الباحث القرآني

في المرادِ بالصَّيْدِ قولان: الأوَّلُ: الذي توحَّشَ، سواءً كان مَأكُولاً أو لم يَكُنْ، فعلى هذا المُحْرِم إذا قتل سَبُعاً لا يُؤكَلُ لَحْمُهُ ضَمِن، ولا يجاوزُ به قِيمَة شَاةٍ، وهو قولُ أبِي حنيفةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -. وقال زُفَر: [يجب] قيمَتُهُ بَالِغاً ما بَلَغَ. الثاني: أنَّ الصَّيْدَ هو ما يُؤكَل لَحْمُهُ، فعلى هذا لا يجبُ الضَّمانُ ألْبَتَّةُ في قَتْلِ السَّبُع، وهو قولُ الشَّافعيِّ [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -] وغيره، وحكم أبو حنيفةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنَّه لا يَجِبُ الجَزَاءُ في قَتْلِ الفواسِقِ الخَمْس، وفي قَتْل الذِّئْبِ، واسْتَدَلَّ الشافعيُّ بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة: 96] ، فأحلَّ الصَّيْدَ خَارِجَ الإحْرَام، فَثَبَت أنَّ الصيد هو ما أحِلَّ أكْلُهُ. وقال - عليه الصَّلاة والسَّلام -: «خَمْسٌ فواسقٌ يُقْتَلن في الحلِّ والحَرَم:» الغُرَابُ، والحدَأةُ، والحَيَّةُ، والعقرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ» وفي روايةٍ «والسَّبُع العَادِي» ، فوصَفُوهَا بِكَوْنِهِا فواسق، فدل على أنّ كونهَا فواسِق عِلَّة لِحِلِّ قَتْلِها. ومعنى كونِها فواسِق كونُها مُؤذِيَة، والأذَى في السِّبَاع أقْوى مِنْهَا، فوجَبَ جَوَازُ قَتْلِهَا. قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ : في محلِّ نصب على الحال من فاعل «تَقْتُلُوا» ، و «حُرُمٌ» جمع حرام، وحرامٌ يكون للمُحْرِمِ، وإنْ كان في الحلِّ، ولِمَنْ في الحرمِ، وإنْ كان حلالاً، وهما سيَّان في النهي عن قتل الصيد وهل يدخل فيه المحرمُ بالعُمْرة؟ فيه خلافٌ، وهذه الآيةُ نَزَلَتْ في رَجُلٍ يُقَالَ لَهُ: أبو اليَسَرِ شدَّ على حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وهو مُحْرِمٌ فَقَتلَهُ، وهذا يَدُلُّ على المنْعِ من القَتْلِ ابتداء، والمَنْعُ مِنْه تَسَبُّباً، فَلَيْسَ لهُ أنْ يتعَرَّضَ للصَّيْد ما دامَ مُحْرِماً، لا بالسِّلاح ولا بالجَوارِحِ من الكلابِ والطَّيْرِ، سواء كان الصَّيْدُ صَيْد الحِلِّ أو الحَرَمِ، وأمَّا الحلالُ فلَهُ أنْ يَتَصيَّدَ في الحلِّ وفي الحَرَم. قوله تعالى: «مِنْكُمْ» في محل نصبٍ على الحال من فاعل «قَتَلَهُ» ، أي: كائناً منْكُمْ، وقيل: «مِنْ» للبيان، وليس بشيء؛ لأنَّ كُلَّ من قتل صَيْداً حكمُه كذلك، فإن قُلْتَ: هذا واردٌ أيضاً على جعله حالاً، فالجواب: لم يُقْصَدْ لذلك مفهومُ؛ حتَّى إنه لو قتله غيرُكُمْ، لم يكن عليه جزاءٌ؛ لأنَّه قصد بالخطابِ معنًى آخرَ، وهو المبالغةُ في النهي عن قَتْلِ الصيد. قوله: «مُتَعَمِّداً» حالٌ أيضاً من فاعل «قَتَلَهُ» ، فعلى رأي مَنْ يُجَوِّز تعدُّدَ الحال، يُجيز ذلك هنا، ومن منع يقول: إنَّ» مِنْكُمْ «للبيانِ؛ حتَّى لا تتعدَّد الحالُ، و» مَنْ» يُجَوِّزُ أنْ تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ، وموصولةً، والفاءُ لشبهها بالشرطيةِ، ولا حاجةَ إليه وإنْ كانوا فعلوه في مواضع. قوله تعالى: «فَجَزَاءٌ» الفاءُ جوابُ الشرطِ أو زائدةٌ؛ لشبه المبتدأ بالشرط؛ فعلى الأوَّل: الجملةُ بعدها في محلِّ جزمٍ؛ وعلى الثاني: في محلِّ رفعٍ، وما بعد «مَنْ» على الأولِ في محلِّ جزمٍ؛ لكونه شرطاً؛ وعلى الثاني: لا محلَّ له لكونه صلةً، وقرأ الكوفيُّون: «فَجَزاءٌ مثلُ» بتنوين «جَزَاء» [ورفعه] ورفع «مِثْلُ» ، وباقي السبعة برفعه مضافاً إلى «مِثْل» ، ومحمَّد بن مُقاتِل بتنوين «جَزَاءً» ، ونصبه، ونصب «مِثْلَ» ، والسُّلَمِي برفع «جَزَاءٌ» منوناً، ونصب «مِثل» ، وقرأ عبد الله «فَجَزَاؤهُ» برفع «جَزَاء» مضافاً لضمير «مِثْل» رفعاً. فأمَّا قراءةُ الكوفيِّين فواضحةٌ لأنَّ «مِثْل» صفةٌ ل «جَزَاء» ، أي: فعليْه «جَزَاءٌ» موصوفٌ بكونه «مِثْلَ ما قَتَلَهُ» أي مماثله. قالوا: ولا يَنْبَغِي إضافَةُ جزاءٍ إلى المثْلِ، ألا ترى أنَّهُ ليْسَ عليْه جَزَاءُ مثل ما قتلَ في الحقيقَةِ، إنَّمَا عليه جَزَاءُ المقْتُولِ لا جَزَاء مثل المقَتُول الذي لم يَقْتُلْه. وجَوَّز مكي وأبو البقاء وغيرُهما أنْ يرتفعَ «مِثْل» على البدلِ، وذكر الزجَّاج وجْهاً غريباً، وهو أن يرتفع «مِثْلُ» على أنه خبرٌ ل «جَزَاءٌ» ، ويكونُ «جزَاءٌ» مبتدأ، قال: «والتقديرُ: فجزاءُ ذلك الفعلِ مِثْلُ ما قتل» ؛ قال شهاب الدين: ويؤيِّد هذا الوجه قراءةُ عبد الله: «فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ» ، إلاَّ أن الأحسنَ أن يقدِّر ذلك المحذوف ضميراً يعودُ على المقتول، لا أنْ يُقَدِّره: «فَجَزَاءُ ذلك الفِعْلِ» و «مِثْلُ» بمعنى مماثل قال مكيٌّ: قاله الزمخشريُّ، وهو معنى اللَّفْظِ، فإنَّها في قُوَّةِ اسم فاعل، إلاَّ أنَّ مَكِّيًّا تَوَهَّم أن «مِثْلاً» قد يكون بمعنى غير مماثل؛ فإنه قال: «ومثل» في هذه القراءة - يعني قراءة الكوفيين - بمعنى