الباحث القرآني

مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر. وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية وهي قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾ الآية. وهي إحدى وستون آية. وقيل: إن السورة مدنية. والصحيح أنها مكية لقول ابن مسعود: هي أول سورة أعلنها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمكة. وقيل: اثنتان وستون آية وثلاثمائة وستون كلمة وألف وأربعمائة وخمسة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ قال ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) في رواية الوالبيِّ العَوْفِيِّ يعني الثُّرَيَّا إذَا سقطت وغابت. وهُوِيُّهُ مَغِيبُهُ. والعرب تسمي «الثُّرَيَّا» نَجْماً قال قائلهم: 4538 - إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ عِشَاءَا ... ابْتَغَى الرَّاعِي كِسَاءَا وجاء في الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً: مَا طَلَعَ النَّجْمُ قَطّ وَفِي الأَرْضِ مِنَ العَاهَةِ شَيْءٌ إِلاَّ رُفِعَ. وأراد بالنجم الثريا. قال شهاب الدين: وهذا هو الصحيح لأن هذا صار علماً بالغلبة ومنه قول العرب: 4539 - طَلَعَ النَّجْم غُدَيَّهْ ... فَابْتَغَى الرَّاعِي كُسَيَّهْ وقال عمر بن أبي ربيعة: 4540 - أحْسَنُ النَّجْم فِي السَّمَاءِ الثُّرَيَّا ... وَالثُّرَيَّا فِي الأَرْضِ زَيْنُ النِّسَاءِ يقال: إنها سبعة أنجم ستةٌ منها ظاهرة وواحدٌ خفي يمتحن الناس به أبصارهم. وروى القاضي عِياضٌ في «الشِّفا» أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان يرى الثريا أحد عشر نجماً. وقال مجاهد: هي نجوم السماء كلها حين تغرب. لفظه واحد ومعناه الجمع. سمي الكوكب نجماً لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نَجَم السِّنُّ والقَرْن والنَّبْتُ إذا طَلَعَ. وروى عكرمة عن ابن عباس - (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) - أنها ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمع. وقال أبو حمزة الثُّماليُّ: هي النجوم إِذا اسْتَتَرَتْ يوم القيامة. وقيل المراد بالنجم هنا الجِنْس. قال الشاعر - (رحمة الله عليه -) : 4541 - فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْم فِي مُسْتَحِيرَةٍ ... سِرِيع بِأَيْدِي الآكِلينَ جُمُودُهَا أي تَعُدُّ النجوم. وهذا هو معنى قول مجاهد المتقدم. وقيل: المراد بالنجم الشِّعْرَى؛ لقوله: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى﴾ [النجم: 49] . وقيل: الزهرة؛ لأنها كانت تُعْبَدُ. وقيل: أراد بالنجم القرآن، لأنه نزل نجوماً متفرقاً في عشرين سنة. وسمي التفريق تنجيماً والمفرق منجماً. قاله الكلبي ورواه عطاء عن ابن عباس. والهويُّ النزول من أعلى إلى أسفل. وقال الأخفش: النجم هو النبت الذي لا ساق له ومنه قوله - عَزَّ وجَلَ - ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . وهُوِيُّهُ سقوطه على الأرض. وقال جعفر الصادق: يعني محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - إِذ نزل من السماء ليلة المعراج. والهويُّ النزول، يقال هَوَى يَهْوِي هُوِيًّا. والكلام في قوله: «والنجم» كالكلام في قوله: «والطُّورِ» حيث لم يقل: وَالنُّجُوم ولا الأَطْوَار وقال: ﴿والذاريات﴾ [الذاريات: 1] ﴿والمرسلات﴾ [المرسلات: 1] كما تقدم. فصل السور التي تقدمت وافتتاحها بالقسم بالأشياء دون الحروف هي «الصَّافَّات» ، و «الذَّارِيَات» و «الطُّور» وهذه السورة بعدها فالأولى أن يقسم لإثبات الوحدانية كما قال: ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات: 4] وفي الثانية أقسم لوقوع الحشر والجزاء كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: 5 و6] وفي الثالثة لدوام العذاب بعد وقوعه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ﴾ [الطور: 7 و8] وفي هذه أقسم لإثبات النبوة لتكمل الأصول الثلاثة