الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف ... ﴾ الآية لما ذكر دلائل النبوة والتوحيد وكان أهل مكة بسبب استغراقهم في لذات الدنيا أعرضوا عنها ولم يلتفتوا إليها لهذا السبب قال تعالى في حقهم: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدنيا﴾ [الأحقاف: 20] فلما كان الأمر كذلك بين أن قوم عاد كانوا أكثر أموالاً وقوةً وجاهاً، ثم إن الله تعالى سلَّط عليهم العذاب بكفرهم وذكر قصتهم ليعتبر بها أهل مكة فيتركوا الاغترار بما وجدوه في الدنيا ويقبلوا على طلب الدين الحق فقال: «وَاذْكُرْ يا محمد لقومك أَخَا عَادٍ» أي هوداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ. قوله: ﴿إِذْ أَنذَرَ﴾ بدل من «أخا» بدل اشتمال وتقدم تحقيقه. وقوله ﴿بالأحقاف﴾ هي جمع حِقْفٍ وهو الرمل المستطيل المعوجُّ ومنه احْقَوْقَفَ الهِلاَلُ، قال امرؤ القيس: 4454 - فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وَانْتَحَى ... بِنَا بَطْنُ حقْفٍ ذِي حِقَافٍ عَقَنْقَلِ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) وادٍ بين عمان ومَهْرة. وقال مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت، بموضع يقال له: مَهْرَةَ إليها تنسب الإبل المَهْرِيَّة، وكانوا أهل عُمُد سيارة في الربيع فإذا العُود رَجَعُوا إلى منازلهم وكانوا من قبيلة إرَم، وقال قتادة: ذكر لنا أن عاداً كانوا حياً من اليمن كانوا أهل رمل مشرفين على البحر، بأرض يقال لها الشِّحْر. قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ﴾ يجوز أن يكون حالاً من الفاعل، أو من المفعول والرابط الواو، والنُّذُر جمع نَذِيرٍ ويجوز أن يكون معترضة بين «أَنْذَرَ» وبين «أَنْ لا تَعْبُدُوا» أي أنذرهم بأن لا. وقوله: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي مضت الرسل من قبل هود ومن خلفه أي بعده. (والمعنى أعلمهم أن الرسل الذي بعثوا قبله والذين يبعثون) بعده كلهم منذرون نحو إنذاره. فصل قال المفسرون: إن هُوداً عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ كان قد أنذرهم وقال: أن لا تعبدوا إلا الله إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم العذاب قالوا جئتنا لتأفكنا «أي لتصرفنا» عَنْ آلِهَتِنَا أي عن عِبَادَتِهَا، والإفْكُ الصَّرْفُ، يقالُ: أَفِكَهُ عَنْ رَأيهِ إذا صَرَفَهُ عنه. وقيل: المراد لتلفتنا بالكذب. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ من معاجلة العذاب على الكفر ﴿إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ في وعدك أن العذاب نازل بنا قال هود: إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وهو يعلم متى يأتيكم العذاب ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من الوحي والتحذير من العذاب، فأما العلم بوقته فما أوحاه إليَّ ﴿ولكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ وهذا يحتمل أ، المراد أنكم لا تعلمون أن الرسل لم يبعثوا مقترحين ولا سائلين عن غير ما أُذِنَ لهم فيه وإنما بعثوا مبلغين. ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون من حيث إنكم بَقِيتُم مُصرِّين على كفركم وجهلكم فيغلب على ظني أنه قرب الوقت الذي ينزل عليكم العذاب بسبب هذا الجهل المفرط والوقاحة التامة. ويحتمل أن يكون المراد قوماً تجهلون حيث تُصِرُّونَ على طلب العذاب وهب أنه لم يظهر لكم كوني صادقاً ولكن لم يظهر لكم أيضاً كوني كاذباً، فالإقدام على الطلب الشديد لهذا العذاب جهل عظيم. قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً﴾ في «هاء» «رَأَوْهُ» قولان: أحدهما: أنه عائد على «ما» في قوله «ما تَعِدُنا» . الثاني: أنه ضمير مبهم يفسره «عَارِضاً» إما تمييزاً، أو حالاً. قالهما الزمخشري. وردَّه أبو حيان بأن التمييز المفسِّر للضمير محصورٌ في باب رُبَّ، وفي نِعْمَ وبِئْسَ، وبأنَّ الحالَ لم يُعْهَد فيها أن توضع الضمير قبلها، وأن النَّحويِّين لا يعرفون ذلك. وذكر المبرد في الضمير ههنا قولين: الاول: ما تقدم. والثاني: أنه يعود إلى غير مذكور وبينه قوله:: «عارضاً» كقوله: ﴿مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [فاطر: 45] . ولم يذكر الأرض لكونها معلومة فكذا الضمير ههنا، عائد إلى السحاب، كأنه قيل: فلما رأَوا السَّحَابَ عارِضاً. وهذا اختيار الزجاج. ويكون من باب الإضمار لا على شريطة التفسير. والعارض السحابة التي ترى في ناحية السماء ثم تطبّق السماء. قال أهل اللغة: العَارِضُ المُعْتَرِضُ من السَّحَاب في الجوِّ، قال: 4455 - يَامَنْ رَأَى عَارِضاً أَرقْتُ لَهُ ... بَيْنَ ذِرَاعَيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ قوله: ﴿مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ صفة ل «عَارِضاً» ، وإضافة غير محضة فم ثَمَّ سَاغَ أن يكون نعتاً لنكرة وكذلك «مُمْطِرُنَا» وقع نعتاً «لِعَارِضٍ» ومثله: 4456 - يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كَانَ يَطْلُبُكُمْ ... لاَقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُمْ وَحِرْمَانَا وقد تقدم أن أوديةً جمع وادٍ، وأن أفْعِلَةً وردت جمعاً لفاعل في ألفاظ كَوَادٍ وأدْوِيَةٍ ونَادٍ وأنْدِيَةٍ، وحَائِزٍ وأَحْوِزَةٍ. فصل قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أيماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها استبشروا وقالوا: هذا عارض ممطرنا فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ من العذاب. ثم بين ماهيته فقال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ثم وصف تلك الريح فقال: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي تهلك كل شيء من الحيوان والناس بأم ربها. ومعناه أن هذا ليس من باب تأثيراتٍ الكواكب والقِرانَات بل هو أمر حدث ابتداءً بقدرة الله تعالى لأجل تَعْذِبكم. قوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ﴾ قرىء: «ما اسْتُعْجلْتُمْ» مبنياً للمفعول. وقوله: «ريحٌ» يجوز أن يكون خبر مبتدأ مضمر أي هُوَ رِيحٌ، ويجوز أن يكون بدلاً من «هِيَ» و «فِيهَا عَذَابٌ» صفة ل «رِيحٍ» وكذلك «تُدَمّر» . وقرىء: يَدْمُر كل شيء، بالياء من تحت مفتوحة، وسكون الدال، وضمّ الميم بالرفع على الفاعلية، أي تهلك كل شيء. وزيد بن علي كذلك إلا أنه بالتاء من فوق ونصب كل والفاعل ضمير الريح؛ وعلى هذا فيكون (دَمَرَ) الثلاثي لازماً ومتعدياً. قوله: ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ قرأ حمزة وعاصم لا يُرَى بضشم الياء من تحت مبْنيًّا للمفعول «مَسَاكِنُهُمْ» بالرفع لقيامه مقام الفاعل، والباقون من السبعة فتح تاء الخطاب مَسَاكِنَهُمْ بالنَّصب مفعولاً به. والجَحْدَرِيُّ والأعمشُ وابنُ أبي إسحاق والسُّلَمِيّ وأبو رجاء بضم التاء من فوق مبنياً للمفعول مَسَاكِنُهُمْ بالرفع لقيامه مقام الفاعل، إلا أن هذا عند الجمهور لا يجوز، أعني إذا كان الفاصل «إلا» فإنه يمتنع لحاق علامة التأنيث (في الفعل) إلاَّ في ضرورة كقوله (رَحِمَهُ اللهُ) : 4457 - كَأَنَّهُ جَمَلٌ وَهُمٌ وَمَا بَقِيَتْ ... إلاَّ النُّحَيْزَةُ وَالأَلْوَاحُ والْعُصُبُ وعيسى الهمداني: لا يُرَى بالياء من تحت مبنياً للمفعول مَسْكَنُهُمْ بالتوحيد. ونصرُ بنُ عاصم بتاء الخطاب مَسْكَنَهُمْ بالتوحيد أيضاً منصوباً. واجْتُزِىءَ بالوَاحِدِ عَن الْجَمْعِ. فصل روي أن الريح كانت تحمل الفُسْطَاطَ فَترْفَعُهَا في الجوِّ، وتحمل الظَّعِينَةَ حتى تُرَى كأنها جَرادَةٌ وقيل: إن أوّل من أبصر العذاب امرأة بينهم قالت: (رَأَيْتُ) ريحاً فيها كشُهب النار. وروي أن أول ما عرفوا به أنه عذاب أليم أنهم رأوا ما كان في الصحراء من رجالهم ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فقلعت الريح