مُمَاثِل، والتقديرُ: فَجَزَاءٌ مُمَاثِلٌ لما قَتَل، يعني في القيمةِ، أو في الخِلْقَةِ؛ على اختلافِ العلماء، ولو قَدَّرْتَ مِثْلاً بعيْنِهِ لا جَزَاءٌ مِثْلُه؛ لأنه إذا ودى جزاءً مثل المقْتُولِ، صار إنما ودى جزاء ما لم يُقْتَلْ؛ لأنَّ مثل المقتولِ لم يَقْتُلْهُ، فصَحَّ أن المعنى: فعليه جزاءٌ مماثِلٌ أبداً، فكيف يقول «ولَوْ قَدَّرْتَ مِثْلاً على لفْظه؟» وأيضاً فقوله: «لصار المعنى إلى آخره» هذا الإشكالُ الذي ذكره لا يُتَصَوَّرُ مجيئُه في هذه القراءة أصْلاً، وإنما ذَكَرَهُ الناسُ في قراءةِ الإضَافَة؛ كما سيأتي، وكأنه نَقَلَ هذا الإشكالَ من قراءةِ الإضافةِ إلى قراءةِ التنوين. وأمَّا قراءة باقي السَّبْعة، فاستبعَدَهَا جماعةٌ، قال الواحِدِيُّ: «ولا ينبغي إضافةُ الجزاءِ إلى المثلِ؛ لأنَّ عليه جزاءَ المقتولِ لا جزاءَ مِثلِه، فإنه لا جزاءَ عليه لَمَّا لم يقتلْه» . وقال مكيٌّ بعد ما تقدَّم عنه: «ولذلك بَعُدَت القراءةُ بالإضافة عند جماعةٍ؛ لأنها تُوجِبُ جزاءً مثلَ الصيْدِ المقْتُولِ» ولا التفاتَ إلى هذا الاستبعادِ؛ فإنَّ أكثر القراء عليها، وقد أجاب الناسُ عن ذلك بأجْوبةٍ سديدةٍ، لمَّا خفيتْ على أولئكَ طَعنُوا في المُتَوَاتِرِ، منْها: أنَّ «جَزَاء» مصدرٌ مضافٌ لمفعوله؛ تخفيفاً، والأصلُ: فعليه جزاءٌ مِثْلُ ما قَتلَ، أي: أن يَجْزِيَ مثل ما قتلَ، ثم أُضيفَ، كما تقول: «عَجِبْتُ مِنْ ضَرْبٍ زَيْداً» ثم «مِنْ ضَرْبٍ زَيْدٍ» ذكر ذلك الزمخشريُّ وغيره، وبَسْطُ ذلك؛ أنَّ الجزاءَ هنا بمعنى القضاء، والأصلُ: فعليه أن يُجْزَى المقتولُ من الصيْدِ مثله من النَّعَمِ، ثم حُذِف المفعولُ الأوَّلُ؛ لدلالة الكلامِ عليه، وأُضيفَ المَصْدَرُ إلى ثانيهما؛ كقولك: «زَيْدٌ فَقِيرٌ ويُعْجِبُنِي إعْطَاؤُكَ الدِّرْهم» ، أي: إعطاؤكَ إيَّاه، ومنها: أنَّ «مِثْل» مُقْحَم؛ كقولهم: «مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ» ، [أي: أنْتَ لا تفعَلُ ذلك] وأنَا أكْرِمُ مثلك أيْ: أنا أكْرِمُكَ، ونحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] أي: بِمَا آمَنْتُمْ به، وكقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ، والتقديرُ ليس كهو شيءٌ ف «مِثْل» زائدةٌ. وقوله تعالى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات﴾ [الأنعام: 122] ، ومِنْهَا أن يكونَ المعنى «فَجَزَاءٌ من مِثْلِ ما قَتَلَ من النَّعَم» كقولك: «خَاتِمُ فضَّة» أي: «خاتمٌ من فضةٍ» ، وهذا خلاف الأصْلِ فالجوابُ ما تقدَّم و «مَا» يجوزُ أن تكون موصولةً اسميَّة، أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ محذوفٌ على كلا التقديرين، أي: مثلُ ما قَتَلَهُ من النَّعَمِ. فَمَنْ رفع «جَزَاء» ففيه أربعة أوجه: أحدها: أنه مرفوع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ، تقديرُه: فعليه جزاء. والثاني: أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، تقديرُه: فالواجبُ جزاء. والثالث: أنه فاعلٌ بفعل محذوف، أي: فيلزَمُه الجزاءُ، أو يَجِبُ عليه جزاءٌ. الرابع: أنه مبتدأ وخبره «مِثْل» ، وقد تقدَّم أن ذلك مذهبُ أبي إسْحَاق الزجَّاج، وتقدم أيضاً رفع «مِثْل» في قراءة الكوفيين؛ على أحدِ ثلاثةِ أوجه: النعْتِ، والبدلِ، والخبرِ؛ حيث قلنا: «جَزَاء» مبتدأٌ عند الزجَّاج. وأمَّا قراءةُ «فَجَزَاؤه مِثْلُ» ، فظاهرةٌ أيضاً، وأمَّا قراءة «فَجَزَاءٌ مِثْلَ» برفع «جَزَاءٌ» وتنوينه، ونصب «مِثْل» ، فعلى إعمال المصدر المنوَّنِ في مفعوله، وقد تقدَّم أنَّ قراءة الإضافة منه، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: 14 - 15] وفاعلُه محذوف، أي: فجزاءُ أحدِكُمْ أو القاتلِ، أي: أنْ يُجْزَى القاتلُ للصَّيْدِ، وأما قراءة: «فَجَزَاءً مِثْلَ» بنصبهما ف «جَزَاءً» منصوبٌ على المصدر، أو على المفعول به، و «مِثْلَ» صفتُه بالاعتبارين، والتقدير: فَلْيَجْزِ جَزَاءً مِثْلَ، أو: فَلْيُخْرِجْ جَزاءً، أو فليُغَرَّمْ جَزَاءً مِثْلَ. قوله: «مِنَ النَّعَمِ» فيه ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنه صفةٌ ل «جَزَاء» مطلقاً، أي: سواءً رُفِعَ أم نُصِبَ، نُوِّن أم لم يُنَوَّنْ، أي: إنَّ ذلك الجزاءَ يكونُ من جنسِ النَّعَمِ، فهذا الوجهُ لا يمتنع بحالٍ. الثاني: أنه متعلق بنفسِ «جَزَاء» ؛ لأنه مصدرٌ، إلا أنَّ ذلك لا يجوزُ إلا في قراءة من أضاف «جَزَاء» إلى «مثْل» ، فإنه لا يلزمُ منه محذورٌ؛ بخلافِ ما إذا نَوَّنْتَهُ، وجعلتَ «مِثْلَ» صفته، أو بدلاً منه، أو خبراً له؛ فإنَّ ذلك يمتنع حينئذ، لأنَّك إنْ جَعلْتَه موصوفاً ب «مِثْل» كان ذلك ممنوعاً من وجهين: أحدهما: أنَّ المصدرَ الموصوفَ لا يعملُ، وهذا قد وُصِفَ. والثاني: أنه مصدر، فهو بمنزلةِ الموصولِ، والمعمولُ من تمامِ صلته، وقد تقرَّر أنه لا يُتْبَعُ الموصولُ إلا بعد تمام صلته؛ لئلا يلزمَ الفصلُ بأجنبيٍّ، وإنْ جعلْتَه بدلاً، لَزِم أن يُتْبَعَ الموصولُ قبل تمام