الباحث القرآني

لما ذكر تَغْلِيظ الإثْم في قَتْل النَّفس بغير حقٍّ ولا فساد في الأرض أتبعه بِبَيَان الفَسَاد في الأرْض. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآءُ الذين﴾ : مُبْتَدأ وخبره «أنْ يُقَتَّلُوا» وما عطف عليه، أي: إنَّما جَزاؤُهُمُ التَّقْتِيلُ، أو التَّصلِيب، أو النَّفْي. وقوله: «يُحارِبُون اللَّه» ، أي: يُحَارِبون أولِيَاءه كذا قدَّرَه الجُمْهُور. وقال الزَّمَخْشَريُّ: «يُحَارِبُون رسُول الله، ومحاربة المُسْلِمِين في حكم مُحَارَبَتِه» . يعني: أنَّ المقصود أنَّهم يُحَارِبون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وإنما ذكر اسْم الله - تبارك وتعالى - تَعْظِيماً وتَفْخِيماً لمن يُحَارَبُ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ [الفتح: 10] ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك عند قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا﴾ [البقرة: 9] . فإن قيل: المُحَارَبة مع اللَّه - عزَّ وجل - غيْر مُمْكنة، فيجب حَمْلُه على المحاربة مع أولياء اللَّه، والمحاربةُ مع رسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ممكِنَةٌ فلفظ ﴿يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ يَلْزَم أن يكون مَحْمُولاً على المجاز والحقيقة معاً فلفظ المحاربة بما نُسِبَت إلى الرَّسُول فلفظ المحاربة إذا نُسِبَت إلى اللَّه تعالى كان مَجَازاً، لأن المُراد منه مُحَاربة أوْلِيَاء اللَّه، وإذا نُسِبَتْ إلى الرَّسُول كانت حَقِيقَة، وذلك مُمْتَنِعٌ. فالجواب: إنَّما تحمل المُحاربة على مُخالفةِ الأمْرِ والتَّكْلِيفِ. والتقدير: إنَّما جزاء الذين يُخالِفُون أحْكامَ اللَّه تعالى وأحكام رسُولِه، ويَسْعَوْن في الأرْض فَسَاداً كذا وكذا، ومن يجز ذلك لم يَحْتَجْ إلى شيء من هذه التَّأوِيلات بل يقول تُحْمَلُ محاربتهم للَّه - تعالى - على مَعْنًى يَلِيق بها، وهي المُخالفةُ مَجازاً، ومحاربَتُهم لِرسُوله على المُقاتلةِ حَقِيقة. قوله: «فساداً» في نصبه ثلاثة أوجُه: أحدها: أنه مَفْعُول من أجله، أي يُحَاربُون ويسْعَون لأجل الفساد، وشروط النَّصْبِ موجُودة. الثاني: أنَّه مصدر وَاقع موقع الحَالِ: ويسْعَوْن في الأرْض مفسدين، أو ذوي فساد، أو جُعِلُوا نفس الفساد مُبالغةً، ثلاثة مذاهب [مشهورة] تقدَّم تَحْرِيرها. الثالث: أنه منْصُوب على المصدر، أي: إنَّه نَوْع من العامل قبله، فإنَّ معنى «يَسْعَوْن» هنا: يُفْسدُون وفي الحَقِيقة، ف «فسادٌ» قائم مقام الإفساد [والتقدير:] ، ويفسدون في الأرْض بسعيهم إفْساداً. و «فِي الأرْضِ» الظّاهر: أنه متعلِّق بالفِعْل قَبْلَه، كقوله: ﴿سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ﴾ [البقرة: 205] . وقد أجيز أن يكون في مَحَلِّ نَصْبٍ على الحَالِ؛ لأنَّه يجُوز أن لو تأخَّر عنه أن يكون صِفَةً له. وأجيز أن يتعلَّق أيضاً بنَفْس «فساداً» ، وهذا إنَّما يَتمشّى إذا جعلْنَا «فَسَاداً» حالاً. أمَّا إذا جَعَلْنَاهُ مصدراً امتنع ذلك لِتَقَدُّمِهِ عليه، ولأنَّ المؤكد لا يَعْمَل. وقرأ الجمهور «أنْ يُقَتَّلُوا» وما بعده من الفِعْلَين بالتثقيل، ومعناه: التَّكْثير بالنِّسْبَة إلى من تقعُ به هذه الأفْعَال. وقرأ الحسن وابنُ مُحَيْصِن