الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ﴾ التَّنَاهِي هاهُنَا له مَعْنَيَانِ: أحدهما: الذي عَلَيْه الجُمْهُور أنَّهُ تَفَاعُل من النَّهي أي: كان لا ينهى بَعْضُهُم بَعْضاً. روى ابنُ مسعُود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - عن النبي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم - قال: «كَانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُم مِنْ بَني إسْرَائِيلَ إذا عَمِلَ العَامِلُ بالخَطِيئَةِ نَهَاهُ النَّاهِي تعذيراً، فَإذَا كَانَ مِنَ الغَدِ جَاءَ لَهُ وواكلَهُ وشَارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ على الخَطِيئَةِ بالأمْسِ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُم ضَرَبَ قُلُوبَ بَعْضِهِم عَلَى بَعْضِ، وجَعَلَ مِنْهُم القِرَدَةَ والخَنَازِيرَ، ولَعَنَهُمْ على لِسَانِ دَاوُدَ وعيسَى ابْنِ مَريمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ والَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ لَتَأمُرُنَّ بالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكر ولتأخُذُنَّ عَلَى يَدِ السَّفِيهِ ولَتأطرنَّه على الحقِّ أطْراً أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْعَنُكُم كَما لَعَنَهُم» . المعنى الثاني: التَّنَاهِي بمعنى الانتِهَاء، يُقَال: انْتَهَى الأمر، وتَنَاهَى عَنْهُ إذا كَفَّ عَنْه. وقوله تعالى: ﴿عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ : متعلِّقٌ ب «يَتَناهَوْنَ» و «فَعَلُوهُ» صفةٌ ل «مُنْكَرٍ» ، قال الزمخشريُّ: «ما معنى وصفِ المنكرِ ب» فَعَلُوهُ «، ولا يكونُ النَّهْيُ بعد الفِعْلِ؟ قلتُ: معناه لا يتناهَوْنَ عن معاودةِ منْكَرٍ فعَلُوهُ، أو عن مِثْلِ مُنْكَر فَعلُوهُ، أو عن منْكرٍ أرادُوا فِعْلَهُ، كما ترى أماراتِ الخَوْضِ في الفسْقِ وآلاتِه تُسوَّى وتُهَيَّأُ، ويجوز أن يُرادَ: لا ينتهون ولا يمتنعونَ عن مُنْكَرٍ فعلُوه، بل يُصِرُّونَ عليه ويُداوِمُونَ، يقال: تناهَى عن الأمر وانتهى عنه، إذا امتنع منه» . وقوله تعالى: «لَبِئْسَمَا» : و «بِئْسَمَا قَدَّمَتْ» قد تقدَّم إعرابُ نظيرِ ذلك [الآية 9 في البقرة] ؛ فلا حاجة إلى إعادته، وهنا زيادةٌ أخرى؛ لخصوصِ التركيب يأتي الكلامُ عليها. قوله تعالى: ﴿ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ قيل: مِنَ اليَهُود كَعْبُ بنُ الأشْرَف، ﴿يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ﴾ مُشْرِكي مَكَّةَ حين خَرَجُوا إليهم يجيشون على النَّبِي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -. وقال ابنُ عبَّاس والحَسَنُ ومُجَاهِد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: «مِنْهُمْ» يعني المُنَافِقِين يَقُولُون لِلْيَهُود: «لِبِئْسَ ما قدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ» ، بِئسَ مَا قَدَّموا من العَملِ لمعَادِهِم في الآخِرَة. قوله تعالى: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ في محلِّه أوجهٌ: أحدها: أنه مرفوعٌ على البدلِ من المخصُوصِ بالذمِّ، والمخصوصُ قد حُذِفَ، وأُقيمَتْ صفتُه مقامه، فإنك تُعْرِبُ «مَا» اسماً تامّاً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذمِّ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و ﴿قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ جملةٌ في محلِّ رفع