صلته، وإنْ جَعَلْتَه خبراً، لزم الإخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صلته، وذلك كلُّه لا يجوزُ. الثالث: ذكره أبو البقاء وهو أنْ يكون حالاً من عائدِ الموصولِ المحذوفِ؛ فإنَّ التقدير: فجزاءً مثل الذي قتله حالَ كونه من النَّعَم، وهذا وَهْمٌ؛ لأن الموصوف بكونه من النَّعم، إنما هو جزاءُ الصيد المقتولِ، وأمَّا الصيد نفسُه، فلا يكونُ من النعم، والجمهورُ على فَتْحِ عَيْن «النَّعَم» ، وقرأ الحسن بسكُونها، فقال ابنُ عطيَّة: «هي لغةٌ» ، وقال الزمخشريُّ: استثقَلَ الحركةَ على حرفِ الحلق، كما قالوا: «الشَّعْرُ» في «الشَّعَرِ» . فصل اخْتَلَفُوا في هذا العَمْد: فقال قَوْمٌ: هو تَعَمُّدُ قتْل الصَّيْد مع نسْيَان الإحْرَام، أمَّا إذا قَتَلَهُ عَمْداً وهو ذَاكِرٌ لإحْرَامِهِ، فلا حُكْمَ عليه، وأمْرُهُ إلى اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أعْظَمُ مِنْ أنْ يكون له كفَّارةٌ، وهو قوْلُ مُجَاهِد والحَسَن. وقال آخَرُون: هُنَاكَ فَرْقٌ بين أن يَعْمَدَ المُحْرِمُ قَتْلَ الصَّيْد ذاكراً لإحْرَامِهِ، فعليه الكَفَّارَةُ، واخْتَلَفُوا فيمَا لو قَتَلَهُ خَطَأً، فذهَبَ أكْثَرُ الفُقَهَاء إلى أنَّ العَمْدَ والخَطَأ وَاحِدٌ في لُزُومِ الكَفَّارَةِ. قال الزُّهرِي: على المُتَعَمِّدِ بالكِتَاب، وعلى المُخْطِئ بالسُّنَّةِ وقال سَعِيدُ بن جُبَيْر: لا تجبُ كفَّارةُ الصَّيْد بِقَتْلِ الخَطَأ، وهُوَ قول دَاوُد. فصل المُرَادُ بالمِثْلِ ما يَقْرُبُ من الصَّيدِ المقْتُولِ شَبَهاً من حيث الخِلْقَةِ، لا من حَيْثُ القِيمَة. وقال محمَّدٌ بنُ الحسنِ: الصَّيدُ ضرْبَانِ: مَا لَهُ مِثلٌ، وما لا مِثْلَ له. فما له مثلٌ يُضْمَنُ بِمِثْلِه من النَّعَمِ، وما لا مِثْلَ لَهُ يُضْمَنُ بالقِيمَة. وقال أبو حَنيفَةَ وأبو يُوسُف: المِثْلُ الواجبُ هو القِيمَةُ. فصل إذا قَتَل المُحْرِمُ الصَّيْدَ وأدَّى جَزاءَه، ثم قتل صَيْداً آخَر لَزِمَه جَزَاء آخَر، وقال دَاوُدُ: لا يَجِبُ، وحجَّةُ الجُمْهُورِ هذه الآيَةُ، فإنَّ ظَاهِرَهَا يقْتَضِي أن يكُون علَّةُ وُجُوب الجَزَاءِ هو القَتْلُ، فوجَبَ أنْ يتكرَّر الحُكْمُ بِتكْرَارِ العِلَّةِ، فإن قيل: إذا قَالَ الرَّجُل لِنِسَائِهِ من دَخَلَتْ مِنْكنَّ الدَّارَ فِهِي طَالِقٌ، فدخلت واحِدَةٌ مرَّتَيْنِ، لم يقع الطَّلاق مرَّتَيْن. فالجوابُ أنَّ القَتْلَ عِلَّة لوُجُوبِ الجَزَاء، فيلْزَمُ تكْرَار الوُجُوبِ لِتكْرارِ العِلَّةِ، وأمَّا دُخُولُ الدَّارِ فهو شَرْطٌ لوُقُوعِ الطَّلاق، فلَمْ يَلْزَم تكْرَارُ الحُكْم عند تكْرارِ الشَّرْط، واحْتَجَّ داوُدُ بقوْلِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ فجَزَاءُ العَائِدِ الانْتِقَامُ لا الكَفَّارةُ. قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ في موضع نصْبٍ على الحال منه، أو على النَّعْتِ ل «جَزَاء» فيمَنْ نَصَبه، وخصَّصَ أبو البقاء كونه صفةً بقراءةِ تنوين «جَزَاء» ، والحالَ بقراءةِ إضافته، ولا فرقَ، بل يجوزُ أنْ تكون الجملةُ نعتاً أو حالاً بالاعتبارين؛ لأنه أذا أُضيفَ إلى «مِثْل» ، فهو باقٍ على تنكيرِه؛ لأنَّ «مِثْلاً» لا يتعرَّفُ بالإضافة، وكذا خَصَّصَ مكي الوصفَ بقراءةِ إضافةِ الجزاء إلى «مِثْل» فإنه قال: «ومِنَ النَّعَم في قراءةِ مَنْ أضافَ الجَزَاء إلى» مِثْل «صفةً ل» جَزَاء «، ويَحْسُنُ أنْ تتعلَّق» مِنْ «بالمصدر، فلا تكونُ صفةً، وإنما المصدرُ مُعَدى إلى» مِنَ النَّعَمِ «، وإذا جعلته صفةً، ف» مِنْ «متعلِّقةٌ بالخبرِ المحذوف، وهو فَعَلَيْهِ» ، وفي هذا الكلامِ نظرٌ مِنْ وجهَيْن: أحدهما: قد تقدَّم، وهو التخصيصُ بقراءةِ الإضافة. والثاني: أنه حين جعل «مِنَ النَّعَم» صفةً عَلَّقها بالخبرِ المحذوفِ لِمَا تضمَّنه من الاستقرار؛ وليس كذلك؛ لأنَّ الجارَّ، إذا وقعَ صفةً تعلَّقَ بمحْذوفٍ، ذلك المحذوفُ هو الوصفُ في الحقيقةِ، وهذا الذي جعله متعلَّقاً لهذه الصفةِ ليس صفةً للموصوف في الحقيقةِ، بل هو خبرٌ عنه؛ ألا ترى أنك لو قلت: «عِنْدِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ» أنَّ «مِنْ بَنِي» متعلِّقٌ بوصفٍ محذوفٍ في الحقيقة، لا بقولِكَ «عِنْدِي» ، ويمكن أن يُقال - وهو بعيدٌ جِدًّا - إنه أراد التعلُّقَ المعنويَّ؛ وذلك أنَّ العاملَ في الموصوفِ عاملٌ في صفته، و «عَلَيْهِ» عاملٌ في «جَزَاء» ، فهو عاملٌ في صفته، فالتعلُّقُ من هذه الحَيْثِيَّةِ، ولكن إنما يتأتَّى ذلك حيث جعلنا الخبرَ عاملاً في المبتدأ، أو قلنا: إنَّ الجارَّ يرفع الفاعلَ، ولو لم يعتمدْ وإنما ذكر هنا التوجيهاتِ؛ لأنَّ القائلين بذلك مِمَّنْ لا يُلْغَى قولهم بالكلية. والألفُ في «ذَوَا» علامةُ الرفع؛ لأنه مثنى، وقد تقدَّم الكلامُ في اشتقاق هذه اللفظةِ وتصاريفها [الآية 177 البقرة] ، وقرأ الجمهورُ: «ذَوَا» بالألف، وقرأ محمد بن جعفر الصادق: «ذُو» بلفظِ الإفراد، قالوا: ولا يريدُ بذلك الوَحْدة، بل يريدُ: يحكُمُ به مَنْ هو مِنْ أهْلِ العدل، وقال الزمخشريُّ: «وقيل: أراد الإمام» فعلى هذا تكونُ الوحْدَةُ مقصودةً، و «مِنْكُمْ» في محلِّ رفع صفةً ل «ذَوَا» ، أي: إنهما يكونان من جنْسِكُمْ في الدِّين، ولا يجوزُ أن تكونَ صفةً ل «عَدْل» ؛ لأنه مصدرٌ قاله أبو البقاء، يعني: أن المصدرَ ليس مِنْ جنْسِهِمْ، فكيف يُوصَفُ بكونه منهم؟ فصل المعنى يَحْكُمُ للجِزْاءِ رَجُلان عَدْلان قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد يَحُكم به في جَزَاءِ الصَّيْدِ رجُلانِ صالِحَان مِنْكُم، مِنْ أهلِ قِبْلَتِكُم ودينِكُمْ، فَقيهان عدْلان، فَيَنْظُرَان إلى أشْبَه الأشْيَاءِ من النَّعَم، فَيَحْكُمَان به، ومِمَّن ذَهَبَ إلى إيجَابِ المِثْلِ من النَّعَمِ: عُمَرُ، وعُثمَانُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْف، وابنُ عُمَرَ، وابنُ عبَّاسٍ، وغَيْرِهِمْ من الصَّحَابَة حَكَمُوا في بُلْدَان مخْتَلِفَة، وأزْمان شَتَّى بالمِثْل من النَّعَمِ، فحكمَ حَاكِمُهُم في النَّعَامةِ بِبدَنَة، وهي لا تُسَاوي بَقَرَةً، وفي الضَّبعِ كَبْشٌ وهو لا يساوي كَبْشاً، فدلَّ على أنهم نَظَرُوا إلى ما يَقْرُب من الصَّيْد شَبَهاً من حَيْث الخِلْقَة. ورُوِي عن عُمرَ، وعُثْمَان، وابن عباس: أنَّهم قَضَوْا في حَمَامِ مَكَّةَ بِشَاةٍ. ورَوَى جَابِر بنُ عبد اللَّه: أنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ قَضَى في الضَّبعِ بكَبْشٍ، وفي الغَزَالِ بِعَنْزٍ، وفي الأرْنَبِ بِعنَاقٍ، وفي اليَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ. وقال مَيْمُونُ بن مَهْرَان: جاءَ أعْرَابيٌّ إلى أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه - فقال: إنِّي أصيْتُ من الصَّيْد كَذَا وكَذَا، فسَألَ أبُو بكرٍ أبَيَّ بن كَعْبٍ، فقال الأعْرَابِيُّ: أتَيْتُكَ أسْألُكَ، وأنْتَ تَسألُ غَيْرَك، فقال أبُو بَكْرٍ: وما أنكَرْت من ذلك؟ قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ فشاوَرْتُ صَاحِبي، فإذا اتَّفَقْنَا على شَيءٍ أمَرْناكَ بِهِ. وعن قُبَيْصَة بن جَابِرٍ؛ أنه كان مُحْرِماً، فضرب ظْبياً فماتَ، فسأل عُمَرَ بن الخَطَّابِ، وكان إلى جَنْبِهِ عَبْدُ الرَّحْمَن بنُ عَوْف، فقال عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَن: ما ترى، قال: عليه شاةٌ، قال: وأنا أرى ذَلِكَ، قال اذْهَبْ فأهْدِ شاةً، قال قُبَيْصَةُ: فَخَرَجْتُ إلى صَاحِبِي، وقُلْتُ: إنَّ أمير المُؤمنين لم يَدْرِ ما يقُولُ، حتى سألَ غَيْرَهُ. قال فَفَجَأنِي عُمَرُ، وعلانِي بالدرَّة، وقال: أتَقْتُلُ في الحَرَمِ وتُسَفِّهُ الحُكْمَ؟ قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾ فأنا عُمَرُ، وهذا عَبْدُ الرحمن بنُ عوف. واحْتَجَّ أبُو حنيفَة في إيجَابِ القيمة بأنَّ التَّقْوِيمَ هو المُحْتَاجُ إلى النَّظَرِ والاجتِهَادِ، وأما الخِلْقَةُ والصُّورةُ فَظَاهِرةٌ لا يُحْتَاجُ فيها إلى الاجتهاد. وأجيبُ: بأنَّ المُشَابَهَة بَيْنَ الصَّيْد وبين النَّعَمِ مخْتَلِفَةُ وكَثِيرة، فلا بد من الاجْتِهَادِ في تَمْييزِ الأقْوَى عن الأضْعَفِ. فصل الذي له مِثْل ضربان: فما حكمت فيه الصَّحَابَةُ بِحُكْمٍ، لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِه؛ لأنَّهم شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وحَضرُوا التَّأويل، وما لَمْ يَحْكُمْ فيه الصحابة، يُرْجَعُ إلى اجْتِهَادِ عَدْلَيْن. وقال مَالِكٌ: يجب التَّحكيمُ فيما حَكَمَتْ به الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -، وفيما لم تَحْكُمْ فِيهِ. فصل يجُوزُ أنَّ القَاتِلَ أحَدُ العَدْلَيْن، إن كان أخْطَأ فيه، فإنْ تَعمَّدَ فلا يجُوزُ؛ لأنه يُفَسَّقُ به. وقال مالكٌ: لا يجُوزُ في تَقْويم المُتْلَفَاتِ، وأجيب: بأن اللَّه تعالى أوْجَبَ أن يَحْكُمَ به ذَوَا عدلٍ، وإذا صدرَ عَنْهُ القَتْلُ خَطَأ كان عدْلاً، فإذا حكمَ هُوَ وغَيْرُهُ، فَقَدْ حكمَ به ذوا عَدْل. وقد رُوِيَ أنَّ بعضَ الصَّحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أوْطَأ فرسهُ ظَبْياً، فسأل عُمَرَ عَنْهُ، فقال عُمَرُ: احْكُمْ، فقال: أنْتَ أعْدَلُ يا أمِيرَ المُؤمنين، فاحْكُمْ، فقال عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - إنَّما أمرتُكَ أنْ تَحْكُمَ، وما أمَرْتُكَ أن تُزَكِّيني، فقال: أرى فيه جَدْياً جمع الماء والشَّجَر، فقال: افْعَل ما تَرَى. فصل لو حكم عَدْلان بِمِثْلٍ، وحكم عدلان آخران بِمِثْلٍ آخر ففيه وجهان: أحدهما: يَتَخَيَّرُ. والثاني: يأخُذُ بالأغْلَظِ. فصل استدلَّ بهذه الآيَةِ بَعْضُ مُثْبِتِي القِيَاس، قالوا: لأنَّه تعالى فرضَ تَعْيِين المِثْل إلى اجْتِهَاد النَّاسِ وظنهم، وهذا ضَعِيفٌ؛ لأن الشَّارع تَعَبَّدنا بالعملِ بالظَّنِّ في صُورٍ كثيرة: منها الاجْتِهادُ في القِبْلَةِ، والعَمَلُ بِتَقْويمِ المُقَوِّمِين في قِيم