ذلك قوله: 4348 - أَجِدَّكَ لَنْ تَرَى بثُعَيْلبَاتٍ ... وَلاَ بَيْدَاءَ نَاجِيَةً ذَمُولاَ وَلاَ مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ... بِبعْضِ نَوَاشِغِ الوَادِي حُصًُولاً التقدير: لَسْتَ براءٍ ولا بمتداركٍ. وهذا الذي قالاه سبقهما إليه الفَرَّاءُ فإِنه قال: «من جر السلاسل حمله على المعنى» ، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل. الوجه الثاني: أنه عطف على «الحميم» ، فقدم على المعطوف عليه وسيأتي تقرير ذلك. الثالث: أن الجر على تقدير إضمار الخافض ويؤيده قراءة أُبَيٍّ: «وفِي السَّلاَسِلِ» وقرأ غيره: وبالسَّلاَسِلِ وإلى هذا نحا الزجاج، إلاَّ أنَّ الأنباريِّ ردَّه وقال: لو قلت: «زيد في الدار» لم يحسن أن تضمر «في» فتقول: زيد (في) الدار ثم ذكر تأويل الفراء وخرج القراءة عليه. ثم قال: كما تقول: «خَاصَمَ عَبْد اللهِ زَيْداً العَاقِليْنِ» ، بنصب «العاقلين» ورفعه؛ لأن أحدهما إذا خاصم صاحبه فقد خاصمه الآخر. وهذه المسألة ليست جارية على أصول البصريين، ونصّوا على منعها وإنما قال بها من الكوفيين ابْنُ (سَ) عْدَانَ. وقال مَكيّ: وقد قرىء: والسَّلاَسلِ بالخفض على العطف على الأعناق، وهو غلط؛ لأنه يصير الأغلال في الأعناق وفي السلاسل ولا معنى للأغلال في السَّلاَسل؟ قال شهاب الدين: وقوله: على العطف على الأعناق ممنونع بل خفضه على ما تقدم. وقال أيضاً: وقيل: هو معطوف على «الحميم» وهو أيضاً لا يجوز؛ لأن المعطوف المخفوض، لا يتقدم على المعطوف عليه لو قلت: «مَرَرْتُ وَزَيْدٍ بِعَمْرو» لم يجز، وفي المرفوع يجوز، نحو: قَام وَزَيْدٌ عَمْرٌ، ويبعد في المنصوب لا يحسن رأيتُ وَزَيْداً عَمْراً، ولم يُجِزْهُ في المخفوض أحدٌ. قال شهاب الدين: وظاهر كلامه أنهن يجوز في المرفوع منعه، وقد نصوا أنه لا يجوز إلا ضرورة بثلاثة شروط: أن لا يقع حرف العطف صدراً، وأن يكون العامل متصرفاً، وأن لا يكون المعطوف عليه مجروراً وأنشدوا: 4349 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللهِ السَّلاَمُ إلى غير ذلك من الشواهد مع تنصيصهم على أنه مختص بالضرورة. و «السَّلاَسِلُ» معروفة، قال الراغب: «وتَسَلْسَلَ الشيءُ اضطرب كأنه تُصُوِّر منه تسلسلٌ متردد فتردد لفظه تنبيهاً على تردد معناه. وماء سلسل متردد في مقره» . والسَّحْبُ: الجر بمعنف، والسَّحابُ من ذلك لأن الريح تَجُرُّوهُ، أو لأنه يجر الماء، وسجرت التَّنُّورَ أي ملأته ناراً وهيجتها، ومنه البحر المسجور، أي المملوء، وقيل: المضطرب ناراً، وقال الشاعر (رحمة الله عليه) : 4350 - إِذَا شَاءَ طَالَعَ مَسْجُورةً ... تَرَى حَوْلَهَا النَّبْعَ والشَّوْحَطَا فمعشنى قوله تعالى هنا: ﴿ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ أي يوقد بهم، كقوله تعالى: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: 6] والسَّجِيرةُ: الخليلُ الذي يَسْجُرُ في مَوَدَّة خليله، كقولهم: فُلاَنٌ يَحْتَرِقُ فِي مَوَدَّةِ فُلاَنٍ. فصل هذه كيفية عقابهم، والمعنى أنه يكون في أعناقهم أغلال وسلاسل ثم يسحبون بتلك السلاسل في الماء المُسَخَّنِ بنار جهنم، ثم تُوقَدُ بهم النار ﴿قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله﴾ يعني الأصنام ﴿قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا﴾ أي فقدناهم وغابوا عن عيوننا فلا نراهم، ثم قالوا: ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ أنكروا، كقولهم في سورة الأنعام: ﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] وقيل: معناه لم نكن ندعو من قبل شيئاً يضر وينفع. وقال الحسين بن الفضل: أي لم نكن نصنع من قبل شيئاً أي ضاعت عبادتنا لها كما يقول من ضاع عمله: «ما كنت أعمل شَيْئاً» . ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله الكافرين﴾ قال القاضي: معناه أنه يُضِلُّهم عن طريق الجنة، ولا يجوز أن يقال: بضلهم عن الحجة، وقد هداهم في الدنيا، وقال ﴿يُضِلُّ الله الكافرين﴾ مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم عن آلهتهم حتى أنهم لو نطلبوا الآلهة، أو طلبتهم الآلهة لم يجد أحدهما الآخر. قوله تعالى: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ أي ذلكم العذابُ الذي نزل بكم ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ﴾ تَبْطُرون وتَأشِرُنَ ﴿فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تفرحون وتختالون. وقيل: تفرحون من باب التجنيس المحرف، وهو أن يقع الفرق بين اللفظين بحرف. قوله: ﴿ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ أي السبعة المقسومة لكم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ المخصوص بالذم محذوف؛ أي جهنمُ أو مَثْوَاكُمْ، ولم يقل: فبئس مدخل؛ لأن الدخول لا يدوم وإنما يدوم الثّواء، فلذلك خصه بالذم، وإن كان أيضاً مذموماً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.