الباحث القرآني

قوله: ﴿والذين يُحَآجُّونَ﴾ (مبتدأ، و «حجتهم» ) مبتدأ ثانٍ و (داحضة) خبر الثاني، والثاني وخبره خبر الأول. وأعرب مكيٌّ: حجتهم بدلاً من الموصول بدل اشتمال والهاء في «لَهُ» تعود على الله تعالى، أو على الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام أي من بعد ما استجاب الناس لله أو من بعد ما استجاب الله لرسوله حين دعا على قومه. وقال ابن الخطيب: يعود على «الدين» أي من بعد ما استجاب النَّاس لذلك الدين. فصل المعنى والذين يخاصمون في دين الله نبيَّه. وقال قتادة: هم اليهود، قالوا كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم، فنحن خيرٌ منكم، فهذه خصومتهم من بعد ما استجاب له الناس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته «حجتهم داحِضةٌ» خصومتهم باطلة «عِنْدَ رَبِّهِمْ» قال ابن الخطيب: تلك المخاصمة هي أن اليهود قالوا: ألستم تقولون إن الأخذ بالمتفق عليه أولى بالأخذ من المختلف فيه فنبوة موسى عليه الصَّلاة والسَّلام وحقيقة التوراة معلومة بالاتفاق، ونبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ليست متفقاً عليها فوجب الأخذ باليهودية، فبين تعالى فساد هذه الحجة، وذلك لأن اليهود أجمعوا على أنه إنما وةجب الإيمان بموسى عليه الصَّلاة والسَّلام لأجل ظهور المعجزات على قوله وهاهنا نظهرت المعجزات على وفق قول محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، واليهود شاهدوا تلك المعجزات، فإن كان ظهور المعجزة يدل على الصدق فهاهنا يجب الاعتراف بنبوة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وإن كان لا يدل على الصدق وجب في حق موسى أن لا يقروا بنوته بظهور المعجزات؛ لأنه يكون متناقضاً، ولما قرر (الله تعالى) هذه الدلائل خوف المنكرين بعذاب القيامة فقال: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. قوله تعالى: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾ قال قتادة ومجاهد ومقاتل: سمي العدل ميزاناً؛ لأن الميزان آلة للإنصاف والتسوية. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) أمر الله تعالى بالوفاء ونهى عن البخس. ومعنى الآية أنه تعالى أنزل الكتاب المشتمل على الدلائل والبيِّناتم وأنزل الميزان وهو الفصل الذي هو القسطاس المستقيم وأنهم لا يعلمون أن القيامة حق يفاجئهم، ومتى كان الأمر كذلك وجب على العاقل أن يجتهد في النظر والاستدلال، ويترك طريقة أهل الجهل والتقليد. ولما كان الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يهددهم يوم القيامة ولم يروا لذلك أثراً قالوا على سبيل السخرية متى تقوم الساعة؟ وليتها قامت حتى يظهر لنا الحقّ أهو الذي نحن عليه أم الذي عليه محمد وأصحابه؟! . قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ إنما ذكر «قريب» وإن كان صفة لمؤنث لأن الساعة في معنى الوقت أو البعث أو على معنى النَّسب أي ذات قُرْبٍ، أوعلى حذفق مضاف، أي مجيء الساعة. وقيل للفرق بينها وبين قاربة النسب. وقيل: لأن تأنيثها مجازي نقله مكي. وليس بشيء، إذ لا يجوز: الشمسُ طالعٌ، ولا القِدْرُ فائِرٌ، وجملة الترجي أو الإشفاق معلِّقة للدراية. وتقدم مثله آخر الأنبياء. فصل قال مقاتل: ذكر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا مستهزءين: متى تكون الساعة؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ ظناً منهم أنهم غير آتية ﴿والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾ أي أنها آتية لا ريب فيها، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ﴾ يخاصمون. وقيل: يدخلهم المرية والشك في «وُقُوع الساعة» لفي ضلالٍ بعيدٍ؛ لأن استيفاء حقِّ المظلوم من الظالم واجب في العدل فلو لم تحصل القيامة لزم إسناد الظلم إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وهذا من أمحل المحالات، فلا جرم كان إنكار القيامة ضلالاً بعيداً. قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : حفيٌّ بهم. وقال عكرمة: بارٌّ بهم. وقال السديّ: رفيق بهم. وقال مقاتل: لطيف بالبر والفاجر حيث لم يهلكهم جوعاً بمعاصيهم بدليل قوله: ﴿بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافرٍ وذي روحٍ فهو ممَّن يشاءُ الله