الباحث القرآني

وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير﴾ الآية. وهذا هو المُسْتَثْنَى مِنَ الإبَاحَةِ في قوله: ﴿إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1] وهو أحَدَ عَشَرَ نَوْعاً، وقد تقدم إعرابُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ وأصْلُهَا. واعلمْ أنَّ تحريمَ الميتةِ موافقٌ للمعقولِ؛ لأنَّ الدمَ جوهرٌ لَطِيفٌ جِداً فإذا ماتَ الحيوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدمُ في عُرُوقِهِ وتعفَّن وفَسَدَ؛ وحصل من أكْلِهِ مَضَرَةٌ. وأمَّا الدمُ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ: كانوا يَمْلَؤُونَ المِعَى مِنَ الدَّمِ وَيَشْوونَهُ ويُطْعمُونَه للضيفِ، فحرّم الله ذلك عليهم. وأما الخنزيرُ فقال العلماءُ: الغذاءُ يصيرُ جُزْءاً من جوهرِ المتغذِّي ولا بُدَّ أنْ يَحْصُلَ لِلْمُتغذِي أخلاقٌ وصفاتٌ مِنْ جِنْسِ ما كان حَاصِلاً في الغذاء، والخنزيرُ مَطْبوعٌ على حِرْصٍ عَظيمٍ ورغبة شديدةٍ في المُشْتهياتِ، فحرَّمَ اللَّهُ أكلهُ على الإنسانِ لِئلاَّ يَتَكيّفَ بِتلْكَ الكيفيّةِ؛ وذلك لأنَّ الفرنج لما وَاظَبُوا على أكْلِ لَحْمِ الخنزيرِ أوْرَثَهُمُ الحرص العظيم والرغبة الشديدة في المُشْتهياتِ، وأورثهم عدم الغيرةِ، [فإنّ الخِنْزِيرَ يَرَى الذّكرَ من الخنزيرِ يَنْزُو على الأنْثَى التي لَهُ لا يتعرض إليه؛ لعدم الغَيْرةِ، وقد] تقدمَ الكلام على الخنزيرِ واشتقاقِهِ في سورة البقرة. وأمَّا الشاةُ فإنها حيوانٌ في غَايَةِ السَّلاَمَةِ، وكأنَّها ذَاتُ عَارِيَةٍ عَنْ جَمِيعِ الأخْلاقِ، فلذلك لا يَحْصُلُ للإنسانِ بِسَبَبِ أكْلِها كَيْفِيَّةٌ أجْنَبِيَّةٌ عن أحوالِ الإنسانِ. وأمَّا ما ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ ، والإهلالُ رَفْع الصوتِ، ومنه يقالُ: فلانٌ أهَلَّ بالحجِّ إذَا لَبَّى، ومِنْهُ استهلالُ الصَّبِي وهو صراخُهُ إذا وُلِد، وكانوا يقولُونَ عند الذَّبْح باسم اللاَّتِ والعُزَّى، فحرم الله ذلك، وقدِّمَ هنا لَفْظُ الجلالةِ في قوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ وأخِّرتْ في البقرة [آية 173] ؛ لأنَّها هناك فاصلةٌ، أو تُشْبِهُ الفاصِلَةَ بخلاف هاهنا، فإنَّ بَعْدَها مَعْطُوفاتٍ. والمنخنِقَةُ وهي التي تموتُ خَنْقاً، وهو حَبْسُ النَّفَسِ سَواءٌ فعل بها ذلك [آدمِيٌّ أو] اتفق لها ذلك في حَبْلٍ أوْ بين عُودَيْنِ أو نحوه. وذكر قتادةُ أنَّ أهل الجاهليةِ كانوا يَخْنُقُونَ الشاةَ وغيرَها، فإذا ماتَتْ أكَلُوها، وذكر نحوه ابنُ عباسٍ. والمَوْقُوذَةُ: وهي التي وُقذَتْ أي: ضُربَتْ حتى ماتت من وَقَذَه أيْ ضَرَبَهُ حتى اسْتَرْخَى، ومنه وَقَذََهُ النُّعَاسُ أيْ: غلبه ووقذه الحُلُم: أيْ: سكنه وكأنَّ المادة دالَّةٌ على سُكُونٍ واسْتِرخاءٍ، ويدل في الموقوذةِ ما رُمِيَ بالبندقِ فماتَ، وهي - أيضاً - في مَعْنى الميتةِ وفي معنى المنخنقةِ، فإنها ماتَتْ ولم يَسِلْ دَمُهَا. والمتردِّيَةُ: من تَرَدَّى، أي: سَقَطَ مِنْ عُلُوٍّ فَهَلَكَ، ويُقالُ: ما يُدْرَى أين «ردَى» ؟ أيْ: ذَهَبَ، ورَدَى وتَرَدَّى بمعنى هَلكَ. قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تردى﴾ [الليل: 11] ، والمتردِّي أنْوَاعٌ: فالمترديةُ هي التي تسقطُ مِنْ جَبَلٍ أو مَوْضِعٍ مُشْرِفٍ أو في بِئْر فتموت، فهذه مَيْتَةٌ، لأنَّها ماتَتْ وما سَال منها الدمُ، ويدخل فيه إذا أصابه سَهْمٌ وهو في الجبل فَسَقَطَ على الأرض؛ فإنه يُحَرَّمُ أكْلُه؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ ماتَ بالتَّرَدِّي أوْ بالسَّهْم. ودخلتِ الهاءُ في هذه الكلمةِ؛ لأنّ المنخنقةَ هي الشاةُ المنخنقةُ، كأنه قِيلَ: حُرِّمَتْ عليكم الشاةُ المنخنقةُ والموْقوذَةُ والمترديةُ، وخَصَّ الشاة؛ لأنَّها من أعَمِّ [ما يَأكُلُ] الناسُ، والكلامُ يُخَرَّجُ على الأعَمِّ الأغْلَبِ، ويكُونُ المرادُ هو الكُلَّ. و «النَّطِيحَةُ» «فَعيلَة» بمعنى «مَفْعُولة» ، وكان مِنْ حَقِّها ألاَّ تَدْخُلَها تاءُ التأنيثِ كقَتِيل وجَريح، إلاَّ أنَّها جَرَتْ مَجْرَى الأسماءِ، أوْ لأنَّها لم يُذْكَرْ مَوصُوفُها؛ لأنك إنْ لَمْ تُدْخِل الهاءَ لَمْ يُعرَفْ أرَجُلٌ هُوَ أمِ امْرَأةٌ، ومثلُهُ: الذَّبِيحَةُ والنَّسيكَةُ. كذا قاله أبُو البَقاءِ، وفيه نظر؛ لأنَّهُم [إنَّما] يلحقون التاءَ إذا لم يذكر الموصوفُ لأجل اللَّبْسِ، نَحْوَ: مررت بِقَتيلةِ بَنِي فُلانٍ، لئلا يلتبس بالمؤنثِ وهنا اللَّبْسُ مُنْتفٍ، وأيضاً فحكم الذكرِ والأنْثَى في هذا سَوَاءٌ. والنَّطِيحَةُ هي التي تَنْطَحُها الأخْرَى فتموت، وهذه - أيضاً - لأنها ماتت من غير سَيَلانِ الدَّم. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَكَلَ السبع إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ «مَا» الأولى بمعنى «الَّذِي» ، وعائِدُهُ محذُوفٌ، أيْ: وما أكلَهُ السّبُعُ، ومحلُّ هذا الموصولِ الرفعُ عَطْفاً على مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُه، وهذا غيرُ ماشٍ على ظاهره؛ لأنَّ ما أكله السبعُ وفرغ منه لا يُذَكَّى، فلا بُدَّ من حذف. ولذلك قال الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أكَلَ بَعْضَهُ السبعُ. وقرأ الحسنُ والفياض وأبو حَيْوة: «السَّبْعُ» بسكون الباءِ، وهو تسكين المضموم، ونقل فتح السين والباء معاً. والسَّبُعُ: كُلُّ ذِي نَابٍ ومخْلب كالأسدِ والنَّمرِ، ويطلقُ على ذِي المِخْلب من الطيور قال: [الخفيف] 1924 - وسبَاعُ الطَّيْر تَغْدُو بِطَاناً ... [تَتَخَطَّاهُمُ فَمَا تَسْتقلُّ] فصل معنى الكلام ما يُريدُ ما بَقِيَ مما أكل السبعُ. قال قتادةُ: كان أهْلُ الجاهلية إذا جَرَحَ السبعُ شَيْئاً فقتله وأكل بعضَه أكلُوا ما بَقِيَ، فحرمه الله. قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه استثناءٌ متصلٌ، والقائلون بهذا اختلَفُوا، فقال عَلِيٌّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ وقتادةُ: هو مُسْتَثْنَى من قوله: «والمُنْخَنِقَة» إلى قوله: ﴿وَمَآ أَكَلَ السبع﴾ وعلى هذا إن أدْرَكْتَ ذكَاتَهُ بأنْ وَجَدْتَ عَيْناً تَطْرِفُ، أوْ ذَنَباً يَتَحرَّكُ، أوْ رجلاً تَرْكُضُ فاذْبَحْ فإنَّهُ حلالٌ، فإنَّ هذه الحالَ تدلُ على بقاءِ الحياةِ فيه بتمامها. وقال أبُو البَقاءِ: والاستثناءُ راجعٌ على المتردِّيةِ، والنَّطِيحَةِ وأكيلة السبُع، وليس إخراجُه المُنْخَنِقَة [منه بجَيِّدٍ] . ومنهم من قال: هو مستثنى مما أكل السبعُ خاصَّة. والقولُ الثاني: أنَّه منقطعٌ، أيْ: ولكنْ ما ذَكيْتم مِنْ غيرها فحلالٌ، أو فكُلُوه، كأنَّ هذا القائِلَ رأى أنَّها وَصَلَتْ بهذه الأسبابِ إلى الموتِ، أو إلى حالةٍ قَرِيبةٍ فلم تُفِدْ تَزْكِيتَها عِنْدَه شيئاً. والتَّذْكِيَةُ: الذَّبْحُ، وذَكَتِ النَّارُ: ارتفعتْ، وأصلُ الذَّكاةِ تمامُ الشيء ومنه الذَّكاءُ في الفهمِ، وهو تمامُهُ [والذكاء] في السِّن، وهو النهايةُ في الشباب، ذَكَى الرجُل أيْ: أسَنَّ، قال: [الوافر] 1925 - عَلَى أعْرَاقِهِ تَجْرِي الْمَذَاكِي ... وَلَيْسَ عَلَى تَقَلُّبِهِ وجُهْدِهْ وقيل: الاستثناءُ من التحريم لا مِنَ المحرماتِ، يَعْنِي، حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ما مَضَى إلاَّ مَا ذَكَّيْتُم فإنه لكم حلالٌ، فيكون الاستثناءُ منقطعاً - أيضاً -. وإذا قيل: أصلُ التذكيةِ الإتمامُ، فالمرادُ ههنا إتمامُ فَرْي الأوَداجِ وإنْهارِ الدَّم. قال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «مَا أنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ» . قال القُرْطُبِيُّ: جمهورُ العلماءِ على أنَّ كلَّ ما أفرى الأوْدَاجَ فأنْهَر الدمَ فهو مِنْ آلاتِ الذَّكاةِ ما خلَى السِّنَّ والظُّفُرَ والعَظْمَ، وعلى هذا تَوَاترتِ الأخبارُ. وقال به فقهاءُ الأمصارِ، والسنُّ والظُّفُرُ المنهيُّ عنهما في التذكية هما غَيْرُ المنزوعَيْنِ؛ لأنَّ ذلك يَصيرُ خَنْقاً، ولذلك قال ابنُ عباسٍ: ذلك الخنقُ. فأمّا المنزُوعانِ إذا فَرَيا الأوْدَاجَ فالذكاةُ جائِزَةٌ بِهِمَا عِنْدَهُمْ. وكره قومٌ السنَّ والظفرَ والعظمَ على كُلِّ حالٍ مَنْزُوعانِ كانا أو غَيْر منزُوعَيْنِ، منهم إبراهيمُ والحسنُ واللّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الشَّافِعي. وأقلُّ الذَّكاةِ في الحيوانِ المقدُورِ عليه قطعُ الحُلْقُومِ والمري، وكمالهُ أن يقطعَ الودجيْنِ معهما، ويجوزُ بكل محدَّدٍ يجرح من حَديدٍ أو قصبٍ أو زجاجٍ أو حجرٍ أو غيره إلاَّ السِّنَّ والظفرَ للحديث المتقدم. وإنَّما يحلُّ ما ذكيته بعدما جرحه السبعُ فأكل منه شيئاً إذا أدْرَكْتَهُ والحياةُ فيه مستقرةٌ فذبحتَهُ، فأمَّا ما يجرحُ السبعُ فيخرجه إلى حالةِ المذبوحِ فهو في حُكمِ الميتَةِ فلا يكونُ حَلاَلاً، والمُترديةُ والنَّطيحةُ إذا أدركتهما حيَّةً، قَبْلَ أنْ تصيدَ إلى حالة المذبُوحِ فذبحتها تكونُ حلالاً، ولو رُمِي صيدٌ في الهواءِ فأصابَهُ فسقَطَ على الأرضِ [وماتَ كانَ حلالاً؛ لأنَّ الوقوعَ على الأرضِ ضرورتُهُ، فإنْ سقَطَ على شجرٍ أو جَبَلٍ فتردَّى منه] فمات فلا يَحِلُّ؛ لأنَّه من المتردية، إلاَّ أنْ يكونَ السهمُ ذَبَحَهُ في الهواءِ فيَحِلّ كيفما وقع؛ لأنَّ الذبحَ قد حصل قبل التردِيَةِ. فصل واختلفُوا [فيمنْ رَفَعَ] [يَدَهُ] قبل تمامِ الذَّكاةِ ثُم رجع [على الفور] وأكْمَلَ الذَّكَاة فقيل: يُجْزِئُهُ، وقيل: لا يُجْزِئه. فالأولُ أصَحُّ؛ لأنَّه جَرَحَهُ ثُم ذَكَّاهُ بعدُ وحياته مُسْتَجْمعةٌ فيه. قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ رَفْعٌ - أيضاً - عطفاً على «الميتةِ» . واختلفُوا في النُّصُبِ، فَقِيل: هي حجارةٌ، كانوا يَذْبَحُون عليها، ف «على» هنا وَاضِحَةُ. وقيل: هي الأصنَامُ؛ لأنَّها تُنْصَبُ لتُعْبَد، فعلى هذا في «على» وَجْهانِ: أحدُهما: أنها بمعنى اللام، أيْ: وما ذُبِحَ لأجْلِ الأصنامِ، كذا ذكره أبُو البقاءِ وفيه نَظَرٌ، وهو كونُه قَدَّرَ المتعلَّق شيئاً خاصاً. والجمهورُ على «النُّصب» بضَمتين، فقيل: هو جمعُ «نِصاب» . وقيل: هو مُفْردٌ ويدل له قَوْلُ الأعْشَى: [الطويل] 1926 - وَذَا النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَقْربَنَّهُ ... ولا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ واللَّهَ فاعْبُدَا وفيه احتمالٌ. وقرأ طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ بضم النُّونِ وإسْكَانِ الصَّادِ، وهو تخفيفُ القراءة الأولى. وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: «النَّصَب» بِفَتْحتين. قال أبُو البقاء: وهو اسمٌ بمعنى: المنصُوبِ، كالقَبْضِ والنَّقَصِ، بمعنى: المقبُوض والمنقُوصِ. والحسنُ النَّصْب بفتح النون وسكُون الصادِ، وهو مَصْدَرٌ واقعٌ مَوْقِع المفعولِ به، ولا يجوزُ أنْ تكونَ تخفيفاً كقراءة عِيسَى بنِ عُمر؛ لأنَّ الفتحةَ لا تُخَفَّفُ. فصل «النُّصُب» يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ جَمْعاً وأنْ يكونَ واحداً، فإنْ كان جَمْعاً ففي واحدِه وُجُوهٌ: أحدها: أنَّ واحدَهُ نصابٌ ونُصُبٌ، كحِمار وحُمُر. وثانيها: أنَّ وَاحِدَهُ نَصْبٌ فقولُكَ: نَصْبٌ ونُصُب كسَقْفٍ وسُقُف، وهو قولٌ لابْن الأنْبَارِي. وثالثها: أنَّ واحدهُ النَّصْبَةُ. قال اللَّيْثُ: [النَّصْبُ] جمعُ النَّصْبَةِ، وهي علامةٌ تُنْصَبُ للقومِ، وإنْ قُلْنا: النصبُ وَاحِدٌ، فجمعُهُ أنْصَابٌ، مثل عُنُق وأعْنَاق. قال الأزْهَرِيُّ: وقد جعل الأعْشَى النُّصُبَ واحداً، وذكر البيتَ المُتَقَدِّم لَكِنْ رَوَاهُ عَلَى وَجْهٍ آخر، قال: [الطويل] 1927 - وَلاَ النُّصُبَ المَنْصُوبَ لا تَعْبُدَنَّهُ ... لِعَافِيَةٍ واللَّهَ رَبَّكَ فَاعْبُدَا فصل قال بَعْضُهمْ: النُّصُبُ الأوْثانُ، واسْتَبْعَدَهُ قَوْمٌ؛ لأنَّ هذا مَعْطُوفٌ على قولِهِ: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ وذلك هو الذَّبْحُ على اسمِ الأوْثانِ، والمعطوفُ يَجِبُ أنْ يكُونَ مُغَايِراً للمعطوفِ عَلَيْهِ. وقال ابنُ زَيْدٍ: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ ، ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ هُمَا وَاحِدٌ. وقال مُجاهدٌ وقتادةُ وابن جُرَيح: كانَتْ حولَ البيتِ ثلاثمائة وستُّونَ [حَجَراً مَنْصُوبَة] كان أهلُ الجاهِليّةِ يَعْبُدُونَها وَيُعَظِّمُونها ويَذْبَحُونَ لها وليست هي بأصْنامٍ، وإنَّما الأصنامُ هي المصَوَّرةُ المنقوشَةُ، وكانوا يُلَطِّخُونَها بتلك الدماءِ، ويضعُون اللحومَ عليها. فقال المسلمون يا رسول الله: كان أهلُ [الجاهلية] يُعظمون البيتَ بالدَّمِ، فنحنُ أحَقُّ أنْ نُعَظِّمَهُ، وكأن النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لم يكَره ذلك، فأنزل اله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ [الحج: 37] . وقوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ . [فيه وجهان: أحدهما: وما ذبح على الاعتِقادِ وتَعْظِيم النُّصب] . والثاني: ومَا ذُبِح لِلنُّصبِ، و «اللاَّمُ» و «عَلَى» يتعاقَبَانِ. قال تعالى: ﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ [الواقعة: 91] [أي: فَسَلامٌ عَلَيْكَ] ، وقال: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] أي فعليها. قولُه سبحانَهُ: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام﴾ «أنْ» وما في حَيِّزهَا في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفاً على «الميْتَةِ» . والأزْلامُ: القِدَاحُ، واحدُها: زَلْم، وزُلْم بِفَتْح الزَّاي وضَمِّها ذكره الأخْفَشُ. وإنَّما سُمِّيتِ القِدَاحُ بالأزلامِ؛ لأنَّها زُلِمَتْ أي: سُوِّيَتْ، ويقال: رجلٌ مُزْلِمٌ، وأمرأةٌ مُزْلِمَةٌ إذَا كان خَفِيفاً قَلِيلَ العلائِقِ، ويقال: قَدَحٌ مُزْلَمٌ وزَلْم إذا حُرِّرَ وأُجِيدَ قَدُّهُ وَصِفَتُهُ، ومَا أحْسَنَ ما زلم سهمه، أيْ: سَوَّاهُ، ويقالُ لِقَوائمِ البَقَرِ: أزْلاَمٌ شُبِّهَتْ بالقِدَاحِ لِلَطَافَتِهَا. وَفِي الاسْتِقْسامِ بالأزلامِ قولانِ: الأوَّلُ: كان أحدُهُم إذا أراد سَفَراً أو غَزْواً أو تِجَارَةً [أو نِكَاحاً] أو أمْراً آخَرَ ضرب بالقِدَاحِ، وكانوا قد كتبوا على بعضها أمَرَنِي رَبِّي، وعلى بعضها نَهَانِي رَبِّي، وتركوا بَعْضَهَا خَالِياً عن الكِتَابَةِ، فإنْ خرجَ الأمرُ أقدْمَ على العملِ، وإنْ خرجَ النَّهْيُ أمْسَكَ وأعادَ، وإنْ خرج الغَفْل أعاد العملَ مَرَّةً أخْرَى. وذكر البَغَوِيُّ أنَّ أزلامَهم كانت سبعةَ أقْدَاحٍ مُسْتَوِيةً مِنْ شوحط يكونُ عند [سادن] الكعبة، مكتوب على واحدٍ منها: نَعمْ، وعلى واحد: لاَ، وعلى واحدٍ منها: مِنْكم، وعلى واحدٍ مِنْ غَيْرِكم، وعلى واحد: مُلْصَق، وعلى واحد: العَقْل، وواحد غفل ليس عليه شيءٌ، وكانوا إذا أرادُوا أمْراً أو تداوَرُوا في نَسَبٍ أو اختلفوا في تَحَمُّلِ عَقْلٍ جاءوا إلى هُبَل، وهو أعظمُ أصْنامِ قُرَيشٍ، وجاءوا بِمائَةِ دِرْهَمٍ وجَزُورٍ فأعطَوْها صاحبَ القِداح حتى يُجيلَ القومُ ويقولُون: يا إلَهنَا إنَّا أرَدْنَا كذا وكذا، فإنْ خرج نَعَمْ فعلُوا، وإنْ خرج: لا، لمْ يَفْعَلُوا ذلك، ثُم عادُوا إلى القِدَاح ثانيةً، وإذا أجالُوا على نسبٍ، فإنْ خرج منكُم [كان وسيطاً منهم، وإن خرج من غيركم كان حليفاً، وإن خرج مُلْصقٌ كان على منزلته لا] نسب له ولا حِلْفَ، وإذا اختلفُوا في عَقْلٍ فمن خرج عليه قَدَحُ العَقْلِ حَمَلَهُ، وإنْ خَرَجَ الغَفْل أجَالُوا ثانياً حتى يخرج المكتوبُ فنهى اللهُ تعالى عن ذلك وحرَّمهُ. قال القُرطبيُّ: وإنّما قِيل لهذا الفعلِ اسْتِقْسام؛ لأنَّهُمْ كانوا يَسْتَقْسِمُون به [الرِّزْقَ] فِيما يُريدون، كما يُقال: الاستقسامُ في الاستدعاءِ للسقي، ونظيرُ هذا الذي حرَّمه [اللَّهُ] قولُ المنَجِّم: لا يخرج من أجل نجم كذا، وأخرج من أجل نَجْم كذا. وقال المؤرِّجُ وكثيرٌ مِنْ أهْلِ اللُّغَةِ: الاستقسامُ هاهنا هو المَيْسِرُ والقمارُ، ووجهُ ذِكْرِها مع هذه المطاعِمِ أنَّها كانت تقعُ عند البيتَ مَعَها. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: الأزلامُ حَصًى بيضٌ يَضْرِبُونَ بها، وقال مُجاهِدٌ هي كعابُ فارسٍ والرُّومِ التي يَتَقَامَرُونَ بها. وقال الشَّعْبِيُّ: الأزلامُ للعرب والكعابُ للعَجَمِ. وقال سُفيانُ بنُ وكِيع: هي الشَّطَرَنج، قال عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ: «مَنْ تَكَهَّنَ أو اسْتَقْسَمَ أو تَطَيَّرَ طيرةً تردّه عن سَفَرِهِ لَنْ يَلِجَ الدرجاتِ العُلَى مِنَ الجنَّةِ» . قوله: «ذَلِكُمْ فِسْقٌ» مُبْتَدأ وخَبَرٌ، واسمُ الإشارَةِ راجعٌ إلى الاستقسام بالأزلامِ خاصّةً، وهو مَرْوِيٌّ عن ابْنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّ معناه: حَرَّمَ عليكم تَناوُلَ الميْتَة [وكذا] ، فرجع اسمُ الإشارةِ إلى هذا المُقَدَّرِ، فإنْ قيل: لم صار الاستقسامُ بالأزلامِ فِسْقاً والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان يُحِبُّ الفَألَ [الحَسَن] ؟ فالجوابُ: قال الواحِدِي: إنَّما حرّم ذلك؛ لأنَّه طلبٌ لمعرفةَ الغَيْبِ، وذلك حرام لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: 34] وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله﴾ [النمل: 65] ، والحديث المتقدم. قوله تعالى: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ «اليَوْمَ» ظرف مَنْصُوبٌ ب «يَئِسَ» ، والألفُ واللامُ فيه للْعَهْدِ. قيل: أراد به يَوْمَ «عَرَفَة» وهو يَوْمُ «الجُمُعَةِ» عام حَجَّةِ الوَدَاعِ نزلت هذه الآيةُ فيه بَعْد العَصْرِ. [وقيل: هو يوم] دخوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ «مَكَّةَ» سنةَ تِسْعٍ. وقِيل: [سنة] ثَمَانٍ. وقال الزَّجَّاجُ - وتبعه الزَّمَخْشَرِيُّ -: إنَّها لَيْسَتْ للْعَهْدِ، ولم يُرِدْ ب «اليوم» [يوماً] مُعَيَّناً، وإنَّما أراد به الزمانَ الحاضِرَ وما يُدانيه من الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ كقولك: كُنْتَ بالأمْس شابًّا، وأنْتَ اليومَ أشْيَب، لا تُرِيدُ بالأمسِ الذي قَبْلَ يَوْمِك، و [لا] باليومِ الزَّمَن الحاضِر فَقَطْ، ونحوه «الآن» في قَوْلِ الشَّاعِرِ: [الكامل] 1928 - الآنَ لَمَّا ابْيَضَّ مَسْرُبَتِي ... وعَضَضْتُ مِنْ نَابِي عَلَى جذْم ومثله أيضاً قوله زهير: [الطويل] 1929 - وأعْلَمُ مَا في اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ... وَلكنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غدٍ عَمِ لم يُرِدْ بهذه حقائقها. والجمهورُ على «يَئسَ» بالهمزة، وقرأ يَزِيدُ بنُ القَعْقَاع «يَئسَ» بِيَاءيْنِ مِنْ غَيْرِ همزة. ورُوِيَتْ - أيضاً - عَنْ أبِي عَمْرو، ويقال: يَئِسَ يَيْئَسُ ويَئْيِسُ بفتح عَيْنِ المضارعِ وكسرها، فهو شاذّ. ويقال: أيس [أيضاً] مقلوبٌ من «يَئِسَ» فوزنُهُ «عَفِل» ويدلُ على القَلْبِ كَوْنُهُ لم يُعَلَّ، إذ لو لم يقدر ذلك لَلَزِمَ إلغاءُ المقتضى، وهو تَحَرُّكُ حَرْفِ العَلّة، وانفتاحُ ما قبله، لكنَّه لما كان في مَعْنَى ما لم يُعَلَّ صَحَّ. واليَأسُ: انقطاعُ الرَّّجاءِ، وهو ضدُّ الطَّمَعِ. «مِن دِينِكُمْ» مُتَعلقٌ ب «يئس» ، ومعناها ابتداءُ الغَايَةِ، وهو على حَذْفِ مُضَاف، أي: منْ إبْطَالِ أمْرِ دِينكم. فصل لَمَّا حَرَّم وحَلَّلَ فِيما تقدم، وخَتَمَ الكلام بقوله: «ذَلِكُمْ فِسْقٌ» ثُمَّ حَرَّضَهُم على التمسُّكِ بما شَرَع لهم، فقال: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشون﴾ أي: فلا تخافُوا المُشْرِكين في خلافكم لهم في الشَّرائعِ والأدْيَانِ، فإنِّي أنْعَمْتُ عليكم بالدولةِ القاهِرَةِ، وصارُوا مَقْهُورِينَ لكم ذَلِيلينَ عندكم، وحصل لهم اليأسُ مِنْ أنْ يَصِيروا قاهِرين لكم مُسْتَوْلِين عليكم، وإذا صار الأمرُ كذلك فيجبُ عليكم أنْ لا تَلْتَفِتُوا إليهم وأنْ تُقْبِلُوا على طاعَةِ اللَّهِ تعالى، والعملِ بشرائعِهِ. وفي قوله: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ قولان: الأولُ: يَئِسُوا مِنْ أنْ يُحَلِّلُوا الخبائِثَ بعد أنْ جعلها الله محرمةً. والثاني: يَئسُوا مِنْ أنْ يَغْلِبُوكم على دينكُم؛ لأنَّ الله تعالى قد وعد بإعلاء هذا الدين على كُلِّ الأديانِ بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] فَحَقَّقَ ذلك النَّصْرَ، وأزالَ الخوفَ. واسْتَدَلُّوا بهذه الآيةِ على أنَّ التقيَّةَ جائِزةٌ عِنْد الخوفِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمرهم بإظهارِ الشَّرائعِ عند زوال الخَوْفِ مِنَ الكفَّارِ، فدلَّ على جوازِ تركِهَا عند الخوف. قوله سبحانه وتعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ في قوله: «الْيَوْمَ» [كالكلام في «اليوم» ] قبلَهُ. نزلت هذه الآيةُ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ بعد العصر فِي حجَّةِ الوداع، والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [وشرف وكرم ومجد وعظم] وَاقِف بِعَرَفات على ناقَتِهِ العَضْبَاءِ فكاد عَضُدُ الناقةِ يَنْقَدُّ من ثِقلها، فَبَرَكَتْ. عن عُمَر بن الخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أنَّ رَجُلاً من اليهودِ قال له: يا أميرَ المؤمِنينَ آيةٌ في كتابكم تقرؤونها، لو علينا مَعْشَرَ يَهُودٍ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنَا ذلِكَ اليومَ عِيداً، قال: أيُّ آيةٍ؟ قال: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً﴾ قال عُمَرُ: قَدْ عرفْنَا ذلك اليوم والمكانَ الذي أنْزِلَتْ فيه على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ يوم جمعة. أشار عُمَرُ إلى أن ذلك اليومَ كان لنا عِيداً. قال ابنُ عباسٍ: كان ذلك اليوم خمسةَ أعْيادٍ، جُمْعَةً وعَرفَةَ وعِيدَ اليَهُودِ والنَّصارَى والمَجُوسِ، ولم يَجْتَمِعْ أعيادُ أهْلِ المِلَلِ في يوم قبله ولا بعده. وروى هارونُ بنُ عنترةَ عن أبيه قال: «لما نزلت هذه الآيةُ بَكَى عُمَرُ فقال له النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ؟ «فقال: أبْكانِي أنا كنا في زيادَةٍ مِنْ ديننَا، [فأما إذْ] كمُلَ فإنَّهُ لم يكمل شيءٌ إلا نَقَصَ، قال:» صَدَقْتَ» ، فكانت هذه الآيةُ نَعْيَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ. وعاش بعدها إحْدَى وثمانِينَ يَوْماً، ومات يَوْم الاثنَيْنِ بعدما زَاغَتِ الشمسُ لليلتين خَلَتَا من شهرِ ربيع الأوَّلِ سَنَة إحْدَى عَشَر مِنَ الْهِجْرَةِ، وقيل: يومَ الاثنين يَوْمَ الثاني عشر مِنْ ربيع الأولِ، وكانت هجرتُه في الثاني عشر مِنه. فقوله: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يَعْنِي يوم نُزولِ هذه الآيةِ أكملتُ لكُمْ دينكمْ الفَرائِضَ والسُّنَنَ، والحدُودَ والجهادَ، والحلالَ والحرامَ، فلم ينزل بعد هذه الآيةِ حلالٌ ولا حرامٌ ولا شيءٌ من الفرائِضِ، وهذا [معنى] قولِ ابْنِ عباسٍ. ورُوي عنه أنَّ آيةَ الرِّبَا نزلت بعدها، وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْر وقتادةُ: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم يَحُجَّ معكم مشْرِكٌ، وقيل: أظهرت دينَكُمْ وأمَّنْتكم من العدُوِّ، وقوله تعالى: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يَقْتَضِي أن الدين كان نَاقِصاً قَبْلَ ذلك، وذلك يُوجِب أنَّ الدينَ الذي كان عليه محمدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ مُواظِباً عليه أكْثَرَ عُمُرِه كان ناقصاً، وإنما وُجِدَ الدينُ الكامل في آخر عمرِهِ مُدَّةً قليلةً. وأجَابُوا عنه بوجُوهٍ: أحدها: أنَّ المرادَ ما تقدم من إزالةِ الخوفِ عنهم، كما يقولُ الملِكُ إذا اسْتَوْلى على عدوه وقَهَرَهُ قَهْراً كُلِّياً: كَمُلَ ملكُنَا، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ مُلْكَ ذلك المَلِك كان قبل قَهْرِ العدو ناقصاً فينبغي على هذا أن يُقال: إنَّ دينَ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان ناقصاً قبل ذلك اليوم. ثانيها: [أنَّ] المراد أكملتُ لكُم ما تَحْتَاجُون إليه في تكاليفكم من تعاليم الحلالِ والحرامِ، وهذا - أيضاً - ضعيفٌ؛ لأنه لو لم يُبَيّن قبل هذا اليوم ما كانوا مُحْتاجين إليه من الشرائعِ، كان ذلك تأخيراً للبيانِ عن وقت الحاجة، وأنه لا يَجُوزُ. وثالثها: وهو المختارُ ما ذكره القفَّالُ وهو أن الدينَ ما كان ناقصاً ألْبَتَّةَ، بل كان كامِلاً أبداً، وكانت الشرائِعُ النازِلةُ من عند الله تعالى في كل وقت كافية في ذلك إلا أنه تعالى كان عالماً في أوّل وقتِ المبعثِ في أن هذا اليوم ليس بكاملٍ في الغَدِ، ولا مَصْلَحَةَ فيه، فلا جَرَمَ كان يُنْسَخ بعد الثبوت، وكان ينزل بعد العدم، وأما في آخر زمانِ المبْعَثِ فأنزل الله شريعةً كامِلَةً، وحكم ببقائها إلى يوم الدِّين. فالشرعُ أبداً [كَانَ] كامِلاً، إلاَّ أنَّ الأوّلَ كمال إلى زمان مَخْصُوصٍ والثاني: كمالٌ إلى يوم القيامة، فلهذا قال: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ . وأجاب القُرْطبي: يقال: لِمَ قُلتَ إن كل نقص فهو عَيْبٌ، أرَأيْتَ نُقْصانَ الشَّهْرِ عَيْباً؟ ونُقْصان صلاةِ المسافرِ أهُوَ عَيْبٌ ونقصان العمر الذي أراده الله بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: 11] أهو عيب؟ وكذلك نُقصَانُ أيّامِ الحَيْضِ عن المعهود؟ ونقصان أيام الحمل؟ ونقصان المال بسرقَةٍ أو حَرِيقٍ أو غَرَقٍ إذا لم يَفْتقر صاحبه؟ فنقصان الدين في الشرع قَبْلَ أن يلحق الله الأجزاء الباقية في عِلْمِ الله تعالى لَيْسَ بعَيْبٍ، فمعنى قوله: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن المراد بلَّغْتُه أقْصَى الحد الذي كان له عندي فيما قضيتُهُ وقدَّرْتُهُ، وذلك لا يُوجِبُ أنْ يكونَ ما قَبْلَ ذلك ناقصاً عما كان عند الله تعالى لكنه يُوصَفُ بنُقصان مُقَيّد، فيقال: أكمل الله ناقِصاً عما كان عند الله تعالى أنه مُلحِقه به وضامه إليه كالرجل يُبلغه الله تعالى مائةَ سَنَةٍ، فيُقالُ: أكمل الله عُمُرَهُ [فلا يلزم من ذلك أنْ يكون عُمُره] ناقصاً حِين كان ابْن ستِّين سنة نَقْصَ قُصُورٍ وخللٍ، فإن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يَقُولُ: «مَنْ عمَّره الله سِتين سَنَةً فقد أعْذَرَ إليه في العُمُر» وقد بلغ الله بالظُّهر والعصر والعشاء أربع ركعات، فلو قيل: أكملها كان الكلامُ صحيحاً، ولا يَلْزَمُ من ذلك أنَّها حينَ كانت ركعتين كانت ناقصةً نَقْصَ قُصُورٍ وخللٍ، ولو قيل: كانت ناقصة عما عند الله أنه ضامَّه إليها وزائده عليها لكان ذلك صحيحاً، فهكذا هذا في شرائع الإسلام وما كان شرع منها شيئاً فشيئاً إلى أنْ أنْهى الله الدِّين مُنْتَهَاهُ الذي كان له عنده. الثاني: أنَّ المراد بقوله: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أنَّهُ وفَّقَهُمْ إلى الحجِّ الذي لم يكن بقي عليهم مِنْ أرْكان دينهم غَيْرُه، فحَجُّوا فاستجمع لهم الدِّين أداء لأرْكَانِه، ولقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -: «بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ» الحديثَ، وقد كانُوا تشَهَّدُوا وصَلُّوا وزكوا وصامُوا وجاهَدُوا واعْتَمرُوا ولم يكونوا حجُّوا، فلما حجُّوا ذلك اليوم أنزل الله تعالى وهم بالموقف هذه الآية. فصل رد شبه الاستدلال بهذه الآية على بطلان القياس استَدلُّوا بهذه الآيةِ على بُطْلان القياسِ، لأنَّ الآيةَ دلت على أنه تعالى قد نَصَّ على الحُكْمِ في جميع الوقائعِ، [إذْ لَوْ بَقِيَ بَعْضُهَا غَيْرَ مُبَيَّنِ الحكم لم يكن الدينُ كامِلاً، وإذا حصلَ النص في جميع الوقائعِ] فالقياسُ إنْ كان [على] وفْقِ النصِّ كان عَبَثاً، وإنْ كان خلافَهُ كان باطِلاً. وأجيبُ بأن المرادَ بإكْمالِ الدينِ أنَّهُ تعالى بيَّن حُكْمَ جَميعِ الوَقَائِعِ بعضها بالنص، وبعضُها بيَّن طريقَ الحكمِ فيها بالقياسِ فإنَّهُ تعالى لما جَعَل الوقائع قِسْمَيْن: أحدهما: التي نَصَّ على أحكامهما. والثاني: أنواعٌ يمكنُ استنباطُ الحكمِ فيها بواسطةِ قياسِها على القسم الأولِ، ثم إنَّه تعالى أمَرَ بالقياسِ، وتعبَّد المُكَلفِين به فكان ذلك في الحقيقة بياناً لِكُل الأحْكامِ. قال نُفاةُ القياسِ: الطريقُ المقتضيةُ لإلحاقِ غَيْرِ المنصُوصِ بالمنصُوصِ، إمَّا أنْ تكونَ قَطْعِيَّةً أو غَيْرَ قَطْعِيَّةٍ. فإنْ كانت قطعيّةً فلا نِزاعَ في صحته، فإنَّا نسلم أن القياسَ المبنيّ على المقدمات اليَقِينيَّةِ حُجةٌ، وهذا القياسُ يكون المصِيبُ فيه واحداً، ومخالِفهُ يَسْتَحِقُّ العقاب وينْقَصُ به قضاءُ القاضِي، وأنتم لا تقولون بذلك، وإنْ كانت طريقة ظنية كان كل واحدٍ يُمْكِنُه أنْ يَحْكُمَ بما غلب على ظَنِّه مِنْ غَيْرِ أنْ يَعْلَم [هل] هو دين اللَّهِ أمْ لا؟ وهل هو الحكمُ الذي حكم [به الله] أم لا؟ ومثل هذا لا يكون إكْمالاً للدّين، بل يكون ذلك إلقاءً للخلقِ في وَرطَة الظُّنونِ، وأجيب بأنه إذَا كان كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُكَلَّفاً بالعمل بمقتضى ظَنِّه [كان] ذلك إكْمَالاً ويكون كُلُّ مكلفٍ قاطعاً بأنَّه عامل بحكم الله تعالى. قوله سبحانه: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ «عليكم» متعلقٌ ب «أتممت» ، فلا يجوزُ [تعلُّقهُ] ب «نعمتي» ، وإن كان فعلها يتعدَّى ب «على» نحو: ﴿للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37] ؛ لأن المصدر لا يتقدَّمُ عليه معمولُه، إلا أن ينُوبَ مَنَابَهُ. قال أبُو البقاءِ: فإنْ جعلتهُ على التَّبِيين أيْ: «أتْمَمْتُ» أعْنِي «عَلَيْكُمْ» جاز ولا حاجة إلى ما ادّعَاهُ. ومعنى ﴿أتممت عليكم نعمتي﴾ أيْ: أنجزتُ وَعْدِي في قوله: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} [البقرة: 150] ، وكان مِنْ تَمَامِ نعمته أنْ دَخَلُوا مكةَ آمنينَ، وعليها ظَاهِرِينَ، وحَجُّوا آمنين مُطْمَئِنِينَ لمْ يخالِطْهُمْ أحَدٌ من