الباحث القرآني

وهي ثمان وسبعون آية، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة، وألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قال قال تعالى: «الرَّحْمن» فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر مبتدأ مضمر، أي: «الله الرحمن» . الثاني: أنه مبتدأ وخبره مضمر، أي: «الرحمن ربنا» وهذان الوجهان عند من يرى أن «الرحمن» آية مع هذا المضمر معه، فإنهم عدُّوا الرحمن «آية» . ولا يتصور ذلك إلا بانضمام خبر أو مخبر عنه إليه؛ إذ الآية لا بد أن تكون مفيدة، وسيأتي ذلك في قوله: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الآية: 64] . الثالث: أنه ليس بآية، وأنه مع ما بعده كلام واحد، وهو مبتدأ، خبره «عَلَّم القُرْآنَ» . * فصل في بيان مناسبة السورة افتتح السورة التي قبلها بذكر معجزة تدل على القهر [والغلبة] والجبروت، وهو انشقاق القمر، فمن قدر عليه قدر على قطع الجبال وإهلاك الأمم، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدلّ على الرحمة، وهي القرآن، وأيضاً فأولها مناسب لآخر ما قبلها؛ لأن آخر تلك أنه ﴿مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 55] وأول هذه أنه رحمن. قال بعضهم: إن «الرحمن» اسم علم، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسمآء الحسنى﴾ [الإسراء: 110] . وأجاز أن يقال: «يالرحمن» باللام، كما يقال: «يا الله» وهذا ضعيف، وهو مختص بالله تعالى، فلا يقال لغيره. قال سعيد بن جبير، وعامر الشعبي: «الرحمن» فاتحة ثلاثة سور إذا جمعن كن اسماً من أسماء الله تعالى: «الر» و «حم» و «نون» ، فيكون مجموع هذه «الرحمن» . ولله - تعالى - رحمتان: رحمة سابقة بها خلق الخلق، ورحمة لاحقة بها أعطاهم الرزق والمنافع، فهو رحمن باعتبار السَّابقة، رحيم باعتبار اللاحقة، ولما اختص بالإيجاد لم يقل لغيره: رحمن، ولما تخلق بعض خلقه الصالحين ببعض أخلاقه بحسب الطَّاقة البشرية، فأطعم ونفع، جاز أن يقال له: رحيم. قوله: «عَلَّم القُرآن» فيه وجهان: أظهرهما: أنه «علم» المتعدية إلى اثنين أي عرف من التعليم، فعلى هذا المفعول الأول محذوف. قيل: تقديره: علم جبريل القرآن. وقيل: علم محمداً. وقيل: علم الانسان، وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: «خَلَقَ الإنْسان» دال عليه. والثاني: أنها من العلامة، والمعنى: جعله علامة، وآية يعتبر بها، أي: هو علامة النبوة ومعجزة، وهذا مناسب لقوله تعالى: ﴿وانشق القمر﴾ [القمر: 1] . على ما تقدم أنه ذكر في أول تلك السورة معجزة من باب الهيبة، وذكر في هذه السورة معجزة من باب الرحمة، وهو أنه يسر من العلوم ما لا يسره غيره، وهو ما في القرآن، أو يكون بمعنى أنه جعله بحيث يعلم كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 17] ، فالتعليم على هذا الوجه مجاز كما يقال لمن أنفق على متعلم وأعطى أجرة معلمه: علمته. فإن قيل: لم ترك المفعول الثاني؟ . فالجواب: أن ذلك إشارة إلى أن النعمة في التعليم لا تعليم شخص دون شخص؛ فإن قيل: كيف يجمع بين هذه الآية، وبين قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ [آل عمران: 7] ؟ فالجواب: إن قلنا بعطف الرَّاسخين على «الله» فظاهر. وإن قلنا بالوقف على الجلالة، ويبتدأ بقوله: «والرَّاسِخُون» فلأن من علم كتاباً عظيماً فيه مواضع مشكلة قليلة، وتأملها بقدر الإمكان، فإنه يقال: فلان يعلم الكتاب الفلاني، وإن كان لم يعلم مراد صاحب الكتاب بيقين في تلك المواضع القليلة، وكذا القول في تعليم القرآن، أو يقال: المراد لا يعلمه من تلقاء نفسه، بخلاف الكتب التي تستخرج بقوّة الذكاء. * فصل في نزول هذه الآية قال المفسرون: نزلت هذه الآية حين قالوا: وما الرحمن؟ . وقيل: نزلت جواباً لأهل «مكة» حين قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] ، وهو رحمن «اليمامة» ، يعنون: مسيلمة الكتاب فأنزل الله - تعالى - ﴿الرحمن، علَّم القُرآن﴾ أي: سهله لأن يذكر ويُقرأ. كما قال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 22] . قوله تعالى: «خلق الإنسان» . قال ابن عباس وقتادة، والحسن: يعني آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ -. قوله: «علَّمهُ البَيانَ» علمه أسماء كل شيء. وقيل: علمه اللغات كلها، وكان آدم يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية. وعن ابن عباس أيضاً، وابن كيسان: المراد بالإنسان هنا محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - والمراد من البيان بيان الحلال من الحرام، والهدى من الضلالة. وقيل: ما كان وما يكون؛ لأنه ينبىء عن الأولين، والآخرين، ويوم الدين. وقال الضحاك: «البيان» : الخير والشر وقال الربيع بن أنس: هو ما ينفعه مما يضره. وقيل: المراد ب «الإنسان» جميع الناس، فهو اسم للجنس، والبيان على هذا الكلام: الفهم وهو مما فضل به الإنسان على سائر الحيوان. قال السدي: علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. وقال يمان: الكتابة والخط بالقلم نظيره ﴿عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 4، 5] . * فصل في كيفية النظم إنه علم الملائكة أولاً، ثم خلق الإنسان، وعلمه البيان، فيكون ابتدأ بالعلوي، وقابله بالسفلي، وقدم العلويات على السفليات، فقال: «علم القرآن» إشارة إلى تعليم العلويين. ثم قال: ﴿خَلَقَ الإنسانَ، علَّمهُ البيانَ﴾ إشارة إلى تعليم السفليين، وقال: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ [في العلويات] ﴿والنجم والشجر يسجدان﴾ [في السفليات] . ثم قال: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: 7] ، وفي مقابلتها ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: 10] . * فصل في وصل هذه الجمل هذه الجمل من قوله: ﴿عَلَّمَ القُرآنَ، خلق الإنسَانَ، علَّمه البيان﴾ جيء بها من غير عاطف؛ لأنها سيقت لتعديد نعمه، كقولك: «فلان أحسن إلى فلان، أشاد بذكره، رفع من قدره» فلشدة الوصل ترك العاطف، والظاهر أنها أخبار. وقال أبو البقاء: و «خَلَقَ الإنسَانَ» مستأنف، وكذلك «علَّمَهُ» ، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان مقدرة، وقدَّر معها مرادة انتهى. وهذا ليس بظاهر، بل الظاهر ما تقدم، ولم يذكر الزمخشري غيره. فإن قيل: لم قدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه، وهو متأخر عنه في الوجود؟ . فالجواب: لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. فإن قيل: كيف صرح بذكر المفعولين في «علَّمهُ البَيانَ» ، ولم يصرح بهما في «علَّم القُرآن» ؟ . فالجواب: أن المراد من قوله «علَّمه البَيَانَ» تعديد النِّعم على الإنسان، واستدعاء للشكر منه، ولم يذكر الملائكة؛ لأن المقصود ذكر ما يرجع إلى الإنسان. فإن قيل: بأنه علم الإنسان القرآن. فيقال: بأن ذكر نعمة التعليم وعظمها على سبيل الإجمال، ثم بين كيفية تعليمه القرآن، فقال: ﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ . واستدلّ بعضهم بهذه الآية على أن الألفاظ توقيفية. قوله: ﴿والشمس والقمر بحسبان﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشمس مبتدأ، و «بِحُسْبَان» خبره على حذف مضاف، تقديره: جري الشمس والقمر بحسبان، أي كائن، أو مستقر، أو استقر بحُسْبَان. الثاني: أن الخبر محذوف يتعلق به هذا الجار، تقديره: يجريان بحُسْبَان. وعلى هذين القولين، فيجوز في الحسبان وجهان: أحدهما: أنه مصدر مفرد بمعنى «الحُسْبان» ، فيكون ك «الشُّكْران» و «الكُفْران» . والثاني: أنه جمع حساب، ك «شهاب» و «شُهْبَان» . والثالث: أن «بحسبان» خبره، و «الباء» ظرفية بمعنى «في» أي: كائنان في حسبان. وحسبان على هذا اسم مفرد، اسم للفلك المستدير، مشبهة بحسبان الرَّحَى الذي باستدارته تدور الرّحى. فصل لما ذكر خلق الإنسان وإنعامه عليه لتعليمه البيان، ذكر نعمتين عظيمتين، وهما: الشمس والقمر، وأنهما على قانون واحد وحسابٍ لا يتغيران، وبذلك تتم منفعتهما للزراعات وغيرها، ولولا الشمس لما زالت الظلمة، ولولا القمر لفات كثير من المنافع الظاهرة، بخلاف غيرهما من الكواكب، فإن نعمها لا تظهر لكل أحد مثل ظهور نعمتهما، وأنهما بحساب لا يتغير أبداً، ولو كان مسيرهما غير معلوم للخلق لما انتفعوا بالزِّراعات في أوقاتها، ومعرفة فصول السَّنة. ثم لما ذكر النعم السماوية وذكر في مقابلتها أيضاً نعمتين ظاهرتين من الأرض، وهما: النبات الذي لا ساق له، وما له ساق؛ لأن النبات أصل الرزق من الحبوب والثمار، والحشيش للحيوان. وقيل: إنما ذكر هاتين النعمتين بعد تعليم القرآن إشارة إلى أن من الناس من لا تكون نفسه زكيّة، فيكتفي بأدلة القرآن، فذكر