صفةً له، والتقديرُ: لَبِئْسَ الشيءُ شَيءٌ قَدَّمَتْهُ لَهُمْ أنْفُسُهمْ، ف ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ بدلٌ من «شَيْء» المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه؛ كما تقدَّم تقريرُه. الثاني: أنه هو المخصوصُ بالذمِّ، فيكونُ فيه الثلاثةُ أوجه المشهورة: أحدها: أنه مبتدأٌ، والجملةُ قبله خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ ذلك، أو لا يحتاج إلى رابط؛ لأن الجملةَ عينُ المبتدأ. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ لأنك لمَّا قلت: «بِئْسَ الرَّجُلُ» قيل لك: مَنْ هو؟ فقلتَ: فلانٌ، أي: هُوَ فلانٌ. الثالث: أنه مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشريِّ، ولم يذكر غيره، قال: ﴿أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ﴾ هو المخصوصُ بالذمِّ؛ كأنه قيل: لبِئْسَ زادُهُمْ إلى الآخرة سخطُ اللَّهِ تعالى عليْهِمْ، والمعنى: مُوجِبُ سُخط الله» ، قال شهاب الدين: وفي تقدير هذا المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفَى على متأمِّلِهِ؛ فإنَّ نفسَ السُّخْطِ المضاف إلى الباري تعالى لا يقالُ هو المخصوصُ بالذمِّ، إنما المخصوصُ بالذمِّ أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاَ الواحديُّ ومكي وأبو البقاء، إلاَّ أنَّ أبا حيان بعد أنْ حكى هذا الوجه عن أبي القاسم الزمخشريِّ قال: «ولَمْ يَصِحَّ هذا الإعرابُ إلا على مذهبِ الفرَّاءِ والفارسيِّ في جَعْلِ» مَا» موصولةً، أو على مذهب من يجعلُ «مَا» تمييزاً، و «قَدَّمَتْ لَهُمْ» صفتها، وأمَّا على مذهبِ سيبويه، فلا يتأتَّى ذلك «ثم ذكر مذهبَ سيبويه. والوجه الثالث من أوجه» أنْ سَخِطَ» : أنه في محلِّ رفع على البدلِ من «مَا» ، وإلى ذلك ذهب مكي وابنُ عطية، إلا أن مكِّيًّا حكاه عن غيره، قال: «وقيل: في موضعِ رفع على البدلِ من» مَا» في «لَبِئْسَ» على أنها معرفةٌ» ، قال أبو حيان - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطيَّة -: «ولا يَصِحُّ هذا، سواءٌ كانت» مَا» تامَّةً أو موصولةً؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، و «أنْ سَخِطَ» لا يجوزُ أنْ يكونَ فاعلاً ل «بِئْسَ» ؛ لأنَّ فاعل «بِئْسَ» لا يكونُ أن والفِعْلَ «وهو إيرادٌ واضحٌ كما قاله. الوجه الرابع: أنه في محلِّ نصْبٍ على البدلِ من» مَا» ، إذا قيل بأنها تمييزٌ، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء، وهذا لا يجوزُ ألبتة؛ وذلك لأنَّ شرطَ التمييز عند البصريين أن يكون نكرةً، و «أنْ» وما في حيِّزها عندهم من قبيل أعرف المعارفِ؛ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك، فكيف يَقعُ تمييزاً؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدَلِ منه؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّهم لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ المبدَلِ منه؛ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّهم لا يجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خُصُوصاً أنْ والفعل. الخامس: أنه في محلِّ نصبٍ على البدل من الضمير المنصوب ب «قَدَّمَتْ» العائدِ على «مَا» الموصولةِ أو الموصوفة؛ على حسبِ ما تقدَّم، والتقديرُ: قدَّمَتْهُ سُخْطَ الله؛ كقولك: «الذي رَأيْتُ زَيْداً أخُوكَ» وفي هذا بحثٌ يذكَرُ في موضعه. السادس: أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض؛ إذ التقديرُ: لأنْ سخطَ، وهذا جارٍ على مذهب سيبويه والفراء؛ لأنهما يَزْعُمان أنَّ محل «أنْ» بعد حذْفِ الخافض في محلِّ نصب. السابع: أنه في محلِّ جرٍّ بذلك الخافضِ المقدَّرِ، وهذا جارٍ على مذهبِ الخليلِ والكسائيِّ؛ لانهما يَزْعُمان أنَّها في محل جرٍّ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرَّةٍ، وعلى هذا، فالمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي: لَبِئْسَمَا قدَّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُمْ عَملُهُمْ أو صُنْعُهُمْ، ولامُ العلَّةِ المقدَّرة معلَّقَةٌ إمَّا بجملةِ الذمِّ، أي: سببُ ذَمِّهِمْ سُخْطُ اللَّهِ عليهم، أو بمحذوفٍ بعده، أي: لأنْ سخطَ اللَّهُ عليْهِمْ كَانَ كَيْتَ وكَيْتَ. و «تَرَى» يجوز أنْ تكونَ مِنْ رؤية البَصَر، ويكونُ الكثيرُ المعاصرين لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وأن تكونَ العلميَّةَ، والكثيرُ على هذا أسلافُهم، فمعنى «تَرَى» : تَعْلَمُ أخبارَهم وقصَصَهم بإخبارنا إيَّاك، فعلى الأوَّل يكون قوله «يَتَوَلَّوْن» في محلِّ نصبٍ على الحال، وعلى الثَّاني يكون في محلِّ نصبٍ على المفعول الثاني. قوله تعالى: «ولو كانوا» : الظاهرُ أنَّ اسم «كَانَ» وفاعل «اتَّخَذُوهُمْ» عائدٌ على «كَثِيراً» من قوله:» ﴿ترى كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ ، والضميرُ المنصوب في «اتَّخَذُوهمْ» يعودُ على» الَّذِينَ كَفَرُوا «في قوله: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ﴾ . والمعنى: لوْ كانُوا يُؤمِنُون باللَّه، والنَّبِيِّ، وهو مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وما أُنْزِلَ إليهِ ما اتَّخَذُوا المُشْركين أوْلِيَاء؛ لأنَّ تَحْريمَ ذلك مُتَأكدٌ في التَّوْرَاة، وفي شَرْع مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فلمَّا فَعَلُوا ذلك، ظَهَرَ أنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُمْ تَقْرِير دين مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - بل مرادُهُمُ الرِّياسَةُ والجَاهُ، ويسعونَ في تَحْصيلهِ بأيِّ طريقٍ قدروا عليه، وبهذا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بالفِسْقِ، فقالَ تعالى: ﴿ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . وأجاز القفَّالُ أن يكون اسم» كَانَ «يعودُ على» الَّذِينَ كَفَروا» ، وكذلك الضميرُ المنصوبُ في «اتَّخَذُوهُمْ» ، والضميرُ المرفوعُ في «اتَّخَذُوهُمْ» يعودُ على اليهود، والمرادُ بالنبيِّ [محمدٌ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتقديرُ: ولو كان الكافرون المُتَولَّوْنَ مؤمنينَ بمحمَّدٍ والقرآنِ، ما اتخذَهُمْ هؤلاء اليهودُ أولياءَ، والأولُ أوْلَى؛ لأن الحديثَ عن كثيرٍ، لا عن المتولَّيْنَ، وجاء جواب» لَوْ «هنا على الأفصحِ، وهو عدمُ دخولِ اللام عليه؛ لكونه منفيًّا؛ ومثله قول الآخر: [البسيط] 2030 - لَوْ أنَّ بالعْلمِ تُعْطَى مَا تَعِيشُ به ... لَمَا ظَفِرْت مِنَ الدُّنْيَا بِثُفْرُوقِ وقوله تعالى: ﴿ولكن كَثِيراً مِّنْهُمْ﴾ هذا الاستدراكُ واضحٌ بما تقدَّم، وقوله تعالى:» كَثِيراً» هو من إقامةِ الظاهرِ مقام المضمر؛ لأنه عبارةٌ عن «كَثِيراً منهم» المتقدِّم؛ فكأنه قيل: تَرَى كثيراً مِنْهُمْ، ولكنَّ ذلك الكَثِيرَ، ولا يريدُ، ولكنَّ كثيراً من ذلك الكَثِيرِ فَاسِقُون.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.