الوحدانية، والحشر، والنبوة. واعلم أنه تعالى لم يقسم على الوحدانية ولا على النبوة كثيراً، لأنه أقسم على الوحدانية في سورة واحدة وهي «وَالصَّافَّاتِ» ، وأما النبوة فأقسم عليها بأمر واحد في هذه السورة وبأمرين في سورة (وَالضُّحَى) وأكثر من القسم على الحشر وما يتعلق به فقال: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ [الليل: 1] ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ [البروج: 1] إلى غير ذلك وكلها في الحشر أو ما يتعلق به، وذلك لأن دلائل الوحدانية كثيرة كلها عقلية كما قيل: 4542 - وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ الوَاحِدُ ودلائل النبوة أيضاً كثيرة وهي المعجزات المشهورة وأما الحشر ووقوعه فلا يمكن إثباته إلاَّ بالسمع فأكثر فيه القسم ليقطع بها المكلف ويعتقده اعتقاداً جازماً. فصل قال ابن الخطيب: والفائدة في تقييد القسم به بوقت هويه إذا كان في وسط السماء بعيداً عن الأرض لا يهتدي إليه السَّارِي لأنه لا يعلم به المَشْرِق من المَغْرِب ولا الجنوب من الشّمال. فإِذا زال عن وسط السماء تبين بزواله جانب المغرب من المشرق والجنوب عن الشمال. وخص الهويَّ دون الطلوع لعموم الاهتداء به في الدين والدنيا كما قال الخليل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ﴿لا أُحِبُّ الآفلين﴾ [الأنعام: 76] . وفيه لطيفة وهي أن القسم بالنجم يقتضي تعظيمه وقد كان منهم من يعبده فنبه بهُوِيِّه على عدم صلاحيته للإِلهيَّة بأُفُولِهِ. فصل أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها لفظاً ومعنى، أما لفظاً فقوله: «وَإِدْبَارَ النُّجُومِ» وافتتح هذه بالنجم مع واو القسم، وأما معنًى فلأنه تعالى لما قال لنبيه: ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النجوم﴾ [الطور: 49] بين له أنه (جزأه في أجزاء مكابدة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بالنجم) وبعده (عما لا يجوز له) فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى﴾ . قوله: «إذَا هَوَى» في العامل في هذا الظرف أوجه وعلى كل منها إِشْكَال. أحدها: أنه منصوب بفعل القسم المحذوف تقديره: أُقْسِمُ بالنجم وقْتَ هُويه. قاله أبو البقاء. وهو مشكِل؛ فإن فعل القسم إنشاء والإنشاء حال و «إذا» لما يستقبل من الزمان فكيف يتلاقيان؟ ﴿. الثاني: أن العامل فيه مقدر على أنه حال من (النَّجْمِ) أقْسَمَ به حال كونه مستقراً في زمان هُوِيِّهِ. وهو مشكلٌ من وجهين: أحدهما: أن النجم جثّة والزمان لا يكون حالاً كما لا يكون خبراً. والثاني: أن (إِذَا) للمستقبل فيكف يكون حالاً؟﴾ . وقد أجيب عن الأول بأن المراد بالنَّجم القطعة من القرآن والقرآن قد نزل منجماً في عشرين سنة. وهذا تفسير عن ابن عباس وعن غيره. وعن الثاني بأنها حال مقدرة. الثالث: أن العامل فيه نفس النجم إذا أريد به القرآن. قاله أبو البقاء. وفيه نَظَرٌ؛ لأن القرآن لا يعمل في الظرف إذا أريد أنه اسم لهذا الكتاب المخصوص. وقد يقال: إِنَّ النجم بمعنى المنجَّمِ كأنه قيل والقرآن المُنَجَّم في هَذَا الوَقْتِ. وهذا البحث وارد في مواضع منها: ﴿والشمس وَضُحَاهَا﴾ وما بعده [الشمس: 1 - 5] وقوله: ﴿والليل إِذَا يغشى﴾ [الليل: 1] ﴿والضحى والليل إِذَا سجى﴾ [الضحى: 1 و2] وسيأتي في الشمس بحث أخص من هذا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. والهوِيُّ قال الراغب: سقوطٌ من عُلوٍّ ثم قال: «والهَوِيُّ ذهاب في انحدار والهُوِيّ ذهاب في ارْتفاع» ، وأنشد: 4543 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... يَهْوِي مَخَارِمُهَا هُوِيَّ الأَجْدَلِ وقيل: هَوَى في اللغة خرق الهواء، ومقصده السّفْل أو مصيره إليه وإن لم يقْصِدْه قال - (رحمةُ اللَّهِ عليه -) : 4544 - ... ... ... ... ... ... ... ... . ... هُوِيَّ الدَّلْوِ أَسْلَمَهَا الرِّشَاءُ وقال أهل اللغة: هَوَى يَهْوِي هُويًّا أي سقط من علُوٍّ، وهَوِيَ يَهْوَى هَوًى أي صَبَا. وقد تقدم الكلام في هذا مُشبعاً. قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ هذا جواب القسم، والمعنى: ما ضل صاحبكم يعني محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ما ضل عن طريق الهدى «وَمَا غَوَى» ذهب أكثر المفسرين إلى أن الضلال والغي بمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما قال: الضلال في مقابلة الهدى والغي في مقابلة الرشد، قال تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: 146] وقال تعالى: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ [البقرة: 256] . قال ابن الخطيب: وتحقيق القول فيه أن الضلال أعمّ استعمالاً في الوضع، تقول: ضَلَّ بَعِيرِي ورَحْلِي ولا تقول غيَّ؛ فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقاً أصلاً، والغواية أن لا يكون له طريق إِلَى القصد مسقيم، ومما يدل على هذا قولك للمؤمن الذي ليس على طريق السداد: إنَّه سَفِيهٌ غير رشيدٍ ولا تقول: إنه ضال فالضال كالكافر والغَاوي كالفاسق كأنه تعالى قال: ما ضَلَّ أي ما كفر ولا أقلّ من ذلك فما فسق أو يقال: الضلال كالعدم والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة. قال: ويحتمل أن يكون المراد معنى قوله «مَا ضلَّ» أي ما جُنَّ فإنَّ المجنون ضالٌّ وعلى هذا فهو كقوله: ﴿والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 1 و2] . ومعنى صاحبكم إما سيدكم أو وصاحبكم (مَا غَوَى) أي ما تكلم بالباطل. وقيل: ما خاب والغَيّ الخيبة. قوله: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى﴾ أي ما يصدر عن الهوى نُطْقُهُ (فعن) على بابها. وقيل: بمعنى الباء، أي ما ينطق بالهوى يريد لا يتكلم بالباطل، وذلك أنهم قالوا: إنَّ محمداً يقول القرآن من تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. وفي فاعل (يَنْطِقُ) وجهان: أحدهما: هو ضمير النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وهو الظاهر. والثاني: أنه ضمير القرآن كقوله تعالى: ﴿هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق﴾ [الجاثية: 29] . واعلم أن في قوله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى﴾ بصيغة الماضية وفي قوله: «وَمَا يَنْطِقُ» بصيغة المستقبل ترتيب في غاية الحسن أي ما ضل حين اعتزلكم وما تبعدون في صِغَرِهِ «وَمَا غَوَى» حين اختلى بنفسه ورأى في منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن يحث أُرْسِلَ إليكم وجعل رسولاً شاهداً عليكم فلم يكن أولاً ضالاً ولا غاوياً وصار الآن منقذاً من الضلالة مرشداً وهادياً. قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ إن هو أي إن الذي ينطق به. وقيل: إن القرآن إلا وحي من الله. وقوله: «يُوحَى» صفة لوحي. وفائدة المجيء بهذا الوصف أنه ينفي المجاز أي هو وحي حقيقة لا بمجرد تسمية كقولك: هَذَا قَوْلٌ يُقَالُ. وقيل: تقديره يُوحَى إليه. ففيه مزيدُ فَائدةٍ. نقل القُرْطُبِيُّ عن السِّجِسْتَانِيِّ أنه قال: إن شئت أبدلت ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ من ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ . قال ابن الأنباريّ: وهذا غلط، لأن «إنْ» الحقيقية لا تكون مبدلة من «ما» ؛ بدليل أنك لا تقول وَاللَّهِ مَا قُمْتُ إِنْ أنا لَقَاعِدٌ. فصل والوحي قد يكون اسماً ومعناه الكتاب، وقد يكون مصدراً وله معان منها الإِرسال والإلهام والكتابة والكلام والإشارَة والإفهام، وهذه الآية تدل على أنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ لم يجتهد، وهو خلافُ الظَّاهر فإِنَّه اجتهد في الحروب وأيضاً حرم في قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: 1] وأذن قال تعالى: ﴿عَفَا الله عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] . قوله «عَلَّمَهُ» يجوز أن تكون هذه الهاء للرسول وهو الظاهر فيكون المفعول الثاني محذوفاً أي عَلَّم الرسولَ الوحيَ أي الموحَى، ويجوز أن يكون للقرآن والوحي فيكون المفعول الأول محذوفاً أي علمه الرسولَ، والوحي إن كان هو الكتاب فظاهر وإن كان الإِلهام فهو كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193 و194] . وقوله: «شَدِيدُ القُوَى» قيل: هو جبريل: وهو الظاهر. وقيل: الباري تعالى لقوله: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ [الرحمن: 1 و2] و «شَدِيدُ القُوَى» من إضافة الصفة المشبهة لمرفوعها فهي غير حقيقية. والقُوَى جمع القُوَّة. قوله: «ذُو مِرَّة» المرة القوة والشدة. ومنه: أَمْرَرْتُ الحَبْلَ أي أحكمت فَتْلَهُ. والمَرِيرُ: الحَبْلُ، وكذلك المَمَرُّ كأنه كرّر فَتْلَهُ مرةً بعد أُخْرَى. وقال قطرب - (رَحِمَهُ اللَّهُ) -: «العرب تقول لكل جزل الرأي حَصِيف العَقْلِ: ذُو مِرَّةٍ» وأنشد - (رَحِمَهُ اللَّهُ) -: 4545 - وَإِنِّي لَذُو مِرَّةٍ مُرَّةٍ ... إِذَا رَكِبَتْ خَالَةٌ خَالَهَا وقال: 4546 - قَدْ كُنْتَ قَبْلَ لِقَائِكمْ ذُو مِرَّةٍ ... عندي لِكُلِّ مُخَاصِمٍ مِيزانُهُ وقال الجوهري: والمِّرة أحد الطبائع الأربع. والمرة: القوة وشدة العقل أيضاً. ورجل مرير أي قريب ذو مرة قال: 4547 - تَرَى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ ... وَحَشْوُ ثِيَابِهِ أَسَدٌ مَرِيرُ وقال لقيط: 4548 - حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ ... مُرَّ العَزِيمَةِ لاَ رَتًّا وَلاَ ضَرعَا فصل ذو مرة ذو قوة وشدة في خلقه يعني جبريل قال ابن عباس: ذو مِرّة أي ذو منظر حسن. وقال مقاتل: وقيل: ذو كمال في العقل والدين ذو خلق طويل حسن. وقيل: ذو كمال في العقل والدين جميعاً. وقيل: ذو منظر وهيئة عظيمة. فإن قيل: قد تبين كونه ذا قوة بقوله: «شَدِيدُ القُوَى» فكيف قال بعده: ذو مرة إذا فسرنا المرَّة بالقوة؟! . قال ابن الخطيب: وقوله هنا: ذُو قُوة بدل من «شَدِيدُ القُوَى» وليس وصفاً له تقديره: ذو قوة عظيمة. ووجه آخر وهو أن إفراد «قُوَى» بالذكر ربّما يكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خَصَّه الله بها، يقال فلانٌ كثيرُ المال وله مال لا يعرفه أحدٌ أي أمواله الظاهرة كثيرة وله مال باطن. ثم قال: على أنَّا نَقُول: المراد ذو شدة وهي غير القوة وتقديره علمه من قواه شديدة وفي ذاته أيضاً شدة فإن الإنسان رُبَّمَا تكون قواه شديدةً وفي جسمه حقارةٌ. ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «شديد القوى» قوته في العلم وبقوله: «ذو مرة» أي شدة في جسمه فقدم العِلْميَّة على الجِسْمِيَّة كقوله تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم﴾ [البقرة: 247] . وقوله: «فَاسْتَوَى» يعني جبريل في خلقه. قال مكي: اسْتَوَى يقع للواحد وأكثر ما يقع من اثنين ولذلك جعل الفَرَّاءُ الضمير لاثنين. قوله: ﴿وَهُوَ بالأفق الأعلى﴾ في الضمير وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ و «بِالأُفُقِ» خبره. والضمير لجبريل أو للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. ثم في هذه الجملة وجهان: أحدهما: أن هذه الجملة حال من فاعل «استوى» . قاله مكي. والثاني: أنها مستأنفة. أخبر الله تعالى بذلك. والثالث: أن «وَهُوَ» معطوف على الضمير المستتر في «اسْتَوَى» وضمير «اسْتَوَى» و «هُوَ» لمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قال البغوي في توجيه هذا القول: أكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا أن يظهروا كناية المعطوف فيه فيقولون: اسْتَوَى هُوَ وَفُلانٌ وقَلَّ ما يقولون: اسْتَوَى وفُلاَنٌ. ونظير هذا قوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ﴾ [النمل: 67] عطف «الآباء» على المكنيّ في «كُنَّا» من غير إظهار «نَحْنُ» . ومعنى الآية استوى جبريل ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليلة المعراج «بالأُفُقِ الأَعْلَى» ، وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس. وقيل: ضمير «استوى» لمحمد و «هو» لجبريل. وهذا الوجه الثاني يتمشى على قول الكوفيين لأن فيه العطف على الضمير المرفوع المتصل من غير تأكيد، ولا فاصل. وهذا الوجه منقول عن الفراء والطبري. وإذَا قِيلَ: بأن الضميرين أعني «اسْتَوَى» و «هُوَ» لجبريل فمعناه قام في صورته التي خلقه الله فيها ﴿وهو بالأفق الأعلى﴾ ، وذلك أن جبريل كان يأتي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يُرِيهُ نفسه في صورته التي جُبِلَ عليها فأراه نفسه مرتين مرة في الأرض ومرة في السماء فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى وهو جانب المشرق وذلك أن محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كان بِحرَاءَ فطلع له جبريلُ من المَشْرِق فسدَّ الأرض من المَغْرِب، فخر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مَغْشِيًّا عليه فنزل جبريل في صورة الآدميين فضمه إلى نفسه، وجعل يمسح التراب عن وجهه وهو قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فتدلى﴾ . وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلاَّ محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وقيل: معنى: «فَاسْتَوَى» أي استوى القرآن في صدره. وعلى هذا فيه وجهان: أحدهما: فاستوى أي فاعتدل في قوته. الثاني: في رسالته. نقله القرطبي عن المَاوَرْدِي. قال: وعلى هذا يكون تمام الكلام ذو مرة، وعلى الثاني شَدِيد القوى. وقيل: اسْتَوَى أي ارتفع. وفيه على هذا وجهان: أحدهما: أنه جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أي ارتفع إلى مكانه. الثاني: أنه النبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - أي ارتفع بالمعراج. وقيل: معناه استوى أي الله عَزَّ وَجَلَّ استوى على العرش. قاله الحسن. قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فتدلى﴾ التدلي: الامتداد من علو إلى سفل، فيستعمل في القرب من العلو قاله الفراء، وابن الأعرابي. وقال الهذلي: 4549 - تَدَلَّى عَلَيْنَا وَهْوَ زَرْقُ حَمَامَةٍ ... لَه طِحْلِبٌ فِي مُنْتَهَى القَيْظِ هَامِدُ وقال الشاعر: 4550 - ... ... ... ... ... ... ... ..... تَدَلَّى عَلَيْنَا بَيْنَ سِبٍّ وَخَبْطَةٍ ويقال: هُوَ كَالقِرِلَّى إنْ رأى خيراً تدلَّى وإن لم يَرَه تَوَلَّى. فصل في قوله: «دَنَا فَتَدَلَّى» وجوه: أشهرها: أن جبريل - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دنا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أي بعد ما مد جَنَاحَهُ «وهو بالأفق» عاد إلى الصورة التي كان يعتاد النزول عليها وقَرُب من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وعلى هذا ففي «تَدَلَّى» وجوه: الأول: فيه تقديم وتأخير أي تدلى من الأفق الأعلى فدنا من النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. الثاني: أن الدُّنُوَّ والتَّدلِّي بمعنًى واحد فكأنه قال: دَنَا فَقَرُبَ. وذهب الفراء إلى أن الفاء في قوله: (فَ) تدلى بمعنى الواو، والتقدير: ثم تدلى جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ودنا ولكنه جائزٌ إذا كان معنى الفعلين واحداً قدمتَ أيَّهُمَا شئتَ، فقلت: فَدَنَا فقرب، وقرب فدنا، وشتمني فأساء، وأَسَاءَ فَشَتَمَنِي؛ لأن الإساءة والشتم شيءٌ واحد وكذلك قوله: ﴿اقتربت الساعة وانشق القمر﴾ [القمر: 1] أي انشق القمر واقْتَرَبَت الساعة. الثالث: دنا أي قصد القرب من محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وتحول عن المكان الذي كان فيه فتدلّى إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. الوجه الثاني: أن محمداً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دنا من الخلق والأمة وَلان لهم وصار كواحد منهم فتدلى أي تدلى إِليهم بالقول اللّين والدعاء بالرفق فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110] . الوجه الثالث: دَنَا منه ربه فقرب منه منزلته كقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حكاية