بِتَخْفِيفِهَا. قوله تعالى «مِن خِلافٍ» في محلِّ نَصْبٍ على الحَالِ من «أيْدِيهِمْ» و «أرْجُلِهِمْ» أي: [تقطع مختلف] بمعنى: أن يقْطَع يَدَهُ اليُمْنَى، ورجله اليُسرى. والنَّفي: الطَّرْد. و «الأرض» المراد بها هاهُنَا «ما يُريدُون الإقامَة بها، أو يُراد من أرْضِهِمْ. و» ألْ» عوض من المضاف إليه عِنْد من يَرَاهُ. فصل قال الضَّحَّاك: نزلت في قوم مِنْ أهْل الكتاب، كان بَيْنهم وبين رسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا العَهْد وقطعُوا السَّبِيل وأفْسَدوا. وقال الكَلْبِي: نزلت في قَوْم هِلال بن عُوَيْمر، وذلك أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ واعد هلال بن عُوَيْمِر وهو أبو بُرْدَة الأسْلَمي، على ألا يُعِينَهُ ولا يُعِين عليه، ومن مرَّ بهلال بن عويمر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فهو آمِنٌ لا يُهَاجُ، فمرَّ قوم من بَنِي كِنَانَة يريدون الإسلام، بِنَاس من أسْلَم من قَوْم هلال بن عويمر، ولم يكن هلال شَاهِداً، فَشَدُّوا عليهم فَقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالهم، فنزل جبريل بالقِصَّة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في نَاسٍ من عُرَيْنَة وعكل أتَوا النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وبايعوه على الإسلام وهم كَذَبة، فَبَعَثَهُم النَّبِيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - إلى إبل الصَّدقةِ فارْتَدُّوا، وقتلوا الرَّاعِي واسْتَاقُوا الإبِل، فبعث النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - من رَدَّهم وأمر بِقَطْع أيديهم وأرجُلهم، وسَمْل أعْيُنِهم بمَسَامِير وكحلهم بها، وطَرحهم في الحَرِّ يَسْتَسْقُون فلا يُسْقَون حتى ماتُوا. قال أبو قِلابَة: هؤلاء قَتَلُوا وسَرَقُوا، وحاربُوا الله ورسُولَهُ وَسَعَوْا في الأرْضِ فساداً، فنزلت هذه نَسْخاً لِفْعِل النَّبِيِّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - فصارت السُّنَّة مَنْسُوخة بهذا القُرْآن العظيم، ومن قال إنَّ السُّنَّة لا تُنْسَخُ بالقُرْآن قال: إنما كان النَّاسِخ لتلك السُّنَّة سُنَّة أخْرى: ونزل هذا القُرْآن العَظِيم مُطَابِقاً للسُّنَّة النَّاسخة. وقال بعضهم: حُكُمُهم ثَابِت إلا السَّمل والمُثْلَة، وروى قتادةُ عن ابن سيرين أنَّ ذلك قَبْل أن تَنْزِل الحُدُود. قال أبو الزَّنَاد: ولما فعل رسول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - ذلك بهم أنْزل اللَّه الحُدُود، ونَهَاهُ عن المُثْلة فلم يَعُد، وعن قتادةُ قال: بَلَغَنَا أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ [بعد ذلك كان يحثّ على الصَّدَقة ويَنْهَى عن المُثْلة، وقال سليمان التَّيْمِي عن أنس: إنَّما سَمَل النبي - صلَّى الله] عليه وعلى آله وسلَّم - أعْيُن هؤلاء؛ لأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُّعَاة. وقال الليث بن سَعْد: نزلَت هذه الآيَةُ مُعَاتِبَةً لِرسُول الله - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - وتَعْلِيماً له عُقُوبَتهم وقال: إنَّما جَزَاؤهم لا المُثْلَة، ولذلك ما قَامَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - خَطِيباً إلا نَهَى عن المُثْلَة. وقيل: نزلت