له آيات الآفاق، وخص الشمس والقمر؛ لأن حركتهما بحسبان تدل على الفاعل المختار. ولو اجتمع العالم ليبيّنوا سبب حركتهما على هذا التقدير المعين لعجزوا، وقالوا: إن الله حركهما بالإرادة كما أراد. وقيل: لما ذكر معجزة القرآن بإنزاله أنكروا نزول الجرم من السماء وصعوده إليها، فأشار تعالى بحركتهما إلى أنها ليست بالطبيعة. وهم يقولون بأن الحركة الدّورية من أنواع الحركات لا يكون إلا اختيارياً، فقال تعالى: من حرّكهما على الاستدارة أنزل الملائكة على الاستقامة، والثقيل على مذهبكم لا يصعد، وصعود النَّجم والشجر إنما هو بقدرة الله تعالى، فحركة الملك كحركة الفلك جائزة. * فصل في جريان الشمس والقمر قال المفسرون: [المعنى] يجريان بحسبان معلوم فأضمر الخبر. قال ابن عباس وقتادة وأبو مالك: يجريان بحساب في منازل لا تعدوها ولا يحيدان عنها. وقال ابن زيد وابن كيسان: بهما تحسب الأوقات والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يجد شيئاً إذا كان الدهر كله ليلاً أو نهاراً. وقال السدي: «بحسبان» تقدير آجالهما، أي: يجريان بآجال كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا، نظيره: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الرعد: 2] . وقال الضحاك: بقدر. وقال مجاهد: «بحسبان» كحُسْبَان الرَّحى يعني: قطعها، يدوران في مثل القُطْب. والحُسْبَان: قد يكون مصدر «حسبته أحسبُه بالضم حَسْباً وحِسَاباً وحُسْبَاناً» مثل الغُفْرَان والكُفْران والرُّجحان. وحسبته أيضاً: أي عددته. وقال الأخفش: ويكون جماعة الحساب، مثل «شِهَاب، وشُهْبَان» . والحُسْبَان - بالضم - أيضاً: العذاب والسِّهام القصار، الواحدة: حُسْبَانة. والحُسْبانة أيضاً: الوِسادَة الصغيرة تقول منه: «حَسَّبْتُهُ» إذا وسدته. قال: [مجزوء الكامل] 4619 - ... ... ... ... ... ... ..... لَثَوَيْتَ غَيْرَ مُحَسَّبِ أي غير مُوسَّد، يعني: غير مكرم ولا مكفن. قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6] . قال ابن عباس وغيره: النَّجْم: ما لا ساق له، والشَّجر: ما له ساق. وأنشد ابن عباس قول صفوان التيمي: [الطويل] 4620 - لَقَدْ أنجمَ القَاعُ الكَبيرُ عِضَاههُ ... وتَمَّ بِهِ حيَّا تَميمٍ ووَائِلِ وقال زهير بن أبي سُلْمَى: [البسيط] 4621 - مُكَلَّلٌ بأصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ... رِيحُ الجَنُوبِ لِضاحِي مَائِهِ حُبُكُ واشتقاق النجم من «نَجَمَ الشيء يَنْجُمُ» - بالضم - نُجُوماً: ظهر وطلع. ومنه: نَجَمَ نابُ البعير، أي: طلع. وسجودهما: سجود ظلالهما؛ قاله الضحاك. وقال الفرّاء: سجودهما أنهما يستقبلان إذا طلعت، ثم يميلان معهما حتى ينكسر الفيء. وقال الزجاج: سجودهما: دوران الظِّل معهما، كما قال: ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ﴾ [النحل: 48] . وقال الحسن ومجاهد: النجم نجم السماء، وسجوده في قول مجاهد: «دوران ظله» وهو اختيار الطبري، حكاه المهدوي. وقيل: سجود النجم: أفوله، وسجود الشجر: إمكان الاجتناء لثمارها، حكاه الماوردي. والأول أظهر. وقيل: إن جميع ذلك مسخر لله تعالى، فلا تعبدوا النجم كما عبد قوم من الصَّابئين النجوم، وعبد كثير من العجم الشجر. والسجود: الخضوع، والمعني به آثار الحدوث، حكاه القشيري. وقال النحاس: أصل السجود في اللغة: الاستسلام والانقياد لله - عَزَّ وَجَلَّ - فهو من السموات كلها استسلامها لأمر الله - عَزَّ وَجَلَّ - وانقيادها له. ومن الحيوان كذا، ويكون من سجود الصلاة. وأنشد محمد بن يزيد في النجم بمعنى النجوم؛ قال: [الطويل] 4622 - فَبَاتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتجيرِهِ ... سَرِيعٍ بأيْدِي الآكلينَ جُمُودهَا قوله تعالى: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ . العامة: على النصب على الاشتغال مراعاة لعجز الجملة التي يسميها النحاة ذات وجهين، وفيها دليل لسيبويه الذي يجوز النصب، وإن لم يكن في جملة الاشتغال ضمير عائد على المبتدأ الذي تضمنته الجملة ذات الوجهين. والأخفش يقول: لا بد من ضمير، مثاله: «هند قامت وعمراً أكرمته لأجلها» . قال: «لأنك راعيْتَ الخبر وعطفت عليه، والمعطوف على الخبر خبر، فيشترط فيه ما يشترط فيه» . ولم يشترط الجمهور ذلك، وهذا دليلهم. فإن القراء كلهم نصبوا مع عدم الرابط