عن ربه تعالى: «مَنْ تَقَرَّبَ إِليَّ شِبْراً تَقَرَّبْتَ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَمَنْ مَشَى إِلَيَّ أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» وهذا إشارة إلى المنع المجازي. قوله: «فَكان قَابَ» ها هنا مضافان محذوفان يُضْطَرُّ لتقديرهما أي فكان مقدارُ مسافةِ قربه منه مقدارَ مسافةِ قَاب. وقد فعل أبو علي هذا في قول الشاعر: 4551 - ... ... ... ... ... ... ... ..... وَقَدْ جَعَلَتْنِي مِنْ خَزِيمَةَ إصْبَعَا أي ذا مقدار مسافة إصبع. والقابُ القَدْرُ؛ يقول: هذا قاب هذا أي قَدْرُهُ. ومثله القِيبُ والقَادُ والقِيدُ والقِيسُ. قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوْس والرّمح والسَّوْط والذّراع والباع والخُطْوة، والشّبر، والفَتْر، والإصبع ومنه: «لاَ صَلاةَ إلَى أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ مِقْدَارَ رُمْحَيْنِ» وفي الحديث: «مِقْدَارُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ وَمَوْضِع قِدِّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» ، والقِدُّ السَّوْط. وألف «قاب» عن واو. نص عليه أبو البقاء. وأما قِيبٌ فلا دلالة فيه على كونها ياء لأن الواو إذا انكسر ما قبلها قلبت ياء كدِيمَةٍ وقِيمَةٍ. وذكره الراغب أيضاً في مادة «قوب» إلا أنه قال في تفسيره: هو ما بين المِقْبض والسِّيَة من القَوس. فعلى هذا يكون مقدار نصف القوس، لأن المقبض في نصفه والسّية هي العَرضة التي يحط فيها الوَتَر. وفيما قاله نظرٌ لا يخفى. ويروى عن مجاهد أنه من الوتر إلى مقبض القوس في وسطه. وقيل: إن القوس ذراعٌ يقاس به. نُقل ذلك عن ابن عباس (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما -) وأنه لغة للحجازيين (والشَّنُوئيّينَ) والقوس معروفةٌ وهي مؤنثة وشذوا في تصغيرها فقالوا: قُوَيْسٌ من غير تأنيث كعُرَيْبٍ وحُرَيْبٍ ويجمع على قِسِيٍّ. وهو مقلوب من قُوُوس. والقَوْسُ برج في السماء، فأما القُوسُ - بالضم - فصَوْمَعَةُ الرَّاهِبِ قال الشاعر: 4552 - لاسْتَفْتَنَتْنِي وَذَا المِسْحَيْنِ فِي القُوسِ ... قوله: «أَوْ أَدْنَى» هي كقوله: «أَوْ يَزِيدُونَ» ؛ لأن المعنى فكان يأخذ هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك. و «أَدْنَى» أفعل تفضيل والمفضل عليه محذوف أي أو أَدْنَى مِنْ قَابِ قَوْسَيْنِ. فصل روى الشيبانيّ قال: سألت زِرًّا عن قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى﴾ قال: أخبرنا عبد الله يعني ابن مسعود أن محمداً رأى جبريل له ستمائة جَناح. فمعنى الآية: ثم دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض فتدلى فنزل إلى محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فكان منه قابَ قَوْسَيْن أو أدنى بل أدنى؛ وبهذا قال ابن عباس، والحسنُ، وقتادة. وقال آخرون: دَنَا الربُّ من محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فتدلى فقرب منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى. قال البغوي: وروينا في قصة المعراج عن شريك بن عبد الله عن أنس: ودنا الجبَّار ربُّ العزة فتدلى حتى كان قاب قوسي أن أدنى. وهذه رواية ابن سلمة عن ابن عباس. وقال مجاهد: دنا جبريل من ربه. وقال الضحاك: دنا محمد من ربه. فتدلى فأهوى للسجود فكان منه قاب قوسين أو أدنى. وتقدم الكلام على القاب. والقوس ما يرمى به في قول مجاهد، وعكرمة، وعطاء عن ابن عباس فأخبر أنه كان بين جبريل وبين محمد - عليهما الصلاة والسلام - مقدارُ قَوْسَيْن. وقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس وهذا إشارة إلى تأكيد القرب، والأصل فيه أن الخَلِيفَتَيْن من العرب كانا إذا تعاقدا على الصفاء والعهد خرجا بقوسهما فألصقاهُ بينهما يريدان بذلك أنهما متظاهران يُحَامِي كل واحد منهما عن صاحبه. وقال عبد الله بن مسعود: قاب قوسين قَدْرَ ذراعين. وهو قول سعيدِ بنِ جبير، وشقيقِ بنِ سلمة، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء «أو أدنى» بل أقْرَبُ. وإنما ضرب المثل بالقوس لأنها لا تختلف بالقاب. قوله: «فَاَوْحَى» أي أوحى الله وإن لم يَجْرِ له ذكر لعدم اللبس «إلى عبده» محمد. وقوله «مَا أَوْحَى» أبهمَ تعظيماً له ورفعاً من شأنه. وبهذه الآية استدل ابن مالك على أنه لا يشترط في الصلة أن تكون معهودة عند المخاطب. ومثله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: 78] إلا أن هذا الشرط هو المشهور عند النحويين. والوحي هو إِلقاء الشيء بسرعة ومنه: الوحاء الوحاء. فصل في فاعل (أوحى) الأول وجهان: أحدهما: أن الله تعالى أوحى. وعلى هذا ففي «عبده» وجهان: أحدهما: أنه جبريل أي أوحى الله إلى جبريلَ، وعلى هذا (أيضاً) ففي فاعل أوحى «الأخير» وجهان: أحدهما: أنه الله تعالى أيضاً. والمعنى حينئذ فأوحى الله تعالى إلى جبريل الذي أوحاه (الله) أبهمه تفخيماً وتعظيماً للموحِي. ثانيهما: فاعل (أوحى) الثاني جبريل أي أوحى إلى جبريل ما أوحى جبريلُ. وعلى هذا فالمراد من الذي أوحى جبريل - عليه (الصلاة) والسلام - يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون مبنياً وهو الذي أوحى جبريل إلى محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ) . وثانيهما: أن يكون عاماً أي أوحى الله إلى جبريل ما أوحى إلى كل رسول. الوجه الثاني في (عبده) على قولنا: الموحِي هو الله: أنه محمد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ أي أوحى الله إلى محمد ما أوحى إليه (للتفخيم والتعظيم. الوجه الثاني في فاعل أوحى الأول: هو أنه جبريل أوحى إلى عبده أي عبد الله يعني محمداً ما أوحى إليه) ربه عَزَّ وَجَلَّ؛ قاله ابن عباس في رواية عطاء والكلبي والحسن والربيع وابن زيد. وعلى هذا ففي فاعل «أوحى» الثاني وجهان: أحدهما: أنه جبريل أي أوحى جبريل إلى عبد الله ما أوحى جبريل للتفخيم. وثانيهما: أن يكون هو الله تعالى أي أوحى جبريل إِلى محمد ما أوحى الله إليه. فصل وفي الذي أوحى وجوه: الأول: قال سعيد بن جبير أوحى الله إليه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ [الضحى: 6] إلى قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4] . الثاني: أوحى إليه الصلاة. الثالث: أن أحداً من الأنبياء لا يدخل الجنة قبلك وأنَّ أمة من الأمم لا تدخلها قبل أمتك. الرابع: أنه مبهم لا يطلع عليه أحد وتعبدنا به على الجملة. الخامس: أن ما للعموم والمراد كل ما جاء به جبريل. قوله: «مَا كَذَبَ» قرأ هشامٌ وأبو جَعْفَر بتشديد الذال والباقون بتخفيفها. فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدَّقه قلبهُ ولم ينكره أي لم يقل: لم أعرفْكَ و (ما) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل (رأى) ضمير يعود على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و «كَذَبَ» يتعدى بنفسه وقيل: هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي وغيره فأسقط حرف الصفة، قال حسان: 4553 - لَوْ كُنْتِ صَادِقَة الَّذِي حَدَّثْتِنِي ... لَنَجوْتُ مَنْجَى الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ أي في الذي حدثتني. وجوز في (ما) وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون بمعنى الذي. والثاني: أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل (رأى) ضميراً يعود على الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعَيْنِهِ. فصل قال الزمخشري معناه: أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباٌ فيما قاله فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة التخفيف، يقال: كَذَبَهُ إِذَا قال له الكَذِبَ. وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال: إن المرئيَّ خيالٌ لا حقيقةٌ. وأما الرائي فقيل: هو الفؤاد كأنه تعالى قال: ما كذب الفؤادُ ما رآه الفؤاد أي لم يقل: إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل: الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل: ما كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلى هذا فالمراد بالفؤاد الجنس؛ أي القلوب شهدت بصحة ما رآه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. وأمَّا المرئي فقيل: هو الرب تعالى. وقيل: جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وقيل: الآيات العجيبةُ الإلهيَّة. فالقائل بأن المرئي جبريل - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - هو ابنُ مسعودٍ وعائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - ومن قال بأن المرئيَّ هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال: رآه بفؤاده مرتين ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى﴾ [النجم: 13] . وقال أنس والحسن وعكرمة: رأى محمدٌ ربَّه بعينيه. وروى عكرمة عن ابن عباس (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما) قال: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إبْرَاهيمَ بالخلَّةِ، واصْطَفَى مُوسَى بالكَلاَم، واصْطَفَى مُحَمَّداً بالرُّؤْيَةِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» . وكانت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - تقول: لم ير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية جبريل. وقال مسروق: قلت لعائشة: يا أمَّتاه هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: لقد قفَّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، من حَدَّثَكَ أنَّ محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأتْ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: 103] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: 51] ومن حَدَّثَك أنه يَعْلم مَا في غَدٍ فقد كَذَب ثم قرأت: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: 34] ومن حدّثك أنه كَتَم شيئاً مما أنْزل الله فقد كذب ثم قرأت: ﴿يا أيها الرسول بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: 67] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال: «سألت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: هل رأيت ربك قط؟ قال: نُورٌ أنَّى أَرَاهُ» . قوله: «أَفَتُمَارُونه» قرأ الأخوان أَفَتَمْرُونَهُ بفتح التاء وسكون الميم، والباقون تُمَارُونَهُ. وعبد الله الشعبي أَفَتُمْرون بضم التاء وسكون الميم. فأما الأولى ففيها وجهان: أحدهما: أنها من مَرَيْتُهُ حَقَّه إذا علمته وجَحَدتَهُ إياه، وعدي بعلى لتضمنه معنى الغلبة. وأنشد: 4554 - لَئِنْ هَجَوْتَ أَخَا صِدْقٍ ومَكْرُمَةٍ ... لَقَدْ مَرَيْتَ أَخاً مَا كَانَ يَمْرِيكَا لأنه إذا جحده حقه فقد غلبه عليه. وقال المبردُ يقال: مَرَاهُ عَنْ حَقِّه وعَلَى حَقِّه إذا مَنَعَهُ منه، قال: ومثلُ «على» بمعنى «عن» قول بني كعب بن ربيعة: «رَضِيَ اللَّه عَليكَ» ؛ أي: عَنْكَ. والثاني: أنها من مَرَأَهُ على كذا أي غلبه عليه، فهو من المِرَاءِ وهو الجِدَالُ. وأما الثانية: فهي من مَارَاه يُمَارِيه مراءً أي جَادَلَهُ. واشتقاقه من مَرْي الناقة لأن كل واحد من المُتَجادِلَيْنِ يَمْرِي ما عند صاحبه. وكان من حقه أن يتعدى بفي كقولك: جَادَلْتهُ فِي كذا. وإنّما ضُمِّن معنى الغلبة. وأما قراءة عبد الله فمن أَمْراهُ رباعيًّا. فصل المعنى أفتجادلونه أي كيف تجادلونه على ما يرى، وذلك أنهم جادلوه حين أُسْرِيَ به فقالوا: صِفْ لنا بيتَ المقدس وأخبرنا عن عيرنا في الطريق وغير ذلك مما جادلوه والمعنى أفتجادلونه جدالاً ترومون به دفعه عما رآه وعلمه وتيقَّنه. فإن قيل: هلا قيل: أفتمارونه على ما رأى بصيغة الماضي لأنهم إنما جادلوه حين أسري به كما تقدم وما الحكمة في إبرازه بصيغة المضارع؟ فالجواب: أن التقدير أفتُمَارُونَه على ما يرى فكيف وهو قد رآه في السماء فماذا تقولون فيه؟ .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.