أن يرزقه. قال جعفر الصادق: اللطيف في الرزق من وجهين: أحدهما: أنه جعل رزقك من الطيبات. الثاني: أنه لم يدفعه إليك مرة واحدة. و «هو القوي» القادر على ما يشاء «العزيز» الذي لا يغالب. فصل إنما حسن ذكر هذا الكلام هاهنا؛ لأنه أنزل عليهم الكتاب المشتمل على هذه الدلائل اللطيفة، فكان ذلك من لطف الله (تعالى) بعباده، وأيضاً فالمتفرقون استوجبوا العذاب الشديد. ثم إنه تعالى آخر عنهم ذلك العذاب فكان ذلك أيضاً من لطف الله تعالى، فلما سبق ذكر إيصال أعظم المنافع إليهم (و) دفع أعظم المضارِّ عنهم لا جرم حسن ذكره هاهنا. قوله: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ... ﴾ الآية الحرث في اللغة الكسب، أي من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في حرثه بالتضعييف بالواحد عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. قال مقاتل. وقيل: معناه إنا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبيل الخيرات والطاعات عليه. وقال الزمخشري: إنه تعالى سمَّى ما يعمله العامل مما يطلب به الفائدة حرثاً على سبيل المجاز. واعلم أنه قد تقدم أن كون الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً مجزوماً لا يختص مجيئه بكان خلافاً لأبي الحكم مصنِّف كتاب الإعراب فإنه قال: لا يجوز ذلك إلا مع «كان» إلا في ضرورة شعر. وأطلق النحويون جواز ذلك وأنشدوا بيت الفرزدق: 4378 - دَسَّتْ رَسُولاً بِأَنَّ القَوْمَ إنْ قَدَرُوا ... عَلَيْكَ يَشْفُوا صُدُوراً ذَاتِ تَوْغِيرِ وقوله أيضاً: 4379 - تَعَشَّ فَإِنْ عَاهَدْتَني لاَ تَخُونِنِي ... نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ وقرأ ابن مقسم والزَّعفرانيُّ ومحبوب: يزد ويؤته بالياء من تحت، أي الله تعالى. وقرأ سلام يؤته بضم هاء الكناية وهو الأصل، وهو لغة الحجاز وتقدم خلاف القراء في ذلك. فصل قال قتادة: معنى قوله: ومن كان يريد (حَرْثَ) الدنيا أي يريد جملة حرث الدُّنيا نؤته منها أي نؤته بقدر ما قسم له كما قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ [الإسراء: 18] وما له في الآخرة من نصيب؛ لأنه لم يعمل للآخرة قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «بَشِّرْ هَذِهِ الأمَّة بالسناء والرِّفْعَةِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الآخِرَةِ للدُّنْيَا لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ» واعلم أنه تعالى قال في طلب الآخرة (إنه) يزيد له في حرثه ولم يذكر أنه يعطيه الدنيا أم لا بل سكت عنه نفياً وإثباتاً. وأما الطالب الدنيا فبين أنه لا يعطيه شيئاً من نصيب الآخرة على التنصيص، وهذا يدل على التفاوت العظيم كأنه يقول: الآخرة أصلٌ والدنيا تبعٌ فواجد الأصل يكون واجداً للتَّبع بقدر الحاجة، إلا أنه لم يذكر ذلك تنبيهاً على أن الدّنيا أحسن من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة. وأيضاً بين أن طالب الآخرة يزاد في مطلوبه وطالب الدنيا يعطى بعض مطلوبه ولا يحصل له في الآخرة من نصيب البتة فبين أن طالب الآخرة يكون حاله أبداً في التزايد، وأن طالب الدنيا يكون حاله في النقصان والبطلان في الآخرة، وذلك يدل على تفضيل طلب الآخرة. وأيضاً فإنه تعالى بين أن منافع الآخرة ومنافع الدنيا ليست حاضرة ناجزةً، بل لا بدَّ فيهما من الحرث والحرث لا يتأتى إلا بتحمل المشاق (في البذر ثم التسقية والتنمية ثم الحصد ثم التنقية فلما سمى الله كلا القسمين حرثاً علمنا أن كل واحد منهما لا يحصل) والمتاعب. ثم بين أنَّ مصير الآخرة إلى الزيادة والكمال وأن مصير الدنيا إلى النُّقصان والعناء، فكأنه قيل: إذا كان لا بد في القسمين من متاعب الحراثة من التبقية والتنمية والحصد والتَّنْقِية فصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التزايد الباقي أولى من صرفها إلى ما يكون في التناقص والانقضاء. فصل قال ابن الخطيب: فإن قيل: ظاهر اللفظ يدل على أن من صلَّى لأجل طلب الثواب أو لأجل دفع العقاب فإنه تصح صلاته، وأجمعوا على أنها لا تصح. فالجواب: أنه تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ ، والحرث لا يَتَأَتَّى إلا بإلقاء البذر الصَّحيح في الأرض، والبذر الصحيح الجامع للخيرات والسعادات ليس إلا عبودية الله سبحانه وتعالى. فصل إذا توضأ بغير نية، لم يصح، لأنه لم يرد حرث الآخرة، وذلك لا يحصل بالوضوء العاري عن النية. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين ... ﴾ الآية. لما بين القانون الأعظم في أعمال الآخرة والدنيا أردفه بيان ماهو الأصل في باب الضَّلالة والسعادة فقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ﴾ ومعنى الهمزة في «أم» التقرير والتقريبع. والضمير في «شَرَعوا» يجوز أن يكون عائداً على «الشركاء» ، والضمير في «لهم» على الكفار، ويجوز العكس؛ لأنهم جعلوا لهم أنصباء، والمعنى شركاؤهم أي شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك وإنكار البعث، والعمل للدنيا. وقيل: شركاؤهم أوثانهم، وإنما أضيفت إليهم؛ لأنهم هم الذي اتَّخذوها شركاء لله. ولما كانت سبباً لضلالتهم جعلت شارعة لدين ضلالتهم لهم كما قال إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ [إبراهيم: 36] . قال المفسريون: يعني كفار مكة أأي لهم آلهة سنوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) شرعوا لهم ديناً غير دين الإسلام. قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل﴾ أي لولا القضاء السابق بتأخير الحزاء أو لولا الوعد بأن الفصل يكون بينهم يوم القيامة «لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ» أي بين الكافرين والمؤمنين، أو بين المشركين وشركائهم. قوله: «وإنَّ الظَّالِمِينَ» العامة بكسر «إن» على الاستئناف ومسلم بن بجنوب والإعرج بفتحها عطفاً على كلمة الفصل. وفصل بين المتعاطفين بجواب «لولا» ، تقديره: ولولا كلمة واستقرار الظالمين في العذاب لَقَضِي بينهم في الدنيا. وهو نظير قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ [طه: 129] . ثم إنه تعالى ذكر أحوال أهل العقاب وأحوال أهل الثواب. أما الأول فهو قوله: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ﴾ أي ترى المشركين يوم القيامة خائفين وجَِلِينَ «مِمَّا كَسَبُوا» من السيئات، ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أي جزاء كسبهم واقع سواء أشفقوا أو لم يشفقوا. وأم الثاني وهو أحوال أهل الثواب فهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾ قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين واو «رَوْضَات» ، ولغة هذيل فتح الواو إجراء لها مُجْرَى الصحيح نحو: جَفَنَات. ولم يقرأ أحد فيما علمناه بلغتهم. قال شهاب الدين: إن عنى لم يقرأ أحد بلغتهم في هذا الباب من حيث هو فليس كذلك؛ لما تقدم في سورة النور أن الأعمش قرأ: «ثَلاَثُ عَوَرَاتٍ» بفتح الواو وإن عَنَى أنه لم يقرأ في روضات بخصوصها فقريب، لكن ليس هو ظاهر عادته. فصل اعلم أن روضة الجنة أطيب بقعةٍ فيها، وفيه تنبيه على أن الفسَّاق من أهل الصلاة كلهم من أهل الجنة؛ لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنَّات، وهي البقاع الشَّريفة كالبقاع التي دون تلك الروضات، لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كانوا دونن الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ثم قال: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا يدل على أن تلك الأشياء حاضرة عنده مهيَّأة. والعندية مجاز و «عِنْدَ رَبِّهِمْ» يجوز أن يكون ظرفاً «لِيَشَاءُونَ» . قاله الحوفي، أو للاستقرار العامل في «لهم» قال الزمخشري. ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ وهذا يدل على أنَّ الجزاء المرتب على العمل إنما حصل بطريق الفضل من الله تعالى لا بطريق الوجوب والاستحقاق. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ﴾ كقوله: «كالَّذِي خَاضُوا» . وقد تقدم تحقيقه. وتقدمت القراءات في يُبَشِّرُ. وقرأ مجاهدٌ وحُمَيْدُ بنُ قَيْسٍ: يُبْشِرُ بضم الياء وسكون الباء وكسر الشين من أَبْشَرَ منقولاً من بَشِرَ بالكسر لا من بَشَرَ بالفتح؛ لأنه متعدٍّ والتشديد في «بشر» للتكثير لا للتعدية، لأنه متعد بدونها. ونقل أبو حيان قراءة يَبْشُرُ بفتح الياء وضم الشين عن حمزة والكسائي (أي) من السَّبعة، ولم يذكر غيرهما من السبعة، وقد وافقهما على ذلك ابن كثير وأبو عمرو. و «ذلك» مبتدأ، والموصول بعده خبره، وعائده محذوف على التدريج المذكور