المشركين. قال ابنُ الخطيبِ: وهذا المعنى قد عُرِفَ بقوله: ﴿اليوم يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾ فَحَمْلُهُ على هذا تَكْرِيرٌ، وإنما معنى قوله: ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً﴾ أي: بسبب ذلك الإكمالِ؛ لأنه لا نِعْمَةَ أتم مِنْ نعمة الإسلام. قوله سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً﴾ في «رَضِيَ» وجهان: أحدهما: أنه مُتعد لِواحدٍ، وهو «الإسلامَ» ، و «دِيناً» على هذا حال. وقيل: هو مُضَمَّنٌ معنى صَيَّرَ وجعل، فيتعدَّى لاثْنَيْن؛ أولهما: «الإسْلاَمَ» والثاني: «دِيناً» . «لكم» يجُوز فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق ب «رَضَيَ» . والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنَّه حالٌ من الإسلامِ، ولكنَّه قُدِّمَ عليه. ومعنى الكلام أنَّ هذا هو الدينُ المرضِيُّ عند الله، ويُؤكِّدُهُ قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] . وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ قد تقدم الكلامُ عليها في البقرة [آية: 173] . و «فِي مَخْمَصَةٍ» متعلقٌ ب «اضْطُرَّ» ، [ومعنى: «اضْطُرَّ» ] أُصِيبَ بالضر الذي لا يمكنه الامتناعُ معه من الميتةِ. و «المخمصةُ» : المَجَاعَةُ؛ لأنها تَخْمُصُ [لها] البطونُ: أيْ: تَضْمُرُ. قال أهل اللُّغَةِ: الخَمْصُ والمَخْمَصَةُ: خَلاَءُ البطن من الطعام، وأصْلُهُ مِنَ الخَمْصِ الذي هو ضُمُور البَطْنِ. يقال: رجل خميصٌ وخُمْصَان، وامرأة خَمِيصَةٌ وخُمْصَانة، والجمع خَمَائِصُ وخُمْصَانَاتٌ، وهي صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ في النساء. ويقال: رجل خُمْصَان وامرأة خُمْصَانة، ومنه أخْمَصُ القدمِ لدِقَّتِهَا، ويستعمل في الجوع والغَرْث. قال: [الطويل] 1930 - تَبِيتُونَ في المَشْتَى مِلاءً بُطُونكُمْ ... وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا وقال آخر: [الوافر] 1931 - كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فإنَّ زَمَانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصٌ وُصِفَ الزمانُ بذلك مبالغةً كقولهم: نَهَارُهُ صَائِمٌ، ولَيْلُهُ قائم. و «غَيْرَ» نُصبَ على الحال. قال بعضُهم: يَنْتَصِبُ بمحذوفٍ مُقَدَّرٍ على معنى: فيتناول غَيْر مُتجانِفٍ، ويجوز أن يَنْتَصِبَ بقوله: «اضْطُرَّ» ويكونُ المقدرُ متأخراً. والجمهور على «مُتجَانِفٍ» بألف وتخفيف النون من «تَجَانَفَ» . وقرأ أبُو عبدِ الرحمن والنَّخَعِيُّ «مُتَجنِّفٍ» بتشديدِ النُّونِ دُونَ ألفٍ. قال أبو مُحمدِ بن عَطِية: وهي أبْلَغُ من «متجانف» في المعنى؛ لأنَّ شِدّةَ العينِ تدلُ على مُبالغةٍ وتوغُّلٍ في المعنى. و «لإثم» متعلّق ب «متجانف» ، واللام على بابها. وقيل: هي بمعنى «إلى» أي غَيْرَ مائِلٍ إلى إثْمٍ ولا حاجة إليه. وقد تقدم معنى هذا واشتقاقها عند قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ [البقرة: 182] . قال القُرْطبي: هو معنى قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ [البقرة: 173] ، ومعنى «الإثم» هاهنا أنْ تأكُلَ فوق الشِّبَع تلذُّذاً في قولِ أهل «العراق» . وفي قولِ أهْلِ «الحجازِ» : أنْ تكُون عَاصِياً. قال قتادةُ: غَيْرَ مُتَعرِّضٍ لمعْصِية في مقصده. وقوله: ﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ﴾ جُمْلةٌ، إمَّا في محلِ جَزْمٍ، أو رفعٍ على حَسَبِ ما قيل في «مَنْ» ، وكذلك القول في الفاء إما واجبةٌ أو جائزةٌ، والعائدُ على كِلاَ التقديرين محذوفٌ، أيْ: «فَإِنَّ الله غَفُورٌ» له، [يعني] : يَغْفِرُ له أكْلَ المُحَرَّمِ عند الاضطرارِ «رَحِيمٌ» بعباده، حَيْثُ أحَلَّ لهم ذلك المحرمَ عند احتياجهم إلى أكْلِهِ، وهذا مِنْ تَمام ما تقدم ذكره في المطاعِمِ التي حَرَّمَها الله تعالى، يَعْنِي: إنها وإنْ كانت مُحرمةً إلا أنها تحل في حالِ الاضطرارِ، ومن قوله: «فِسْق» إلى هاهنا - اعتراضٌ وقع في النَّسَقِ، والغَرَضُ منه تأكيدُ ما ذُكِر مِنْ مَعْنى التحريم، فإن تحريم هذه الخبائثِ من جملةِ الدِّينِ الكاملِ والنعْمةِ الثابتةِ والإسلامِ الذي هو الدينُ المرضيُّ عند الله تعالى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.