الباحث القرآني

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى﴾ لما قرر الرسالة ذكر ما ينبغي أن يبتدئ به الرسول وهو التوحيد ومنع الخلق عن الإشراك، فقوله: «أَفَرَاَيْتُمْ» إشارة إلى إبطال قولهم بنفس القول كما إذا ادعى ضعيفٌ الملكَ ثم رآه العقلاء في غاية البعد عما يدعيه يقولون: انْظُرُوا إلى هذا الذي يدعي المُلْكَ منكرين عليه غير مستدلين بدليل لظهور أمره فكذلك قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى﴾ أي كما هما فكيف تشركونهما بالله؟ فصل والألف واللام في (اللات) زائدة لازمة، فأما قوله: 4555 - ... ... ... ... ... ... ... ..... إلَى لاَتِهَا ... ... ... ... ... ... ... فحذفت للإضافة. وقيل: هي والعزى علمان بالوَضْع، أو صفتان غَالِبَتَانِ؟ خلاف. ويترتب على ذلك جواز صدق «أَل» وعدمه. فإن قلنا: إنهما ليسا وصفين في الأصل فلا تحذف منهما «أل» . وإن قلنا: إنهما صفتان وإنّ «أَلْ» لِلَمْحِ الصفة جاز، وبالتقديرين «فأل» زائدة. وقال أبو البقاء: وقيل: هما صفتان غالبتان مثل الْحَارِث والْعَبَّاس فلا تكون أل زائدة. انتهى. قال شهاب الدين: وهو غلط، لأن التي للمح الصفة منصوص على زيادتها بمعنى أنها لم تُؤْثِر تَعْريفاً. واختلف في تاء اللات، فقيل: أصل وأصله من لاَتَ يَلِيتُ فألفها عن ياء، فإن مادة «ل ي ت» موجودة. وقيل: زائدة وهي من لَوَى يَلْوِي، لأنهم كانوا يلوون أعْنَاقَهُمْ إليها، أو يلتوون أي يَعْتَكِفُونَ عليها. وأصلها لَوْيَةٌ فحذفت لامها، فألفها على هذا (بدلٌ) من واو. قال الزمخشري: هي فَعْلَة من لَوَى يَلْوِي، وعلى هذا فأصلها لوية فسكنت الياء وحذفت لالتقاء الساكنين، بقيت لَوْة فقلبت الواو ألفاً لفتح ما قبلها فصارت «لاَت» . واخْتَلَف القُرَّاءُ في الوقف على تائها فوقف الكسائي عليها بالهاء. والباقون بالتاء. وهو مبني على القولين المتقدمين. فمن اعتقد تاءها أصلية أَقرها في الوقت كتَاء بِنْتٍ، ومن اعتقد زيادتها وقف عليها هاءً. قال ابن الخطيب: والتاء في اللات تاء تأنيث كما في المَنَاة لكنها تكتب ممطوطةً لئلا يوقف عليها فتصير هاءً فتشبه باسم (الله) فإن الهاء في (الله) أصلية ليست تاءَ تأنيث ووقف عليها فانقلبت هاءً. واللاَّتُ اسمُ صنم. وقيل: كان لثقيف بالطائف. قاله قتادة. وقيل: بعُكَاظ. وقال زيد: بيت بنخلة. وقيل: صنم. ورجح ابن عطية الأول لقول الشاعر: 4556 - وَفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاَتِهَا ... بمُنْقَلَبِ الْخَائِبِ الْخَاسِرِ والعامة على تخفيف تائها. وقرأ ابن عباس، ومجاهدٌ، ومنصورُ بن المُعْتَمِر، وأبو الجَوْزَاء، وأبو صالح وابنُ كثير - في رواية - بتشديد التاء. فقيل: هو رجل كان يَلِتُّ السَّوِيقَ، ويُطْعِمهُ الْحَاجَّ، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل وكان يجلس عند حجر، فلما مات سمي الحجر باسمه وعُبِدَ من دون الله. وقال مجاهد: كان في رأس جبل له غنيمة يَسْلأُ منها السَّمْنَ ويأخذ منها الأَقطَ ويجمع رسلها ويتخذ منه حيساً فيطعم الحاج وكان ببطن النخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف يقال له: صَرْمَة بن غَنْم وكان يَسْلأُ السَّمن فيضعه على صخْرة، ثم تأتيه العرب فتلتُّ به أَسْوِقَتَهُمْ، فلما مات الرجل حَوَّلَتْهَا ثَقيفٌ إلى منازلها فعبدتها. وقال