إلا من شذ منهم وقد تقدم تحرير هذا في سورة «يس» عند قوله: ﴿والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: 39] . وقرأ أبو السمال: برفع السماء على الابتداء، والعطف على الجملة الابتدائية التي هي قوله «والشمس والقمر» . قال القرطبي: «فجعل المعطوف مركباً من ابتداء وخبر كالمعطوف عليه» . قوله: «ووَضَع المِيزانَ» . العامة على «وَضَع» فعلاً ماضياً، و «الميزان» نصب على المفعول به. وقرأ إبراهيم: «ووضْع الميزانِ» - بسكون الضاد - وخفص «الميزان» وتخريجها: على أنه معطوف على مفعول «رفعها» أي: «ورفع ووضْع الميزان» أي جعل له مكانة ورفعة لأخذ الحُقُوق به، وهو من بديع اللفظ حيث يصير التقدير: «ورفع ووضع الميزان» . قال الزمخشري: «فإن قيل: كيف أخلّ بالعاطف في الجمل الأول وجيء به بعده؟ . قلت: بَكَّتَ بالجمل: الأول، وأورده على سننِ التعديد للذين أنكروا الرحمن وآلاءه كما تبكت منكر أيادي المنعم من الناس بتعدّدها عليه في المثال الذي قدمته، ثم رد الكلام إلى منهاجه بعد التَّبكيت في وصل ما يجب وصله للتناسب والتقارب بالعاطف. فإن قلت: أي تناسب بين هاتين الجملتين حتى وسط بينهما العاطف؟ . قلت: إن الشمس والقمر سماويَّان، والنجم والشجر أرضيَّان فبينهما تناسب من حيث التقابل، وإن السماء والأرض لا يزالان يذكران قرينتين، وإن جري الشمس والقمر بحسبان من جنس الانقياد لأمر الله، فهو مناسب لسجود النجم والشجر» . * فصل في المراد بوضع الميزان قال مجاهد وقتادة: وضع الميزان عبارة عن العدل. قال السدي: «ووضع الميزان» وضع في الأرض العدل الذي أمر به، يقال: وضع الله الشريعة، ووضع فلان كذا أي ألقاه. وقيل: على هذا الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه. وهو من قول الحسين بن الفضل. وقال الحسن وقتادة - أيضاً - والضحاك: هو الميزان الذي يوزن به لينتصف به الناس بعضهم من بعض، وهو خبر بمعنى الأمر بالعدل يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ [الرحمن: 9] . والقسْط هو العَدْل، وقيل: هو الحكم. وقيل: المراد وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال. وأصل «ميزان» «يوزان» . وقد مضى القول فيه في «الأعراف» . قال ابن الخطيب: قوله: «ووَضَعَ المِيزانَ» إشارة إلى العدل، كقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان﴾ [الحديد: 25] أي: ليعلموا بالكتاب، ويعملوا بالميزان، فكذا هنا «عَلَّمَ القُرآن» ووضع الميزانَ، فالمراد ب «الميزان» : العدل بوضعه شرعة، كأنه قيل: شرع العدل لئلا تطغوا في الميزان الذي هو آلة العَدْل، هذا هو المنقول، قال: والأولى العكس كالأول وهو الآلة، والثاني: بمعنى الوزن، أو بمعنى العدل. قوله: ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ﴾ ، في «أنْ» هذه وجهان: أحدهما: أنها الناصبة، و «لا» بعدها نافية، و «تطغوا» منصوب ب «أن» ، و «أن» قبلها لام العلة مقدّرة تتعلق بقوله: «ووضَعَ المِيزانَ» ، التقدير: «لئلاَّ تَطغَوا» ، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176] . وأجاز الزمخشري وابن عطية: أن تكون المفسرة، وعلى هذا تكون «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها. قال القرطبي: فلا يكون ل «أنْ» موضع من الإعراب، فتكون بمعنى «أي» ، و «تطغوا» مجزوم بها كقوله: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ [ص: 6] ، أي: «امْشُوا» . إلا أن أبا حيان رد هذا القول بأن شرط التفسيرية تقدم جملة متضمنة لمعنى القول، وليست موجودة. قال شهاب الدين: «وإلى كونها مفسرة ذهب مكي، وأبو البقاء، إلا أن أبا البقاء كأنه تنبه للاعتراض، فقال:» وأن - بمعنى أي - والقول مقدر «. فجعل الشيء المفسر ب» أن «مقدراً لا ملفوظاً به، إلا أنه قد يقال إن قوله» والقول مقدر «ليس بجيّد؛ لأنها لا تفسر القول الصريح، فكيف يقدر ما لا يصحّ تفسيره، فإصلاحه أن يقول: وما هو بمعنى القول مقدر» . * فصل في الطغيان في الميزان والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل، قال: الطغيان الجور ومن قال: إنه الميزان الذي يوزن به، قال: طغيانه النّجس. قال ابن عباس: لا تخونوا من وزنتم له. وعنه أيضاً أنه قال: يا معشر الموالي وليتم أمرين بهما هلك الناس: المكيال والميزان. ومن قال: إنه طغيان الحكم، قال: طغيانه التحريف. وقيل: فيه إضمار، أي: وضع الميزان وأمركم ألا تطغوا فيه. فإن قيل: العلم لا شك في كونه نعمة، وأما الميزان فأي نعمة عظيمة فيه حتى يعد بسببها في الآلاء؟ . فالجواب: أن النفوس تأبى الغَبْنَ، ولا يرضى أحد بأن يغلبه غيره، ولو في الشيء اليسير، ويرى أن ذلك استهانة به، فلا يترك خَصْمه يغلبه، ثم إن عند عدم المعيار الذي به تُؤخذ الحقوق، كل أحد يذهب إلى أن خصمه يغلبه، فوضع الله - تعالى - معياراً بين به التَّساوي، ولا يقع به البغضاء بين الناس، وهو الميزان، فهو نعمة كاملة، ولا ينظر إلى عدم ظهور نعمته وكثرته، وسهولة الوصول إليه كالهواء والماء الذي لا يبين فضلهما إلاَّ عند فقدهما. قوله: ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ . أي: افعلوه مستقيماً بالعدل. وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط والعدل. وقال ابن عيينة: الإقامة باليد، والقسط بالقلب. وقال مجاهد: القسط: العدل بالرومية. وقيل: هو كقولك: أقام الصلاة، أي: أتى بها في وقتها، وأقام الناس أسواقهم، أي: أتوا بها لوقتها، أي: لا تدعوا التعامل بالوزن والعدل. قوله: «ولا تُخْسِرُوا» . العامة على ضم التاء وكسر السين، من «أخْسَرَ» أي: نقص، كقوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 3] . وقرأ زيد بن علي، وبلال بن أبي بردة: بفتح التاء وكسر السين، فيكون «فَعِل، وأفْعَل» بمعنى، يقال: خَسِر الميزان، وأخْسَره «بمعنى واحد، نحو: جَبِر وأجْبر» . ونقل أبو الفتح وأبو الفضل عن بلال: فتح التاء والسين، ونقلها أيضاً القرطبي عن أبان بن عثمان، قال: وهما لغتان، يقال: أخسرت الميزان، وخسرته، ك «أجبرته» و «جبرته» . قال شهاب الدين: وفيها وجهان: أحدهما: أنه على حذف حرف الجر، تقديره: «ولا تخسروا في الميزان» ، ذكره الزمخشري وأبو البقاء، إلا أن أبا حيان قال: لا حاجة إلى ذلك؛ لأن «خَسِر» جاء متعدياً، قال تعالى: ﴿خسروا أَنفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: 12] و ﴿خَسِرَ الدنيا والآخرة﴾ [الحج: 11] . قال شهاب الدين: «وهذا أليق من ذاك، ألا ترى أن» خسروا أنفسهم «و» خسر الدنيا والآخرة «معناه: أن الخسران واقع بهما، وأنهما معدومان، وهذا المعنى ليس مراداً في الآية قطعاً، وإنما المراد: لا تخسروا الموزُون في الميزان» . وقرىء: «تَخْسُروا» بفتح التاء وضم السين. قال الزمخشري: «وقرىء:» ولا تَخْسروا» بفتح التاء وضم السين وكسرها وفتحها، يقال: خَسِر الميزان يَخْسُره ويَخْسِره، وأما الفتح فعلى أن الأصل: «في الميزان» فحذف الجار، وأوصل الفعل إليه» . وكرر لفظ «الميزان» ولم يضمره في الجملتين بعده تقوية لشأنه. وهذا كقول الآخر: [الخفيف] 4623 - لا أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا * فصل في معنى الآية المعنى: ولا تنقصوا ولا تبخسوا الوزن والكيل، كقوله: ﴿وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان﴾ [هود: 84] . وقيل: لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، وكرَّر الميزان لحال رُءُوس الآي. وقيل: التكرير للأمر بإيفاء الوزن، ورعاية العدل فيه. وقال ابن الخطيب: ﴿ولا تخسروا الميزان﴾ أي: لا تنقصوا الموزون. وذكر «الميزان» ثلاث مرات، فالأول: بمعنى الآلة، وهو قوله «وَضَعَ المِيزانَ» . والثاني: بمعنى المصدر أي: لا تطغوا في الوزن. والثالث: للمفعول، أي: لا تخسروا الموزون. وبين القرآن و «الميزان» مناسبة، فإن القرآن فيه العلم الذي لا يوجدُ في غيره من الكتب، والميزان به يقام العدل الذي لا يقام بغيره من الآلات. قوله: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ ، كقوله: ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ . قرأ أبو السمال: بالرفع مبتدأ، و «الأنام» علّة للوضع. «الأنام» . قيل: كل الحيوان. وقيل: بنو آدم خاصة، وهو مروي عن ابن عبَّاس نقل النووي في «التهذيب» عن الزبيدي: «الأنام» : الخَلْق، قال: ويجوز الأنيم. وقال الواحدي: قال الليث: «الأنامُ» ما على ظهر الأرض من جميع الخلق. وقيل: هم الإنس والجن. قاله الحسن، والأول قاله الضَّحاك. ووزنه: «فَعَال» ك «قَذَال» فيجمع في القلة على «أنِمّة» بزنة: «امرأة أنمّة» ، وفي الكثرة على «أنْم» ك «قَذَال وأقذلة وقُذْل» . قوله: «فيها فاكهة» يجوز أن تكون هذه الجملة