كقوله «كالَّذِي خَاضُوا» أي يُبَشِّرُ بِهِ، ثم يُبَشِّرُهُ على الاتساع. وأما على رأي يونُس فلا يحتاج إلى عائد؛ لأنها عنده مصدرية وهو قول الفراء أيضاً، أي ذلك تبشير الله عباده. وذلك إشارة إلى ما أعده الله تعالى لهم من الكرامة. وقال الزمخشري: أو ذلك التبشير الذي يبشِّره الله عباده. قال أبو حيان: وليس بظاهر؛ إذ لم يتقدم في هذه السورة لفظ البشرى ولا ما يدل عليها من «بَشَّر» أو شبهه. فصل هذه الآيات دالة على تعظيم حال الثواب من وجوه: الأول: أن الملك الذي هو أعظم الموجودات وأكرمهم إذا رتب على أعمال شاقة جزاءً، دل ذلك على أن ذلك الجزاء قد بلغ إلى حيث لا يعلم كُنْهَهُ إلاَّ الله تعالى. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ﴾ يدخل في باب غير المتناهي؛ لأنه لا درجة إلا والإنسان يريد ما هو أعلى منها. الثالث: أنه تعالى قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ والذي يحكم بكبره من له الكبرياء والعظمة على الإطلاق يكون في غاية الكبر. واعلم أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ هذا الكتاب الشريف، وأودع فيه أقسام الدلائل والتكاليف ورتبه على لطاعة والثواب وأمره بتبليغه إلى الأمة أمره بأن يقول إني لا أطلب منكم بسبب هذا التبليغ نفعاً حاضراً فقال: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ . في الاستثناء قولان: أحدهما: أنه منقطع؛ إذ ليست المودة من جنس الأجر. والثاني: أنه متصل، أي لا أسألكم عليه أجراً إلا هذا وهو أن تودُّوا أهل قرابتي ولم يكن هذا أجراً في الحقيقة؛ لأن قرابتهم وكانت صلتهم لازمةً لهم في المودة. قاله الزمخشري. وقال أيضاً: فإن قلت: هلا قيل: إلاَّ مودَّة القربى، أو إلا المودة للقربى؟! قلت: جعلوا مكاناً للمودة ومقراً لها، كقولك: في آل فلان مودة وليست «في» صلة المودة، كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف فتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتةً في القربى ومتمكنةً فيها. وقال أبو البقاء: وقيل: متصل، أي لا أسألكم شيئاً إلا المودة. قال شهاب الدين: وفي تأويله متصلاً بما ذكر نظر؛ لمجيئه بشيء الذي هو عام، وما من استثناء منقطع إلا ويمكن تأويله بما ذكر، ألا ترى إلى قولك: ما جاءني أحدٌ إلا حمار، أنه يصح ما جاءني شيء إلا حماراً. وقرأ زيد بن عليٍّ: «مودة» بدون ألفٍ ولامٍ. فصل في الآية ثلاثة أقوال: الاول: قال الشَّعبيُّ: أكثر الناس علينا في هذه الآية فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك، فكتب أبن عباس أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كاتن وسط النسب من قريش ليس بطنٌ من بطونهم إلا قد ولده، وكان له فيهم قرابةٌ، فقال الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ على ما أدعوكم إليه إلا أن تؤثروني لقرابتي أي تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة، والمعنى أنكم قومي وأحق من أجابني وأطاعني، فإذا قد أبيتم ذلك فاحفظوا حق القربى وصلوا رحمي، ولا تؤذوني. وإلى هذا ذهب مجاهد وقتادة وعكرمة ومقاتل والسدي والضَّحَّاك. الثاني: روى الكلبي عن ابن عباس، قال: إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قدم المدينة كانت تَنُوبهُ نوائب وحقوق، وليس في يده سعةٌ لقالت (الأنصار) : إن هذا الرجل هداكم هو ابن أخيكم، وأجاركم من بلدكم، فاجمعةوا له طائفة من أموالكم، ففعلوا ثم أتوه بها، فردها عليهم ونزل قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي على الإيمان (إلا) أن لا تؤذوا أقاربي وعشيرتي، وتحفظوني فيهم، قاله سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب. الثالث: قال الحسن: معناه إلا أن تَوَدُّوا الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح، ورواه ابن أبي نُجَيْحٍ عن مجاهد. فالقربى على القول الأول بالقرابة التي بمعنى الرَّحِم، وعلى الثاني بمعنى الأقارب، وعلى الثالث فُعْلَى من القُرْبِ والتَّقْرِيب. فإن قيل: طلب الأجر على تبليغ الوحي لا يجوز لوجوه: أحدها: أنه تعالى حكى عن أكثر الأنبياء التصريح بنفي طلب الأجر، فقال في قصة نوح عليه الصَّلاة والسَّلام ﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعرا: 109] . . الآية وكذا في