القرطبي: كانت صخرة مربَّعة وكان سَدَنَتُها من ثقيف وكانوا قد بنوا عليها بناءً، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها وبها كانت العربُ تسمّي زيدَ اللاتِ وتَيْمَ اللات، وكانت في موضع مسجد الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيفٌ. فبعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلِيًّا فَهَدَمَهَا وحَرَقَها بالنار، ثم اتخذ العرب العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالمُ بن سَعِيد. والعزى: فعلى من العز وهي تأنيث الأعَزّ كالفُضْلَى والأَفْضَل. وهي اسم صنم. وقيل: شجرة كانت تُعبد. قال مجاهد: هي شجرة كانت بغَطَفَان كانوا يعبدونها، فبعث النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - خالدَ بن الوليد فقطعها فجعل خالدٌ يضربُها بالفَأس ويقول: 4557 - يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لاَ سُبْحَانَك ... إنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكَ فخرجت منها شيطانة مكشوفة الرأس، ناشرةً شعرها، تضرب رأسَها وتدعو بالوَيْل والثُّبُور فقتلها خالد. وروي أَنَّ خالداً لما قطع الشجرة رجع إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: قد قَطَعْتُها، فقال: ما رأيت؟ قال: ما رأيت شيئاً. فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: ما بلغت. فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتثَّ أصلها فخرجت منها امرأة عُرْيَانة فقتلَها، ثم رَجَعَ إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فقال: تلك العُزَّى، ولن تُعْبَدَ أبداً. وقال الضحاك: هو صنم لغَطَفَان وضعها لهم سعدُ بن ظالم الغَطَفَانِيّ. وذلك أنه قَدِمَ مكة فرأى الصَّفَا والمَرْوَة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما فعاد إلى بطن نخلة وقال لقومه: إن لأهلِ مكة الصَّفَا والمَرْوَةَ وليستَا لكم ولهم إله يعبدونه وليس لكم قالوا: فما تأمرنا؟ قال: أنا أصنع لكم ذلك، فأخذ حجراً من الصفا وحجراً من المروة ونقلهما إلى نخلة فوضع الذي أخذ من الصَّفا فقالَ: هذا الصفا ثم وضع الذي أخذ من المروة فقال: هذا المروة ثم أخذ ثلاثة أحجار فأسندها إلى شجرة وقال: هذا ربكم فجعلوا يطوفون بين الحَجَريْن ويعبدون الحجارة حتى افتتح رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - مكة فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العُزَّى فقَطَعَها. وقال قتادة وابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف. وقال ابن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قوله: (وَمَنَاةَ) قرأ ابن كثير: مَنَأَةَ بهمزة مفتوحة بعد الألف، والباقون بألف وحدها، وهي صخرة كانت تعبد من دون الله. فأما قراءة ابن كثير فاشتقاقها من النَّوْءِ، وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء ووزنها حينئذ «مَفْعَلَة» فألفها عن واو وهمزتها أصلية وميمها زائدة وأنشدوا على ذلك: 4558 - أَلا هَلْ أَتَى تَيْم بْنَ عَبْدِ مَنَاءَةٍ ... عَلَى النَّأيِ فِيمَا بَيْنَنَا ابْنُ تَمِيمِ وقد أنكر أبو عبيدة قراءة ابْنِ كثير، وقال: لم أسمع الْهَمْز. قال شهاب الدين: قد سمعه غيرهُ، والبيت حجَّةٌ عليه. وأما قراءة العامة فاشتقاقها من مَنَى يَمْنِي أي صَبَّ لأن دِمَاءَ النَّسائك كانت تُصَبُّ عندَها، وأنشدوا لجرير: 4559 - أَزَيْدَ مَنَاةَ تُوعِدُ يَا ابْنَ تَيْمٍ ... تَأَمَّلْ أَيْنَ تَاهَ بِكَ الوَعِيدُ وقال أبو البقاء: وألفه عن ياء كقولك: مَنَى يَمْنِي إذا قدر، ويجوز أن تكون من الواو، ومنه مَنَوَانِ فوزنها على قراءة القصر فَعَلَةٌ. فصل قال قتادة: مناة صخرة كانت لخُزَاعةَ بقَدِيد. وقالت عائشة (رَضِيَ اللَّهُ عَنْها) في الأنصار كانوا يصلون لمناةَ فكانت حذو قَديدٍ. وقال ابن زيد: بيت كان بالمشلل تعبده بنو كعب. وقال الضحاك مناة صنم لهُذَيْل وخُزَاعَة تعبده أهل مكة. وقيل: اللاَّتُ والعُزَّى ومناة أصنامٌ مِنْ حجارةٍ كانت في جوف الكعبة يعبدونها. قوله: (الأُخْرَى) صفة لمَنَاةَ. قال أبو البقاء: و «الأُخْرَى» توكيد لأن الثالثة لا تكون إلا أُخْرَى. وقال الزمخشري: والأخرى ذم وهي المتأخِّرة الوضيعة المقدار، كقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ [الأعراف: 38] أي وُضَعاؤهم لأَشْرَافِهمْ. ويجوز أن تكون الأولية والتقدم عندهم لِلاَّتِ والْعُزَّى. انتهى. وفيه نظر، لأن «الأخرى» إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعريض لمدح ولا ذمٍّ، فإن جاء شيء فلقرينة خارجيَّةٍ. وقيل: الأخرى صفة للعُزَّى؛ لأن الثانية أخرى بالنسبة إلى الأولى. وقال الحُسَيْنُ بن الفَضْلِ: فيه تقديم وتأخير أي العزَّى الأُخْرَى، ومناة الثالثة. ولا حاجة إلى ذلك؛ لأن الأصل عَدَمُهُ. فصل قال ابن الخطيب: فإنْ قِيلَ: إنما يقال: أَخَّرُوا «أُخْرى» إذا (تقدم) أول مشاركٌ للثاني فلا يقال جَاءَنِي رَجُلٌ وامْرَأَةٌ أُخْرَى فيلزم أن تكون العُزَّى ثالثةً! فالجواب: قد يستعمل الآخر والأُخرى للذَّمِّ، فالمراد بالأخرى المتأخرة الذليلة. واللات على صورة آدمّي. والعُزَّى شجرة وهي نبات. وقيل: صخرة جَمَاد وهي متأخرة عنهما. أو في الكلام حذف أي اللات والعزى المعبودين بالباطل ومناة الثالثة الأخرى. أو المعنى ومناة الأخرى الثالثة على التقديم والتأخير. ومعنى الآية هل رأيتم هذه الأصنام حقَّ الرؤية فَإنْ رأيتموها علمتم أنها لا تَصْلُحُ للإلهيَّةِ. والمقصود إبطال الشركاء وإثبات التوحيد. فصل «أرأيت» بمعنى أخبرني فيتعدى لاثنين أولهما اللات وما عطف عليه، والثاني: الجملة الاستفهامية من قوله: «ألَكُمُ الذَّكَرُ» . فإن قيل: لم يعد من هذه الجملة ضمير على المفعول الأول. فالجواب: أن قوله «وَلَهُ الأُنْثَى» في قوة: له هذه الأصنام وإن كان أصل التركيب ألكم الذكر وله هُنَّ أي تلك الأصنام. وإنما أوثر هذا الاسم الظاهر لوقوعه رأسَ فاصلةٍ. وقد جعل الزجاج المفعولَ الثَّانِي محذوفاً، فإنَّه قال: وجه تلفيق هذه الآية مع ما قبلها فيقول أخبروني عن آلهتكم هل لها شيء من القدرة والعظمة التي وصف بها ربّ العزة في الآي السالِفةِ. انتهى. فعلى هذا يكون قوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ) مُتعلِّقاً بما قبله من حيثُ المَعْنى لا من حيثُ الإعراب. وجعل ابن عطية الرؤية هنا بصرية فقال: وهي من رؤية العين، لأنه أحال على أجرام مرئيَّة، ولو كانت «أرأيت» التي هي استفتاء لم يتعد. وقد تقدم الكلام على ذلك في الأنعام وغيرها. فإن قيل: ما فائدة الفاء في قوله: «أَفَرَأَيْتُمْ» وقد وردت في مواضعَ بغير فاء، كقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ [الزمر: 38] (و) ﴿أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ﴾ [فاطر: 40] . فالجواب: لما تقدم عظمة الله في ملكوته وأن رسوله إلى الرسل يسد الآفاق ببعض أجنحته ويهلك المدائن بشدته وقوته ولا يمكنه مع هذا أن يتعدى السدرة في مقام جلال الله وعزته قال: أَفَرَأَيْتُمْ هذه الأصنام مع ذلتها وحقارتها شركاء لله مع ما تقدم فقال بالفاء أي عقيب ما سمعتم من عَظَمَةِ آياتِ الله الكبرى ونفادِ أمْرِهِ في الملأ الأعلى وما تحت الثَّرى انظروا إلى اللات والعزى تَعْلَمُوا فَسَادَ ما ذهبتم إليه. قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى﴾ قال الكلبي: كان المشركون بمكة يقولون للأصنام والملائكة بناتِ الله. قال ابن الخطيب: معناه كيف جعلتم لله البنات وقد اعترفتم في أنفسكم أن البناتِ ناقصاتٌ والبنون كاملونَ والله كامل العظمة فكيف نسبتم إليه الناقص وهو في غاية الذلة والحقارة حيث عبدتم الجماد من الحجارة والشجر ثم نسبتم إليكم الكامل فهذه قسمةٌ جائرةٌ على زعمكم وعادتكم لأنه كان ينبغي أن تجعلوا الأعظم للعظيم والأنقص للحقير فخالفتم النقل والعقل والعادة؟ قوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ ، «تلك» إشارة إلى محذوف تقديره تلكَ القِسْمَةُ قسمةٌ غير عادلةٍ. ويحتمل أن يقال: تلك النسبة؛ أي التي نسبوها إلى الله بأَنَّ له البناتِ. وقوله (إذَنْ) جواب نسبتهم البنات إلى الله. وقوله: «ضيزَى» قرأ ابن كثير ضِئْزَى بهمزة ساكنة والباقون بياء ساكنة. وزيد بن عليّ ضَيْزَى بفتح الضاد والياء الساكنة. فأما قراءة العامة فيحتمل أن تكون من ضَازَهُ يَضِيزُهُ إذا ضَامَهُ وجار عليه فمعنى ضِيزَى أي جائرة. وقال مجاهد ومقاتل: قِسْمَةٌ عَوْجَاءُ. وقال الحسن: غير معتدلة، قال الشاعر: 4560 - ضَازَتْ بَنُو أَسَدٍ بِحُكْمِهِمُ ... إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأسَ كَالذَّنَبِ وعلى هذا فيحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون صفة على «فُعْلَى» - بضم الفاء - وإنما كسرت الفاء لتصحَّ الياء «كَبِيضٍ» . فإن قيل: وأي ضرورة إلى أن يقدر أصلها ضمّ الفاء؟ ولم لا قيل: إنَّها فِعْلَى بالكسر؟ . فالجواب: أن سيبويه حكى أنه لم يرد في الصفات فِعْلَى - بكسر الفاء - إنما ورد بضَمِّها، نحو: حُبْلَى وأُنْثَى ورُبَّى وما أشبهه إلا أنه قد حكى غيره في الصِّفات ذلك؛ حكى ثعلب: مِشْيَةٌ حِيكَى. وَرُجلٌ كِيصَى، وحكى غيره: امرأةٌ عِزْهَى، وامرأة سِعْلَى. وهذا لا ينقض، لأن سيبويه يقول في حِيكَى وكِيصَى كقوله في ضِيزَى: لتصحَّ الياء. وأما عِزْهَى وسِعْلَى فالمشهور فهيما عِزْهَاةٌ وسِعْلاَةٌ. وقال البغوي: ليس في كلام العرب فِعْلَى بكسر الفاء في النعوت إنما يكون في الإسماء مثل ذِكْرَى، وشِعْرَى. والوجه الثاني: أن تكون مصدراً كَذِكْرَى. قال الكسائي: يقال ضَازَ يَضِيزُ كَذكَرَ يَذْكُرُ، ويحتمل أن يكون من ضَأَزَهُ بالهمز - كقراءة ابن كثير، إلا أنه خفف همزها وإن لم يكن من أصول القراء كلهم إبدالُ مثل هذه الهمزة ياء لكنها لغة التزمت فقرأوا بها. ومعنى ضَأَزَهُ يَضْأَزُهُ نَقَصَهُ ظلماً وجوراً. وممن جوز أن تكون الياء بدلاً من همزة أبو عُبَيْدٍ وأن يكون أصلها ضُوزَى بالواو، لأنه سمع ضَازَه يَضُوزهُ ضُوزَى وَضَازهُ يَضِيزُهُ ضِيزَى وَضَأَزَهُ يَضْأَزُهُ ضَأزاً، حكى ذلك كله الكسائي. وحكى أبو عبيد: ضِزْتُهُ وضُزْتُهُ بكسر الفاء وضمها فكسرت الضاد من ضُوزَى، لأن الضمة ثقيلةٌ مع الواو. وفعلوا ذلك ليَتَوصَّلوا به إلى قلبِ الواو ياءً وأنشد الأخضر على لغة الهمزة: 4561 - فَإنْ تَنْأَ عَنْهَا تَنْتَقِصْكَ وإنْ تَغِبْ ... فَسَهْمُكَ مَضْئُوزٌ وَأَنْفُكَ رَاغِمُ وضيزَى في قراءة ابن كثير مصدر وُصِفَ به، ولا يكون وصفاً أصلياً لما تقدم عن سيبويه. فإن قيلَ: لِمَ لا قيلَ في ضيزى بالكسر والهمز إنّ أصله ضُيْزى بالضم فكسرت الفاء كما قيل فيها مع ألفها؟ فالجواب: أنه لا موجب هنا للتغيير، إذ الضم مع الهمز لا يستثقل استثقاله مع الياء الساكنةِ. وسمع منهم: ضُؤْزَى بضمِّ الضاد مع الواو والْهَمْزِ. وأمَّا قراءة زيد فيحتمل أن تكون مصدراً وُصِفَ بِهِ كَدعوى وأن تكون صفة كسَكْرَى وعَطْشَى وغَضْبَى. قوله: (إنْ هِيَ) في (هي) وجهان: أحدهما: أنها ضمير الأصنام أي وما هي إلا أسماءٌ ليس تحتها في الحقيقة مُسَمياتٌ لأنكم تدعون الإلهية لما هو أبعد شيء منها، وأشد منافاة لها. وهذا على سبيل المبالغة والتجوز، كما يقال لتحقير إنسان: ما زيد إلا اسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة معتبرة كقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ﴾ [يوسف: 40] . الثاني: أن يكون ضمير الأسماء وهي اللاَّت والعُزَّى ومَنَاة، وهم يقصدون بها أسماء الآلهة يعني وما هذه الأسماء إلا سَمَّيْتُمُوها بهواكم وشهْوتكم ليس لكم على صحة تسميتها بُرهانٌ تتعلقون به. قال أبو البقاء: «أَسْمَاءٌ» يجب أن يكون المعنى ذَوَاتُ أَسْمَاءٍ، لقوله: «سَمَّيْتُمُوهَا» ؛ لأن الاسم لا يسمى. فإن قيل: كيف قال: سميتموها أنتم مع أن هذه الأسماء موضوعة قبلنا؟ فالجواب: أن كل من نطق بهذه الألفاظ فهو كالمُبْتَدِئ الواضع؛ لأن الواضع الأول لهذه الأسماء لما لم يكن واضعاً بدليل نقلي أو عقلي لم يجب اتباعه ولا يجوز فصار هو كالمبتدئ؛ إذ لا مُقْتدى لَهُ. فإن قيل: الأسماء لا تسمَّى وإنما يسمى بها فكيف قال: أسماء سميتموها؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن التسمية وضع الاسم فكأنه قال: أسماء وضعتموها، فاستعمل سَمَّيْتُمُوهَا استعمال وضَعْتُمُوهَا. الثاني: لو قال: أسماءٌ سمَّيْتُم بها لكان هناك غير الاسم شيء يتعلّق به الباء في قولك بها؛ لأن قول القائل: سميت به يستدعي دخُولاً آخر، تقول: سميتُ بزيدٍ ابني أو عبدي أو غير ذلك فيكون قد جعل للأصنام اعتباراً. فإن قيل: هذا باطل بقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 36] حيث لم يقل: وَإنِّي سَمَّيْتُهَا بِمَرْيَمَ ولم يكن ما ذكرت مقصوداً وإلا لكانت مريم غير ملتفت إليها كما قلت في الأصنام. فالجواب: بَيْنَهما بونٌ عظيم؛ لأن هناك قال: سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ فذكر المفعولين فاعتبر حقيقة مريم بقوله: سميتها واسمها بقوله: مريم، وأما ههنا فقال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ﴾ موضوعة فلم تعتبر الحقيقة ههنا واعتبرها في مريم. قوله: ﴿مَّآ أَنَزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ أي حجة بما يقولون: إنها آلهة. واستعملت الباء في قوله (بِهَا) كقولك: ارْتَحَلَ فلاَنٌ بأهله