حالاً من «الأرض» إلا أنها حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال. و «فاكهةٌ» رفع بالفاعلية، ونكرت لأن الانتفاع بها دون الانتفاع بما ذكر بعدها، وهو من باب الترقّي من الأدنى إلى الأعلى. قال ابن الخطيب: الأرض موضوعة لكل ما عليها، وإنما خصّ الإنسان بالذِّكْر؛ لأن الانتفاع بها أكثر، فإنه ينتفع بها، وبما فيها، وبما عليها، فقال: «للأنام» لكثرة انتفاع الأنام بها. وقوله: «فِيهَا فَاكِهَةٌ» . أي: ما يتفكّه به الإنسان من ألوان الثمار. قوله: ﴿والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ إشارة إلى الأشجار. و «الأكمام» جمع «كِمّ» - بالكسر - وهو وعاء الثمر. قال الجوهري: و «الكِمُّ» - بالكسر - و «الكِمَامة» : وعاء الطلع، وغطاء النَّوْر، والجمع: «كِمَام» و «أكِمَّة» ، و «الأكاميم» أيضاً، و «كم» الغسيل إذا أشفق عليه، فسُتر حتى يقوى، قال العجاج: [الرجز] 4624 - بَلْ لَوْ شَهِدتَ النَّاسَ إذْ تُكُمُّوا ... غُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا و «تكمّوا» : أي أعمى عليهم وغطّوا. وأكممتُ وكَمَمْت أي: أخرجت كمامها، والكِمَامُ - بالكسر - والكمامة أيضاً: ما يكمّ به فَمُ البعير لئلا يعضّ، تقول منه بعير مكموم أي محجوم، وكممت الشيء: غطّيته، ومنه كُمُّ القميص - بالضم - والجمع: «أكْمَام وكِمَمَة» مثل: جُبّ وجببة. و «الكُمَّةُ» : القَلَنْسُوَة [المدورة] ؛ لأنها تغطي الرأس. قال رَحِمَهُ اللَّهُ: [الطويل] 4625 - فَقُلْتُ لَهُمْ: كِيلُوا بِكُمَّةِ بَعْضِكُمْ ... دَرَاهِمَكُمْ، إنِّي كذلِك أكْيَل قال الحسن: «ذات الأكمام» أي: ذات اللّيف، فإن النخلة قد تكمم بالليف وأكمامها: ليفها الذي في أعناقها. وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتّق. وقال عكرمة: ذات الأحْمَال. وقال الضَّحاك: «ذات الأكمام» : ذات الغلف. والأكمام: الأوعية التي يكون فيها الثمر؛ لأن ثمر النخل يكون في غلاف ما لم يتشقق، والمراد بالفاكهة: الفواكهة. قال ابن كيسان: ما يتفكّهون به من النعم التي لا تُحْصَى، ونكّر الفاكهة للتكثير والتعظيم. قوله: ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ . قرأ ابن عامر: بنصب الثلاثة. وفيه ثلاثة أوجه: النصب على الاختصاص، أي «وأخص الحبَّ» قاله الزمخشري. وفيه نظر، لأنه لم يدخل في مسمى الفاكهة والنخل حتى يخصّه من بينها، وإنما أراد إضمار فعل، وهو «أخص» فليس هو الاختصاص الصّناعي. الثاني: أنه معطوف على «الأرض» . قال مكي: «لأن قوله» والأرض وضعها «أي: خلقها، فعطف» الحب «على ذلك» . الثالث: أنه منصوب ب «خلق» مضمراً، أي «وخلق الحب» . وقال مكي: «أو وخلق الحب» ، وقراءته موافقة لرسم مصاحف بلدهِ، فإن مصاحف «الشام» «ذا» بالألف. وجوزوا في «الرَّيْحَان» أن يكون على حذف مضاف، أي «وذا الريحان» فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، ك ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82] . وقرأ الأخوان برفع الأولين وجرّ «الرَّيْحَان» عطفاً على «العَصْف» وهي تؤيد قول من حذف المضاف في قراءة ابن عامر. والباقون: برفع الثلاثة عطفاً على «فاكهة» أي: وفيها أيضاً هذه الأشياء. ذكر أولاً ما يتلذّذون به من الفواكهة. وثانياً: الشيء الجامع بين التلذّذ والتغذِّي، وهو ثمر النخل. وثالثاً: ما يتغذى به فقط، وهو أعظمها؛ لأنه قوت غالب الناس. ويجوز في «الرَّيْحَان» على هذه القراءة أن يكون معطوفاً على ما قبله، أي: «وفيها الريحان» أيضاً، وأن يكون مجروراً بالإضافة في الأصل، أي: «وذو الريحان» ففعل به ما تقدم. و «العَصْفُ» قال مجاهد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: ورق الشَّجر والزرع. وقال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: تِبْن الزرع وورقه الذي تَعْصِفُه الرياح. قال الراغب: «أصله: من» العَصْفِ والعَصِيفَة «، وهو ما يُعصف، أي: يقطع من الزرع» . وقال سعيد بن جبير: بقل الزرع أي ما ينبت منه، وهو قول الفراء. والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا في «الصِّحاح» وكذا نقله القرطبي. وعصفت الزرع، أي: جَزَرته قبل أن يدرك. وعن ابن عباس أيضاً: العصف: ورق الزرع الأخضر إذا وقع رءوسه ويبس نظيره: ﴿كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ﴾ [الفيل: 8] . قال الجوهري: «وقَدْ أعْصَفَ الزَّرْعُ، ومكانٌ مُعْصفٌ، أي: كثير الزرع» . قال أبو قيس بنُ الأسلت الأنصاريُّ: [السريع] 4626 - إذا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا ... زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ وقيل: «العَصْفُ» : حُطام النبات، والعَصْفُ أيضاً: الكسب. قال الراجز: [الرجز] 4627 - بِغَيْرِ مَا عَصْفٍ ولا اكْتسَابِ ... وكذلك «الاعتصاف والعصيفة» : الورق المجتمع الذي يكون فيه السّنبل. وحكى الثعلبي: وقال ابن السكيت: «تقول العرب لورق الزرع: العَصْف والعَصِيفة، والجِلُّ بكسر الجيم» . قال علقمة بن عبدة: [البسيط] 4628 - تَسْقِي مَذانِبَ قَدْ مَالتْ عَصيفتُهَا ... حُدُورُهَا مِنْ أتِيِّ المَاءِ مَطْمُوم في «الصحاح» : «والجِلّ - بالكسر - قصب الزرع إذا حصد» . والرَّيحان في الأصل مصدر، ثم أطلق على الرزق. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هو الرزق بلغة «حِمْير» ، كقولهم: «سبحان الله وريحانه» أي: استرزاقه. وعن ابن عباس أيضاً والضحاك وقتادة: أنه الريحان الذي يشمّ وهو قول ابن زيد أيضاً. وعن ابن عباس أيضاً: أنه خُضْرة الزرع. وقال سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق. وقال الفراء: «العصفُ» المأكول من الزرع. و «الريحان» ما لا يؤكل. وقال الكلبي العَصْف: الورق الذي لا يؤكل. و «الريحان» : هو الحب المأكول. وقيل: كل فلّة طيبة الريح سميت ريحاناً؛ لأن الإنسان يراح لها رائحة طيبة أي: يشم. وفي «الريحان» قولان: أحدهما: أنه على «فَعْلان» وهو من ذوات «الواو» ، والأصل «رَوْحَان» من الرائحة. قال أبو علي: فأبدلت «الواو» ياء كما أبدلت الياء واواً في «أشاوى» وإنما قلبت الواو ياء للفرق بينه وبين «الرَّوْحَان» وهو كل شيء له روح. قال القرطبي: والثاني: أن يكون أصله «رَيْوَحَان» على وزن «فَيْعَلان» فأبدلت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء، ثم خفف بحذف عين الكلمة، كما قالوا: كَيْنُونة وبَيْنُونَة والأصل تشديد الياء، فخفف كما خفف «هَيْن ولَيْن» . قال مكي: ولزم تخفيفه لطوله بلُحُوق الزيادتين، وهما الألف والنون. ثم ردّ قول الفارسي بأنه: لا موجب لقلبها ياء. ثم قال: «وقال بعض الناس» وذكر ما تقدم عن أبي علي. قال القرطبي: «والأصل فيما يتركب من الراء والواو والحاء: الاهتزاز والحركة» . وفي الصحاح: «والريحان نبات معروف، والرَّيْحَان: الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله» . وفي الحديث: «الولدُ مِنْ رَيْحانِ اللَّهِ» . وقولهم: سُبْحَانَ اللَّهِ ورَيْحَانه «نصبوهما على المصدر، يريدون: تنزيهاً له واسترزاقاً. قوله: ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ فالعَصْفُ: ساق الزرع، والرَّيْحَان: ورقه قاله الفراء. قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 13] ،» فبأي «متعلق ب» تكذبان «. والعامة على إضافة» أي «إلى» الآلاء» . وقرىء في جميع السورة بتنوين «أيّ» . وتخريجها: على أنه قطع» أيًّا «عن الإضافة إلى شيء مقدر، ثم أبدل منه» آلاء ربكما «بدل معرفة من نكرة، وتقدم الكلام في» الآلاء «ومفردها في الأعراف» . والخطاب في «ربكما» قيل: للثقلين من الإنس والجن؛ لأن الأنام تضمنهما، وهو قول الجمهور، ويدل عليه حديث جابر. وفيه: «للْجِنُّ أحْسَنُ مِنْكُم رَدًّا» . وقيل: لما قال: ﴿خَلَقَ الإنسان، وَخَلَقَ الجآن﴾ [الرحمن: 14، 15] . دل ذلك على ما تقدم وما تأخر لهما. وكذا قوله: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان﴾ [الرحمن: 31] خطاب للإنس والجن. وقال أيضاً: ﴿يامعشر الجن والإنس﴾ [الرحمن: 33] . وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يتقدم للجن ذكر. كقوله تعالى: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ [ص: 32] . فقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنهم مكلَّفُون كالإنس، خوطب الجنسان بهذه الآيات. وقيل: الخطاب للذكر والأنثى. وقيل: هو مثنّى مراد به الواحد، كقوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ [ق: 24] . وكقول الحجاج بن يوسف: «يا حرسي اضربا عنقه» ، وكقول امرىء القيس: [الطويل] 4629 - قِفَا نَبكِ ... . ..... ... ... ... ... ... ... و [الطويل] 4630 - خَلِيلَيَّ مُرَّا بِي ... . ..... ... ... ... ... ... . . وقيل: التثنية للتأكيد. وقيل: التكذيب يكون بالقلب، أو باللسان، أو بهما، فالمراد هما. * فصل في آلاء الله تعالى قال ابن زيد: المراد بالآلاء: القدرة، والمعنى: فبأي قدرة ربكما تكذبان، وهو قول الكلبي. واختار محمد بن علي الترمذي، وقال: هذه السورة من بين السور علم القرآن، والعلم: إمام الجند، والجند تتبعه، وإنما صارت علماً؛ لأنها سورة صفة الملك والقدرة، فقال: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ فافتتح السورة باسم الرحمن من بين الأسماء ليعلم العباد أن جميع ما يصفه بعد هذا من أفعاله ومن ملكه وقدرته خرج إليهم من الرحمة، فقال: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ . ثم ذكر الإنسان فقال: «خَلَقَ الإنسان» ثم ذكر ما صنع به، وما من عليه به، ثم ذكر حُسْبَان الشمس والقمر، وسجود الأشياء من نجم وشجر، وذكر رفع السماء، ووضع الميزان وهو العدل، ووضع الأرض للأنام، فخاطب هذين الثقلين: الإنس والجن، حين رأوا ما خرج من القدرة والملك برحمانيته التي رحمهم بها من غير منفعة، ولا حاجة إلى ذلك، فأشركوا به الأوثان، وكل معبود اتخذوه من دونه، وجحدوا الرحمة التي خرجت هذه الأشياء بها إليهم. فقال سائلاً لهم: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، وإنما كان تكذيبهم أنهم جعلوا له في هذه الأشياء التي خرجت من قدرته وملكه شريكاً يملك معه، ويقدر معه، فذلك تكذيبهم، ثم ذكر خلق الإنسان من صلصال، وذكر خلق الجانّ من مارجٍ من نارٍ، ثم سألهم فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: بأي قدرة ربكما تكذبان، فإن له في كل خلق قدرة بعد قدرة، فالتكرير في هذه الآيات للتأكيد، والمبالغة في التقرير، واتخاذ الحجة عليهم بما وقفهم على خلقٍ بعد خلق. وقال القتبي: إن الله - تعالى - عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلّة وصفها ونعمة وضعها في هذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ليبينهم على النعم، ويقررهم بها، كما يقول لمن تتابع فيه إحسانك وهو يكفره وينكره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك، أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك، أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا. قال الشاعر: [مشطور الرجز] 4631 - كَمْ نِعْمَةٍ كَانَتْ لَكُمْ كَمْ كَمْ وكَمْ ... وقال الشاعر رَحِمَهُ اللَّهُ: [البسيط] 4632 - لا تَقْتُلِي مُسْلِماً إن كُنْتِ مُسْلمَةً ... إيَّاكِ من دمِهِ إيَّاكِ إيَّاكِ وقال آخر: [المنسرح] 4633 - لا تَقْطَعَنَّ الصَّديقَ ما طَرَفَتْ ... عَيْنَاكَ من قَوْلِ كَاشحٍ أشِرِ ولا تَمَلَّنَّ مِنْ زيَارتِهِ ... زُرْهُ وَزُرْهُ وَزُرْ وَزُرْ وَزُرِ وقال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجَّة. قال شهاب الدين: والتكرير - هاهنا - كما تقدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: 17] ، وكقوله فيما سيأتي: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 45] . وذهب جماعة منهم ابن قتيبة: إلى أن التكرير لاختلاف النِّعم، فلذلك كرر للتوقيف مع كل واحدة. قال ابن الخطيب: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الالتفات، والمراد به التقريع والزَّجْر، وذكر لفظ الرب؛ لأنه يشعر بالرحمة. قال: «وكررت هذه اللفظة في هذه السورة نيفاً وثلاثين مرة إما للتأكيد، ولا يعقل بخصوص العدد معنى. وقيل: الخطاب مع الإنس والجن، والنعمة منحصرة في دفع المكروه، وتحصيل المقصود، وأعظم المكروهات عذاب جهنم، و ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: 44] ، وأعظم المقاصد: نعيم الجنة، ولها ثمانية أبواب، فالمجموع خمسة عشر، وذلك بالنسبة للجن والإنس ثلاثون، والزائد لبيان التأكيد» . روى جابر بن عبد الله، قال: «قرأ علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سورة» الرحمن «حتى ختمها، ثم قال:» مَا لِي أراكُمْ سُكُوتاً؟ للجِنُّ كانُوا أحسنَ مِنكُم رَدًّا؛ ما قرأتُ عليهمِ هذهِ الآية مرَّة: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: ولا بِشيءٍ من رحْمَتِكَ ربَّنا نكذِّبُ، فلكَ الحمد» .
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.