المُتْلَفَاتِ، وأرُوشِ الجِنايَاتِ، والعملُ بِحُكْمِ الحَاكِمِين في مِثْلِ جَزَاءِ الصَّيْد، وعَمَلُ القَاضِي بالفَتْوى، والعملُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ في مصالحِ الدُّنْيَا، إلاَّ أنَّا نَقُولُ: إذا دُعِيتُم إلى تَشْبيهِ صورةٍ بصُورةٍ شرعيَّةٍ في الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وهو عينُ هذه المسائِلِ الَّتي عدَدْنَاهَا، فذلك باطلٌ في بَديهَةِ العَقْل، فإذا سَلَّمْتُمُ المُغَايَرة، ولمْ يلزم من كَوْنِ الظَّنِّ حُجَّةً في تلك الصُّوَر؛ كونهُ حُجَّةً في مَسْألةِ القياسِ، إلاَّ إذا قِسْنَا هذه المسألة على تِلْكَ المسائِل، وذلك يقتضي إثْبَات القياس بالقياس، وهو باطلٌ، وأيضاً فالفَرْقُ ظَاهِرٌ بين البَابَيْنِ؛ لأنَّ في جميع الصُّور المَذْكُورة الحُكْمُ إنَّما ثبت في حقِّ شَخْصٍ واحدٍ، في زمان واحدٍ، في واقِعَةٍ واحِدة. وأمَّا الحُكْمُ الثَّابِتُ بالقياسِ، فإنه شَرْعٌ عامٌّ في جَمِيع المُكَلَّفين، باقٍ على وجْهِ الدَّهْر، والتَّنْصِيصُ على أحْكَامِ الأشخاص الجُزْئيَّةِ مُتَعذرٌ. أمَّا التَّنْصِيصُ على الأحْكام الكُلِّيَّةِ العامَّةِ، البَاقِيَةِ إلى آخر الدَّهْر غير مُتعذّر، فظهر الفَرْقُ. قوله: «هَدْياً» فيه ستةُ أوجهٍ: أظهرُها: أنه حالٌ من الضمير في «به» قال الزجاج: «هو منصوبٌ على الحالِ، المعنى: يحكم به مقدَّراً أن يُهْدَى» يعني أنه حال مقدَّرةٌ، لا مقارنةٌ، وكذا قال الفارسيُّ كقولك: «مَعَهُ صَقْرٌ صَائِداً به غداً» ، أي مُقَدَّراً الصَّيْدَ. الثاني: أنه حالٌ من «جَزَاء» سواءٌ قُرئَ مرفوعاً أم منصوباً، منوناً أم مضافاً، وقال الزمخشريُّ: «هدْياً» حالٌ من «جزَاء» فيمَنْ وصفه ب «مِثل» ؛ لأنَّ الصفةَ خَصَّصَتْه، فقرُبَ من المعرفة، وكذا خصَّصه أبو حيان، وهذا غير واضحٍ، بل الحاليةُ جائزةٌ مطلقاً؛ كما تقدَّم. الثالث: أنه منصوبٌ على المصدْرِ، أي: يُهْدِيهِ هَدْياً، ذكره مكي وأبو البقاء. الرابع: أنه منصوبٌ على التَّمْييزِ، قال أبو البقاء ومكيٌّ، إلا أنَّ مَكِّياً، قال: «على البيانِ» ، وهو التمييزُ في المعنى، وكأنهما ظَنَّا أنه تمييزٌ لِما أبْهِمَ في المِثْلية؛ إذ ليس هنا شيءٌ يَصْلُحُ للتمييزِ غيرَها، وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ التمييزَ إنما يَرْفَع الإبهامَ عن الذَّواتِ، لا عن الصفاتِ، وهذا كما رأيْتَ إنما رفع إبهاماً عن صفة؛ لأنَّ الهدي صفةٌ في المعنى؛ إذ المرادُ به مُهْدى. الخامس: أنه منصوبٌ على محلِّ «مِثْل» فيمَنْ خَفَضه؛ لأنَّ محلَّه النصبُ بعملِ المصدرِ فيه تقديراً؛ كما تقدَّم تحريرُه. السادس: أنه بدلٌ من «جَزَاء» فيمن نصبه. و «بَالِغَ الكَعْبَةِ» صفةٌ ل «هَدْياً» ، ولم يتعرَّفْ بالإضافة؛ لأنه عاملٌ في الكعبة النصبَ تقديراً، ومثله: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24] وقولُ الآخَرِ: [البسيط] 2025 - يَا رُبَّ غَابِطِنَا لَوْ كانَ يَطْلُبُكُمْ ... لاقَى مُبَاعَدَةً مِنْكُمْ وحِرْمَانَا في أنَّ الإضافة فيها غيرُ مَحْضَةٍ، وقرأ الأعْرج: «هَدِيًّا» بكسر الدال وتشديد الياء. فصل المعنى: يَحْكُمَانِ بِهِ هَدْياً يُسَاقُ إلى الكَعْبَة، فَيُنْحَرُ هُنَاك، وهذا يُؤيِّد قول من أوْجَبَ المِثْلَ من طريق الخِلْقَةِ؛ لأنه تعالى لَمْ يَقُلْ: يَحْكُمَان به شَيْئاً يُشْتَرى به هَدْيٌ، وإنَّما قال: يَحْكُمان به هَدْياً، وهذا صَرِيحٌ في أنَّهما يَحْكُمَان به شَيْئاً يُشْتَرى به هَدْيٌ، وإنَّما قال: يَحْكُمَان به شيئاً يُشْتَرى به ما يَكُونُ هَدْياً وهذا بعيد عن الظَّاهِر. وسمِّيت الكَعْبَةُ كَعْبَةً لارتفاعها، والعَرَبُ تُسَمِّي كل بَيْتٍ مرتفعٍ كَعْبَةً، والكَعْبَةُ هنا إنَّما أُريدَ بها كلُّ الحَرَم؛ لأنَّ الذبْحَ والنَّحْر لا يُفعَلان في الكَعْبَة، ولا عندها ملاصِقاً لها، ونَظِيرُهُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَآ إلى البيت العتيق﴾ [الحج: 33] ، والمُرَادُ بِبُلُوغِهِ للكَعْبة: أنْ يَذْبَح بالحرم، ويتصدَّق باللَّحْمِ على مساكينِ الحَرَمِ. وقال أبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: له أنْ يتصدَّق به حيث شاءَ، كما أنَّ لَهُ أن يصُومَ حيْثُ شاء، وحجَّةُ القولِ الأوَّل: أنَّ الذَبْحَ إيلامٌ، فلا يجُوزُ أن يكُون قُرْبَةً، بل القُرْبَةُ إيصَالُ اللَّحْم إلى الفقَراءِ. قوله: «أو كَفَّارةٌ» عطفٌ على قوله: «فَجَزَاءٌ» ، و «أوْ» هنا للتخيير، ونُقِل عن ابن عباس؛ أنها ليسَتْ للتخيير، بل للترتيب، وهذا على قراءةِ مَنْ رفع «فَجَزَاءٌ» ، وأمَّا مَنْ نصبه، فقال الزمخشريُّ: جعلها خَبَرَ مبتدأ محذوفٍ؛ كأنه قيل: أو الواجبُ عليه كفَّارةٌ، ويجوزُ أن تُقَدَّرَ: فعليه أن يجْزِي جزاءً، أو كفارةً، فتعطفَ «كَفَّارة» على «أنْ يَجْزِيَ» ، يعني أنَّ «عليه» يكونُ خبراً مقدَّماً، و «أن يَجْزِيَ» مبتدأ مؤخَّراً، فعطفت «الكفَّارة» على هذا المبتدأ، وقرأ نافع وابنُ عامرٍ بإضافة «كَفَّارة» لما بعدها، والباقون بتنوينها، ورفع ما بعدها. فأمَّا قراءةُ الجماعةِ، فواضحةٌ، ورفعُ «طَعَامُ» على أحد ثلاثة أوجه: أحدها: أنه بدل من «كَفَّارةٌ» ؛ إذ هي من جنسه. الثاني: أنه بيانٌ لها؛ كما تقدَّم، قاله الفارسيُّ. وردَّه أبو حيان؛ بأنَّ مذهبَ البصريِّين اختصاصُ عطفِ البيانِ بالمعارفِ دون النكرات، قال شهاب الدين: أبو عَلِيٍّ يُخالِفُ في ذلك، ويستدلُّ بأدلَّة، منها قوله تعالى: ﴿شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: 35] ، ف «زَيْتُونَةٍ» عنده عطفُ بيان ل «شَجَرَة» ، وكذا قوله تعالى: ﴿مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] ، ف «صَدِيد» عنده بدلٌ من «مَاءٍ» ، والبدلُ فيهما محتملٌ؛ فلا حُجَّةَ له، والبدل قد يجيء للبيان. الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي طعام، أي: تلك الكفارة. وأمَّا قراءة نافع وابن عامرٍ، فوجهها: أنَّ الكفارة، لمَّا تنوَّعَتْ إلى تكفير الطعام، وتكفير بالجزاء المماثل، وتكفير بالصيام، حسُنَ إضافتها لأحَدِ أنواعها تبييناً لذلك، والإضافةُ تكون بأدْنَى ملابسة؛ كقوله: [الطويل] 2053 - إذَا كَوْكَبُ الخَرْقَاءِ لاحَ بِسُحْرةٍ ... سُهَيْلٌ أذَاعَتْ غَزْلَهَا فِي القَرَائِبِ أضاف الكوكبَ إليها؛ لقيامها عند طلوعه؛ فهذا أولى، ووجَّهَها الزمخشريُّ فقال: «وهذه الإضافةُ مبيِّنةٌ، كأنه قيل: أو كفارةٌ من طعامِ مساكين؛ كقولك:» خَاتَمُ فِضَّةٍ «بمعنى مِنْ فِضَّةٍ» ، قال أبو حيان: «أمَّا ما زعمه، فليْسَ من هذا الباب؛ لأنَّ» خَاتَم فِضَّةٍ «من باب إضافة الشيء إلى جنْسه، والطعامُ ليس جنساً للكفارةِ، إلا بتجَّوزٍ بعيدٍ جدًّا» . انتهى، قال شهاب الدين: كان مِنْ حَقِّه أن يقول: والكفَّارةُ ليستْ جنْساً للطَّعامِ؛ لأنَّ الكفارةَ في التركيب نظيرُ «خَاتَم» في أنَّ كلاًّ منهما هو المضافُ إلى ما بعده، فكما أن «خَاتَماً» هو المضافُ إلى جنسه ينبغي أن يُقالَ: الكفَّارةُ ليستْ جنْساً للطعام؛ لأجل المقابلةِ، لكنْ لا يمكنُ أن يُقال ذلك، فإنَّ الكفارةَ كما تقدَّم جنسٌ للطعامِ، والجزاءِ، والصَّومِ، فالطريقُ في الردِّ على الزمخشريِّ أن يُقال: شرطُ الإضافةِ بمعنى «مِنْ» : أن يُضاف جزءٌ إلى كلٍّ بشرطِ صدقِ اسم الكلِّ على الجزءِ؛ نحو: «خَاتَمُ فِضَّةٍ» ، و «كَفَّارةُ طعَامٍ» ليس كذلك، بل هي إضافة «كُلّ» إلى جزء، وقد استشكل جماعةٌ هذه القراءة؛ من حَيْثُ إنَّ الكفارةَ ليست للطعامِ، إنما هي لقتلِ الصيدِ، كذا قاله أبو عليٍّ الفارسيُّ وغيره، وجوابُه ما تقدَّم. ولم يختلف السبعةُ في جمع «مَسَاكِينَ» هنا، وإن اختلفوا في البقرة، قالوا: والفرقُ بينهما أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ لا يُجْزئُ فيه إطعامُ مِسْكِينٍ واحدٍ، على أنه قد قرأ عيسى بْنُ عُمَرَ والأعْرَجُ بتنوين «كَفَّارة» ، ورفع «طَعَامُ مسْكِينٍ» بالتوحيد، قالوا: ومرادُهما بيانُ الجِنْسِ، لا التوحيدُ. قوله: «أوْعَدْلُ» نسقٌ على «فَجَزاءٌ» ، والجمهورُ على فتحِ العين، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مُصَرِّف والجَحْدَرِي بكَسْرِهِا. قال الفرَّاءُ: «العِدْل» بالكسر: ما عادَل الشَّيْء من جِنْسِهِ، والعدل: المِثْلُ، تقول: عندي عِدلُ غُلامِكَ أو شَاتِكَ إذا كان غلامٌ بِعِدْل غُلامه، أو شاةٌ تَعْدِلُ شَاتَهُ، أمَّا إذا أرَدْتَ قِيمَتَهُ من غير جِنْسِه نَصَبْتَ العَيْن، فقُلْت: عَدْل. وقال أبو الهَيْثَم: العدل: المِثْل، والعِدْل: القِيمَةُ، والعَدْلُ: اسم مَعْدُولٌ بحمل آخر مُسَوى به، والعَدْل: تَقْوِيمُك الشَّيْء بالشيء من غير جِنْسِهِ. وقال الزَّجَّاج، وابنُ الأعْرَابِيّ: العَدل والعِدْل سواءٌ، وقد تقدَّم الكلام عَلَيْه في البَقَرة: عند قوله: ﴿وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [الآية: 48] . قوله: «صِيَاماً» نصْبٌ على التميز كقولك: «عندي رَطلان عَسَلاً» لأنَّ المعنى: أو قَدْرُ ذلك صِياماً، والأصْلُ فيه إدْخَالُ حَرْفَيْنِ تقُولُ: رطلانِ من العَسَلِ، وعَدْلُ ذلك من الصِّيَام. [وأصل «صِياماً» : «صِوَاماً» فأعِلَّ كما تقدَّم مراراً] . فصل معنى الآية: أنَّه في جَزَاءِ الصَّيْد مُخَيَّرٌ بَيْن أن يَذْبَح المِثْلَ من النَّعَمِ، فيتَصدَّق باللَّحْم على مَساكِينِ الحَرَم، وبيْنَ أنْ يُقَوِّم المِثْلَ بِدَرَاهِم ويَشْتَرِي بالدَّرَاهِم طَعَاماً، فيتصدَّق بالطَّعَام على مساكينِ الحَرَمِ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ من طعام، أو يَصُوم عن كُلِّ مُدٍّ يَوْماً، وله أنْ يَصُومَ حَيْث شَاءَ؛ لأنَّه لا نَفْعَ فيه لِلْمَسَاكِين. وقال مَالِكٌ: إنْ لم يخْرِجِ المثلَ يُقَوَّمُ الصَّيدُ، ثمَّ تُجْعَلُ القِيمَةُ طَعَاماً، فيتصَدَّقُ به أوْ يَصُوم. وقال أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجِبُ المِثْلُ مِنَ النَّعَم، بل يُقَوَّمُ الصَّيْدُ، فإن