الأبواب، وصَرَعَتْهُمْ وأمال الله تعالى عليهم الأَحْقَافَ فكانوا تحتها سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيَّام، لَهُمْ أنينٌ، ثم أمر الله الريح فكشف عنه الرِّمال واحتملهم، فرَمَتْ بهم في البحر. وروي أن هوداً لما أحسَّ بالريح خط على نفسه على المؤمنين خطًّا إلى جنب عين تنبعُ، وكانت الريح التي تصيبيهم ريحاً طَيِّبةً هادية، وا لريح التي تُصيبُ قوم عاد ترفعهم من الأرض وتطير بهم إلى السماء، وتضربهم على الأرض، وأثر المعجزةِ إنما ظهر في تلك الريح من هذا الوجه. قال عليه الصلاة وةالسلام، «مَا أَمَرَ اللهُ خَازِنَ الرِّيَاحِ أنْ يُرْسِلَ عَلَى عَادٍ إلاَّ مِثْلَ مِقْدَارِ الخَاتَم» وذَلِكَ القَدْرُ أهْلَكَهُمْ بكُلِّيَّتِهِمْ وذلك إظهارُ قدرة الله تعالى. «وعن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنه كان إذا رأى الريح فزع وقال:» اللَّهم إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّها وشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ به» قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القوم المجرمين﴾ والمقصود به تخويف كفار مكة فإن قيل: لما قال (تعالى) : ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: 33] فكيف يحصل التخويف؟ فالجواب: أن ذلك قبل نزول الآية. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ ما موصولة، أو موصوفة. وفي «إنْ» ثلاثة أوجه: أحدها: شرطية، وجوابها محذوف والجملة الشرطية صلة ما، والتقدير: في الَّذي إنْ مَكَّنَّاكُمْ فيه طَغَيْتُمْ. والثاني: أنها مزيدة تشبيهاً للموصولة بما النافية والتوقيتية، وهو كقوله: 4458 - يُرَجِّي الْمَرْء مَا إنْ لاَ يَرَاهُ ... وَتَعْرِضُ دُونَ أَدْنَاهُ الخُطُوبُ والثالث: وهو الصحيح أنها نافية بمعنى مكّناكم في الذي ما مكّناهم فيه من القوة والبَسْطَةِ وسَعَةِ الأرزاق. ويدل له قوله في مواضع: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم: 9] وأمثاله. وإنما عدل عن لفظ «ما» النافية إلى «إنْ» كراهية لاجتماع متماثلين لفظاً. قال الزمخشري: وقد أَغَيُّ أبو الطيب في قوله: 4459 - لَعْمُرَكَ ما ما بانَ مِنْكَ لَضَارِبٌ..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... . وما ضره لو اقتدى بعذوبة لفظ التنزيل فقال: «مَا إنْ بان» . فصل معنى الآية مكناهم فيما لم نمكنكم فيه من قوة الأبدان وطولِ العمر، وكَثْرةِ المال ثم إنهم مع زيادة القُوَّة ما نَجَوْا من عذاب الله تعالى فكيف يكون حالكم؟ ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً﴾ أي فتحنا عليهم أبواب النعم وأعطيناهم سمْعاً، فما استعملوه في سَمَاع الدلائل وأعطيناهم أبصاراً فما استعملوها في دلائل ملكوت السموات والأرض، وأعطيناهم أفئدة فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالى بل صرفوا كل هذه القُوَى إلى طلب الدنيا ولذاتها فلا جَرَمَ ما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله تعالى. قوله: ﴿فَمَآ أغنى﴾ يجوز أن يكون «ما» نفياً وهو الظاهر. أو استفهاماً للتقرير. واستبعده أبو حيان لأجل قوله: ﴿مِّن شَيْءٍ﴾ قال: إذ يصير التقدير أي شيء أعنى عنهم من شيء؟ فزاد «من» فِي الوَاجِبِ، وهو لا يجوز على الصحيح. قال شهاب الدين: قالوا يجوز زيادتها في غير المُوجب. وفسروا غير الموجب بالنفي والنهي والاستفهام وهذا استفهام. قوله: ﴿إِذْ كَانُواْ﴾ معمول ل «أغْنى» وِهيَ مُشْربة معنى التعليل، أي لأنهم كانوا يجحدون فهو كقوله ضَرَبْتُهُ إذْ أَسَاءَ، أي ضربته لأنه أساء. وفي هذه الآية تخويف لأهل مكة. ثم قال: ﴿وَحَاقَ بِه مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يعني أنهم كانوا يطلبون نزول العذاب على سبل الاسْتِهْزَاء. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِّنَ القرى﴾ يا كفار مكة كحِجْر ثَمُود وعاد باليمن وأرض سدوم ونحوها بالشام ﴿وَصَرَّفْنَا الآيات﴾ الحُجج بيناها لهم لعل أهل القرى يرجعون. قال الجبائي: قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ معناه لكي يرجعوا عن كفرهم وذلك يدل على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم وأجيب: بأنه فصل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة وإنَّما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه تعالى مريد لجميعِ الكائنات. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً آلِهَةَ﴾ القُرْبَانُ ما تُقُرِّب به إلى الله. أي اتخذوها شفعاء وقالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: 3] . قوله: ﴿قُرْبَاناً﴾ فيه أربعة أوجه: أظهرها: أن المفعول الأول ل «اتَّخَذَ» محذوف، هو عائد ... . . «قُرْبَاناً» نصب على الحال، و «آلِهَةً» هو المفعول الثاني للاتِّخَاذ، والتقدير ... . . نَصَرَهُم الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مُتَقَرَّباً بهم آلهة. والثاني: أن المفعول الأول محذوف كما تقدم و «قُرْبَاناً» مفعولاً ثانياً و «آلهة» بدل منه. وإليه نحا أبن عطية والحَوْفِيُّ وأبو البقاء، إلا أن الزمخشري منع هذه الوجه قال: «الفساد المعنى» . ولم يبين جهة الفاسد. قال أبو حيان: ويظهر أن المعنى صحيح على ذلك الإعراب. قال شهاب الدين: ووجه الفساد والله أعلم أن القُرْبَانَ اسم لما تقرب به إلى الإله، فلو جعلناه مفعولاً ثانياً و «آلهةً» بدلاً منه لزم أن يكون الشيء المُتَقَرَّبُ به آلهةً والغرض أنه غيرُ آلهة. بل هو شيء يتقرب به إليها فهو غيرها فكيف تكون الآلهة بدلاً منه؟ وهذا مَا لاَ يَجُوزُ. الثالث: أن «قرباناً» مفعولٌ من أجله. وعزاه أبو حيان للحَوْفي. وإليه ذهب أبو البقاء أيضاً. وعلى هذا ف «آلِهَةً» مفعولٌ ثان، والأول محذوف كما تقدم. الرابع: أن يكون مصدراً. نقله مكي. ولولا أنه ذكر وجهاً ثانياً وهو المفعول من أجله لكان كلامه مؤولاً بأنه أراد بالمصدر المفعول من أجله لبُعْدِ معنى المصدر. قوله: ﴿بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ﴾ قال مقاتل: بل ضلت الآلهة عنهم فلم ينفعهم عد نزول العذاب لهم. قوله: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ العامة على كسر الهمزة، وسكون الفاء، مصدر أَفِكَ يَأفِكُ إفْكاً، أي كَذِبُهُمْ وابن عباس بالفتح وهو مصدر له أيضاً. وابن عباس أيضا وعكرمة والصَّباح بنْ العلاء أَفَكَهُمْ بثلاث فتحات فعلاً ماضياً، أي صَرَفَهُمْ. وأبو عياض وعكرمة أيضاً كذلك، إلا أنه بتشديد الفاء للتكثير، وابن الزبير، وابن عباس أيضاً آفَكَهُمْ بالمد فعلا ماضياً أيضاً. وهو يحتمل أن يكون بزنة فَاعَل، فالهمزة أصلية، وأن يكون بزنة أَفْعَلَ فالهمزة زائدة والثانية بدل من همزة. وإذا قلنا: إنه أفعل، فهمزته يحتمل أنت تكون للتعدية، وأن تكون أفعل بمعنى المُجَرّد وابن عباس أيضاً آفكُهُمْ بالمد وكسر الفاء، ورفع الكاف جعله اسم فاعل بمعنى صارفهم. وقرى أَفَكُهُمْ بفتحتين ورفع الكاف على أنه مصدر لأفِكَ أيضاً فيكون له ثلاثة مصادر الإفك والأَفك بفتح الهمزة وكسرها مع سكون الفاء وفتح الهمزة والفاء، وزاد أبو البقاء أنه قرىء: آفَكُهُمْ بالمد وفتح الفاء، ورفع الكاف قال: بمعنى أَكْذَبُهُمْ. فجعله أفعل تفضيل. قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يجوز أن تكون ما مصدرية، وهو الأحسن، ليعطف على مثله، وأن تكون بمعنى الذي، والعائد محذوف أي يَفْتَرُونَهُ والمصدر من قوله: «إفكهم» يجوز أن يكون مضافاً إلى الفاعل بمعنى كُذِبُهُمْ، وإلى المفعول بمعنى صَرْفُهُمْ. والمعنى: وذلك إفكهم أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم ﴿وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ يكذبونَ أنَّها آلِهَةٌ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.