هذه الآية في الَّذِين حُكي عنهم من بَنِي إسرائيل - أنَّهُم بعد أنْ غلظ عليهم عِقَابُ القَتْلِ العَمْدِ العُدْوان، فهم مُسْرِفون في القَتْلِ ويُفْسِدون في الأرْض، فمن أتى منهم بالقَتْلِ والفَسَادِ في الأرْضِ فَجَزَاؤهُم كذا وكذا. وقيل: نزلت هذه الآية في قطَّاعِ الطَّرِيق من المُسْلِمين [وهذا قول] أكثر الفقهاء قالوا: والذي يدل على أنَّهُ لا يَجُوز حَمْلُ الآية على المُرْتَدِّين من وجوه: أحدها: أنَّ قطع المرتدِّ لا يقف على المُحَاربة، ولا على إظهار الفَسَاد في دار الإسلام، والآية تَقْتَضِي ذلك. وثانيها: لا يجوز الاقتصَار في المرتدِّ على قَطْعِ اليَدِ، ولا على النَّفْي، والآية تقتضي ذلك. وثالثها: أن الآية تَقْتَضِي سقوط الحد بالتَّوْبة قبل القُدْرة؛ لقوله تعالى ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ﴾ . والمرتَدُّ يسقط حَدُّه بالتَّوبة قبل القُدْرة وبعدها، فدلَّ على أن الآية لا تعلُّقَ لها بالمُرْتَدِّين. ورابعها: أن الصَّلْب غير مشْرُوع في حق المُرْتَدِّ، وهو مشروع هاهنا فوجَب ألا تكون الآية مُخْتَصَّة بالمرتدِّين. وخامسها: أنَّ قوله تعالى: ﴿الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً﴾ يتناول كل من يُوصَف بهذه سواءً كان مُسْلِماً أو كافراً، ولا يُقالَ: الآية نزلت في الكُفَّار؛ لأن العبرة بعُمُوم اللَّفْظ لا خُصوص السَّبَب، فإن قيل: المُحَارِبُون هم الذين يَجْتَمِعُون ولهم مَنَعَةٌ، ويَقْصدون المُسْلِمين في أرواحهم ودِمَائهم، واتَّفَقُوا على أنَّ هذه الصِّفَة إذا حصلت في الصَّحَراء كانوا قُطَّاع الطَّريق، وأما إن حصلت في الأمْصار، فقال الأوْزَاعيُّ ومالِكٌ واللَّيْث بن سَعْد والشَّافِعِيّ: هم أيضاً قُطَّاع الطَّريق، هذا الحدُّ عليهم، قالوا: وإنَّهم في المُدُن يكونون أعْظَم ذَنْباً فلا أقَلَّ من المُسَاوَاة، واحتَجُّوا بالآية وعُمُومها، ولأنَّ هذا حدّ فلا يَخْتَلِفُ كَسَائِر الحدود [وقال أبو حنيفة ومُحَمَّد: إذا حصل ذلك في المِصر لا يُقام عَلَيْه الحُدُود] لأنه لا يلحقه الغَوْثُ في الغالِبِ فلا يتمكَّن من المغالبة، فصار في حكم السَّارِق. فصل قوله تعالى في الآية ﴿أَن يقتلوا أَوْ يصلبوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ . اختلف العلماء في لفظة «أوْ» : فقال ابن عبَّاس في رواية الحسن، وسعيد بن المسيب، ومُجاهد، والنَّخْعِي: إنَّها للتَّخْيير، والمعنى: أنَّ الإمام مخيَّر في المُحَاربين، إن شاء قَتَلَ، وإن شَاء صَلَب، وإن شاء قَطَعَ الأيْدِي والأرجل، وإن شاء نَفَى، وقال ابن عبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - في رواية عطاء: «أوْ» هاهنا [لَيْسَت] للتَّخيير، بل لبيانِ الأحْكَام وتَرْتِيبهَا. قال ابن عبَّاس - رضي الله تعالى عنهما - في قُطَّاع الطريق إذا قتلوا وأخَذُوا المال: قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخُذُوا المال، قُتِلُوا ولم يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيْدِيهم وأرْجُلُهم، وإذَا قَتَلُوا ولم يَأخذُوا المالَ قُتِلُوا وَلَمْ يُصْلَبُوا، وإذا أخَذُوا المال ولم يَقْتُلُوا؛ قُطِعَتْ أيديهم وأرْجُلُهم من خلافٍ، وإذا أخافُوا السَّبيل، ولم يأخُذُوا مالاً؛ نُفُوا من الأرض، وهذا قول قتادة [والشَّافعي، والأوْزَاعِيِّ] ، وأصحاب الرَّأي. واختَلَفُوا في كَيْفِيَّة القَتْلِ والصَّلْب، فظاهر مَذْهَبِ الشَّافعيّ: أنه يُقْتَل ثم يُصْلَب، وقيل: يُصْلب حيّاً ثم يُطْعَن حتى يموت مصْلُوباً، وهو قول اللَّيْث بن سَعْد، وقيل: يُصْلَب ثلاثة أيَّام، ثم ينزل ثم يُقْتَل، وإذا قَتَلَ يُقْتَلُ حتماً، لا يسقط بعَفْو وَلِيّ الدَّم. واختُلِفَ في النَّفْي: فقال سعيد بن جُبَيْر، وعُمَرُ بن عَبْد العزِيز: أنَّ الإمام يطلبه ففي كُلِّ بلد يُوجَد ينفى عنه، وقيل: يُطْلَبُون ليُقَام عليهم الحُدُود، وهو قول ابن عبَّاس، واللَّيث بن سَعْد، وبه قال الشَّافعي، وإسْحَاق. وقال أبو حنيفة: النَّفْي هو: الحبس، وهو اخْتِيَار أهْل اللُّغَة. قالوا: لأن قوله ﴿أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض﴾ : إمَّا أن يكُون المُرَادُ به النَّفي من جميع الأرْضِ، وذلك غير مُمْكِن مع بَقَاءِ الحياة، [وإمَّا] أن يكون المُرَاد إخراجه من تلك البلدة إلى بَلْدَةٍ أخرى وهو غَيْر جَائِزٍ، لأنَّه إمَّا أن يُنْفَى من بِلاد الإسْلام فَيُؤذيهم، أو إلى بِلاد الكُفْر فيكون تَعْرِيضاً له بالرِّدَّة، وذلك غَيْرُ جَائِزٍ، فلم يَبْقَ إلاَّ أنْ يكُون المُراد من النَّفْي نَفْيهُ عن جميعِ الأرْض إلى مكانِ الحَبْس قالوا: والمَحْبُوس: قد يُسَمَّى منفياً من الأرض لأنه لا يَنْتَفِع بشيء من طَيِّبَات الدُّنيا ولذَّاتها، ولا يرى أحَداً من أحبابه، فصار منفياً عن اللَّذات والشَّهَوات والطَّيِّبات فكان كالمَنْفِي في الحقيقةِ، ولما حَبَسُوا صالح بن عبد القُدُّوس على تُهْمَة الزَّندقة في حبس ضيقٍ وطال لَبْثه هُنَاك ذكر شِعْر منه: [الطويل] 1957 - خَرَجْنَا مِنَ الدُّنْيَا وَنَحْنُ مِنَ اهْلِهَا ... فَلَسْنَا مِنَ الأمْوَاتِ فِيهَا ولا الأحْيَا وقال - سامَحه اللَّه وعفا عنه وعنَّا - قوله: [الطويل] 1958 - إذا [جَاءنَا] السَّجَّانُ يَوْماً لِحَاجَةٍ ... عَجِبْنَا وَقُلْنَا: جَاءَ هَذَا مِنَ الدُّنْيَا قوله تعالى: ﴿ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا﴾ . «ذلك» إشارةٌ إلى الجزاء المُتقدِّم، وهو مُبْتَدأ. وقوله: «لَهُمْ خِزْيٌ» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكُون «لهم» خبراً مُتقدِّماً، و «خِزْي» مُبْتَدأ مُؤخَّر، و «فِي الدُّنْيا» صِفَةٌ له، فيتعلق بمحذُوف، أو يتعلَّق بنفس «خِزْي» على أنَّه ظَرْفيَّة، والجُمْلَة في محلِّ رفع خبر ل «ذَلِكَ» . الثاني: أن يكون «خِزْي» خبراً ل «ذلك» ، و «لهم» مُتعلِّق بمحذُوف على أنَّه حال من «خِزْي» ؛ لأنَّه في الأصْل صِفَةٌ له، فلمَّا قُدِّم انْتَصَب حالاً. وأمَّا «في الدُّنْيَا» فيَجُوز فيه الوجهان المتقدِّمان من كونهِ صِفَةً ل «خزي» أو مُتعلِّقاً به، ويجُوزُ فيه أن يكون مُتعلِّقاً بالاسْتِقْرَار الذي تعلَّق به «لَهُم» . الثالث: أن يكون [ «لَهُمْ» ] خبراً ل «ذلك» و «خِزْي» فاعل، ورفع الجار هنا الفاعل لمَّا اعْتَمَد على المُبْتدأ، و «فِي الدُّنْيَا» على هذا فيه الأوْجُه الثلاثة. * فصل في شبهة للمعتزلة وردها المراد بالخِزْي في الدُّنْيَا: الفَضِيحة والهَوَان والعَذَاب، ولَهُمْ في الآخرة عَذَابٌ عَظِيم. قالت المُعْتَزِلَةُ: دلَّت الآية [على القَطْعِ بوَعِيد] الفُسَّاق من