قصة هود وصالح ولوط وشعيب عليه الصَّلاة والسَّلام ورسلونا أفضل الأنبياء فَبِأَنْ لا يطلب الأجر على النبوة والرسالة أولى. وثانيها: أنه عليه الصَّلاة والسَّلام صرَّح بنفي طلب الأجر فقال: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾ [ص: 86] وقال: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47] . . الآية وطلب الأجر على أداء الواجب لا يليق بأقل الناس فضلاً عن أعلم العلماء. ورابعها: أن النبوة أفضل من الحممة، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ [البقرة: 269] ووصف الدينا بأنها متاع قليل فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ [النسا: 77] فكيف يحين بالعاقل مقابلة أشرف الأنبيثاء بأخس الأشيءا؟! وخامسها: أن طلب الأجر يوجب التهمة، وذلك ينافي القطع بصحة النبوة. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز من النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يطلب أجراً ألبتة على التبليغ والرسالة، وهاهنا قد ذكر ما يجري مَجْرَى طلب الأجر وهو المودة في القربى (هذا تقرير السؤال) . فالجواب: أنه لا نزاع في أنه لا يجوز طلب الأجر على التبليغ، وأما قوله: إلا المودة في القربى فالجواب عنه من وجهين: الأول: أنه هذا من باب قوله: 4380 - وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ يعني أنا لا أطلب منكم إلا هذا. وهذا في الحقيقة ليس أجراً؛ لأن حصول المودة بين المسلمين أمر واجب، قال تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ [التوبة: 71] ، وقال، عليه الصَّلاة والسَّلام: «المُؤْمِنُونَ كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً» والآيات الأخبار في هذا كثيرة. وإذا كان حصول المودة بين المسلمين واجب فحصولها في احق أششرف المسلمِين أولى، فقوله: ﴿إلا المودة في القربى﴾ تقديره والمودة ف يالقربى ليست أجراً، فرَجَعَ الحاصل إلى أنه لا أجر ألبتة. الثاني: إن هذا استثناء منقطع، وتم الكلام عند قوله: ﴿لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ثم قال: ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ أي أذكركم قرابتي منكم فكأنه في اللفظ أجر وليس بأجر. فصل اختلفوا في قرابته، فقيل: هم فاطمة وعلى وأبناؤهما، وفيهم نزل: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [الأحزاب: 33] . وروى زيد بن أرقم عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه قال: «إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كتابَ اللهِ تَعَالَى وَأَهْلَ بَيْتِي وَأُذَكِّرُكُم الله في أَهْلِ بَيْتِي» قيل لزيد بن أرقم: فمن أهل بيته؟ فقال: هم آلُ عليِّ وآل عَقِيل وآل جعفر، وآل عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وروى ابن عمر عن ابن بكر رضي الله تعالى عنه قال: أرقبوا محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أهل بيته. وقيل: هم الذي تحرم عليه الصدقة من أقاربه ويقسم فيه الخًمسُ هم بنو هاشم، وبنوا المطلب الذين لم يتفرقوا بجاهلية ولا إسلام. وقيل: هذه الآية منسوخة، وإليه ذهب الضحاك بن مُزاحم والحسين بن الفضل. قال البغوي وهذا قول (غير) مرضٍ؛ لأن مودة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وكف الأذى عنه ومودة أقاربه والتقرب إلى الله تعالى بالطاعة والعمل الصالح من فرائض الدين. قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ أي من يكتسب طاعة ﴿نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾ العامة على «نَزد» بالنون، وزيد بن علي وعبدُ الوارث عن أبي عمرو يَزِدْ بالياء من تحت، أي يزِد الله. والعامة «حُسْناً» بالتنوين مصدراً على «فُعْلٍ» نحو: شُكر وهو مفعول به، وعبد الوارث عن أبي عمرو حُسْنَى بألف التأنيث على وزن بُشْرَى، ورُجْعَى، وهنو مفعول به أيضاً. ويجوز أن يكون صفة كفُضْلَى، فيكون وصفاً لمحذوف أي خصْلَةً حُسْنَى. قيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه والظاهر العموم في أي حسنة كانت، إلا أنها لما ذكرت عقيب المودة في القُرْبَى دل ذلك على أن المقصود التأكيد في تلك المودَّةِ. ثُمَّ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ : للقليل (حتى يضاعفها) والشكر