الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾ قرا نافعٌ وأبو عمرو «الجواري» بيا في الوصل. وأما الوقف فإثباتها على الأصل وحذفها للتخفيف، وهي السفن، وأحدثها جاريةٌ، وهي السائرة في البحر. فإن قيل: الصفة متى لم تكن خاصةً بموصوفها امتنع حذف الموصوف، لا تقول: مررت بماشٍ؛ لأن المَشْيَ عامٌّ، وتقول: مررت بمهندس وكاتبٍ، والجري ليس من الصفات الخاصة فما وجه ذلك؟ فالجواب: أن قوله: «في البحر» قرينة دالة على الموصوف، ويجوز أن تكون هذه صفة غالبة كالأبطح والأبرق، فوليت العوامل دون موصوفها. و «في البَحْرِ» متعلق «بالجواري» ، إذا لم يجر مجرى الجوامد، فإن جرى مجراه كان حالاً منه، وكذا قوله: «كالأَعْلاَمِ» وهي الجبال قالت الخَنْسَاءُ: 4383 - وَإِنَّ صَخْراً لتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نَارُ روي: أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ استنشد (ب) قصيدتها هذه، فلما وصل (الراوي) (إلى) هذا البيت قال: قَاتَلَهَا اللهُ مَا رَضِيَتْ تَشْبِيهَهُ بالجَبَلِ حَتَّى جَعَلتْ في رَأْسِهِ نَاراً. وقال مجاهد: الأعلام القصور، واحدها علم. وقال الخليل بن أحمد: كل شيءٍ مرتفع عند العرب فهو علم وسمع: هذه الجوار، وركبت الجوار، وفي الجوار، بالإعراب على الراء تناسياً للمحذوف، وتقدم هذا في قوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41] . فصل اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أمران: أحدهما: أن يستدل به على وجود الإله القادر الحكيم. الثاني: أن يعرف ما فيه من النِّعم العظيمة لله تعالى على العباد، وأما وجه الأول فإن هذه السفن العظيمة التي كالجبال تجري على وجه البحر عد هبوب الريح على أسرع الوجوه وعنند سكون الرياح (تقف) وقد تقدم في سورة النحل أن مُحَرِّك الرياح ومُسَكِّنَها هو الله (سبحانه و) تعالى؛ إذْ لا يقدر أحد من البشر على تحريكها ولا على تسكينها، وذلك يدل وجود الإله القادر مع أن تلك السفينة في غاية الثقل ومع ثقلها بقيت على وجه الماء أيضاً. وأما دلالتها على النعم العظيمة، وهو مافيها من المنافع فإنه تعالى خص كل جانب من الأرض بنوع من الأمتعة، فإذا نقل متاع هذا الجانب إلى الجانب الآخر في السفن وبالعكس حصلت المنافع العظيمة بالتجارة، فلهذه الأسباب ذكر الله تعالى حال هذه السفن. قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح﴾ التي تجري بها ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ﴾ قرأ أبو عمرو والجمهور بهمزة: «إنْ يَشَأْ» لأن السكون علامة الجزم، وورشٌ عن نافع بلا همز وقرأ ناقع «يُسْكِنِ الرِّيَاحَ» على الجمع والباقون «الريحَ» على التوحيد. وقوله: «فَيَظْللْنَ» العامة على فتح اللام التي هي عين الكملة وهو القياس؛ لأن الماضي بكسرها، تقول ظَلِلْتُ قائماً. وقرأ قتادة بكسرها وهو شاذ، نحو: حسب يحسب وأخواته وقد تقدمت آخر البقرة. وقال الزمخشري: قرىء بفتح اللام وكسرها من ظَلَّ يظل ويظل، نحو: ظَلّْ يَضَلَ ويَضِلُّ. قال أبو حيان: وليس كما ذكر؛ لأن يضَلُّ بفتح العين من ظَلِلْت بكسرها في الماضي ويَضِلّ بالكسر من ضَلَلْتُ بالفتح وكلاهما مقيس يعني أن كلاً منهما له أصلٌ يرجع إليه بخلاف «ظَلَّ» فإن ماضيه مكسور العين فقط. والنون أسمها، و «رَوَالكِدَ» خبرها ويجوز: أن يكون «ظل» هنا بمعنى صار؛ لأن المعنى ليس على وقت