ومَتَاعِهِ أي ارتحل ومعه الأهل والمتاع. كذلك ههنا قوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ هذا رجوع إلى الخبر بعد المخاطبة فقال: إن يتَّبعون إلاّ الظَّنَّ في قولهم: إنها آلهة. قرأها العامة على الغيبة التفاتاً من خطابهم إلى الغيبة عنهم تحقيراً لهم، كأنه قطع الكلام معهم وقال لنبيِّه: إنهم لا يتبعون إلا الظن فلا يلتفت إلى قولهم. ويحتمل أن يكون المراد غيرهم، وفيه وجهان: الأول: أن يكون المراد آباءهم كأنه تعالى قال: سَمَّيْتُمُوهَا أنتم وآباؤكم فكأنهم قالوا: هذه الأسماء لم نضعها نحن، وإنَّما تلقيناها من آبائنا فقال: وسمَّاها آباؤكم وما يتبعون إلاَّ الظَّنَّ. فإن قيل: كان ينبغي أن يكون بصيغة الماضي. فالجواب: وبصيغة المستقبل أيضاً كأنه يفرض الزمان (بعد) زمان الكلام كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18] . الثاني: أن يكون المراد عامة الكفار. وقرأ عبدُ الله وابنُ عباس وطلحةُ وعيسى بن عُمَر وابنُ وثاب: بالخطاب. وهو حسن موافقٌ. فإن قيل: كيف ذمهم على اتِّباع الظَّنِّ ونحن مأمورون باتباعه في الفقه، وقال - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - حكاية عن الله تعالى أنه قال: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي؟» فالجواب: أن الظن خلاف العلم وقد استعمل مجازاً مكان العلم والعلم مكانه وأصل العلم الظهور ومنه العَالِم. وحروف العلم في تَقَالِيبِها فيها معنى الظهور منها لَمَعَ البَرْقُ إذا ظَهَرَ، ولَمَعَ الغَزَالُ إذا عَدا، وكذلك عَلِمت. والظن إذا كان في مقابلة العلم ففيه الخفاء ومنه بئرٌ ظنونٌ لا يدري أفيه ماءٌ أم لا؛ لخفاء الأمر فيه ودينٌ ظَنُونٌ. يخفى الأمر فيه فنقول: يجوز بناء الأمر على الظن عند العجز عن درك اليقين، وأما الاعتقاد فليس كذلك، لأن اليقين لم يتعذّر علينا. وإلى هذا أشار بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى﴾ أي اتبعوا الظن وقد أمكنهم الأخذ باليقين. وفي العمل يمتنع ذلك أيضاً. والله أعلم. قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الأنفس﴾ نسق على (الظّن) و «ما» مصدرية، أو بمعنى الذي. والمراد بما تهوى الأنفس هو ما زين لهم الشيطان. قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى﴾ يجوز أن يكون حالاً من فاعل (يَتَّبِعُونَ) أي يَتَّبَعُون الظنَّ وهوى النفس في حالٍ تُنافي ذلك وهي مجيء الهدى من عند ربهم. ويجوز أن يكون اعتراضاً فإن قوله: «أمْ للإِنْسَانِ» متصل بقوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الأنفس﴾ ، وهي أم المنقطعة، فتقدر ببل والهَمْزَة على الصَّحِيح. قال الزمخشري: ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي ليس للإنسان ما تمنى. فصل المعنى ولقد جاءهم من ربهم البيان بالكتاب والرسول أنها ليست بآلهة وأن العبادة لا تصلح إلاَّ للَّهِ الواحد القهار. ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تمنى﴾ أيظن أن له ما يتمنى ويشتهي من شفاعة الأصنام. ويحتمل أن يكون معناه: هل للإنسان أن يعبد بالتمني والاشتهاء ما تهوى نَفْسُهُ. قوله ﴿فَلِلَّهِ الآخرة والأولى﴾ أي ليس كما ظن وتمنى بل لله الآخرة والأولى لا يملك فيها أحدٌ شَيْئاً إلاَّ بإذنه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.