شاء صَرَفَ تلك القِيمَةَ إلى شَيء مِنَ النَّعَمِ، وإن شَاءَ إلى الطَّعَام فيتَصَدَّق بِهِ، وإنْ شَاءَ صَامَ عَنْ كلِّ نِصْفِ صَاعٍ من بُرٍّ أو صَاعٍ من غَيْرِه يَوْماً. وقال الشَّعْبِي، والنَّخْعِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ على التَّرْتِيب، والجُمْهُور على التَّخْيير، وأنَّ قاتلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ في تَعْيين أحَدِ هذه الثلاثة، وقال مُحَمَّد بن الحسن: التَّخْيِير إلى الحَكَمَيْن، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْياً﴾ أي: كَذَا، أوْ كَذَا. وجوابُه: أن اللَّه أوْجَبَ على قَاتِلِ الصَّيْدِ أحَدَ هذه الثلاثة على التَّخْييرِ، فوجَبَ أنْ يكونَ قَاتِلُ الصَّيْدِ مُخيَّراً بَيْن أيِّها شاء، وأمَّا الذي يَحْكُمُ بِه ذوا العَدْل، فهو تَعْيينُ المِثْلِ الخِلْقَة أو القِيمَة. قوله: «لِيَذُوقَ» فيه ستةُ أوجهٍ: أحدها: أنه متعلقٌ ب «جزاء» قاله الزمخشريُّ، وقال أبو حيان: إنما يتأتَّى ذلك حيثُ يضاف إلى «مِثْل» ، أو يُنَوَّن «جَزَاء» ، ويُنْصَبُ «مِثْل» ، وعَلَّلَ ذلك بأنه إذا رَفَعَ مثلاً، كان صفةً للمصْدَرِ، وإذا وُصِفَ المصدرُ، لم يعمل إلا أن يتقدَّم المعمولُ على وصْفِه؛ نحو: «يُعْجِبُنِي الضَّرْبُ زَيْداً الشَّديدُ» ، فيجوز: قال شهاب الدين: وكذا لو جعله بدلاً أيضاً أو خبراً؛ لما تقدَّم من أنه يلزمُ أن يُتْبَعَ الموصولُ أو يُخْبَر عنه قبل تمامِ صلته، وهو ممنوعٌ، وقد أفْهَمَ كلامُ الشيخِ بصريحِهِ؛ أنه على قراءةِ إضافة الجزاءِ إلى «مِثْل» يجوزُ ما قاله الزمخشري، وأنا أقول: لا يجوزُ ذلك أيضاً؛ لأنَّ «لِيَذُوقَ» مِنْ تمامِ صلةِ المصدرِ، وقد عُطِفَ عليه قولُه «أوْ كفَّارَةٌ أو عَدْلٌ» ؛ فليزمُ أنْ يُعْطَفَ على الموصُولِ قبل تمام صلته؛ وذلك لا يجوزُ لو قلْتَ: «جَاءَ الذي ضربَ وعَمرٌو زَيْداً» لم يَجُزْ للفصْلِ بين الصِّلَة - أو أبعاضِهَا - والموصوُلِ بأجنبيٍّ، فتأمَّلْه. الثاني: أنه متعلِّقٌ بفعلٍ محذوفٍ يَدُلُّ عليه قُوَّةُ الكلامِ؛ كأنه قيل: جُوزيَ بذلِكَ لِيَذُوقَ. الثالث: أنه متعلِّقٌ بالاستقرارِ المقدَّرِ قبل قوله: «فَجَزَاء» ؛ إذ التقديرُ: فعليهِ جزاءٌ لِيَذُوقَ. الرابع: أنه متعلِّقٌ ب «صِيَام» ، أي: صَوْمُهُ لِيَذُوقَ. الخامس: أنه متعلِّقٌ ب «طَعَام» ، أي: طعام لِيَذُوقَ، ذكر هذه الأوجه الثلاثة أبو البقاء، وهي ضعيفةٌ جدًّا، وأجودُها الأولُ. السادس: أنها تتعلَّقُ ب «عَدْلُ ذَلِكَ» ، نقله أبو حيان عن بعضِ المُعْرِبين، قال: «غَلَطٌ» . والوَبَالُ: سوءُ العاقبةِ وما يُخاف ضَرَرُهُ، قال الراغبُ: والوَابِلُ: المطرُ الثقيلُ القَطْرِ، ولمراعاة الثِّقَلِ، قيل للأمرِ الذي يُخاف ضَرَرُه: وَبَال، قال تعالى: ف ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ [الحشر: 15] ، ويقال: «طَعَام وَبِيلٌ» ، و «كَلأٌ وَبِيلٌ» يُخافُ وبالُه؛ قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [المزمل: 16] ، وقال غيره: «والوبَالُ في اللغةِ؛ ثِقَلُ الشيءِ في المْكُروهِ، يقال:» مَرْعى وبَيلٌ» ، إذا كان يُسْتَوْخَمُ، و «مَاءٌ وَبِيلٌ» إذا كان لا يُسْتَمْرَأ، واسْتَوْبَلْتُ الأرضَ: كرهتُها خَوْفاً من وبالِها» . والذَّوْقُ هنا استعارةٌ بليغةٌ. وإنَّما سمَّى اللَّهُ تعالى ذلك وبالاً؛ لأنَّه خيَّره بين ثلاثةِ أشياء، اثْنَانِ منها تُوجبُ تَنْقيصَ المالِ، وهو ثَقِيلُ على الطَّبْعِ، وهما الجَزَاءُ بالمِثْلِ والإطْعَام، والثَّالِثُ يُوجِبُ إيلامَ البَدَنِ وهو الصَّوْم، وذَلِك أيْضاً يَثْقُلُ على الطَّبْع، وذلك حتَّى يَحْتَرِز عَنْ قَتْل الصَّيْد في الحَرَمِ، وفي حَالِ الإحْرَام. قوله: ﴿عَفَا الله عَمَّا سَلَف﴾ يَعْنِي: قَبْلَ التَّحْرِيم، ونُزُولِ الآيَة وقال السدِّيُّ: عَمَا سَلَفَ في الجاهِليَّةِ. وقيل: هذا إبْدَال على قَوْلِ من لا يُوجِبُ الجزاءَ، إلاَّ في المرَّةِ الأولَى، أمَّا في المرَّةِ الثَّانِية: فإنه لا يُوجِبُ الجَزَاءَ عليْه، ويقول: إنَّه أعْظمُ من أنْ يُكَفِّره التَّصَدُّق بالجَزَاءِ، فعلى هذا المُراد عَفَا اللَّهُ عما سَلَفَ في المرَّة الأولى بِسبَبِ أداءِ الجَزَاءِ، ومن عادَ إليه مرَّةً ثَانِية، فلا كفَّارة لجُرْمِهِ، بل اللَّهُ يَنْتَقِمُ منه، وحُجَّةُ هذا القول: أنَّ «الفاءَ» في قوله: ﴿فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ فاءُ الجزَاءِ، والجَزَاء هو الكَافِي، فهذا يَقْتَضِي أنَّ هذا الانْتِقَامَ كما في هذا الذَّنْبِ، وكونهُ كَافِياً يَمْنَع من وجوبِ شَيْءٍ آخَر، فلا يَجِبُ عليه الجَزَاءُ. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ «منْ» يجوز أن تكون شرطيةً، فالفاءُ جوابُها، و «يَنْتَقِمْ» خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: فهو يَنْتَقِمُ، ولا يجوز الجزمُ مع الفاءِ ألبتة، قال: سيبويه: «الفَاءُ» في قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ ، وفي قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ [البقرة: 126] ، و ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْساً﴾ [الجن: 13] إنَّ في هذه الآيات إضْمَاراً مُقَدَّراً، والتَّقدير: ومَنْ عادَ فهو ينتَقِمُ اللَّه منه ومن كفر فأنا أمتِّعُهُ، ومن يُؤمِن بربه فهو لا يَخَافُ، وبالجُمْلَةِ فلا بد من إضْمَارِ مبتدأ يكونُ ذَلِكَ الفِعْلُ خَبَراً عنه؛ لانَّ الفِعْلَ يَصِيرُ بِنَفْسِهِ جزاءً، فلا حاجَةَ إلى إدْخَال حَرْفِ الجزاءِ عليه، فيَصِيرُ إدْخال حَرْفِ «الفَاءِ» على الفِعْلِ لَغْواً، أما إذَا أضْمَرْنا المُبْتَدَأ، احْتَجْنَا إلى إدخال «الفَاءِ» عليه؛ ليَرْتَبِطَ بالشَّرْط فلا تَصِير «الفَاء» لَغْواً. ويجُوزُ أن تكون «مَنْ» موصولةً، ودخلتِ الفاءُ في خبر المبتدأ، لَمَّا أشبه الشرطَ، فالفاءُ زائدةٌ، والجملةُ بعدها خبرٌ، ولا حاجَةَ إلى إضمارِ مبتدأ بعد الفاء؛ بخلافِ ما تقدَّمَ. قال أبو البقاء: «حَسَّنَ دُخُولَ الفاءِ كونُ فِعْلِ الشرطِ مَاضِياً لَفْظاً» . فصل معنى الآية: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ : في الآخِرَة ﴿والله عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ . واعلمْ: أنَّه إذا تَكرَّرَ من المُحْرِمِ قَتْلُ الصَّيْدِ، فيتكرر عليْه الجزاء عند عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -: إذا قتلَ المُحْرِمُ صَيْداً مُتَعَمِّداً، يُسألُ هل قَتَلْتَ قَبْلَها شَيْئاً من الصَّيْد؟ فإنْ قال: نَعْم، لم يُحْكَمْ عليه، ويقالُ: اذْهَبْ فينتقم اللَّهُ مِنْك. وإنْ قال: لم أقْتُل قَبْلَهُ شَيْئاً حُكِمَ عليه [فإن عاد بعد ذلك، لم يُحْكَمْ عليه] ، ولكن يُمْلأ ظَهْرُهُ وصدْرُه ضَرْباً وجيعاً، وكذلك حكم رسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في صيد «وَجٍّ» - وهو وادٍ بالطَّائف -، واخْتَلَفُوا في المُحْرِمِ، هل يُجُوزُ لَهُ أَكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ؟ فذهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّه لا يَحِلُّ لَهُ بِحَالٍ، يُرْوَى ذَلِكَ عن ابنِ عبَّاسٍ، وهو قولُ طاوُس، وبه قال سُفْيَانُ الثَّوْرِي، لما روى عبدُ الله بن عبَّاس عن الصَّعْب بن جُثَامَة اللَّيْثِيِّ: «أنَّهُ أهْدَى لرسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ حِمَاراً وحْشيّاً، وهُوَ في الأبْوَاءِ أو بودان، فردَّه رسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، قال: فلَمَّا رَأى رسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، مَا في وَجْهِي، قال:» إنَّا لم نَرُدَّهُ عَلَيْك إلاَّ أنَّا حُرم» . وذهب الأكْثَرُون إلى أنَّهُ يجُوزُ لِلْمُجْرِم أكْلُهُ، إذا لَمْ يَصْطَدْ بِنْفِسه، ولا صِيدَ لأجْلِه أو بإشَارَتِه، وهو قولُ عُمَرَ، وعُثَمَان، وأبِي هُرَيْرَةَ، وبه قالَ عَطَاء، ومُجَاهِد، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، وهو مذهَبُ مالكٍ، والشَّافِعيِّ، وأحْمَد، وإسْحاق، وأصحاب الرَّأي، وإنَّما رَدَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على الصَّعبِ بن جُثَامة؛ لأنَّه ظَنَّ أنَّه صِيد من أجْله. ويدلُّ على الجوازِ، ما روى نَافِعٌ - مولى أبِي قتادة بن ربْعِيٍّ الأنْصَارِي: «أنَّه كان مع رسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، حتَّى إذا كان بِبَعْضِ طريقِ مَكَّةَ، تَخلَّف مع أصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِين - وهو غير مُحْرِم -، فرأى حِمَاراً وحْشياً، فاسْتَوى على فرسهِ، فسأل أصْحَابَهُ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطاً فَأبَوْا، فَسَألَهُمْ رُمْحَهُ فأبَوا، فأخَذه، ثُمَّ شَدَّ على الحِمَار فَقَتَلَهُ، فأكل مِنْهُ بَعْضُ أصحابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وأبَى بعضُهُمْ، فلمَّا أدْرَكوا رسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فسألُوه عن ذلك فقال: إنَّما هي طُعْمَةٌ أطْعَمَكُمُوها اللَّهُ» وروى جَابِرُ بن عَبْدِ اللَّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «لَحمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإحْرَامِ حلالٌ، مَا لم تَصِيدُوه أو يُصَاد لَكُمْ» . فصل وإذَا أتْلَفَ المُحْرِمُ شَيْئاً من الصَّيْدِ لا مِثْلَ لهُ مِن النَّعَمِ، مثل بَيْضٍ أو طَائرٍ دُون الحمامِ، ففيه قيمَتُهُ يَصرفُهَا إلى الطَّعامِ، فيتصَدَّق به، أو يَصُوم عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْماً، واخْتَلَفُوا في الجَرَادِ: فَرَخَّصَ فيه بَعْضُهُمْ، وقال: هُو صَيْد البَحْرِ، والأكثرون على تَحْرِيمهِ، وإنْ أصابَهَا فَعَليْهِ صَدَقَةٌ، قال عُمَرُ: في الجَرَادَةِ تَمْرَةٌ. ورُوِيَ عنه، وعن ابْنِ عَبَّاس: قَبْضَة من طَعَامٍ.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.