الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ الكلام في اللام كما تقدم: فإن جعلناها شريطة فإن جواب القسم المقدر، وحذف الشرط للدلالة عليه، وإن كانت موصولة، كان قوله: «إنَّ ذَلِكَ» هو الخبر. وجوز الحوفي وغيره أن تكون «مَنْ» شرطية و «إنَّ ذَلِكَ» جوابها على حذف الفاء على حدِّ حذفا في قوله: 4378 - مَنْ يَفْعَل الحَسَنَات ... ..... ... ... ... ... ... ... . . وفي الرابط قولان: أحدهما: هو اسم الإشارة، إذا أريد به المبتدأ، ويكون حينئذ على حذف مضاف تقديره: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ . والثاني: أنه ضمير محذوف تقديره لمن عزم الأمور «منه أو له» . وقوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ عطف على قوله: «ولمن انْتَصَرَ» والجملة من قوله: «إنَّما السَّبِيلُ» اعتراض. فصل المعنى لمن صبر وغفر فلم يقتص وتجاوز، إن ذلك الصبر والتجاوز من عزم الأمور حقها وحزمها. قال مقاتل: من الأمور التي أمر الله بها. وقال الزجاج: الصابر يؤتى بصبره الثواب والرغبة في الثواب أتم عزماً. قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ﴾ أي فليس له ناصر يتولاه من بعد إضلال الله إياه، وليس له من يمنعه من عذاب الله، وهذا صريح في جواز أن الإضلال من الله وأن الهداية ليست في مقدور أحد سوى الله. قال القاضي: المراد: ومن يضلل الله عن الجنة لجنايته فما له من ولي من بعده ينصره. وأجيب بأن تقييد الإضلال بهذه الصور المعينة خلاف الدليل، وأيضاً فالله تعالى ما أضله عن الجنة في قولكم بل هو أضل نفسه عن الجنة. قوله: ﴿وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ يوم القيامة ﴿يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾ أي يطلبون الرجوع إلى الدنيا لعظم ما شاهدوا من العذاب. ثم ذكر حالهم عند عرض النار. قوله: «يُعْرَضُونَ» حال، لأن الرؤية بصرية، و «خَاشِعِينَ» حال والضمير في «عَلَيْهَا» يعود على النار لدلالة العذاب عليها. وقرأ طلحة: من الذِّلِّ بكسر الذال وقد تقدم الفرق بين الذَّل والذِّل و «مِنْ الذُّلِّ» يتعلق بخاشعين ِأي من أجل. وقيل: هو متعلق بينظرون. وقوله: «مِنْ طَرَفٍ» يجوز في «مِنْ» أن تكون لاتبداء الغاية، وأن تكون تبعيضية وأن تكون بمعنى الباء، والظرف قيل: يراد به العضو وقيل: يراد به المصدر يقال: طرفت عينه تطرف طرفاً أي ينظرون نظراً خفيًّا. فصل اعلم أنه ذكر حالهم عند عرضهم على النار، فقال: خاشعين أي خاضعين حقيرين بسبب ما لحقهم من الذل يسارقون النظر إلى النر خوفاً منها وذلة في أنفسهم، كما ينظر المقتول إلى السيف فلا يقدر أن يملأ عينيه منه، ولا يفتح عينه إنما ينظر ببعضها، وإذا كانت من بمعنى الباء أي بطرف خفي ضعيف من الذل. فإن قيل: إنه قال في صفة الكفار: إنهم يحشرون عمياً فكيف قال هاهنا إنهم ينظرون من طرفٍ خفي؟! فالجواب: لعلهم يكونون في الابتداء هاهنا ثم يصيرون عمياً، أو لعل هذا في قوم وذاك في قوم آخرين. وقيل: معنى ينظرون من طرفٍ خفيٍّ أي ينظرون إلى النار بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً والنظر بالقلب خفيّ. ولما وصف الله تعالى حال الكفار حكى ما يقوله المؤمنون فيهم فقال: ﴿وَقَالَ الذين آمنوا إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة﴾ وقيل: خسروا أنفسهم بأن صاروا إلى النار وأهليهم بأن صاروا لغيرهم إلى الجنة. وهذا القول يحتمل أن يكون واقعاً في الدنيا، وإما أن يقولوه يوم القيامة إذا رأوهم على تلك الصفة، ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾ أي دائم. قال القاضي: هذا يدل على أن الكافر والفاسق يدوم عذابهما والجواب: أنّ لفظ الظالم المطلق في القرآن مخصوص بالكافر قال تعالى: ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ [البقرة: 254] والذي يؤكد هذا قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ الله﴾ والمعنى أن الأصنام التي كانوا يعبدونها لتشفع لهم عند الله تعالى ما أتوا بتلك الشفاعة وهذا لا يليق إلا بالكافر. قوله: «يَنْصُرُونَهُمْ» صفة «لأولياء» ، فيجوز أن يحكم على موضعها بالجرِّ اعتباراً بلفظ موصوفها وبالرفع اعتباراً بمحلة، فإنه اسم لكان. وقوله: «مِنْ سَبِيلٍ» إما فاعل وإما مبتدأ، والمعنى فما له من سبيل إلى الحق في الدنيا والجنة في العُقْبَى وقد أفسد عليهم طريق الخير. قوله: ﴿وَقَالَ الذين آمنوا﴾ يجوز أن يكون ماضياً على حقيقته، ويكون «يَوْمَ القِيَامَةِ» معمولاً «لخَسِرُوا» ويجوز أن يكون بمعنى يقول فيكون يوم القيامة معمولاً له. قله تعالى: ﴿استجيبوا لِرَبِّكُمْ ... ﴾ الآيات. لما ذكر الوعد والوعيد ذكر بعده ما هو المقصود، فقال: ﴿استجيبوا لِرَبِّكُمْ﴾ أي أجيبوا داعي (ربكم) يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أي لا يقدر أحدٌ على دفعه. قوله: «مِنَ اللهِ» يجوز تعلقه بيأتي أي يأتي من الله يومٌ لا مرد له، وأن يتعلق بمحذوف يدل عليه «لاَ مَرَدَّ لَهُ» أي لا يرد ذلك اليوم ما حكم الله به فيه. وجوز الزمخشري أن يتعلق «بِلاَ مَرَدَّ» ، ورده أبو حيان: بأنه يكون معمولاً وكان ينبغي أن يعرب فينصب منوناً. واختلفوا في المراد بذلك اليوم، فقيل: هو ورود الموت. وقيل: يوم القيامة، قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون معنى قوله: لا مرد له «أي لا يقبل التقديم ولا التأخير، وأن يكون معناه أنه لا مرد فيه إلى حال التكليف حتى يحصل فيه التلاقي. ثم وصف اليوم فقال فيه: ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ﴾ تلجأون إليه يقع به المخلص من العذاب ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾ ينكر تغير ما بكم. ويجوز أن يكون المراد من النكير الإنكار، أي لا تقدرون أن تنكروا شيئاً مما اقترفتموه من الأعمال. قوله:» فَإنْ أَعْرَضُوا» عن الاستجابة ولم يقبلوا هذا الأمر ﴿فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ بأن تحفظ أعمالهم وتُحْصِيهَا ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ﴾ أي ما عليك إلا البلاغ، وذلك تسلية من الله تعالى له. ثم بين السبب في إصرارهم على الكفر فقال: {وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً} قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) يعني الغنى والصحة «فرح بها» . واعلم أن نعم الله وإن كانت في الدنيا عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادات الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلذلك سميت ذوقاً. فبين (الله) تعالى أن الإنسان إذا حصل له هذا القدر الحقير في الدنيا فرح به وعظم غروره، ووقع في العجب والكبر، ويظن أنه فاز بكل المنى، ووصل إلى أقصى السعادات، وهذه طريقة من ضعف اعتقاده في سعادات الآخرة. ثم إنه تعالى بين أنه متى أصابهم سيئة أي شيء يسوءهم في الحال كالمرض والفقر والقحط وغيرها فإنه يظهر الكفر وهو (معنى) قوله: ﴿فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾ ، والكفور: هو المبالغ في الكفران والمراد بقوله: كفور أي لما تقدم من نعمة الله عليه ينسى ويجحد باول شدة جميع ما سلف من النِّعم. وقوله: فإنَّ الإنسان من وقوع الظاهر موقع المضمر أي فإنه كفور. وقدر أبو البقاء: ضميراً محذوفاً فقال فإن الإنسان (منهم) ولما ذكر إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بعدها اتبع ذلك بقوله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ له التصرف فيهما بما يريد والمقصود منه أن لا يغتر الإنسان بما ملكه من المال والجاه بل إذا علم أن الكل ملك لله وملكه وإنما حصل له القدر إنعاماً من الله عليه فيصير ذلك حاملاً له على مزيد من الطاعة. ثم ذكر من أقسام تصرف الله تعالى في العالم أنه يخص البعض بالأولاد والإناث والبعض بالذكور والبعض بهما، والبعض بأن يجعله محروماً من الكل وهو المراد بقوله: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ . قوله: ﴿ذُكْرَاناً وَإِنَاثا﴾ حال وهي حال لازمة؟ وسوغ مجيئها كذلك أنها بعد ما يجوز أن يكون الأمر على خلافه، لأن معنى يزوجهم يقرنهم. قال الزمخشري: فإن قلت: لم قدم الإناث على الذكور مع تقديمهم عليهن ثم رجع فقدمهم؟ ﴿ولم عرف الذكور بعدما نكَّر الإناث؟﴾ . قلت: لأنه ذكر البلاء في آخر الآية الأولى، وكفران الإنسان بنسيانه الرحمة السابقة عنه، ثم عقبه بذكر ملكه ومشيئته وذكر قسمة الأولاد فقد الإناث؛ لأن سياق الكلام أنه فاعل ما يشاؤه لا ما يشاؤ الإنسان، فكان ذكر الإنثا اللاتي من جملة ما يشاؤه الإنسان أهم، والأهم واجب التقديم، وليليَ الجنس التي كانت العرب تعده بلاء (ذكر) البلاء، وآخر الذكور، فلما أخرهم تدارك تأخيرهم وهم أحقَّاء بالتقديم وبالتَّعريف، لأن تعريفهم فيه تنويه وتشهير، كأنه قال: ويهب لمن يشاء الفرسان الاعلام المذكورين الذين لا يخفون عليكم. ثم أعطى بعد ذلك كلا الجنسين حظه من التقديم والتأخير وعرف أن تقديمهن لم يكن لتقدمهن ولكن لمقتضى آخر فقال: «ذُكْرَاناً وإنَاثاً» (كَمَا قَالَ: إنَّا) ﴿خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى﴾ [الحجرات: 13] فجعل فيه ﴿الزوجين الذكر والأنثى﴾ . فصل قال ابن الخطيب: وفي الآية سؤالات: الأول: أنه قدم الإناث في الذكر على الذكور أولاً، ثم قدم الذكر على الإناث ثانياً فما السبب في هذا التقديم والتأخير؟ الثاني: أنه ينكّر الإناث وعرف الذكور وقال في الصِّنفين معاً ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ . الثالث: لما كان حصول الولد هبة من الله تعالى فيكفي في عدم حصوله أن لا يهب فأيّ حاجة في عدم حصوله إلى قوله: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ . الرابع: هل المراد بهذا الحكم جمع معيَّنون أو الحكم على الإنسان المطلق؟ والجواب على الأول: أن الكريم يسعى في أن يقع الحتم على الخير والراحة فإذا وهب الأنثى أولاً ثم أعطي الذكر بعده فكأنه نقله من الغم إلى الفرح، وهذا غاية الكرم، أما إذا أعطي الذكر أولاً ثم أعطي الأنثى ثانياً فكأنه نقله من الفرح إلى الغم، فذكر الله تعالى هبة الأنثى أولاً، ثم ثنَّى بهبة الذكر حتى يكون قد نقله من الغم إلى الفرح فيكون أليق بالكرم. قيل: من يُمْنِ المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذكر؛ لأن الله بدأ بالإناث وأما تقديم ذكر الذكور على الإناث ثانياً؛ لأن الذكر أكمل وأفضل من الأنثى، والأفضل مقدم على المفضول. وأما الجواب عن تنكير الإناث وتعريف الذكور فهو أن المقصود منه التبيه على أن الذكور أفضل من الأنثى وأما قوله: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً﴾ وهو أن كل شيئين يقرن أحدهما بالآخر، فهما زوجان وكل واحد منهما يقال له: زوج والكناية في «يُزَوِّجُهُمْ» عائدة على الإناث والذكور والمعنى يجعل الذكور والإناث أزواجاً أي يجمع له بينهما فيولد له الذكور والإناث. وأما الجواب عن قوله «عقيماً» فالعقيم هو الذي لا يلد ولا يولد له يقال: رَجُلٌ عَقِيمٌ، وامْرَأَةٌ عَقِيمٌ، وأصل العقم القطع ومنه قيل: الملك عقيمٌ، لأنه يقطع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. وأما الجواب عن الرابع فقال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : يَهبُ لمن يشاء إناثاً، يريد لوطاً وشعيباً لم يكن لهما إلا البنات، و ﴿وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور﴾ يريد: إبراهيم لم يكن له إلا الذكور، ﴿أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً﴾ يريد محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان له من البنين ثلاثة على الصحيح القاسم وعبد الله، وإبراهيم، ومن البنات إربع: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً﴾ يريد يحيى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام. وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس؛ لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأنبياء كيف شاء، فلا معنى للتخصيص. ثم إنه تعالى خت الآية بقوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ . قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) : عليم بما خلق قدير ما يشاء أن يخلقه. والله أعلم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.