الظلول، وهو النهار فقط وهو نظير: أين باتت يده، من هذه الحيثية. والرُّكود والثُّبُوتُ الاستقرارُ قال: 4384 - وَقَدْ رَكَدَتْ وَسْطَ السَّمَاءِ نُجُومُهَا ... رُكُوداً بِوَادِي الرَّبْرَب المُتَفَرِّقِ والمعنى فيظللن رواكد أي ثوابت على ظهر البحر، لا تجري ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على بلا الله «شَكُورٍ» على نعمائه. قوله: أوْ يُوبِقْهُنَّ «عطف على» يُسْكِنْ «قال الزمخشري: لأن المعنى: إن يَشَأْ يُسْكِنْ فَيَرْكُدْنَ، أو يَعْصِفْهَا فَيَغْرقْنَ بِعَصْفِهَا، قال أبو حيان: ولا يتعين أن يكون التقدير: أو يعصفها فيغرقن لأن إهلاك السفن لا يتعين أن يكون بعصف الريح، بل قد يهلكها بقلع لوح أو خسفٍ. قال شهاب الدين: والزَّمخشريُّ لم يذكر أن ذلك متعين، وإنما ذكر شيئاً مناسباً؛ لأن قوله: يسكن الرياح يقابله» يعصفها «فهو في غاية الحسن والطِّباق. فصل معنى» يُبِقْهُنَّ «يُهْلِكْهُنَّ ويغرقهن» بِمَا كَسَبُوا «أي بما كسبت ركابها من الذنوب ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ من ذنوبهم فلا يعاقب عليها. يقال: أوْبَقَهُ أي أهلكه، كما يقال للمجرم: أوْبَقَتْهُ ذنوبه أي أهلكته. فإن قيل: ما معنى إدخال العفو في حكم الإيباق حيث جعل مجزوماً مثله؟ فالجواب: معناه إن يشأ يهلك ناساً ينج ناساً على طريق العفو عنهم، وأما من قرأ» ويعفو «فقد استأنف الكلام؟ والعامة على الجزم عطفاً على جواب الشرط. واستشكله القشيريُّ، وقال: لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكداً ويهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف:» وَيَعْفُ» على هذا لأن المعنى يصير: إن يشأ يعف، وليس المعنى على ذلك، بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة فهو عطف على المجزوم من حيث اللفظ لا من حيث المعنى. قال أبو حيان: وما قاله ليس يجيّد، إذ لم يفهم مدلول التركيب والمعنى إلا أنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم. وقرأ الأعمش: ويعفو بالواو. وهي تحتمل أن تكومن كالمجزوم، وثبتت الواو في الجزم كثبوت الياء في «مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ» . ويحتمل أن يكون الفعل مرفوعاً، أخبر الله تعالى أنه يعفو عن كثير من السَّيِّئات. وقرأ بعض أهل المدينة بالنصب بإضمار «أنْ» بعد الواو كنصبه في قول النابعة: شعراً: 4385 - فَإنْ يَهْلِكْ أَبُو قَابُوسَ يَهْلِكْ ... رَبِيعُ النَّاسِ والبَلَدُ الحَرَامُ وَنَأْخُذُ بَعْدَهُ بذنابِ عَيْشٍ ... أَجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ بنصب ونأخذ ورفعه وجزمه، وهذا كما ترى بالأوجه الثلاثة بعد الفاء في قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: 284] كما تقدم آخر البقرة ويكون قد عطف هذا المصدر المؤول من «أَنْ» المضمرة والفعل على مصدر متوهَّم من الفعل قبله تقديره: أو يقع إيباقٌ، وعفوٌ عن كثيرٍ. فقراءة النصب كقراءة الجزم في المعنى إلا أن في هذه عطف مصدر مؤول على مصدر متوهم وفي تيك عطفُ فعل على مثله. قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ قرأ نافع وابن عامر برفعه والباقون بنصبه. وقرىء: بجزمه أيضاً. فأما الرفع فواضح جداً، وهو يحتمل وجهين: الاستنئاف بجملة اسمية، فتقدر الفعل مبتدأ أي وهو يعلم الذين و «الذين» على الأول فاعل، وعلى الثاني مفعول. وأما