أهْل الصَّلاة وعلى أنَّ عِقَابَهم قد أحْبَطَ ثوابهم؛ لأنَّه تعالى حَكَم بأنَّ ذلك لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وذلك يدل على أن اسْتِحْقَاقهم للذمِّ في الحَالِ، وإذا اسْتَحَقُّوا الذَّم في الحالِ امْتَنَع اسْتِحْقَاقهم للمَدْح والتَّعْظيم؛ لأنَّ ذلك جَمْعٌ بين الضِّدِّيْن، وإذا كان كذلِك ثَبَتَ القَطْع بوعيد الفُسَّاق، وثَبَتَ القول بالإحْبَاط. والجوابُ: لا نِزَاع بيننا وبَيْنَكم أنَّ هذا إنَّما يكون وَاقِعاً على جِهَة الخِزْي والاسْتِحْقَاقِ، إذَا لَمْ يَتقدَّمه تَوْبة، وإذا جازَ لكم [أن تَشْتَرِطُوا هذا الحُكْم بِعَدَم التَّوْبة] لِدَليل دَلَّ على اعْتِبَار هذا الشَّرْط، فنحن أيضاً نشترط لهذا الحُكْم عدم العَفْو، وحينئذٍ لا يَبْقَى الكلام إلاّ في أنَّهُ هل دَلَّ [على أنَّه - تعالى -] يَعْفُو عن الفُسَّاق أم لا؟ وقد تقدَّمت هذه المسْألة في سُورة البقرة عند قوله تعالى ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ [البقرة: 81] . قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه مَنْصُوب على الاسْتِثْنَاء من المحاربين، وللعُلَماء خلافٌ في التَّائِب من قُطَّاع الطَّريق، هل تَسْقط عنه العُقُوبات كُلُّها، أو عقوبة قَطْع الطَّريق فقط؟ . وأما ما يتعَلَّق بالأمْوَال وقتل الأنْفُس، فلا تسقط، بل حُكْمُه إلى صاحِبِ المال، وَوَلِيّ الدَّم، والظَّاهر الأوّل. الثاني: أنَّه مرفوع بالابْتِدَاء، والخبر قوله: «فإنَّ الله غَفُورٌ رحيم» والعَائِد مَحْذُوف، أي: غفور له؛ ذكر هذا الثَّاني أبُو البقاء. وحينئذٍ يكون استثناءً مُنْقَطِعاً بمعنى: لكن التَّائِب يُغْفَر لَهُ. فصل من ذَهَب إلى أنَّ الآية نَزَلَت في الكُفار قال: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ : من شركهم: وأسْلَموا قبل أن تَقْدِروا عليهم فَلاَ سَبِيل عليهم بِشَيْءٍ من الحدُود ولا تَبِعَة عليهم فيما أصَابُوا في حال الكُفْر من دَمٍ أوْ مَال. أما المُسْلِمُون المحاربون: فمن تاب منهم قبل القُدْرَة عَلَيْه، وهو قبل أنْ يَظْفَر بِهِمُ الإمَام تَسْقُط عَنْهُ كل عُقُوبة وجبت حقاً لله تعالى، ولا يَسْقُط ما كان من حُقُوق العِبَاد، فإذا كان قد قَتَل في قَطْعِ الطَّريق يسقُطُ عنه بالتَّوْبة [قبل القُدْرَة عليه] تحتُّم القَتْل، ويبقى عليه القِصَاصُ لولي القَتِيل إن شَاءَ عفا عنه، وإن شَاءَ اسْتَوْفَاه، وإن كان قد أخَذَ المال يَسْقُط عنه القَطْع، وإن كان جمع بَيْنَهُما يسقط عنه تحتُّم القَتْل والصَّلْب، ويجب ضَمَان المال. وقال بعضهُم: إذا جاء تَائباً قبل القُدْرَة [عليه لا يكون لأحد عليه تبعة في دم ولا مال إلاّ أن يوجد معه مال بعينه فيردّه إلى صاحبه. روي عن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه في حارثة بن زيد كان خرج محارباً فسفك الدماء، وأخذ الأموال ثم جاء تائباً قبل أن يقدر عليه فلم يجعل له عليه تبعة. أما من تاب بعد القدرة] فلا يَسْقُط عنه شيء منها. وقيل: كُلُّ عقُوبة تجب حقاً لِلَّه - تعالى - من عُقُوبَات قَطْع الطَّريق، وقطع السَّرقة، وحدِّ الزنا، والشُّرب تَسْقُط بالتَّوْبة بكل حال كما تقدَّم والأكْثَرُون على أنَّها لا تَسْقُط.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.