في حق الله تعالى مجاز، والمعنى أنه تعالى يُحْسِنُ للمطيعين في إيصال الثواب إليهم، وفي أن يزيدَ عليهم أنواعاً كثيرةً من التفضل. قوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ اعلم أن الكلام ابتداء من أول هذه السورة في تقرير أن هذا الكتاب إنما حصل بِوَحْي الله تعالى، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يوحي إلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ﴾ [الشورى: 3] واتصال الكلام في تقرير هذا المعنى وتعلق بعضه ببعض (حتى وصل) إلى هاهنا، ثم حكى هاهنا، شبهة القوم وهي قولهم: إن هذا ليس وحياً من الله تعالى فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ . قال الزمخشري: «أم» منقطعة ومعنى الهمزة للتوبيخ والمعنى: أيقع في قلوبهم ويجري على ألسنتهم أن ينسبوا مثله على الافتراء على الله سبحانه وتعالى الذي هو أقبح الأنواع وأفحشها، ثم أجاب عنه بأن قال: ﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾ قال مجاهد: يربط على قلبك بالصبر حتى لا يشقَّ عليك أذاهم وقولهم: إنه مفتر كذابٌ، وقال قتادة: يعني يطبع على قبلك فينسيك القرآن وما آتاك فأخبرهم أنه لو افترى على الله كذباً لفعل به، وما أخبر في هذه الآية فإنه لا يجترىء على افتراء الكذب إلاّ من كان في هذه الحالة والمقصود من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد، ومثاله: أن ينسب رجل بعض الأمناء إلى الخيانة فيقول الأمين: لعل الله أعمى قَلْبي، وهو لا يريد إثبات الخِذلان ولا عَمَى القلب لنفسه وإنما يريد استبعاد صدق الله تعالى الخيانة عنه. قوله تعالى: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ هذا مستأنف غير داخل في جزاء الشرط؛ لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقاً، وسقطت الواو منه لفظاً لالتقاء السكانين في الدَّرج، وخطَّا حملاً للخطِّ على اللفظ كما كتبوا: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] عليه، ولكن ينبغي أن لا يجوز الوقف على هذه الآية لأنه إن وقف عليه بالأصل هو الواو خالفنا خط المصحف وإن وقف عليه بغيرها موافقاً للرسل خالفنا الأصل. وتقدَّم بحث مثل هذا. وقد منع مكيٌّ الوقف على نحو: ﴿وَمَن تَقِ السيئات﴾ [غافر: 9] . وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه والله يمح الباطل فهو في محل رفع، ولكن حذفت منه الواو في المصحف حملاً على اللفظ كما حذفت من قوله: ﴿وَيَدْعُ الإنسان﴾ [الإسراء: 11] ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ [العلق: 18] . فصل أخبر تعالى أن ما يقولونه باطل يمحوه الله «ويُحِقُّ الحَقَّ» أي الإسلام بكلماته، أي بما أنزل الله تعالى من كتاب، وقد فعل الله ذلك فمحى باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام «إنَّهُ عَلِيم» بما في صدرك وصدورهم، قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: لما نزلت ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ وقع في قلوب قوم منها شيء وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل فأخبره أنه اتهموه فأنزل الله هذه الآية فقال القوم يا رسول الله: (ف) إنا نشهد أنك صادف فنزل: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أولياءه وأهل طاعته. قال الزمخشري: يقال: قَبِلْتُ مِنْهُ الشيء وقَبِلْتُهُ عَنْهُ. فصل قيل: التوبة بترك المعاصي نية وفعلاً، والإقبال على الطاعة نيَّةً وفعلاً. وقال سهل ابن عبد الله: التوبة الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال الممدوحة. وقيل: الندم على الماضي والترك في الحال والعزم على أن لا يعود إليه في المستقبل روى جابر أن أعرابياً دخل مسجد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك، وكبَّر، فلما فرغ من صلاته قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: يا هذا إن سرعة اللسان بالاستغفار توبه الكذابين، فقال ياأمير المؤمنين (وما) التوبة؟ فقال: اسم يقع على ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفريضة الإعادى ورد المظالم وإدامة النفس في الطاعهة كما ربتيها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل ضحك ضحكته. قالت المعتزلة: يجب على الله قبول التوبة، وقال أهل السنة: لا يجب على الله تعالى، وكل ما يقبله فهو كرم وفضل، واحتجوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى تمدح بقبول التوبة، ولو كان ذلك القبول واجباً لما حصل المدح العظيم، ألا ترى أنه من مدح نفسه بأن لا يضرب الناس ظلماً كان ذلك مدحاً. قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ إما أن يكون المراد منه أن يعفو عن الكبائر بعد التوبة، مأو المراد أن يعفو عن الصغائر أو المراد: إن يعفو عن الكبائر قبل التوبة. والأول باطل وإلا صار قوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ عين قوله: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ والتكرار خلاف الأصل) . والثاني أيضاً باطل؛ لأن ذلك واجبٌ، وأداء الواجب لا يمدح به فبقي القسم الثالث فيكون المعنى أنه تارة يعفو بواسطة قبول التوبة، وتارة يعفو ابتداء من غير توبة. فصل روى أنس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْه) قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «للهُ أشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بأرْضٍ فَلاَةٍ فانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهضا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرةً فاضْطَجَعَ في ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنضا هُوَ كَذَلِكَ إذْ هُوَ بِهَا قَائِمةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخُطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ» أخطأ من شدَّة الفَرَحِ. قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ الأخوان وحَفْصٌ يَفْعَلُونَ بالياء من تحت؛ نظراً إلى قوله: «مِنْ عِبَادِهِ» وقال بعده: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ والباقون بالخطاب إقبالاً على اناس عامةً، وهو خطاب للمشركين. قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ يجوز أن يكون الموصول فاعلاً أي يجيبون ربهم إذا دعاهم كقوله تعالى: ﴿استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24] واستجاب كأجاب، ومنه قوله الشاعر: 4381 - وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ ويجوز أن تكون السين للطلب على بابها بمعنى ويستدعي المؤمنون الإجابة من ربهم بالأعمال الصالحة. ويجوز أن يكون الموصول مفعولاً به والفاعل مضمر يعود على الله بمعنى: ويُجيبُ الذينَ آمنوا اي دُعَاءَهُمْ. وقيل: ثَمَّ لام مقدرة أي ويستجيبُ الله لِلذِينَ آمنوا، (فحذفها، للعلم بها، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ﴾ [المطففين: 3] قال عطاء عن ابن عباس معناه: ويُثِيبُ الذين آمنوا) وعلموا الصالحات ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ سِوَى ثواب أعمالهم تفضلاً منه، وروى أبو صالح عه: يشفعهم ويزيدهم من فضله. (ثُمَّ) قال في أخونان إخوانهم: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ . قوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، قال خَبَّاب بن الأرتِّ: فينا نزلت هذه الآية، وذلك أنا نظرنا إلى أموال بني قُرَيْظَة والنَّضير وبني قَينقاعَ وتمنيناها فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ﴾ ، لطغوا في الأرض، قال ابن عباس ( رضي الله عهنما) : بغيهم طَلَب (هم) منزلةً بعد منزلة، ومركباً بعد مركب وملبساً بعد ملبس، ولكن ينزل أرزاقهم قدر ما شاء نظراً منه لعباده. (قرأ ابن كثير وأبو عمر يُنَّزِّلُ مشددة، والباقون مخففة) إنَّه بعباده خبيرٌ بصيرٌ. روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله علهي وسلم عن جبريل عن الله عَزَّ وَجَلَّ في حديث طويل وفيه يقول الله عزَّ وجلَّ: «ما تَرَدَّدْتُ في شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي في قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي المُؤْمِن يَكْرَهُ المَوْتَ وأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ يَسْأَلُنِي البَابَ عَنِ العِبَادَةِ فأَكُفُّهُ عَنْهُ (أّنْ) لاَ يَدْخُلَهُ عُجْبٌ فيُفْسِدَهُ ذَلِكَ وَإنَّ مِنْ عِبَادِي المُؤْمِنِينَ لمَنْ لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمَانهُ إلاَّ الفَقْرُ ولو أَعْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنْ لاَ يًصْلِحُ إيمانَهُ إلاَّ الصِّحَّةُ، وَلَوْ أَسْقَمتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وإنَّ مِنْ عِبَادِي (المُؤْمِنِينَ) لمَنء لاَ يُصْلِحُ إيمَانَهُ إلاَّ السَّقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ وذّلِكَ أَنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ ِإنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ» . فصل وجه التعلق أنه تعالى لما قال في الآية الأولى إنه يجيب دعاء المؤمنين وَرَدَ عليه سؤالٌ وهو أن المؤمن قد يكون في شدة وبليَّةٍ وفَقْر ثم يدعو فلا يظهر أثر الإجابة فكيف الجمع بينه وبين قوله: ويستجيب الذين آمنوا؟ ﴿فأجاب تعالى عنه بقوله: {وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾ ، ولأقدموا على المعاصي، فلذلك وجب أن لا يعطيهم ما طلبوه، ويؤيده الحديث المتقدم. فصل قال الجبائِيُّ: هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة من وجهين: الأول: أنه تعالى لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض غير مراد، فعلمنا أنه تعالى لا يريد البَغْيَ في الأرض، وذلك يوجب فساد قول المجبرة. الثاني: أنه تعالى إنما لم يرد بسط الرزق؛ لأنه يفضي إلى المفسدة، فلما بين تعالى أنه لا يريد ما يفضي إلى المفسدة فبأن لا يكون مريداً للمفسدة كان أولى. وأجيب: بأن الميل إلى البغي والقسوة والقهر صفة حدثت بعد أن لم تكن، فلا بد لها من فاعل وفاعل هذه الأحوال إما البعد أو الله، والأول باطل؛ لأنه إنما يفعل هذه الأشياء لو مال طبعه إليه وعاد السؤال في أنه من المحدث لذلك الميل الثاني؟ ويلزم التسلسل، وأيضاً فالميل الشديد إلى الظلم والقسوة عيوبٌ ونقصاناتٌ، والعاقل لا يرضى بتحصيل موجبات النقصان لنفسه، ولما بطل هذا ثبت أن محدث هذا الميل والرغبة هو الله تعالى. ثم أوده الجبائي على نفسه سؤالاً: فإن قيل: أليس قد يبسط الرزق لبعض عباده مع أنه يبغي؟} . فأجاب عنه: بأن الذي يبسط الرزق إذا بغى كان المعلوم من حاله أنه يبغي على كل حال سواء أُعْطِيَ ذلك الرزق أو لم يُعْطَ. قال ابن الخطيب: هذا الجواب فاسد، ويدل عليه القرآن والعقل أما القرآن فقوله تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: 67] حكم مطابق لكن حصول الغنى سبب لحصول الطغيان وأم العقل فهو أن النفس إذا كانت مائلةً إلى الشر فمعحصول الغنى تميل إلى الشر أكثر، فثبت أن وجدان المال يوجب الطغيان. فصل في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوه: الأول: أن الله تعالى لو سوَّى في الرزق بين الكل لا متنع كون البعض محتاجاً إلى البعض، وذلك يوجب خراب العالم وتعطيل المصالح. الثاني: أن هذه الأية مختصة بالعرب. فإنه كلما اتسع رزقهم، ووجدوا من ماء المطر ما يرويهم ومن الكلأ والعشب ما يشبعهم، أقدموا على النهب والغارة. الثالث: أن الإنسان متكبر بالطبع، فإذا وجد الغنى والقدرة عاد إلى مقتضى خلقته الأصلية وهو التكبر وإذا وقع في شدة وبليَّة ومكروه انكسر وعاد إلى التواضع والطاعة. قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ أي املطر ﴿مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾ من بعد ما يئس الناسُ منه. وإنزال الغيب بعد القنوط أدعى إلى الشكر؛ لأن الفرح بحصول النعمة بعد البلية أتمُّ. قال الزمخشري: قرىء قنطوا، بفتح النون وكسرها. (فأما فتح النون فهي قراءة العامة، وأما كسرها فهي قراءة يحيى بن وثَّاب، والأعمش وهي لغة وعليها قراءة: ﴿يَقْنَطُ﴾ [الحجر: 56] ﴿لاَ تَقْنَطُواْ﴾ [الزمر: 53] بفتح النون في المتواتر. ولم يقرأ في الكسر في الماضي إلا شاذاً و «ما» مصدرية أي من بعد قُنُوطِهِمْ) . قال مقاتل: حبس الله المطر عن أهل مكة سبع سنين حين قنطوا، ثم أنزل الله المطر فذكرهم الله نعمه. قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يبسط مطره، كما قال: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57] وهو الولي الحميد. «الوَلِيُّ» : الذي يتولى عباده بإحاسنه «الحَميد» المحمود على ما يوصل إلى الخلق من الرحمة وقيل: «الولي» لأهل طاعته، «الحميد» عند خلقه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.