قراءة النصب ففيها أوجه: « أحدها: قال الزجاج: على الصرف قال: ومعنى الصرف صرف العطف عن اللفظ إلى العطف على المعنى قال: وذلك أنه لم يحسن عطف» ويعلم «مجزوماً على ما قبله؛ إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار» أن «ليكون من الفعل في تأويل اسم. وقال البغوي: قرىء بالنصب على الصَّرف والجزم إذا صرف عنه معطوفه نصب كقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ [آل عمران: 142] نقل من حال الجزم إلى النصب استخفافاً وكراهية توالي الجزم. الثاني: قول الكوفيون: إنه منصوب بواو الصرف يعنون أن الواو نفسها هي الناصبة، لا بإضمار» أنْ «وتقدم معنى الصَّرف. الثالث: قال الفارسي ونقله الزمخشري عن الزجاج إن النصب على إضمار «إنْ» ؛ لأن قبلها جزاءً تقول: ما تصنع أصنع، وأكرمك وإن شئت: وأكرمك على: وأنا أكرمك، وإن شئت: وأكرمك جزماً. قال الزمخشري: وفيه نظر؛ لما أورده سيبويه في كتابه قال: واعلم أنَّ النَّصب بالواو والفاء في قوله: إن تَأْتِنِي آتِكَ، وأُعطِيكَ ضعيفٌ، وهو نحو من قوله: 4386 - ... ... ... ... ... ... ... . ... وَأَلْحَقَ بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا فهذا (لا) يجوز، لأنه ليس بحَدِّ الكلام ولا وجه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلاً؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل إلا أن يكون من الأول فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالا ستفهام ونحوه أجازوا فيه هذا على ضعفه. قال الزمخشري: ولا يجوز أن تحصل القراءة المستفيضة على وجةٍ ليس بحدِّ الكلام ولا وجهه، ولو ك انت من هذا الباب لما أخلى سيبويه منها كتابه. وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة. الرابع: أن ينتصب عطفاً على تعليل محذوف تقديره: لينتقم منهم ويعلم الذين ونحوه في العطف على التعليل المحذوف غير عزيز في القرآن ومنه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ [مريم: 21] ﴿وَخَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى﴾ [الجاثية: 22] قاله الزمخشري. قال أبو حيان: ويبعد تقديره: لينتقم منهم لأنه مرتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم فلا يحسن «لينتقم منهم» وأما الآتيان فيمكن أن تكونت اللام متعلقةً بفعل محذوف تقديره «وَلِنجْعَلَهُ آيَةً فَعَلنَ ذلك، ولتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ فَعَلْنَا ذَلِكَ» وهو كثيراً (ما) يقدر هذا الفعل مع هذه اللام إذا لم يكن فعل يتعلق به. وقال شهاب الدين: بل يحسن تقدير: لينتقم؛ لأنه يعود في المعنى على إهلاك قوم المترتب على الشرط. وأما الجزم فقال الزمخشري: فإن قلت كيف يصح المعنى على جزم «وَيَعْلَمْ» ؟! قلت: كأنه قيل: أو إن يشأ يجمع بين ثلاثة أمور إهلاك قوم ونجاة قوم وتحذير آخرين. وإذا قرىء بالجزم فيكسر الميم لالتقاء الساكنين. وقوله: ﴿مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾ في محل نصب، بسدها مسدَّ مفعولي العلم. فصل المعنى وليعلم الذين يجادلون أي يكذبون بالقرآن إذا صاروا إلى الله عزّ وجلّ بعد البعث لا مهرب لهم من عذاب الله، كما أنه لا مخلص لهم إذا وُقصت السفن وإذا عصفت الرياح، ويكون ذلك سبباً لا عترافهم بأن الإله النافع الضار ليس إلا الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.